استمرّت هجرات الإنسان من شمال شرق آسيا إلى شمال غرب أمريكا الشماليّة عبر مضيق بيرنگ آلاف السنين، فنشأ تنوّع بشريّ غنيّ في القارّة الجديدة. واستقبلت أرض أمريكا الشماليّة موجات بشريّة متتالية حملت معها تراثها وعاداتها ومعتقداتها الدينيّة وأساليب حياتها المختلفة، وتشابهت معتقدات المهاجرين الأوائل مع معتقدات شعوب شمال شرق آسيا الشامانيّة، فآمنوا بقوى الطبيعة وأرواح الأسلاف.
وسكنت الموجات البشريّة المختلفة سواحل المحيط الهادئ والبحيرات الكبرى والسهول الخصبة والجبال والصحاري، وتطوّرت أساليب حياتهم على مدى عشرة آلاف سنة، فظهرت الزراعة وتربية الحيوانات والتجارة بين المجتمعات المختلفة، وأسّست كلّ مجموعة بشريّة مجتمعها الخاصّ، فنشأت لغات وتقاليد ونظم اجتماعيّة متعدّدة، ونجحت المجموعات البشريّة المختلفة في بناء تراث متميّز في القارّة الجديدة، فتركت آثارها على الأرض وفي التاريخ.
سكن قارّة أميركا الشمالية سكّانها الأوائل الذين وصلنها عبر ممر أرضي كان بمضيق بيرنگ بشمال شرق سيبيريا منذ عشرة آلاف سنة، قبل أنحسار العصر الجليدي الأخير. واستوطننّها منذ آلاف السنين قبل أن يستعمرهم الأورپيّون في القرن 15 الميلادي. وكان هذا الممر وقتها يربط شمال غرب أمريكا الشمالية بشمال شرق آسيا، وكان أغلب الأميركيّين الأصليّين حينذاك على ديانة شامانية من التي كانت تنتشر بين الشعوب التركيّة والمونگولية وعموم الطورانية في آسيا وأوروپا، قبل التنگرية والبوذية والمسيحيّة المانوية والإسلام.
واستطاع السكّان الأوائل تسخير المصادر الطبيعية وتأقلموا مع المناخ والأرض التي كانوا يعيشون بها. وخلال آلاف السنين أقاموا لهم ثقافاتهم وحضارتهم في شمال شرق القارّة. فاستعملوا أخشاب الغابات في بناء بيوتهم وصنع قواربهم (الكانو) وآلاتهم الخشبيّة. وفي جنوب غرب الصحراء زرعوا الذرة وبنوا بيوتهم من طابقين من الطوب اللّبن أو المجفّف في الشمس.

ظهرت في أمريكا الشمالية حضارة النحاس وحضارة الصيادين، في البر والبحر، ولا سيما حول البحيرات الكبرى في كندا والولايات المتحدة الأمريكية. وكانوا يصنعون آلاتهم من النحاس بطرقه ساخناً أو بارداً. وفي المنطقة القطبية الشمالية مارسوا صيد الأسماك والحيوانات.
من بين مئات الجماعات التي عاشت من الأميركيّين، كان لكلّ مجموعة نظامها العشائري والسياسي ونموذج الملابس والأطعمة واللّغة والفنون ونماذج موسيقيّة ومعتقداتها الفلسفيّة والدينيّة الخاصّة. وكانت لهم سمات ثقافية تشبه ما هو موجود في مجتمعات أخرى في العالم القديم من بينها الارتباط بالأرض التي يعيشون فيها. ولما وصل كريستوفر كولمبوس أرضهم عام 1492م، كان عددهم يقدّر ما بين 40 إلى 90 مليوناً، أبادتهم لاحقاً الأمراض الأوروپية، وحرب الإبادة التي مورست عليهم لاحقاً في كندا والولايات المتّحدة الأميركيّة.
وتقسّم حضارة أمريكا الشمالية وشمال المكسيك إلى حضارات جنوب شرق وشمال شرق وجنوب غرب وكاليفورنيا والحوض الكبير. وكان سكان شمال أمريكا يعتقدون أنّهم جزء من العالمين الروحي والطبيعي. وكانت أعيادهم مرتبطة بمواسم الحصاد والزراعة. وكانوا يمارسون الرسم الملوّن على الرمل باستخدام المساحيق الطبيعيّة الملوّنة. وكانت نساء قبائل بيبلو تصنع الفخّار المصقول من الطمي وتلوّنه بالزخارف الهندسيّة.
واشتهر أميركيو جنوب غرب القارّة الشمالية بصنع السلال. وكان أميركيو كاليفورنيا مشهورين بصنع المشغولات من الحجر وقرون الحيوانات والأصداف والخشب والسيراميك. وكانوا ينسجون ملابسهم من الأعشاب ولحاء الشجر والجذور النباتية وسيقان الغاب. وصنعوا الحصر والأواني. وكان الجاموس الوحشي له أهميّته بالنسبة للأميركيّين. لأنّهم كانوا يصنعون من جلوده الخيام والسروج والسياط والأوعية والملابس والقوارب. وكانوا يصنعون من عظامه السهام وأسنّة الرماح والحراب والأمشاط والخناجر وإبر الخياطة. ويصنعون من قرونه الأبواق والأكواب ومن حوافره الغراء.
