تتدفّق اللّغات في مجرى الزمن كأنهار متشعّبة، فتنساب عبر الأجيال وتتحوّر وتتفرّع، ثمّ تلتقي مجدّداً في مصبّات جديدة. تتشكّل هذه الأنهار اللّغوية وفق حركة المجتمعات وتطوّرها، فتحمل في تيّارها ذاكرة الشعوب وتراثها وهويّتها. تكشف دراسة هذا التدفّق اللّغوي عن نظام طبيعي دقيق، يشرح تحوّلات اللّغة العربية وانقساماتها وتفرّعاتها المتعدّدة، ويفسّر علاقتها بلهجاتها المنتشرة في أرجاء العالم العربي.
في الطبيعة نبات عشبي مائي عاش جزء منه معي في بيتي قبل سنوات. وأقول {جزء منه} لأنّ هذا النبات في الواقع لا يتكاثر. هو من أحد أندر الكائنات على كوكب الأرض التي لم تعرف التكاثر. في الواقع، كلّ نباتات الهورنورت Hornwort في الطبيعة أجزاء من النبات الأول… ينفصم فرع عن النبات بشكل طبيعي، ثمّ يتابع كلّ جزء نموّه وحياته كأنّ شيئاً لم يتغيّر. نبات الهورنورت أحد أقدم كائنات الكوكب المعمّرة، نبات لا يجذّر ولا يثبت في تربة. كلّ ما يفعله هو الطفو على الماء في سلاسل طويلة تتسربل مع تيارات الأنهار.

اللّغة كذلك كما نبات الهورنورت، بغضّ النظر عن مجادلة فرضيّة تعدّد الأصول اللّغويّة في مقابل فرضيّة الأصل الواحد. اللّغة كائن حيّ قديم ومعمّر. ينفصم عنه فرع بشكل طبيعي، ثمّ يتابع نموّه وحياته، ثمّ تنفصم عنه أفرع جديدة وتنمو هي الأخرى وتتفرّع. هذه الأفرع هي اللّهجات، التي تنمو بجسد يحمل بعض سمات الجسد الأوّل، مع سمات جديدة تضيف تغيّرات طفيفة على صفات الفرع الجديد.
بالتالي اللّغة هي جذع أصل، يحمل أفرعاً كلّها لهجات، وكلّ فرع من هذه يحمل كذلك أفرعاً أصغر بلهجات متنوّعة هو الآخر. لكن، ما يميّز اللّغة الأصل هو أنّها أشمل وأوسع من اللّهجات الأفرع، لأنّ هذا الأصل يحتوي على تنويعات اللّهجات المختلفة من تحته، في حين لا يحتوي الفرع إلّا على جزء من اللّغة الأصل.
في بعض الحالات الخاصّة يحدث أن تلجأ حكومة دولة ما إلى تقعيد اللّهجة الفرع، فتصبح هذه اللّهجة لغة معياريّة، يقاس بها وبناء عليها، لتمييز لهجات جديدة وأفرع جديدة… ويبقى في هذه اللّغة الجديدة أثر من سمات اللّغة الأم التي تفرّعت عنها. كما هي حياة نبات الهورنورت، الذي حتّى لو مات منه فرع فهو لا يموت. لأنّ أفرعه الكثيرة تملأ مجاري الماء في كلّ أنحاء العالم، حاملة سمات النبات الأوّل، ولم تزل تنقسم وتتفرّع باستمرار.

مع ذلك، تتميّز اللّغة عن نبات الهورنورت بأنّها، إضافة إلى التكاثر بالانقسام، فإنّها كذلك تتكاثر بالتزاوج. وفي غالب الأحوال، ما يَنقُص اللّهجة الفرع بانفصالها عن اللّغة الأصل تعوّضه باستعارته من لغات غيرها. فقد تندمج لهجتين لإنتاج لهجة جديدة، وقد تندمج لهجة من لغة بلغة غيرها لإنتاج لهجة ولغة جديدة. وهذه عمليّة حيّة لا تتوقّف.
