منسف ثريد اللّحم، طبخ عربي أساسه الكبسه وبيتميز عنها باستخدام اللبن الخاثر.
المكوّنات الأساسية للكبسه هي البرغل والسمن واللحم، غالباً لحم الضأن، وتسمية الكبسه اجت أساساً من فعل الكبس أثناء طبخها، كانت تنكبس كلّ المكوّنات مع بعضها داخل جرّه من الفخار وتنطبخ على النار. الفخاره نفسها يلي منسميها اليوم طاجين أو طاجن أو طاگ أو طاء.

بعد فتح جرّة الفخار بتنسكب محتوياتها على طبقات من خبز التنّور (التندور) الريفي.
بعدما تعرّفت العرب على اللّبن الخاثر أضيف للكبسه وصار اسمها منسف، من فعل النسف ربما، بمعنى تحويل مجلس الرجال إلى جلسة منسوفة بسبب اضطجاع الجميع للهضم بعد ملئ البطن. لكن بقاموس مختار الصحيح منقرأ “نسف الطعام نفضه والمِنْسَفُ بالكسر ما يُنسف به الطعام وهو شيء منصوب الصَّدر أَعلاه مُرتفع و النَّسَافَةُ بالضم ما سقط منه. وفي معجم تاج العروس نقرأ أن الإناء المنسوف هو الإناء الفائض، هالحكي معناه إن المنسف هو الطبق المنسوف بالطعام يعني الممتلئ.

بقول جوزيف مسعد بكتابه Colonial Effects إن العرب ما عرفوا الجميد قبل القرن العشرين، وإنو تقنية تحويل اللبن الخاثر لجميد تم تطويرها بعد الاحتلال البريطاني للمنطقة. جوزيف مسعد فلسطيني-أردني، أستاذ التاريخ الثقافي بجامعة كولمبيا بنيويورك الأميركية.
من جهتي ما بتفق مع رأي الأستاذ مسعد، كون تقنية صناعة الجميد ما بتحتاج آلات، إنما بتصير من خلال خضّ اللبن الخاثر داخل سكوات من جلد الماعز لاستخلاص الشنينه وتسخينها تالياً لتخثيرها ثمّ تكويرها مع الملح لصناعة كرات الجميد. هالطريقة حتماً قديمة جداً بالمنطقة العربية ومن عمر الخاثر ربما.
الجميد معروف بالأسماء: الأقط في السعودية والجثي في العراق والگثي في حوران وكشك في إيران وقروت في أوزبكستان ووسط آسيا. بينعمل من لبن الغنم أو الماعز أساساً لكن صارت المنطقة العربية تصنعه من حليب البقر، ومنطقة وسط آسيا تصنعه من حليب الخيل إلى جانب حليب الغنم.

خلال القرن ١٩ استبدلت بعض العرب البرغل بالأرز الأبيض القادم مع شركة الهند الشرقية من الهند والصين، وانتشر رويداً رويداً ليصير أحد المكوّنات الأساسية للمنسف والكبسة مكان البرغل.
بمنطقة بلاد الشام والسعودية بتعرف العرب، إلى جانب لحم الضأن، استخدام لحم السمك والدجاج والجمل بالمنسف والكبسة، على السواء، وبعض الناس بتفضّل تعمل كبسة وتاكل معها لبن خاثر عادي وبارد، بدلاً عن طريقة تحضير الثريد، وبديلاً عن الجميد.
بمنطقة أوزبكستان ووسط آسيا بتعرف الترك، إلى جانب لحم الضأن، استخدام لحم الخيل والبقر بالمنسف والكبسة، وكذلك الخضار متل الجزر والفليفلة، وبديلاً عن اللبن الخاثر (القروت) بيستخدموا أهالي منطقة قشقداريا جنوب أوزبكستان فقط القطر مع المنسف، وبينطبخ حتماً مع الأرز كون البرغل غير متوفّر بوسط آسيا.
ولاية قشقداريا Qashqadaryo عاصمتها قرشي، واستوطنت فيها عدد من القبائل العدنانية واليمانية من ١٤٠٠ سنة وبالأخص بمدينة كاسان Koson. والمنطقة لليوم بتحافظ على تقاليد أكل المنسف باليد، مش بالملعقة.
اليوم، الأردن بتعتبر المنسف هو الطبق الوطني وحقيقةً الشعب الأردني محب للمنسف وبيطبخه كتير، وبتشتهر منطقة الكرك بصناعة وتصدير الجميد الكركي الشهير على مستوى الشرق الأوسط والعالم.