ولم يستأنس الأميركيّون الأصليّون الجاموس الوحشي كما فعل الإنسان البدائي في آسيا وأفريقيا لأنّه كان متوفرا. وكانوا يصطادنه بالسهام ويتعقّبون آثار قطعانه عندما كانت ترعى في مراعيها أو تقترب لمصادر المياه لتشرب منها. لهذا أجادوا علم القيافة واقتفاء الأثر. وكانوا يعرفون اسم القبيلة من أثرها ويحصون عدد أفرادها ووجهتهم ولاسيّما بعد إغارتهم عليهم. لهذا كانوا يحدّدون أقصر الطرق للّحاق بهم وأسرعها لتعقّبهم واللّحاق بهم والانتقام منهم. ولم يسلم سكّان المدن من غارات الرعاة، فكانوا يحرقنها ويدمّرنها. وكان الأميركيّون الآباچ يتّجهون من الشمال الأمريكي إلى الجنوب حيث ممالك المايا والتولتك، ليخرّبنها ويحرقنها. وكانوا يجيدون الكرّ والفرّ في القتال.
وكانت أعراف وتقاليد القبائل الأميركية تشبه ما كان سائدا في القبائل الرعوية الرُحّل في بقية العالم القديم. وكانت هذه الأعراف شفاهية. فمن كان يستجير بقبيلة أجارته حتى ولو كان عدوا لها وتركته لحال سبيله. ولا يقتل الأطفال أو النسوة في أثناء القتال، ولا يتقاتلون بالليل.
وعاش الإنسان الأوّل في أمريكا الشمالية في الكهوف في أثناء العصر الحجري. وكان يزخرفها بصوره وصور الحيوانات. وكان يجلخ بالحجر لصنع حرابه ويصقل به سكاكينه وسهامه. وكان يصنع بيديه الفخار. وظهرت في أمريكا الشمالية حضارة بوبلو التي نسجت القطن وأقامت البيوت من عدة غرف من بينها غرفة تحت الأرض ليمارس فيها الشعائر الدينية، قبل وصول الإنسان الآسيوي من الغرب.
امتدّ تأثير السكان الأصليّين في أميركا الشمالية على مساحات شاسعة من الأراضي المختلفة بتضاريسها ومناخاتها. وطوّروا مهاراتهم في التكيّف مع كل منطقة سكنوا فيها، فبرعوا في استغلال موارد البيئة المحيطة بهم واستخراج المعادن وصناعة الأدوات. وأبدعوا في صهر النحاس وتشكيله على البارد والساخن، وصنعوا منه أدواتهم اليوميّة وأسلحتهم للصيد والدفاع.
برزت قدراتهم الفنيّة في صناعة الفخّار المزخرف بالنقوش الهندسيّة الدقيقة، وتميّزت نساء پيبلو بمهارتهن في صقل الطين وتلوينه بأنماط متقنة. وتفنّنوا في نسج السلال بأشكال متنوّعة، واستخدموا المواد الطبيعيّة المتوفّرة في محيطهم مثل الأعشاب ولحاء الأشجار والجذور لصنع ملابسهم وأدواتهم المنزليّة.
تركت الحياة الروحيّة أثراً عميقاً في تراثهم وممارساتهم اليوميّة. إذ ارتبطت احتفالاتهم بدورة الطبيعة ومواسم الزراعة والحصاد. عبّروا عن هذا الارتباط الروحي من طريق الرسوم الرمليّة الملوّنة التي أبدعوها باستخدام المساحيق الطبيعيّة، وخصّصوا غرفاً تحت الأرض لممارسة شعائرهم الدينيّة.
طوّرت القبائل الأميركيّة نظاماً اجتماعيّاً متكاملاً يشبه أنظمة قبائل الظعن الرعويّة في العالم القديم. إذ التزمت بأعراف محدّدة في الحروب والنزاعات، منعت قتل النساء والأطفال، واحترمت حقّ الاستجارة. وبرع المحاربون في فنون القتال والكرّ والفرّ، وأتقنوا مهارات تتبّع الآثار وتحديد هويّة القبائل بواسطة بصماتها على الأرض.
استفادوا من الجاموس الوحشي في جميع مناحي حياتهم. صنعوا من جلوده الخيام والملابس والقوارب، واستخدموا عظامه في صنع الأسلحة والأدوات المنزليّة. تخصّصوا في صناعة المشغولات اليدويّة من مواد متنوّعة كالحجر وقرون الحيوانات والأصداف والخشب والسيراميك، ممّا يدلّ على براعتهم في استغلال كل ما توفّره البيئة المحيطة.
