من كلّ ما قرأته ودرسته حتّى اليوم يبدو لي أنّ الفنيقيّين ما كانوا أحد شعوب العرب أو صنفاً من العرب، إنّما يبدو أنّ الفنيقيّين هم كلّ العرب، وتسمية فنيقي كانت الاسم الذي سبق شيوع كلمة عربي. لا أكثر.

في الواقع، لا نجد كلمة فنيقي سوى في الآداب الإغريقية القديمة، والتي لطالما وصفت أهل المناطق العربية من شرق المتوسّط التي وقعت تحت حكم الإغريق الغربيّين. لكن، إذا عدنا إلى التسميات التي أطلقها أولاء الفنيقيّون على أنفسهم نجدها ذاتها متكرّرة في مناطق عدّة ممّا نعرفه اليوم بالعالم العربي.
أطلق الفنيقيّون على أنفسهم تسمية پونت أي الپون (الفُن)، وكتبنها بحرفين پ+ت (𐤐𐤕) وأطلقوا على جموعهم تسمية پونِّيم 𐤐𐤍𐤉𐤌 أي الپونيّين (الفُنيّين).
في الأبجدية الفنيقية:
- اسم حرف 𐤐 هو پا (پيه)، ومعناه فم. ويقابله في العربية المعاصرة ف. (صوت ا الفنيقي ألف مائلة نحو الياء ē). تشبه بصوتها الألف الإدلبية والحلبية واللبنانية.
- اسم حرف 𐤕 هو تاو tāw، ومعناه علامة. ويقابله في العربية المعاصرة ت ث.
ونجد عبر التاريخ ممالك شتّى في غرب آسيا وشرق وشمال أفريقيا اتّخذت لنفسها تسمية بلاد الپونت. في اليمن وعُمان والصومال والسودان وموزامبيق وتونس والجزائر والمغرب وإسپانيا وكذلك في تركيا.
والتسمية هذه “پونت” أضاف لها المقدونيّين لاحقة النسبة المقدونية فصارت پونيگوس φοίνῑκος، ويبدو أنّها تحوّرت لاحقاً في الإغريقية فصارت فونيقي Φοινίκη Phoiníkē. إذ أنّ الحرف پ φ المقدوني تحوّل في الإغريقية إلى حرف پف Φ ثمّ صار بذاته ف مجرّدة. فصارت؛ مع الزمن، كلّ الكلمات التي تبدأ بصوت پ تبدأ بصوت ف.
أمّا في اللاتينيّة فلم تختلف الكلمة كثيراً عن التسمية الأهليّة الأصليّة پون، إذ أضاف لها اللاتينيّين لاحقة النسبة اللاتينية حتى صارت پونُس Poenus و Punus. ولمّا ترجم اللاتينيّين كتابات الإغريقي ترجموا Φοινίκη إلى پونيگُس Punicus.
أطلق الفنيقيّون على ممالكهم تسمية عَفريٌ (عَپريُّن) 𐤏𐤐𐤓𐤉، ونجدها متكرّرة سواء في بلاد الپونت الشرقية أو الغربية. وأطلقوا على المواطِن في هذه المملكة تسمية عَفَري (عپري)، وجمعنها بصيغة عَفر (عَپر) 𐤏𐤐𐤓. أضاف اللاتينيّون إلى تسمية عَفَري أداة النسبة فصارت عفريقة وتحوّلوا بلفظها إلى أفريقة، وعن هذه التسمية أطلق الرومان على الإمبراطوريّة القرطاجيّة تسمية أفريگه (أفريجة) وعنها نشأت تسمية القارة كلّها أفريقا Africa.
في الأبجدية الفنيقية:
- اسم حرف 𐤏 هو عَيْن، ومعناه عين. ويقابله في العربية المعاصرة ع. وكان الفنيقيّون من الشعوب التي تقلب صوت ع إلى ء، تماماً كأهل غرب تهامة اليمنية اليوم (محافظة الحديدة وغرب محافظة حجة) وغيرهم من بعض العرب.
- اسم حرف 𐤐 هو پا (پيه)، ومعناه فم. ويقابله في العربية المعاصرة ف. (صوت ا الفنيقي ألف مائلة ē).
- اسم حرف 𐤓 هو راس (راش)، ومعناه رأس. ويقابله في العربية المعاصرة ر. (صوت ا الفنيقي ألف مائلة نحو الياء ē).
- اسم حرف 𐤉 هو يود، ومعناه يد. ويقابله في العربية المعاصرة ي. (صوت و الفنيقي ألف مائلة نحو الواو o كما الألف السريانية) وهذا الحرف يقابل التنوين العربي المعاصر إذا ورد في آخر الكلمات الفنيقية.
التسمية الفنيقية لمواطنيها عَفر (عَپر) 𐤏𐤐𐤓 نجدها ذاتها تماماً واردة في البابلية (الآرامية) وقبلها في الأگّدية بصيغة عبر وعبرات والفرد منها عبري. وعلى هذا فلا فرق ما بين الأگّديّين والفنيقيّين والآراميّين. هم جميعاً شعب واحد تطوّرت لهجاته على مرّ خمس آلاف سنة. نحن من أطلقنا اليوم عليهم أگّديّين وفنيقيّين وآراميّين ولم يستعملوا هذه التسميات على أنفسهم. إنّما اتّكلنا على أسماء عواصمهم أو دولهم أو تسميات توراتية مشوّهة عبر الترجمات المتلاحقة حتّى ما عادت تطابق الواقع الآثاري.
وهنا نلاحظ كذلك أنّ تسمية عبري ولغة عبرية وكتابة عبرية، ليست أكثر من إشارة إلى العرب ولغتهم بواحدة من اللّهجات العربية وكتاباتهم، التي هي في الأصل كتابة عربية بابلية.
العرب قديماً هم الفنيقيّون نفسهم، والفنيقيّون عرب قدامى، وأكاد أقول هم العرب العاربة القديمة. مَن انتشروا بدولهم من خرسان حتّى المغرب، ومن تركيا وكلّ المتوسّط حتى موزامبيق.
مراجع ومصادر
- “The Phoenicians” بقلم Glenn E. Markoe.
- “The Phoenicians and the West: Politics, Colonies and Trade” بقلم Maria Eugenia Aubet.
- “Phoenicians: Lebanon’s Epic Heritage” بقلم Sanford Holst.
- “Ancient Phoenicia: An Introduction” بقلم Mark Woolmer.
- “Carthage Must Be Destroyed: The Rise and Fall of an Ancient Civilization” بقلم Richard Miles.
- “The Canaanites and Their Land: The Tradition of the Canaanites” بقلم Niels Peter Lemche.
- “A History of the Phoenician People” بقلم Sabatino Moscati.
- “The Search for the Phoenicians” بقلم Josephine Quinn.
- “The Phoenicians: The Purple Empire of the Ancient World” بقلم Gerhard Herm.
- “Phoenicia: History of a Civilization” بقلم George Rawlinson.





اترك رداً على قبيلة جيس العربية، إحدى أنسال الفنيقيّين الباقية إلى اليوم – مدوّنة البخاريإلغاء الرد