في اللّبن
في التراث العربي القديم، عرفت الناس اللّبن المروّب (الحليب الرائب) باسمين: اللّبن الفارسي والخاثر، وهي أنواع مختلفة من منتجات الألبان، وهذه الأسماء واردة في كتب الطبخ المنشورة في عهد الدولة العبّاسية في العراق، في الفترة ما بين القرنين 10 – 14:
اللّبن الفارسي هو ما نعرفه اليوم باللّبن الزبادي أو الروب أو اللّبن في الشام. وكلمة فارسي في تسميته تشير إلى مدينة شيراز التي كانت تسمى “مدينة فارس” في قرون الإسلام الأولى. ويُصنع اللّبن الفارسي عن طريق تخمير اللّبن الطازج (الحليب) ببكتيريا معيّنة تُسمى بكتيريا اللّبن الحامضة. ومن أنواع هذه البكتيريا: Lactobacillus bulgaricus و Streptococcus thermophilus و Lactobacillus acidophilus وBifidobacterium. والزبادي أو اللّبن الفارسي له نكهة حامضة خفيفة ويحتوي على قوام كريمي.

الخاثر هو لبن رائب، يعني يتم تخمير اللّبن (الحليب) حتى يصبح حامضاً ويفصل الصلب عن السائل. الخاثر هو في الأساس اللبن الذي تم تخميره لفترة أطول من الزبادي، وعادة ما يكون أكثر حموضة في النكهة. الجميد، مثلاً، يتم صنعه من الخاثر عن طريق تجفيفه وتكويره. وتحضير الخاثر يعتمد على نفس بكتيريا اللّبن الفارسي، حين تتسبّب هذه البكتيريا بتحلّل السكّر في اللّبن (اللّاكتوز) إلى حمض اللّبنيك.

اليوم، يُعرف اللّبن الفارسي بأسماء مختلفة، في سوريا مثلاً هو اللّبن (فقط) وفي مصر هو الزبادي وفي تركيا هو اليوغورت، أمّا بالإنگليزية، فهو Yogurt أو Fermented Milk.
الخاثر لم يزل هو الخاثر في أغلب الثقافات العربية المعاصرة، وقد تختلف التسمية في بعض المناطق، مثل منطقة الفرات مثلاً. وفي اللّغة الإنگليزية، تتنوّع تسمياته ما بين Curdled Milk أو Soured Milk، وفي بعض المجتمعات buttermilk أو buttermilk cultured.
أمّا ما يسمّيه بعض عرب اليوم باللّبن اليوناني فهو ما يُطلق عليه في كلّ مكان آخر Greek Yogurt، وهو الزبادي، اللّبن الفارسي نفسه، بعد أن عولج لإزالة صفيحة المصل، ممّا يؤدي إلى تكثيف القوام وزيادة البروتين.
المراجع
- أبو حليمة, ع. (1991). “المطبخ العربي”. دار الكتب العلمية, بيروت.
- حمودة, ف. (2006). “المنسف الأردني: تاريخه وأصوله”. عمان: دار اليازوري العلمية.
- العثمان, ع. (2005). “المأكولات الشعبية الخليجية”. الدمام: دار الخليج.
- القاسم, س. (1999). “الأكلات الشعبية في السعودية”. الرياض: دار الجزيرة.
- مسعد, ج. (2005). “Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan”. New York: Columbia University Press.
- البصطة, ت. (2002). “المطبخ الأوزبكي”. تاشكنت: دار الفكر.
- قشقداريا, د. (2003). “المطبخ القديم في قشقداريا”. قرشي: دار الثقافة.
- Tamime, A. Y. (2008). “Fermented Milks”. Blackwell Publishing Ltd.
- Farnworth, E. R. (2005). “Handbook of Fermented Functional Foods”. CRC Press.
- Robinson, R. K. (2002). “Dairy Microbiology Handbook: The Microbiology of Milk and Milk Products”. Wiley.
- Tamime, A. Y., & Robinson, R. K. (1999). “Yoghurt: Science and Technology”. Woodhead Publishing.





اترك رد