تُشكّل دراسة تاريخ النباتات المستأنسة ركناً أساسياً لفهم مسيرة الحضارات الإنسانية، إذ أنّ تطويع الإنسان للنباتات وتحويلها من حالتها البرّية إلى المزروعة يمثّل واحدةً من أعظم الإنجازات التي صاغت التاريخ البشري. وبين هذه النباتات جميعاً، يحتلّ الكاكاو مكانةً فريدةً لا تقتصر على قيمته الاقتصادية وحدها، بل تتعدّاها إلى أبعاد اجتماعية ورمزية عميقة عبر القارة الأميركية. غير أنّ الفهم الدقيق لأصول هذا النبات المميّز ظلّ محاطاً بالغموض والافتراضات لعقود طويلة، إلى أن جاءت الاكتشافات الحديثة في حوض الأمازون لتنير دروباً جديدةً في هذا الميدان العلمي الواسع.
يكتسب البحث في أصول الكاكاو القديم أهمّيته من عدّة جوانب متداخلة. فمن الناحية العلمية، يسلّط الضوء على قدرات مجتمعات الأمازون القديمة في تطوير أنظمة زراعية متقدّمة، ويكشف عن شبكات تبادل معقّدة امتدّت عبر مسافات شاسعة ربطت بيئات متباينة. ومن الناحية المنهجية، يُظهر كيف يمكن للتقنيات العلمية الحديثة أن تعيد كتابة السرديّات التاريخية المستقرّة وتطرح أسئلةً جديدةً حول ماضينا البعيد. أمّا من الناحية الإنسانية، فيعيد الاعتبار إلى إسهامات الشعوب الأصلية ومعارفها المتراكمة عبر آلاف السنين، ويؤكّد على استمرارية الممارسات القديمة في الحياة المعاصرة.

مقدّمة
أفضت البحوث الأثرية الأخيرة في جنوب شرق إكوادور إلى إعادة رسم خريطة أصول الكاكاو بصورة جذرية، فكشفت عن أقدم دليل موثّق على استخدامه في القارّتين الأميركيتين. يعود هذا الاستخدام إلى نحو خمسة آلاف وثلاثمئة سنة خلت، وهو ما يسبق الأدلّة المعروفة من أميركا الوسطى بما يقارب ألفاً وخمسمئة سنة كاملة. وتنقل هذه الاكتشافات مهد الكاكاو الأوّل من أميركا الوسطى إلى حوض الأمازون العلوي في إكوادور، مُسقطةً بذلك النظريات السائدة منذ عقود.
استندت هذه النتائج إلى أدلّة علمية متنوّعة ومتقاطعة استُخرجت من موقع سانتا آنا-لا فلورِيدا الأثري، المرتبط بمُجتمع مايو-چينچيپي القديم. إذ أسفر التحليل الكيميائي عن رصد بقايا الثيوبرومين والكافيين في أوانٍ خزفية وأدوات حجرية، في حين كشف فحص الحمض النووي القديم عن شظايا جينية مميّزة لأنواع الكاكاو المستأنسة. وأظهر تحليل حبوب النشا وجود بصمات الكاكاو المستأنس بوضوح لا يدع مجالاً للشكّ. وتجتمع هذه الخيوط الثلاثة لترسم صورةً متكاملةً عن استخدام الكاكاو في مجتمع زراعي متقدّم عاش في أعماق الأمازون منذ أزمنة سحيقة.
تتجاوز دلالات هذا الكشف حدود إعادة ضبط التواريخ، إذ تُلقي ضوءاً ساطعاً على دور المجتمعات الأمازونية في تطوير الزراعة، وتُبرز شبكات التجارة القديمة التي وصلت بين الأمازون والجبال الأندية والساحل الپاسيفيكي. كما تطرح تساؤلات جديدةً حول كيفية انتشار الكاكاو من الأمازون إلى أميركا الوسطى، وحول التحوّلات التي طرأت على استخداماته ودلالاته الاجتماعية عبر مختلف الحضارات.

