إيّاك والتصديق أنّ عموم العراقيّين يعملون ضدّ أحمد الشرع من العراق، أو أنّ الكثير من المصريّين فعلاً ضدّ الوحدة الوطنية السورية. هناك حرب إلكترونية تحدث، هدفها إيهامك بـ «كثرة الأعداء».
تنشر محتوى إيجابي ضدّ الطائفية يدعم الوحدة الوطنية ← يهاجم الذباب الإلكتروني بتعليقات مُحرِّضة ملآنة بالكراهية ← إثارة اتّهامات شخصية بهدف الإرباك والإشغال ← يتحوّل النقاش لقضايا خلافية ← ينجرّ الجَمهور للمشاحنات ← يتشتّت الانتباه ويضيع الهدف الأصلي للمنشور ← تفشل المبادرة الإنسانية الأصلية نتيجة للفوضى والصراعات المفتعلة.
هذه تقنية معروفة من تقنيات الحرب الإلكترونية ابتكرتها شركة Cambridge Analytica، وتسمّى هذه التقنية «اختطاف النقاش» Topic Hijacking أو «التشتيت المتعمّد» Deliberate Derailment، وهي استراتيجية شائعة يستخدمها الذباب الإلكتروني للتلاعب بالمحادثات عبر منصّات التواصل الاجتماعي.

خطوات هذه التقنية تشمل:
- 1| مراقبة المنشورات ذات القضايا الإنسانية أو المهمّة اجتماعياً.
- 2| تجاهل الموضوع الرئيس للمنشور (مثل التبرّع لامرأة مكلومة).
- 3| إثارة اتّهامات شخصية ضدّ كاتب المنشور (اتّهامك بالطائفية أو التطبيل).
- 4| تحويل النقاش نحو قضايا خلافية مرتبطة (مثل هُوِيَّة مرتكبي الجريمة).
- 5| إشعال الجدل الطائفي وخطاب الكراهيَة لصرف انتباه المتابعين.
- 6| استنزاف طاقة المناقشة بعيداً عن الهدف الأصلي (المساعدة الإنسانية).
الهدف النهائي هو تقويض المبادرات الإيجابية وإثارة الانقسامات، ممّا يؤدّي إلى إرهاق المشاركين الحقيقيّين وصرف الناس عن القضايا المهمّة مثل التضامن الإنساني.
هذه التصرّفات التي يمارسها رعيل من المشهورين بأنّهم «مثقّفين حياديّين» سوريّين، وذباب عراقي، ودبّان مصري، تعني وجود حرب إلكترونية منظّمة ضدّ حكومة الوطنية المؤقّتة في سوريَا. من يشعل هذه الحرب؟ ومن يموّلها؟ من صاحب المصلحة بدمار الثقة برئاسة أحمد الشرع، وتعطيل الوحدة الوطنية السورية؟
أترك لك الإجابة على هذا السؤال.
لكن، سأخبرك معلومات عن أهمّ الشركات التي تمارس هذه الحرب الإلكترونية وتمارس تدريب وإنشاء فرق معاركها، بصفة business فقط، مقابل المال، ودون ميول سياسية غالباً.
أهمّ الشركات عالمياً:
- 1| مجموعة ڤاگنر Wagner Group / Группа Вагнера – المقر: سانت بطرسبرگ، روسيا (قبل إعادة هيكلتها وتقسيمها إلى شركات أصغر).
- 2| وكالة IRA Агентство интернет-исследований مشهورة بلقب Troll Factory وهي من بنات مجموعة ڤاگنر.
- 3| كامبردج أناليتك Cambridge Analytica – المقرّ: لندن، المملكة المتحدة (أغلقت علانية في 2018 وتحوّلت إلى شركات سرّية موزّعة في جزر مستقلّة حول العالم).
- 4| بلاك كيوب Black Cube קוביה שחורה – المقرّ: تل أبيب، إسرائيل، مع مكاتب في لندن ومدريد.