يُعرّف تقعيد اللّغة بأنّه استنباط القواعد والضوابط اللّغوية من كلام العرب الواضح، ثم تطبيقها على الاستعمالات اللّغوية اللاحقة. يهدف هذا العمل العلمي إلى ضبط اللّغة بقواعد معيارية وحفظها من اللّحن والخطأ.
رأى النحاة القدماء ضرورة تقعيد اللّغة العربية بعد اختلاط العرب بالأعاجم وظهور اللّحن في الكلام. دفعهم هذا الأمر إلى جمع المادّة اللّغوية من القبائل العربية الأصيلة، فسافروا إلى البوادي وسمعوا من أهلها، ثم استقرؤوا النصوص الفصيحة (الواضحة) واستخرجوا منها القواعد الكلية.
ذكر سيبويه في كتابه أن استقراء كلام العرب يمثل الأساس في وضع القواعد النحوية والصرفية. ووافقه في ذلك ابن جنّي الذي أكّد أهمّية السماع والرواية في تأصيل قواعد اللّغة. وأضاف الخليل بن أحمد الفراهيدي بعداً علمياً مهماً لتقعيد اللّغة، فابتكر منهجاً دقيقاً في استقراء المادة اللّغوية وتصنيفها وفق نظام صوتي محكم. طبق هذا المنهج في معجمه “العين” الذي يعدّ أول معجم عربي شامل.
اختلف العلماء في بعض تفاصيل التقعيد، فالبصريّون تشدّدوا في قبول الشواهد اللّغوية واشترطوا كثرة الاستعمال (أي الفصاحة)، أمّا الكوفيّون فتوسّعوا في القبول واكتفوا بالشاهد الواحد أحياناً، فالتزموا لغة القرآن الكريم؛ حتّى لو لم تكن من الشائع الواضح.
استمرّ تطوّر تقعيد اللّغة العربية عبر العصور، فظهرت مدارس نحوية متعدّدة، وألّفت كتب كثيرة في النحو والصرف والمعاجم. يستفيد الدارسون المعاصرون من هذا التراث اللّغوي الضخم في دراساتهم وبحوثهم اللّغوية الحديثة.
اللّغة العربيّة المعاصرة هي فرع عن أصل، لهجة جرى تقعيدها في العقد الأوّل من عهد النظام العبّاسي، فصارت منها نسخة معياريّة هي الفصحى. هذه الفصحى هي إحدى لهجات اللّغة العربيّة. تفرّعت عنها لهجات جديدة، منها عربيّة الصحافة أو العربيّة الفصحى الحديثة، التي جرى تقعيدها في القاهرة. ومن العربيّة لهجات غيرها كذلك، وُجدت قبل تقعيد الفصحى، ولم تزل موجودة تتفرّع إلى اليوم.
في القرن الأوّل مثلاً، في عهد الملك النبطي أبجر الخامس، جرى تقعيد لهجة آرامية هي لهجة مدينة الرها (أورهي)، فصارت لغة جديدة أطلقت عليها الناس اسم {لسان السوريّين: لشانا سُريايا} ونسمّيها اليوم اللّغة السريانيّة. تماماً كما فعل العبّاسيّين في القرن الثامن، حين قاموا بتقعيد نسخة محدّثة من لهجة كنانة وأطلقوا عليها اسم العربيّة الفصحى. وكانت قبلها لهجة رسميّة من تشكيل مدرسة نحويّي البصرة، محصورٌ استعمالها في المؤسّسات الحكوميّة والدينيّة الأمويّة. وما كانت لغة شارع.
اليوم، لو قامت حكومة بلد عربيّ بتقعيد لهجة إحدى مدنها، واستعملتها لغة رسميّة في مؤسّساتها، لصارت لغة جديدة ولتحدّثنا عن لهجات جديدة تتفرّع عنها هي الأخرى، وفق سمات التقارب والتشابه التي تجمعها بغيرها من اللّهجات العربيّة. وهذا ما فعله الأوروپيّون حين قامت حكومة كلّ بلد من بلدان أوروپا بتقعيد لهجة عاصمتها لتكون لغة رسمية مميّزة لبلد هذه العاصمة. ثمّ أجبرت البقيّة من سكّان البلد على تعلّم هذه اللّهجة وإتقانها.