موقع سانتا آنا-لا فلورِيدا ومجتمع مايو-چينچيپي
يقبع موقع سانتا آنا-لا فلورِيدا الأثري في مقاطعة سامورا-چينچيپي بجنوب شرق إكوادور، محتضناً بقايا مجتمع مايو-چينچيپي الذي عاش في الفترة الممتدّة بين نحو خمسة آلاف وخمسمئة وألف وسبعمئة سنة قبل الميلاد. امتدّت رقعة هذا المجتمع من حديقة پودوكاربوس الوطنية في إكوادور حتى التقاء نهر مارانيون في پيرو، مُشكّلةً واحدةً من أقدم المجتمعات المنظّمة في منطقة الأمازون الغربية.
يكشف الموقع عن تخطيط معماري يُظهر مهارةً فائقةً في التنظيم المكاني والبناء. إذ اشتمل على مجمّع احتفالي ضمّ نحو عشرين دائرةً حجريةً، بلغ قطر الواحدة منها أربعين قدماً. واحتوى كذلك على ساحة منخفضة ومنصّة احتفالية واسعة تُشرف على النهر المتدفّق بجانبه. وتميّزت العمارة ببنى حجرية حلزونية الشكل ترتفع من القواعد، يُعتقد أنّها تجسّد مفاهيم مقدّسة تتّصل بالحركة بين عوالم الوجود المختلفة في معتقدات القوم.
بدأت الحفريات في الموقع عام ألفين واثنين تحت إشراف فرانسيسكو ڤالديز من معهد البحوث للتنمية الفرنسي. وأُجري اثنان وثلاثون تأريخاً بالكربون المُشعّ باستخدام تقنية قياس الطيف الكتلي المُعجّل، كشفت عن تواريخ تتراوح بين خمسة آلاف وأربعمئة وخمسين وخمسة آلاف وثلاثمئة سنة مضت للطبقات المرتبطة بآثار الكاكاو.
أسفرت الحفريات عن مُكتشفات أثرية غنيّة تشهد على تطوّر هذا المجتمع. فظهرت أوانٍ خزفية متقنة الصنع منها زجاجات ذات أعناق على شكل رِكاب، وأدوات حجرية مصقولة بعناية تحمل زخارف معقّدة، ومِدقّات بعضها مُشكّل على هيئة قرون الكاكاو. وعُثر على خرزات من الفيروز والملاكِيت، وأصداف الإسپندولوس التي لا توجد إلّا على الساحل الپاسيفيكي البعيد. وتشير هذه المواد مجتمعةً إلى وجود شبكات تبادل واسعة النطاق وصلت بين الأمازون والساحل عبر مسافات تمتدّ لمئات الكيلومترات.

الأدلّة العلمية المتقاطعة
التحليل الكيميائي
يُعدّ التحليل الكيميائي للبقايا العضوية في القطع الأثرية إحدى أقوى الوسائل للكشف عن استخدامات الماضي. واستُعملت تقنية الكروماتوگرافيا السائلة عالية الأداء، وهي المعيار الذهبي في رصد مُركّبات الميثيل زانثين مثل الثيوبرومين والكافيين والثيوفيلين. وأظهر التحليل وجود بقايا الثيوبرومين في خمسة وعشرين قطعةً خزفيةً وإحدى وعشرين أداةً حجريةً، مصحوبةً بآثار للكافيين أيضاً.
والثيوبرومين مُركّب فريد يوجد بتركيزات عالية في بذور الكاكاو المستأنس دون أقاربه البرّية، ممّا يجعله دليلاً قاطعاً على استخدام الكاكاو المُدجّن. وأُجري التحليل بدقّة متناهية، إذ استُخدم طول موجة يتراوح بين مئتين وسبعين ومئتين وثمانين نانومتراً للكشف بالأشعة فوق البنفسجية، واستُعملت أعمدة الطور العكسي لفصل المُركّبات، وبلغت حدود الكشف سبعةً من مئة إلى اثنين من عشرة ميليگرام لكلّ لتر.
