تعدّ العلاقة بين أفغانستان والحضارة العربية قبل الإسلام من المواضيع التاريخية المثيرة للاهتمام التي تستحقّ المزيد من البحث والدراسة.
فعلى الرغم من أنّ أفغانستان تقع في قلب آسيا الوسطى، إلّا أنّ الأدلة التاريخية تشير إلى وجود روابط قوية بينها والجزيرة العربية منذ العصور القديمة. هذه الروابط لم تقتصر على التبادل التجاري والثقافي فحسب، بل امتدت لتشمل الهجرات البشرية والسيطرة السياسية.

شهادة اليعقوبي: وثيقة تاريخية من القرن التاسع
وهذه شهادة من القرن التاسع لجغرافي عبّاسي قدير، أوضح أنّ البلد الذي كان اسمه سجستان كان لعرب اليمن تحت حكم التبابعة، وأوضح أكثر أنّ من يسمّيهم التراث بالعجم هم الحِميريّون في آسيا… اقرأ معي ودقّق التفاصيل:
سجستان التاريخيّة مركزها اليوم مدينة {زابل} أقصى شرق إيران على الحدود الأفغانية. وكانت عاصمة لبلد اسمه سجستان (سیستان)، وهي اليوم مقطّعة أغلبها في أفغانستان وبعضها في إيران وپاكستان. وعلى الرغم من أنّ اسمها سجستان هو في الواقع تحوير للاسم الساساني {سَكاإستان} الذي يعني بلد الترك. لكن، انظر معي ما يقوله الجغرافي اليعقوبي في سجستان في القرن التاسع. وقد أضفت الأسماء المعاصرة بين قوسين إلى جانب ما ذكره اليعقوبي من أسماء المدن.
سجستان هو بلد جليل ومدينتها العظمى {بُسْتَ (لشكر گاه)} نزلها معن بن زائدة الشيباني، وكان فيها في خلافة أبي جعفر المنصور. وأهلها قوم من العجم وأكثرهم يقولون: إنّهم ناقلة من اليمن من حِمير.
ولها من الكور مثل ما بخراسان، وأكثر، غير أنّها منقطعة متّصلة ببلاد السند والهند، وكانت تضاهي خراسان وتوازيها.
فمن كورها: كورة بُسْتَ (لشكر گاه)، وكورة جُوِیْن (خراسان رضوی)، وكورة رخّج (غزنى)، وكورة خشك (غورغوري)، وكورة بلمر (دلارام)، وكورة خواش (خاش)، وكورة زرنج العظمى (ولاية نيمروز)، وهي مدينة الملك [رتبيل]، وهي أربع فراسخ حولها خندق، ولها خمس أبواب، ولها نهر يشق في وسطها يقال له: هِنْدمَنْد (هلمند).
وإليها صار تبّع اليماني فأقام بها، وكورة زالق (زاهدان خانه)، وكورة سناروذ (ولاية غور)، ولها نهر يقال له: الهندمند (هلمند) يأتي من جبال شاهقة وليس يقطع إليها من بلد من البلدان إلا في مفازة، وهي تتاخم مكران من بلاد السند، والقندهار، وأول من افتتحها الربيع بن زياد الحارثي قطع المفازة وهي خمس وسبعون فرسخاً وبلغ إلى زرنج، وهي المدينة العظمى التي كانت الملوك بها، وذلك في خلافة عثمان ولم يجز الموضع الذي يقال له: القرنين (؟)، ثم صار إليها عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، ثم انغلقت سجستان إلى خلافة معاوية، ثم ولي عبد الرحمن بن سمرة فافتتح البلاد وصار إلى كرمان فافتتحها.
ثم رجع إلى سجستان، فصالح أهلها، ثم انغلقت حتى صار إليها الربيع بن زياد الحارثي، ثم انغلقت حتى وليها عبيد الله بن أبي بكرة.