عاش السكّان الأصليّون في أميركا الشمالية ضمن عائلات ممتدّة تضمّ عدّة أجيال، فشكّلوا مجتمعات متماسكة تقوم على التعاون والتكافل. ونظّموا حياتهم الاجتماعيّة بعناية، فوزّعوا المهام والمسؤوليات بين أفراد العائلة الواحدة، وأسّسوا نظاماً تربويّاً يعتمد على نقل المعرفة والخبرات من جيل إلى آخر. وخصّصت النساء وقتهنّ لتعليم البنات فنون النسيج وصناعة الفخّار وحفظ الطعام، في حين درّب الرجال الصبية على مهارات الصيد والقتال وصناعة الأسلحة.
تميّزت المجتمعات الأصليّة بتراثها الشفهي الغنيّ، فتناقلت الأجيال القصص والأساطير والحكايات عبر الرواة المهرة. وسجّلت هذه القصص تاريخ القبائل وأمجادها وبطولاتها، وحملت في طيّاتها الحكمة والمعرفة والقيم الأخلاقيّة. وأبدع الرواة في تقديم قصصهم باستخدام الإيماءات والحركات والأصوات المختلفة، فأضفوا عليها حيويّة وتشويقاً جعلها تعلق في ذاكرة المستمعين.
طوّرت القبائل الأميركيّة نظاماً طبّيّاً متكاملاً يعتمد على الأعشاب والنباتات الطبيّة. إذ عرف المعالجون خصائص مئات النباتات وطرق استخدامها في علاج الأمراض المختلفة. وجمعوا الأعشاب في مواسم محدّدة وجفّفوها وخزّنوها بطرق خاصّة تحفظ فعّاليتها. وصنعوا منها المراهم والمستخلصات والمشروبات العلاجيّة، ونجحوا في معالجة الكثير من الأمراض والإصابات.
أنتج السكّان الأصليّون فنوناً متنوّعة تعكس تراثهم وتقاليدهم. ونحتوا التماثيل من الخشب والحجر، ورسموا على جدران الكهوف مشاهد من حياتهم اليوميّة. وصنعوا الأقنعة الخشبيّة المزخرفة بالألوان الزاهية واستخدموها في شعائرهم واحتفالاتهم. طوّروا موسيقاهم الخاصّة باستخدام الطبول والمزامير المصنوعة من القصب، وابتكروا رقصات تعبّر عن علاقتهم بالطبيعة والكون.
برع صيّادو المناطق الساحليّة في صناعة القوارب وشباك الصيد. صنعوا قواربهم من جذوع الأشجار الضخمة، ونحتوها بمهارة لتناسب الإبحار في المياه العميقة. ضفروا شباكهم من ألياف النباتات القويّة، وابتكروا أساليب متطوّرة لصيد الأسماك في مختلف الظروف المناخيّة. اصطادوا الحيتان والفقمات باستخدام الرماح والحراب المصنوعة بدقّة وإتقان.
برهن السكّان الأصليّون في أمريكا الشماليّة على قدرتهم الفائقة في التكيّف مع بيئتهم وتطوير أساليب حياتهم، فأسّسوا مجتمعات مزدهرة تتشارك المسؤوليّة والمعرفة، وطوّروا مهارات متنوّعة في الفنون والحرف اليدويّة والصناعات المختلفة، ونجحوا في تأسيس أنظمة اجتماعيّة متوازنة تحترم الطبيعة والإنسان، وحافظوا على تراثهم وتقاليدهم عبر الأجيال، وأورثوا العالم تجربة فريدة في العيش المتناغم مع الطبيعة والمجتمع، فأضافوا للتاريخ البشريّ صفحات مشرقة تستحقّ الدراسة والتقدير. وعكست حياة السكّان الأصليّين في أمريكا الشماليّة نموذجاً متوازناً في علاقة الإنسان بمحيطه، فاستخدموا موارد الطبيعة باحترام وحكمة، وطوّروا مهاراتهم في استثمار كلّ ما أتاحته لهم بيئتهم، وحافظوا على تجديد مواردها ليضمنوا استمرارها للأجيال القادمة، وتركوا للعالم درساً في التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة، فلم يستنزفوا مواردها ولم يخرّبوا توازنها.
المراجع
- Sutton, Mark Q. (2021). Introduction to Native North America. 5th Edition. Routledge.
- Snow, Dean R. (2019). The Archaeology of Native North America. 2nd Edition. Routledge.
- Kehoe, Alice Beck. (2016). North American Indians: A Comprehensive Account. 4th Edition. Routledge.
- Clark, Ella E. (2003). Indian Legends of the Pacific Northwest. University of California Press.
- Oswalt, Wendell H. (2009). This Land Was Theirs: A Study of Native North Americans. 9th Edition. Oxford University Press.
- Nabokov, Peter & Easton, Robert. (1989). Native American Architecture. Oxford University Press.
- Calloway, Colin G. (2019). First Peoples: A Documentary Survey of American Indian History. 6th Edition. Bedford/St. Martin’s.





اترك رد