- 5| مجموعة أرخميدس Archimedes Group קבוצת ארכימדס – المقرّ: تل أبيب، إسرائيل.
أهمّ الشركات الفاعلة في الشرق الأوسط:
- 1| مجموعة NSO Group קבוצת NSO – المقرّ: هرتسليا، إسرائيل.
- 2| مجموعة دارك ماتر DarkMatter Group / Digital14 – المقرّ: أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة.
- 3| سمات SMAAT – المقرّ: الرياض، المملكة العربية السُّعُودية.
- 4| نكسا Nexa Technologies (سابقاً Amesys) – المقرّ: پاريس، فرنسا.
- 5| تيم جورج Team Jorge תים חורחה – المقرّ: إسرائيل (تعمل بشكل سرّي، بدون مقرّ رسمي معلن) يقودها {تال حنان}، وهو ضابط سابق في القوّات الخاصّة الإسرائيلية.
- 6| مجموعة 42 Group 42 (G42) – المقرّ: أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة (منطقة مصفح).
- 7| نيو ويڤز New Waves – المقرّ: القاهرة، مصر (حيّ المعادي).
- 8| شركة SCL Social / Cambridge Analytica Middle East – المقرّات: مكاتب تمثيلية في أبو ظبي (الإمارات) والرياض (السُّعُودية)، مع مقر رئيس سابق في لندن. لكن لا توجد مكاتب علنية.
- 9| إميرديتا Emerdata Ltd – المقرّ: هونگ كونگ والمملكة المتحدة (خليفة لشركة Cambridge Analytica).
- 10| بحرين Watch – مؤسّسها هو {علي عبد الإمام} وليس لها مقرّ رسمي. ولها أنشطة في العراق.
- 11| شركة DFRLab : Digital Forensic Research Lab تتبع المجلس الأطلسي Atlantic Council – المقرّ: واشنطن العاصمة، الولايات المتّحدة الأميركية. ولها فروع في بركسل، لندن، سان فرانسيسكو.
هذه الشركات تعمل في مجالات متنوّعة من التأثير الرقمي، إدارة الحسابات الوهمية، استعمال الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، والعمليات السيبرانية المختلفة التي تستخدم في تكتيكات الذباب الإلكتروني.
التدريب والتطوير غالباً يتمّ في مراكز سيبرانية سرّية أو مؤسّسات أكاديمية خاصّة تُدرّس «إدارة الرأي العام الرقمي» و «الحرب النفسية السيبرانية». والأنظمة السياسية في الشرق الأوسط تميل إلى الاعتماد على شركات محلّية تدرّبها وتشرف عليها خبرات مستوردة من روسيا وإسرائيل. وهناك تداخل كبير بين الاستخبارات والأمن السيبراني، وحملات الذباب الإلكتروني في المنطقة.

تهدّد شركات التلاعب الرقمي السلم الأهلي والرأي العام بطرق متعدّدة ومخيفة، وتنعكس هذه المخاطر على عدّة مستويات من الحياة العامة.
على المستوى السياسي، تزعزع هذه الشركات الثقة بين المواطنين والأنظمة السياسية القائمة. فتسعى هذه الشركات بشكل ممنهج إلى تقويض العمليات الديمقراطية من طريق نشر معلومات مضلّلة تربك الناخبين وتشوّش عليهم. نتيجة لذلك، يتفاقم الاستقطاب السياسي بشكل حاد يصعب تجاوزه، ممّا يساهم في صعود التيّارات المتطرّفة التي تستفيد من حالة الفوضى المعلوماتية.
أما على صعيد النسيج الاجتماعي، فتعمل هذه الشركات على تعميق الشروخ الطائفية والإثنية الموجودة أصلاً في المجتمعات. فتستهدف حملاتها تحويل النقاشات العامة من فضاءات للحوار إلى ساحات للصراع والتناحر. كما أنّها تتعمّد تشويه صورة الفئات المستهدفة ونشر الكراهيَة ضدّها، ممّا يؤدّي إلى منع التضامن المجتمعي خاصّة في أوقات الأزمات التي تحتاج فيها المجتمعات للتكاتف والتآزر.