من هم التبابعة؟ إشكالية المصطلح والحكم
من المهمّ الإشارة إلى أنّ “قوم تُبَّع” هو وصف لم يرد إلّا في القرآن الكريم، وحسب الإخباريين والمؤرّخين العرب صار تأويله إلى عشيرة ملك حميري يدعى “تِبان أبو كَرِب أسعد الكامل” ويُعتقد أنّه الملكة المذكور في النقوش بصيغة “أبيْكَرِب أسعد بن ملكيكرب” 𐩱𐩨𐩲𐩫𐩧𐩨|𐩱𐩪𐩲𐩵|𐩨𐩬|𐩣𐩡𐩲𐩲𐩫𐩧𐩨. وهكذا افتُرض إسلاميّاً أنّ “تُبّع” هو لقب ملوك مملكة حِميَر، برغم غيابه في النقوش أو أي مصادر تاريخية أخرى، وصارت الناس تقول “التبابعة” صفة لملوك حَميَر.
غير أنّ الأخبار التي وردت من بعض المراجع التاريخية شرحت نظام حُكم التبابعة بشكل مختلف عن نظام حكم مملكة حِميَر، إذ هو في الواقع أقرب إلى نظام الحكم الإسلامية في عهد الدولة التي تسمّى اصطلاحاً “الخلافة الراشدة”. حين كان التبابعة نظام حكم شبه جمهوري، اتّخذ فيه الحاكم (التُبّع) صفة دينية ودنيوية، كان فيها هو المشرّع الوحيد والناطق باسم الله. والحكم في هذا النظام لا يورث بالضرورة، إنما للبلد مجلس شيوخ يختار الحاكم التالي بالتصويت، من بين فئة محدودة من أهل الحكم، وهم كذلك رجال الدين.
لهذا، أنا أعتقد أنّ اليعقوبي قصد بقوله “تبّع اليماني” سلطة دولة غير حِميَر، وربّما سبقتها. أو أنّه قصد فعلاً ملكاً حميريّاً (على الميراث الإسلامي) لكنّه لم يكن تبّع.

الاستنتاجات الثلاثة: العرب في سجستان قبل الإسلام
هكذا نرى بوضوح ثلاث نقاط شديدة الأهميّة:
- العجم عرب من حِمير طالما أنّك ترى بأنّ تبابعة اليمن الحِميريّين عرب.
- حكم وأسّس هذه البلد سجستان تبّع يماني وهو على الأغلب ذو القرنين، نسبة إلى موضع القرنين قرب زرنج الواقعة اليوم في ولاية نيمروز الأفغانية.
- حدود العرب مع السند والهند كانت في أفغانستان، وإليها وصلت حدود مُلك حِمير قبل الإسلام بكثير.
هذه قراءتي في كتاب البلدان الذي نشره في القرن التاسع {أبو العباس أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي} واحد من أهمّ جغرافيّي التاريخ وأهمّ جغرافيّي الدولة العبّاسية على الإطلاق، لأنّه رحل وزار بنفسه كل البلدان التي تحدّث عنها ووثّق أحوالها، من بلدان القارّات الثلاث، حيث وصل حكم بني العبّاس. ويمكن مراجعة ما كتبه اليعقوبي من هنا
أسماء سجستان عبر التاريخ: من الإيلاميين إلى الشاهنامة
في النقوش الإيلامية يرد اسم سجستان: سِرّانقه (أي المائيّة). في النقوش المصريّة: سرنگ، سرنق. في النقوش البابليّة: زَرانگه. على ضريح داريوس الأوّل ورد اسمها: زرنكه (زرك). في الپهلوية: سيَّنسِه (أي المائيّة). في الشاهنامة: زابُل إستان.