يصف التاريخ اللّغوي الأوروپي عملية تحويل اللّهجات المحلّية إلى لغات رسمية. إذ فعلت فرنسا ذلك مع لهجة پاريس، وفعلت إنگلترا الشيء نفسه مع لهجة لندن فتغيّرت اللّغة الإنگليزية كلّها. وأدّى هذا التحوّل إلى نشوء لغات قومية مستقلّة، تفرّعت عنها لهجات جديدة.
يمكن تطبيق هذا النموذج على العالم العربي نظرياً. سيؤدّي تقعيد لهجة القاهرة مثلاً إلى تكوين لغة مصرية رسمية، تختلف عن العربية الفصحى وعن اللّهجات العربية الأخرى. ستنشأ عن هذه اللّغة الجديدة لهجات فرعية تتأثر بالبيئات المحلية المختلفة. وإلى حدّ ما، هذا ما فعله مجمع اللّغة العربية في القاهرة مطلع القرن العشرين، حين أضاف مفردات دارجة مصرية إلى العربية الفصحى أو غيّر معنى الكلمة الفصحى من معناها المعجمي إلى معناها المصري، القاهري على وجه الخصوص.
يشبه هذا السيناريو ما حدث في أوروپا العصور الوسطى. تطوّرت اللاتينية إلى لغات رومانسية مختلفة، كالفرنسيّة والإيطاليّة والإسپانيّة. نشأت كل لغة من هذه اللّغات عن لهجة محلّية معينة، ثمّ صارت لغة رسمية للدولة. وسيترتب على تقعيد اللّهجات العربية آثار اجتماعية وثقافية عميقة. إذ سيضعف الترابط اللّغوي بين البلدان العربية، وستظهر هويّات لغوية جديدة. سيؤثّر ذلك على الأدب والفكر والتواصل بين الشعوب العربية.
تختلف الحالة العربية عن الحالة الأوروپية في جانب مهم. تمتلك العربية تراثاً مكتوباً ضخماً باللّغة الفصحى، يمتدّ لأكثر من ألف وخمسمئة سنة. يصعب التخلّي عن هذا التراث أو استبداله بلغات محلّية جديدة. ويبرز عامل آخر في المعادلة، وهو القرآن الكريم والنصوص الدينية. ترتبط العربية الفصحى بالهوية الدينية للمسلمين في العالم كله. وسيؤثر الانتقال إلى لغات محلّية على فهم النصوص الدينية وتفسيرها، فيتفرّع الإسلام إلى إسلامات.
يمثّل الوضع اللّغوي العربي الراهن حالة فريدة من الازدواجية. تستخدم الفصحى في السياقات الرسمية والأدبية، في حين تستخدم اللّهجات في الحياة اليومية. يحافظ هذا النظام على التواصل بين العرب، مع احترام التنوّع اللهجي المحلي.
تتجلّى فرادة اللّغة العربية في قدرتها على التكيّف مع متطلّبات العصر، مع احتفاظها بجوهرها الأصيل. يتمثّل هذا التوازن في علاقة الفصحى باللّهجات المحلّية، فتتشكّل منظومة لغوية متكاملة تستجيب لمتطلّبات الحياة اليومية والتواصل الرسمي. وتتميّز هذه المنظومة بارتباطها العميق بالتراث الديني والثقافي، فتخلق نموذجاً فريداً يختلف عن التجربة الأوروپية. تدفع هذه الخصوصية نحو تطوير رؤية مستقبلية تحافظ على الهوية اللّغوية العربية، وتسمح لها بالتطوّر الطبيعي ضمن إطار يحمي تراثها ويضمن استمرارها.





اترك رداً على 3aynwowإلغاء الرد