غير أنّ الاعتماد على التحليل الكيميائي وحده لا يكفي لإثبات الأصل النباتي بيقين تامّ، لذا لجأ الباحثون إلى أساليب تكميلية أخرى تتقاطع مع النتائج الكيميائية وتعزّزها.
تحليل حبوب النشا
استُخرجت حبوب النشا من الأواني الخزفية باستخدام مسحات قطنية مع محاليل استخراج خاصّة. وفحصت هذه الحبوب تحت المجهر بالضوء المستقطب، فكشفت ستّ قطع خزفية عن حبوب نشا مميّزة للكاكاو المستأنس. وتختلف حبوب نشا كلّ نبات في شكلها وحجمها وخصائصها البصرية، ممّا يُتيح التعرّف عليها بدقّة عالية. وقادت سونيا زاريّو هذا التحليل الذي أضاف بُعداً بيولوجياً مُباشراً إلى الأدلّة الكيميائية.
فحص الحمض النووي القديم
يمثّل استخراج الحمض النووي القديم وتحليله قفزةً نوعيةً في الدراسات الأثرية، إذ يُتيح التعرّف المباشر على الأنواع النباتية والحيوانية المُستخدمة في الماضي. استُخرجت شظايا الحمض النووي من ثلاث قطع أثرية، وأظهرت مُتغيّرات جينية مميّزة لأنواع الكاكاو المستأنسة. وكشفت قطعتان إضافيتان عن إشارات جينية مختلطة من الكاكاو المستأنس والبرّي، ممّا يُشير إلى تنوّع مصادر الكاكاو المُستخدم.
تمّ تأكيد وجود صنف ناسيونال من الكاكاو، وهو الصنف المحلّي الإكوادوري المشهور بجودته العالية، عبر مقارنة التسلسلات الجينية. وطُبّقت بروتوكولات صارمة لتمييز التلوّث البيئي الحديث من البقايا الأثرية الأصيلة، إذ أُنشئ مستويان إحصائيان مختلفان: أحدهما يُمثّل التلوّث البيئي المنخفض، والآخر يُشير إلى دلالة أثرية عالية المستوى.

إعادة رسم الخطّ الزمني لتاريخ الكاكاو
يُحدث هذا الكشف تحوّلاً عميقاً في فهمنا للتسلسل الزمني لاستخدام الكاكاو. إذ كان التصوّر السائد يضع أميركا الوسطى مهداً أوّل للكاكاو منذ نحو ثلاثة آلاف وستّمئة سنة مضت. أمّا الآن وقد أصبح الأمازون العلوي في إكوادور هو المركز الأقدم بفارق زمني يتجاوز ألفاً وخمسمئة سنة، إذ يعود استخدامه فيه إلى خمسة آلاف وثلاثمئة سنة خلت، أي نحو ثلاثة آلاف وثلاثمئة سنة قبل الميلاد.
يمكن تقسيم مسار انتشار الكاكاو إلى ثلاث مراحل رئيسة. بدأت المرحلة الأولى بالاستئناس الأوّلي في حوض الأمازون العلوي على يد مجتمع مايو-چينچيپي منذ أكثر من خمسة آلاف وثلاثمئة سنة مضت، واستُخدم الكاكاو في مناسبات احتفالية ومنزلية. ثمّ جاءت المرحلة الثانية بالانتشار الإقليمي بين خمسة آلاف وثلاثة آلاف وستّمئة سنة مضت، إذ وصل الكاكاو إلى الساحل الپاسيفيكي ظهرت آثاره في مجتمع ڤالديڤيا في إكوادور وپورتو هورميگا في كولومبيا. وانتهت المرحلة الثالثة بوصول الكاكاو إلى أميركا الوسطى منذ نحو ثلاثة آلاف وستّمئة إلى ثلاثة آلاف وتسعمئة سنة مضت، على الأرجح عبر طريق الساحل الپاسيفيكي.