الروايات الشعبية: البشتون والبلوش وأصولهم العربية
والمنطقة التي تحدّث عنها اليعقوبي، وخصّصت هذه التدوينة بها، يسكنها اليوم البلوش والبشتون. والبشتون والبلوش مجموعتان إثنيّتان تسكنان مناطق ممتدّة في أفغانستان وپاكستان وإيران. تنتشر بينهم روايات شعبية تربط أصولهم بالعرب. هذه الروايات، برغم افتقارها لأدلّة تاريخية قويّة، تمثّل جزءاً أساسيّاً من هويّتهم الثقافية.
الرواية البشتونية الأكثر شهرة تتحدّث عن نسب البشتون إلى صحابي عربي من نهر المرغاب. تقول هذه الرواية إنّ “قيس عبد الرشيد” هو الجدّ الأكبر للبشتون، وكان من الصحابة الذين التقوا النبي محمّد ص. ووفق القصّة، اعتنق قيس الإسلام على يد النبيّ، ثم رجع إلى موطنه لنشر الدين الإسلامي بين قومه. تضيف الرواية أنّ البشتون ينحدرون من بني إسرائيل، ممّا يربطهم بالنسب العربي بنسب قديم جدّاً وعبر اعتناقهم الإسلام.
أما الرواية البلوشية، فتنسب البلوش إلى ملوك عرب قدامى. يعتقد بعض البلوش أنّ أصلهم يعود إلى قبائل عربية، خاصّة من منطقة حلب في سوريا. تذكر هذه الرواية أنّ البلوش كانوا جنوداً في جيش ملك عربي اسمه “ظفار بن الحارث”. هاجر هؤلاء الجنود إلى منطقة بلوشستان بعد هزيمتهم في معركة ضدّ قوّات أخرى. فاستقرّ هؤلاء الجنود في المنطقة وتزاوجوا مع السكّان المحلّيّين، ممّا أدّى إلى نشأة إثنيّة البلوش.
يفتخر كلّ من البشتون والبلوش بهويّتهم الإسلامية التي يرون أنّها تعزّز ارتباطهم بالعرب، سواء عبر النسب المباشر أو عبر اعتناق الإسلام. وتؤكّد هذه الروايات على وصول الإسلام إلى مناطقهم عن طريق الصحابة أو الجنود المسلمين، ممّا يعزّز فكرة الارتباط الثقافي والديني بالعالم العربي.
تشكّل هذه الروايات جزءاً مهمّاً من التراث الشعبي والتاريخ الشفهي الذي يقوّي الهويّة والانتماء القومي لهذه المجموعات. برغم غياب الأدلّة التاريخيّة القوية التي تدعم هذه القصص، تبقى عنصراً أساسيّاً في الثقافة والتقاليد المحلّيّة للبشتون والبلوش.

دعوة لإعادة النظر في التاريخ
إنّ استكشاف العلاقة التاريخيّة بين أفغانستان والعرب قبل الإسلام يفتح آفاقاً جديدة لفهم تاريخ المنطقة وتشكيل هويّتها الثقافية. فالشهادة التي قدّمها اليعقوبي في القرن التاسع الميلادي تلقي الضوء على حقيقة مذهلة، وهي أنّ جزءاً كبيراً من أفغانستان وإيران المعاصرات كان في الواقع موطناً لقبائل عربيّة يمنيّة قبل الفتح الإسلامي بفترة طويلة. هذه المعلومات تدعونا لإعادة النظر في الفهم التقليدي لتاريخ المنطقة وعلاقاتها الإقليمية.
ومع ذلك، من المهمّ أن نتعامل مع هذه المعلومات بحذر وموضوعية، وأن نسعى لمزيد من البحث والتدقيق في المصادر التاريخية الأخرى لتأكيد هذه الروايات أو تعديلها. فهذا الموضوع لا يزال بحاجة إلى دراسات أكاديمية معمّقة لفهم كامل تفاصيله وأبعاده التاريخية والثقافية. وفي النهاية، فإنّ هذه الاكتشافات تؤكّد على أهمّيّة دراسة التاريخ بعقلية منفتحة، مستعدّة دائماً لمراجعة المفاهيم السائدة في ضوء الأدلة الجديدة.