تمتدّ هذه المخاطر لتطال المبادرات المدنية، حيث تعطل هذه الشركات المبادرات الإنسانية بتحويل الانتباه عنها وإغراق النقاش العام بقضايا خلافية. هذا يؤدّي إلى استنزاف طاقة الناشطين ودفعهم للانسحاب من الفضاء العام. كما تسعى عمليات هذه الشركات إلى ربط العمل المدني بالانتماءات السياسية المختلفة، ممّا يخلق بيئة معادية للعمل التطوّعي والإنساني الذي يفترض أن يكون متجاوزاً للانقسامات السياسية.
يظهر خطر هذه الشركات بشكل أكثر وضوحاً في قدرتها على توظيف التِقَانَة المتطوّرة للتأثير على الرأي العام. ومع تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الشركات قادرة على إنتاج محتوى مضلّل وتعليقات مضلّلة بكمّيات هائلة وبدقّة عالية تجعل من الصعب على المستخدم العادي التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف، ممّا يزيد من فعّالية حملاتها وخطورتها على المجتمع بِرُمَّته.
مقاومة الذباب الإلكتروني
تتطلّب مقاومة الذباب الإلكتروني وتقنيات التلاعب الرقمي استراتيجيات متكاملة تعمل على مستويات مختلفة، بدءاً من الوعي الفردي وصولاً إلى التحركات المجتمعية والتقنية.
على الصعيد الفردي، تبدأ المقاومة بتطوير مهارات التفكير النقدي والقدرة على تمييز المحتوى المضلّل. يساعدك هذا على التشكيك في المعلومات المثيرة للانفعال والتحقّق منها قبل مشاركتها. عندما تواجه محاولات لتحويل النقاش عن موضوعه الأصلي، يمكنك كشف هذه المحاولات والإصرار على العودة للقضية الرئيسة. تعدّ قدرتك على تجاهل الاستفزازات الشخصية سلاحاً قويّاً، فعندما لا تردّ على الاتّهامات التي تهدف لصرف انتباهك، تفشل استراتيجية الذباب الإلكتروني. ويمكنك أيضاً الاستعانة بأدوات التحقّق من الحسابات المشبوهة لتحديد الحسابات الآلية التي غالباً ما تستخدم في هذه الحملات.
ينتقل العمل بعد ذلك إلى المستوى المجتمعي، حيث يمكن إنشاء مجموعات دعم رقمي تعمل شبكة متضامنة للدفاع عن المبادرات المهمّة ضدّ هجمات الذباب. وتلعب حملات التوعية دوراً محوريّاً في تعريف الناس بتقنيّات التلاعب الرقمي وكيفية التعرّف عليها. عندما تدعم المبادرات الإيجابية بشكل فعّال، تساهم في تعويض تأثير محاولات الصرف والتشتيت. توثيق الهجمات المنسّقة يوفّر أدلّة قيّمة يمكن استخدامها لفضح الحملات المنظّمة أمام الرأي العام.
على المستوى التقني والتنظيمي، تستطيع مطالبة منصات التواصل الاجتماعي بتحسين سياساتها وتطوير خوارزميات أكثر فعالية في كشف السلوك المنسّق. يساهم دعمك للمؤسّسات المستقلة التي ترصد حملات التضليل في بناء نظام مراقبة مجتمعي للتلاعب الرقمي. وتشكّل المساحات الآمنة بديلاً مهمّاً، حيث يمكنك نقل النقاشات الحسّاسة إلى منصّات أصغر أو مجموعات أكثر أماناً. ووضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع الهجمات يجعلك مستعدّاً عند تعرّض منشوراتك لهجوم منسّق.