وتكتسب المقارنة مع الحضارات الأميركية الوسطى اللاحقة أهمّيةً خاصّةً لفهم التحوّلات التي طرأت على استخدام الكاكاو ودلالاته. إذ استخدم شعب الأولمِك في المكسيك بين ألف وخمسمئة وأربعمئة قبل الميلاد الكاكاو في صنع مشروبات من اللّبّ المُخمّر. وربطت حضارة المايا بين مئتين وخمسين وتسعمئة بعد الميلاد الكاكاو بطبقة النُخبة والاحتفالات الدينية. وجعلت إمبراطورية الأزتِك بين ألف وثلاثمئة وخمس وأربعين وألف وخمسمئة وإحدى وعشرين بعد الميلاد من الكاكاو مشروباً للنخبة وعُملةً ورواتب عسكرية. لكنّ الأمازونيّين القدماء سبقوا هؤلاء جميعاً بألفية ونصف على الأقلّ.

شبكات التبادل القديمة وأنماط الاستخدام
تكشف الأدلّة الأثرية عن شبكات تبادل واسعة امتدّت لآلاف الكيلومترات، ربطت بيئات متباينة من الأراضي المنخفضة الاستوائية إلى قمم الجبال الأندية العالية. سلكت طرق التجارة مجرى نهر مارانيون، وصلت بين الأمازون العلوي والمرتفعات الأندية، وتبادلت السلع بين مناطق يتراوح ارتفاعها من أربعمئة متر إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر.
وامتدّت الصِلات كذلك نحو الساحل الپاسيفيكي البعيد. فوجود أصداف الإسپندولوس التي لا تُستخرج إلّا من المحيط الهادئ في مواقع أمازونية يشهد على اتّصالات بحرية امتدّت لأربعة آلاف كيلومتر على طول الساحل. وظهر التشابه في الأساليب الخزفية بين ساحل إكوادور الپاسيفيكي والمواقع الجبلية الداخلية، ممّا يُوحي بتبادل تقني ومعرفي مُستمرّ بين المناطق.
تنوّعت السلع المُتبادلة لتشمل موارد بيولوجية مثل بذور الكاكاو والنباتات الطبّية والمُخدّرة، وموارد معدنية مثل الذهب والأحجار الكريمة، ومنتجات بحرية مثل أصداف الإسپندولوس، وسلعاً مُصنّعة مثل الأواني الخزفية والأدوات الحجرية والمنسوجات. وتظهر هذه الشبكات تنظيماً اجتماعيّاً واقتصاديّاً متطوّراً، يقوم على التخصّص الإقليمي والتكامل بين البيئات المختلفة.
أمّا أنماط استخدام الكاكاو إذ تباينت بين الأمازون وأميركا الوسطى تبايناً واضحاً. اتّسمت الممارسات الأمازونية بإدماج الكاكاو في السياقات الشامانية مع أدوية نباتية أخرى، واستخدامه في احتفالات جماعية وتقاليد شفاء، وربطه بالكوزمولوجيا الطبيعية وأرواح الغابة. في حين ارتبط استخدامه في أميركا الوسطى بطبقة النُخبة والنبلاء، واكتسب رمزية إلهية إذ سُمّي “طعام الآلهة”، وأُدمج في شعائر الذبح، واستُهلك في السياقات الرسمية للمعابد والقصور.
وتجلّى الاختلاف كذلك في أنظمة الزراعة. مارس الأمازونيّون ما يُعرف بأنظمة الشاكرا، وهي زراعة حراجية متعدّدة التنوّع البيولوجي تحاكي تركيب الغابات الطبيعية، إذ زُرع الكاكاو جنباً إلى جنب مع أنواع محاصيل متعدّدة في حدائق منزلية ومجتمعية صغيرة النطاق، بممارسات مستدامة تحافظ على التربة والغابات. أمّا في أميركا الوسطى فتطوّرت أنظمة مزارع أكبر حجماً تميل نحو الزراعة الأحادية، وأُدمجت في شبكات الجزية السياسية والاقتصادية، وظهرت طبقة تجّار محترفة متخصّصة بالكاكاو.

