في الغابة الاجتماعية للوجود الإنساني، لا يوجد شعور بالحياة دون إحساس بالهوية. حواسّك غير قادرة فعلاً على إدراك حقيقة أنّك على قيد الحياة دون إحساسها أوّلاً بانتماء وهويّة.
ومن شرائع غابات مجتمعنا القاسية أنّنا لا نختار أيّاً من تفاصيل الهُوِيَّة… جرّب واسأل نفسك، هل اخترت أيّاً من الانتماءات التي تدافع يومياً عنها وتراها جزء لا ينفصل من هويّتك الشخصية؟ ما هي انتماءاتك؟ هل قرّرت بقناعة من نفسك اختيار كلّ انتماء منها؟
في الواقع، ومذ تعي معنى الكلمات في هذا العالم وأنت تُلقَّن انتماءاتك، وتُلقَّن هُوِيَّة… لا تعرف تماماً إن كنت تنتمي فعلاً إليها، ولا تفهم بدقّة معناها. لكنّك، ودون اختيار منك، تتبنّاها هُوِيَّة لك، وتصنع عليها بالتالي انتماءاتك، وولاءاتك، ويصبح شغلك أن تدافع عنها ليل نهار، لأنّها تمثّلك.
اسمك، كنيتك، قبيلتك، عشيرتك، مدينتك، قوميّتك، لغتك، لهجتك، معتقدك، دينك، مذهبك، عنوان بيت أهلك… تُلقّن من يجب أن تحبّ ومن يجب أن تكره… أنت تحبّ أولئك، وأنت تكره تنك، ويجب أن تكره هؤلاء… لا تفكّر! أنت بجيناتك ورثت هذه الهُوِيَّة، التي ما تورث بالجينات من الأساس. ثمّ ما تكدُ تتعلّم الكلام حتّى تُبعث إلى المدرسة، التي تلقّنك بالتالي هويّة أخرى غير تلك التي تعلّمتها في البيت… وإيّاك والمساءلة، فأنت تنتمي ولاك!
وإن فكّرت بالتجرّؤ على تغيير ولو تفصيل صغير من هذه الانتماءات الكثيرة، يعيدك الآخرون إلى غابة أهلك، وبذات العبارات وذات اللّهجة. لكن، بنغمة تعاديك هذه المرّة، فدأبهم هو الانتقاص والمعايرة، لكأنّ هويّتك عار عليك. يجب عليك التبرّؤ منه والاعتذار عن الانتماء إليه… دائرة من الذنب والفخر، ذلك الاعتزاز الملوّث بالعار. ودورة يوميّة من الخزي عزّاً وفخراً، وتناقض يُثقل عليك الهُوِيَّة.
في طفولتي كان جدّي الدمشقي يؤنّبني بعبارة “لا تكن إمّعة” ويطالبني أن أسأل عن هويّتي، ثمّ أقرأ تفاصيلها، وأتيقّن من فهمي لها، قبل الولاء لها والدفاع عنها… كان يصف الولاء دون فهم بالعواء. لربّما كان هذا ما دفعني في رحلة طويلة للبحث عن هويّة؛ لم تنته بعد. لكنّني وبفضلها تمكّنت خلال ثلاثين سنة من اختيار انتمائي واستطعت بالتالي على القرار يقيناً فيم أريد الدفاع عنه.
وفهمت في رحلتي هذه، التي لم تنته، أنّ الهُوِيَّة يَجِبُ ألاّ تُسند على متغيّرات، فالمهنة والتخصّص والمعتقدات كلّها متغيّرات لا ثوابت، ولا تمثّل هويّتي، طالمَا أنّ الاعتقاد يُساءل بالعقل وقد تتغيّر القناعات والأمزجة. لكن، في الحياة ثوابت لا تتغيّر ولا تُهان بالخيانة، فالدم ثابت لا يتغيّر، والولاء للذات وللصديق الصدوق ثابت لا يتغيّر.
أخي الحبيب، لا تكن إمّعة، اسأل نفسك عن ذاتك واصنع هويّتك بنفسك… يقول أوسكار وايلد: “الحالم هو شخص قادر على إيجاد طريقه ولو على ضوء القمر فقط وعقابه أنّه يرى الفجر قبل بقيّة العالم”. وأنت، أخي الحبيب، في يدك أن تنير القمر.





اترك رد