المراجع والمصادر
- اليعقوبي، أحمد بن إسحاق (أبي يعقوب) بن جعفر بن وهب بن واضح (ت. بعد 292هـ/904م)
- البلدان. تحقيق: محمد أمين الضناوي. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1422هـ/2002م. 218 صفحة. متاح على: https://shamela.ws/book/10808
- الطبري، محمد بن جرير (224-310هـ/839-923م) تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الطبري). تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، 1387هـ/1967م. 11 مجلد.
- المسعودي، علي بن الحسين بن علي (ت. 346هـ/957م) مروج الذهب ومعادن الجوهر. مراجعة: كمال حسن مرعي. بيروت: المكتبة العصرية، الطبعة الأولى، 2005م. 4 أجزاء.
- الحموي، ياقوت بن عبد الله (شهاب الدين أبو عبد الله الرومي) (ت. 626هـ/1229م) معجم البلدان. بيروت: دار صادر، الطبعة الثانية، 1995م. 7 أجزاء.
- علي، جواد (1907-1987) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. بغداد: جامعة بغداد، الطبعة الثانية، 1993م. 10 أجزاء. أيضاً: بيروت: دار الساقي، الطبعة الرابعة، 1422هـ/2001م.
- بارتولد، فاسيلي فلاديميروفيتش (1869-1930) تاريخ الترك في آسيا الوسطى. ترجمة: أحمد السعيد سليمان. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م. 284 صفحة.
- بوزورث، كليفورد إدموند. تاريخ غزنة. ترجمة: عبد الوهاب علوب. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007م.
- فراي، ريتشارد نيلسون (1920-2014). التراث الفارسي من العصر الفردوسي إلى السعدي. ترجمة: محمد مصطفى هدارة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989م. [الطبعة الأصلية: 1975]
- لسترنج، غي (1854-1933). بلدان الخلافة الشرقية. ترجمة: بشير فرنسيس وكوركيس عواد. بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1985م. [الطبعة الأصلية: 1905]
- الأفغاني، سعيد (1909-1987). أسواق العرب في الجاهلية والإسلام. دمشق: دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1993م. [الطبعة الأولى: 1957]
- البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (ت. 279هـ/892م). فتوح البلدان. تحقيق: رضوان محمد رضوان. بيروت: دار الكتب العلمية، 1403هـ/1983م.
- ابن خردادبة، أبو القاسم عبيد الله (ت. 300هـ/913م). المسالك والممالك. تحقيق: محمد جابر عبد العال الحيني. القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، د.ت.
- الإصطخري، إبراهيم بن محمد (ت. 346هـ/957م). المسالك والممالك. تحقيق: محمد جابر عبد العال الحيني. القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، د.ت.
- Robin, Christian Julien. L’Arabie antique de Karib’îl à Mahomet: nouvelles données sur l’histoire des Arabes grâce aux inscriptions. Aix-en-Provence: Edisud, 1992.
- Beeston, A.F.L., et al.. Sabaic Dictionary (English-French-Arabic). Louvain-la-Neuve: Peeters, 1982.
- كريمر، جويل. جغرافية التجارة في آسيا الوسطى. ترجمة: محمد الدروبي. دمشق: دار الفكر، 1990م.
- موقوِيه، غي. تاريخ أفغانستان. ترجمة: أحمد الشيبي. بغداد: دار الحرية للطباعة، 1979م.
- أحمد، أكبر شاه. قبائل باكستان: تاريخ وثقافة. إسلام أباد: معهد الدراسات الإسلامية، 1980م.
- بختياري، علي أحمد. البشتون: تاريخ وتراث. كابل: مؤسسة التراث الأفغاني، 1985م.





اترك رداً على نصف أفغانستان بلد عربي من قبل الفتح الإسلامي – جــهـــيــنــة بـــــرسإلغاء الرد