التحدّيات المنهجية والإنجازات العلمية
واجه الباحثون تحدّيات تقنية معقّدة في سعيهم لإثبات وجود الكاكاو القديم بيقين علمي. فعلى صعيد التأريخ بالكربون المُشعّ، أثّرت منحنيات المعايرة وفترات الهضبة فيها على دقّة التواريخ، وتطلّب الأمر الحذر من تلوّث العيّنات بالكربون الحديث، ومن تأثير الخشب القديم الذي يُعطي تواريخ أقدم من السياق الفعلي للاستخدام.
وعلى صعيد الحمض النووي القديم، واجه الباحثون مشكلة التشظّي الشديد للحمض النووي في العيّنات الأثرية، وضرورة تمييز الحمض النووي القديم الأصيل من التلوّث الحديث، وصعوبة الفصل بين أنواع الثيوبروما المختلفة الوثيقة القرابة. لكنّ الباحثين تغلّبوا على هذه التحدّيات باتّباع بروتوكولات صارمة ومنهجيات متقدّمة.
تكمن قوّة هذا البحث في اعتماده على خطوط أدلّة مستقلّة متعدّدة: كيميائية بتحليل الثيوبرومين والكافيين والثيوفيلين، وبيولوجية بتحليل الحمض النووي القديم وحبوب النشا، وأثرية بالسياق الطبقي والارتباط الحضاري، ومقارنة بدراسة واسعة النطاق عبر حضارات وفترات زمنية مختلفة. وعُزّزت الدقّة باستخدام النمذجة البايزية لتحسين الدقّة الزمنية، وتحليل القيم الشاذّة لاستبعاد التواريخ الإشكالية، واستعمال أحدث منحنيات المعايرة، والمعالجة الإحصائية السليمة لهوامش الخطأ.
يُمثّل هذا البحث قفزةً منهجيةً في علم الآثار الكيميائية والبيولوجية الجزيئية، إذ أثبت نجاح التكامل بين تقنيات متنوّعة في تقديم إطار قويّ للتحقيقات الأثرية المستقبلية. وتُظهر البروتوكولات التحليلية الصارمة وضوابط التلوّث الشاملة والتحقّق متعدّد الإشارات أعلى معايير المنهجية العلمية في الكيمياء الأثرية المعاصرة.

دلالات الاكتشاف وآفاقه
تتجاوز دلالات هذا الكشف مجرّد تصحيح التواريخ، إذ أنّها تُؤسّس لفهم جديد شامل لتاريخ الكاكاو والشعوب التي استأنسته.
- أوّلاً، أثبت البحث أنّ إكوادور تُمثّل أقدم مركز لاستئناس الكاكاو في العالم، ناقلاً هذا الشرف من أميركا الوسطى إلى الأمازون.
- ثانياً، أظهر أنّ استخدام الكاكاو يسبق الأدلّة الأميركية الوسطى بأكثر من ألف وخمسمئة سنة، ممّا يفتح آفاقاً جديدةً للبحث عن أدلّة أقدم تظهر مستقبلاً.
- ثالثاً، كشف عن شبكات تجارية مبكّرة وتبادل حضاري ناشطٌ يدحض الصورة النمطية عن مجتمعات الأمازون القديمة.
- رابعاً، أوضح تنوّع السلالات الجينية المُتورّطة في الاستئناس المبكر، ممّا يدعم نظرية الأمازون العلوي مركز للنشأة والتنوّع.
وعلى الصعيد الحضاري والإنساني، يُعيد هذا الاكتشاف الاعتبار للمعارف الأصلية ويعترف بشعوب الأمازون مُستأنسين أساسيّين لإحدى أهمّ المحاصيل في التاريخ البشري. ويُبرز وجود أنظمة تبادل متطوّرة قبل كولومبوس بآلاف السنين، ويشهد على الابتكار الزراعي المبكّر في استئناس محاصيل الأشجار. كما يُظهر الاستمرارية الحضارية، إذ أنّ الممارسات الأصلية المعاصرة تتجذّر في تقاليد قديمة يمتدّ عمقها إلى آلاف السنين.