تكمن قوّة المقاومة الحقيقية في الاستمرار بالعمل الإيجابي برغم كلّ المحاولات المنظّمة لإحباطه. فالهدف النهائي لحملات الذباب الإلكتروني هو إسكات الأصوات المؤثّرة ودفعها للاستسلام والانسحاب من الفضاء العام. وعندما تصرّ على الاستمرار في طرح القضايا المهمّة والدفاع عن المبادرات الإنسانية، تحبط الهدف الأساسي لهذه الحملات وتساهم في الحفاظ على فضاء عام صحي وبناء.
بين الدفاع والهجوم: استراتيجية المواجهة الذكية
تطرح فكرة تحوّل المتضرّرين من الدفاع إلى الهجوم عبر إنشاء مؤسّسات مضادّة للذباب الإلكتروني منظوراً جديداً يستحق التأمّل والدراسة.
يشعر كثيرون بإغراء اتباع نهج المواجهة المباشرة، خاصّة بعد التعرّض لهجمات منسّقة أثّرت على مبادراتهم الإنسانية وأعمالهم المدنية. يبدو منطقياً أن نستخدم نفس الأدوات التي استُخدمت ضدنا، لكن هذا المسار يحمل تحديات أخلاقية وعملية تستدعي التفكير العميق.
استخدام أساليب التضليل والتلاعب ذاتها يهدّد بتقويض مصداقية القضايا النبيلة التي نناضل من أجلها. فالمبادرات المدنية والإنسانية تستمدّ قوّتها وتأثيرها من ارتباطها بالحقيقة والشفافية. لكن، عندما ننزلق إلى مستنقع التضليل، نفقد المزيّة الأخلاقية التي تميّزنا عن خصومنا، ونساهم في تآكل الثقة التي بنيناها مع الجَمهور على مدى سنوات. كما يؤدّي التورّط في “حرب معلوماتية” شاملة إلى تفاقم مشكلة تلوّث الفضاء الرقمي، ممّا يجعل الوصول للحقيقة أكثر صعوبة على المواطن العادي. تخيّل عالماً تتصارع فيه جيوش إلكترونية متعدّدة، كل منها يدّعي امتلاك الحقيقة، وينشر روايته. سيؤدّي هذا حتماً إلى حالة من الفوضى المعرفية تضرّ بالمجتمع بِرُمَّته.
يمكن تبنّي استراتيجية المواجهة الذكية التي تجمع بين القوة والمبدئية. تقوم هذه الاستراتيجية على تأسيس شبكات للدفاع الإيجابي تعمل بمنهجية واضحة لكشف وتوثيق عمليات التضليل المنظمة. وتستخدم هذه الشبكات التِقَانَة المتطوّرة لتطوير أدوات تقنية للتعرّف على حملات التلاعب وتعقبها، ممّا يسمح بفضحها أمام الرأي العام. كما تشمل استراتيجية المواجهة الذكية أيضاً تدريب الناشطين على مواجهة حملات التضليل بفعّالية دون الانزلاق إلى مربّع الردود الانفعالية. فيتعلّم هؤلاء الناشطون كيفية التعامل مع محاولات تحويل النقاش، واستعادة التركيز على القضايا الجوهرية، وحماية المبادرات الإنسانية من هجمات التشويه.
تكتمل هذه الاستراتيجية بإنشاء منصّات موثوقة للمعلومات الدقيقة، تقدّم المحتوى الحقيقي بطريقة جذّابة وسهلة الوصول. هذه المنصات تملأ الفراغ المعلوماتي الذي غالباً ما تستغله حملات التضليل، وتوفر للمواطنين مصدراً موثوقاً للمعلومات في القضايا المختلفة. هذا النهج المتوازن يحقّق الفعّالية المطلوبة في مواجهة الذباب الإلكتروني، مع الحفاظ على القيم الأساسية للعمل المدني والإنساني. ويمثّل طريقاً ثالثاً بين الاستسلام والانسحاب من جهة، واتّباع نفس أساليب الخصوم غير الأخلاقية من جهة أخرى. المواجهة الذكية تستثمر في وعي الجَمهور وقدرته على تمييز الحقيقة إذا أتيحت له الأدوات المناسبة والمعلومات الدقيقة.





اترك رد