وعلى الصعيد العلمي، يُؤسّس هذا العمل الأمازون العلوي أقدم مركز لاستئناس الكاكاو، ويُوفّر قالباً ونموذجاً منهجيّاً للتحقيق في عمليات استئناس نباتية أخرى في السجلّ الأثري. وتدعم الأدلّة الجينية للتنوّع نظرية الأمازون العلوي مركز للنشأة، ممّا يؤكّد على أهمّية هذه المنطقة في تاريخ الزراعة العالمية.

الخاتمة وآفاق البحث المستقبلي
تُشكّل الاكتشافات الأثرية في جنوب شرق إكوادور تحوّلاً جذرياً في فهمنا لاستئناس الكاكاو وتاريخه الطويل مع الإنسان. فالأدلّة الكيميائية والبيولوجية المتقاطعة من موقع سانتا آنا-لا فلورِيدا ومجتمع مايو-چينچيپي تؤكّد بوضوح لا لبس فيه أنّ حوض الأمازون العلوي كان المركز الأوّل لاستئناس الكاكاو، سابقاً الاستخدام الموثّق في أميركا الوسطى بنحو ألف وخمسمئة سنة.
لا يُعيد هذا الاكتشاف كتابة تاريخ الشوكولاتة فحسب، بل يُسلّط الضوء على الممارسات الزراعية والحضارية المتقدّمة لشعوب الأمازون القديمة، التي لا تزال ابتكاراتها تؤثّر في زراعة الكاكاو واستهلاكه في عصرنا الحاضر. وتمتدّ دلالات هذا الكشف إلى ما هو أبعد من علم الآثار الأكاديمي، إذ تشمل الاعتراف بأنظمة المعرفة الأصلية وقيمتها، وفهم شبكات التجارة القديمة وتعقيداتها، وتقدير الأهمّية الحضارية العميقة للكاكاو في مسيرة البشرية.
ومع استمرار تطوّر التقنيات المنهجية وظهور أساليب علمية جديدة، سيتواصل تحسين هذا الإطار الزمني وتوسيعه، ممّا يُوفّر رؤى أعمق في تاريخ التفاعلات بين الإنسان والنبات في القارّتين الأميركيّتين. وسيركّز البحث المستقبلي على سدّ الفجوات الزمنية بين الأمازون وأميركا الوسطى، وتحديد طرق الانتشار الدقيقة للكاكاو، وفهم عمليات الاستئناس بتفاصيلها الجينية والزراعية، وتقدير السياقات الحضارية المتنوّعة عبر المجتمعات المختلفة.
تُؤكّد هذه الاكتشافات على الدور المحوري للأمازون في تاريخ الزراعة العالمية، وتدعو إلى إعادة تقييم شاملة لإسهامات شعوب الأمازون الأصلية في التنمية البشرية والحضارة. فالأمازون لم يكن مجرّد غابة بكر معزولة، بل كان مهداً لابتكارات زراعية عظيمة، ومركزاً لشبكات تجارية واسعة، وموطناً لمجتمعات متطوّرة أسهمت بعمق في تشكيل التاريخ الإنساني كما نعرفه اليوم.
المراجع والمصادر العلمية
- Zarrillo, S., Gaikwad, N., Lanaud, C., Powis, T., Viot, C., Lesur, I., Fouet, O., Argout, X., Guichoux, E., Salin, F., Loor Solorzano, R., Bouchez, O., Vignes, H., Severts, P., Hurtado, J., Yepez, A., Grivetti, L., Blake, M., & Valdez, F. (2018). The use and domestication of Theobroma cacao during the mid-Holocene in the upper Amazon. Nature Ecology & Evolution, 2(12), 1879-1888. https://doi.org/10.1038/s41559-018-0697-x
- Lanaud, C., Vignes, H., Utge, J., Valette, G., Rhoné, B., Garcia Caputi, M., Angarita Nieto, N. S., Fouet, O., Gaikwad, N., Zarrillo, S., Powis, T. G., Cyphers, A., Valdez, F., Olivera Nunez, S. Q., Speller, C., Blake, M., Valdez, F. Jr., Raymond, S., Rowe, S. M., Duke, G. S., Romano, F. E., Loor Solórzano, R. G., & Argout, X. (2024). A revisited history of cacao domestication in pre-Columbian times revealed by archaeogenomic approaches. Scientific Reports, 14(1), 2972. https://doi.org/10.1038/s41598-024-53010-6
- Henderson, J. S., Joyce, R. A., Hall, G. R., Hurst, W. J., & McGovern, P. E. (2007). Chemical and archaeological evidence for the earliest cacao beverages. Proceedings of the National Academy of Sciences, 104(48), 18937-18940. https://doi.org/10.1073/pnas.0708815104
- Hurst, W. J., Tarka, S. M., Powis, T. G., Valdez, F., & Hester, T. R. (2002). Cacao usage by the earliest Maya civilization. Nature, 418(6895), 289-290. https://doi.org/10.1038/418289a
- Crown, P. L., & Hurst, W. J. (2009). Evidence of cacao use in the Prehispanic American Southwest. Proceedings of the National Academy of Sciences, 106(7), 2110-2113. https://doi.org/10.1073/pnas.0812817106
- Motamayor, J. C., Risterucci, A. M., Lopez, P. A., Ortiz, C. F., Moreno, A., & Lanaud, C. (2002). Cacao domestication I: the origin of the cacao cultivated by the Mayas. Heredity, 89(5), 380-386. https://doi.org/10.1038/sj.hdy.6800156
- Motamayor, J. C., Risterucci, A. M., Heath, M., & Lanaud, C. (2003). Cacao domestication II: progenitor germplasm of the Trinitario cacao cultivar. Heredity, 91(3), 322-330. https://doi.org/10.1038/sj.hdy.6800298
- Loor Solorzano, R. G., Fouet, O., Lemainque, A., Pavek, S., Boccara, M., Argout, X., Amores, F., Courtois, B., Risterucci, A. M., & Lanaud, C. (2012). Insight into the wild origin, migration and domestication history of the fine flavour Nacional Theobroma cacao L. variety from Ecuador. PLoS ONE, 7(11), e48438. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0048438
- Motamayor, J. C., Lachenaud, P., da Silva e Mota, J. W., Loor, R., Kuhn, D. N., Brown, J. S., & Schnell, R. J. (2008). Geographic and genetic population differentiation of the Amazonian chocolate tree (Theobroma cacao L.). PLoS ONE, 3(10), e3311. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0003311
- Valdez, F., Guffroy, J., de Saulieu, G., Hurtado, J., & Yépez, A. (2005). Découverte d’un site cérémoniel formatif sur le versant oriental des Andes. Comptes Rendus Palevol, 4(4), 369-374. https://doi.org/10.1016/j.crpv.2005.02.008
- Valdez, F. (2008). Inter-zonal relationships in Ecuador. In H. Silverman & W. H. Isbell (Eds.), The Handbook of South American Archaeology (pp. 865-887). Springer.
- Valdez, F. (2008). Mayo Chinchipe, el otro Formativo Temprano. Miscelánea Antropológica Ecuatoriana, 1, 170-197.
- Zarrillo, S., & Blake, M. (2022). Tracing the movement of ancient Cacao (Theobroma cacao L.) in the Americas: new approaches. In C. S. Beekman & C. McEwan (Eds.), Waves of Influence: Pacific Maritime Networks Connecting Mexico, Central America, and Northwestern South America (pp. 121-144). Dumbarton Oaks Research Library.
- Larranaga, N., Horsley, T., Yost, C., et al. (2021). Holocene land and sea‐trade routes explain complex patterns of pre‐Columbian crop dispersion. New Phytologist, 231(4), 1362-1376. https://doi.org/10.1111/nph.16936
- Thomas, E., van Zonneveld, M., Loo, J., Hodgkin, T., Galluzzi, G., & van Etten, J. (2012). Present spatial diversity patterns of Theobroma cacao L. in the Neotropics reflect genetic differentiation in Pleistocene refugia followed by human-influenced dispersal. PLoS ONE, 7(10), e47676. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0047676
- Fouet, O. C., Allegre, M., Argout, X., Rhoné, B., Kuhn, D., Lesur, I., Rivallan, R., Poncet, V., Clément, D., Courtois, B., Gramacho, K., & Lanaud, C. (2022). Collection of native Theobroma cacao L. accessions from the Ecuadorian Amazon highlights a hotspot of cocoa diversity. Plants, People, Planet, 4(6), 605-617. https://doi.org/10.1002/ppp3.10282
- McNeil, C. L. (Ed.). (2009). Chocolate in Mesoamerica: A Cultural History of Cacao. University Press of Florida.
- Coe, S. D., & Coe, M. D. (2013). The True History of Chocolate (3rd ed.). Thames & Hudson.
- Díaz-Valderrama, J. R., Leiva-Espinoza, S. T., & Aime, M. C. (2020). The history of cacao and its diseases in the Americas. Phytopathology, 110(10), 1604-1619. https://doi.org/10.1094/PHYTO-05-20-0178-RVW
- Cheesman, E. E. (1944). Notes on the nomenclature, classification and possible relationships of cocoa populations. Tropical Agriculture, 21, 144-159.
- Cuatrecasas, J. (1964). Cacao and its allies: A taxonomic revision of the genus Theobroma. Contributions from the United States National Herbarium, 35(6), 379-614.
- Clement, C. R., de Cristo-Araújo, M., Coppens d’Eeckenbrugge, G., Alves Pereira, A., & Picanço-Rodrigues, D. (2010). Origin and domestication of native Amazonian crops. Diversity, 2(1), 72-106. https://doi.org/10.3390/d2010072
- Schultes, R. E. (1984). Amazonian cultigens and their northward and westward migrations in pre-Columbian times. In D. Stone (Ed.), Pre-Columbian Plant Migration (pp. 19-37). Peabody Museum of Archaeology and Ethnology, Harvard University.
- Argout, X., Salse, J., Aury, J. M., Guiltinan, M. J., Droc, G., Gouzy, J., Allegre, M., Chaparro, C., Legavre, T., Maximova, S. N., Abrouk, M., Murat, F., Fouet, O., Poulain, J., Ruiz, M., Roguet, Y., Rodier-Goud, M., Barbosa-Neto, J. F., Sabot, F., Kudrna, D., Ammiraju, J. S., Schuster, S. C., Carlson, J. E., Sallet, E., Schiex, T., Dievart, A., Kramer, M., Gelley, L., Shi, Z., Bérard, A., Viot, C., Boccara, M., Risterucci, A. M., Guignon, V., Sabau, X., Axtell, M. J., Ma, Z., Zhang, Y., Brown, S., Bourge, M., Golser, W., Song, X., Clement, D., Rivallan, R., Tahi, M., Akaza, J. M., Pitollat, B., Gramacho, K., D’Hont, A., Brunel, D., Infante, D., Kebe, I., Costet, P., Wing, R., McCombie, W. R., Guiderdoni, E., Quetier, F., Panaud, O., Wincker, P., Bocs, S., & Lanaud, C. (2011). The genome of Theobroma cacao. Nature Genetics, 43(2), 101-108. https://doi.org/10.1038/ng.736
- Cornejo, O. E., Yee, M. C., Dominguez, V., Andrews, M., Sockell, A., Strandberg, E., Livingstone, D., Stack, C., Romero, A., Umaharan, P., Motamayor, J. C., Schnell, R., Tondo, C., & Kuhn, D. (2018). Population genomic analyses of the chocolate tree, Theobroma cacao L., provide insights into its domestication process. Communications Biology, 1, 167. https://doi.org/10.1038/s42003-018-0168-6
- Young, A. M. (1994). The Chocolate Tree: A Natural History of Cacao. Smithsonian Institution Press.
- Bartley, B. G. D. (2005). The Genetic Diversity of Cacao and Its Utilization. CABI Publishing.
- Powis, T. G., Cyphers, A., Gaikwad, N. W., Grivetti, L., & Cheong, K. (2011). Cacao use and the San Lorenzo Olmec. Proceedings of the National Academy of Sciences, 108(21), 8595-8600. https://doi.org/10.1073/pnas.1100620108





اترك رد