يعتقد الكثير من الناس أنّ قدامى العرب حرقوا البخور عن بساطة فكر وضعف معرفة، بغاية طرد الأرواح الشريرة وما إليه من هذه المعتقدات. لكن، من قراءتي لقطع من التراث العربي القديم أجد فكراً أعمق، مختلف عن التصوّر السائد عن الفلسفة العربية القديمة.
في الواقع، اهتمّ العرب كثراً بعلاج النفس وتحسين المزاج. بالنسبة لهم، كان علاج النفس أهمّ من علاج البدن. وما قد يكون شيئاً مستسخفاً لبعض الناس اليوم، رآه أغلب أسلافنا العرب شيئاً بمنتهى القيمة والضرورة. إذ أنّ العرب قديماً آمنوا أنّ الفكر السليم والقرار السليم يأت عن مزاج جيّد ونفس مرتاحة. وهذا لبّ الموضوع.

رأى أسلافنا العرب أنّ الحياة تضع بأحمالها شوائبًا على النفس، تماماً كما تضع على الثياب. وبينما يمكن غسيل الثياب بالماء لتطهيرها، تحتاج النفس إلى سبيل يغسل الأوساخ عنها. وهذا السبيل وجده أسلافنا في ثلاث أشياء: الرائحة الطيّبة، واللّحن الجميل، والكلمة الطيّبة. وهذا سبق علمي لما بين أيدينا من حضارة.
اليوم، نُشرت العديد من البحوث والدراسات التي تشير إلى أنّ الروائح والموسيقى والكلام الإيجابي يحملون تأثيرات إيجابية على الصحة النفسية والعقلية للأفراد.
ومن هؤلاء مثلاً الدكتورة راشيل هرز Dr. Rachel Herz عالمة نفسية وأستاذة مشاركة في جامعة براون الأميركية وجامعة وارويك البريطانية. والدكتور نعام سوبل Dr. Noam Sobel أستاذ وعالم أعصاب في معهد ويتزمان للعلوم بإسرائيل. اشتهروا بأبحاثهم حول تأثير الروائح على الذكريات والعواطف والسلوك الاجتماعي.
بالإضافة للدكتور إيڤانجيلوس هيمونيدس Dr. Evangelos Himonides أستاذ في جامعة لندن للتعليم والتأهيل المهني UCL في بريطانيا. والدكتورة هانه ميته ريدر Dr. Hanne Mette Ridder أستاذة في العلاج الموسيقي في جامعة ألبورگ في الدنمارك. اشتهروا بأبحاثهم حول تأثير الموسيقى على التعلّم والتطوّر النفسي والاجتماعي، والصحّة النفسية والعقلية.
وكذلك، الدكتورة باربرا فريدريكسون Dr. Barbara Fredrickson أستاذة في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل الأميركية. والدكتورة إيلونا بونيويل Dr. Ilona Boniwell مؤسّسة ورئيسة معهد علم النفس الإيجابي الأوروپي وأستاذة جامعة أنجيه الفرنسية. واشتهروا بنظرية “التوازن المتجدّد” Broaden-and-Build ودرساتهم حول التفكير الإيجابي والعواطف الإيجابية وتأثيرها على الصحة النفسية.
هؤلاء يعيدون اليوم دراسة وفهم ما فهمه أسلافنا قبل آلاف السنين، وأظهرت البحوث العلمية الحديثة صحّة هذه المفاهيم القديمة، حيث أكّدت على قوّة تأثير هذه العوامل الثلاث على الصحّة النفسية والجسدية. وعليه، يمكننا القول بأنّ معتقدات أسلافنا العرب حول الرائحة الطيّبة واللّحن الجميل والكلمة الطيّبة هي بداية لما يعرف اليوم بعلم النفس الإيجابي والعلاجات التكميلية.
ومن هذا الباب شرع العرب بعادات حرق البخور، وأرادوا بروائحه العطرة طرد “الشرور عن الروح”، وليس طرد الأرواح الشريرة. ففي مصطلحات زمنهم، كانت الأمراض والمتاعب النفسية تسمّى شرّ يصيب الروح. وكذلك كانت نظرتهم لفساد المزاج، وما يترك من أثر سيء وسلبي على رؤيتنا للعالم وقراراتنا وما يخرج عنّا من كلام. وحتّى معابد تلك الأزمان القديمة، زيّنها رهبانها وكهنتها بالبخور لأنّهم أرادوها أن تكون مأوى وملجأ للناس، تغسل فيها نفوسها وتشحن قلوبها، لتنتعش النفس.

واليوم، يُعتقد أنّ البخور يساعد في تهدئة الأعصاب وتحسين المزاج. ويمكن أن تساعد الروائح الطيّبة الناتجة عنه في تحفيز الجهاز العصبي المركزي لإفراز هرمونات مثل الإندورفين والسيروتونين، والتي تعمل على تعزيز الشعور بالسعادة والراحة. كما يمكن أن يساعد البخور في تخفيف التوتّر والقلق وتحسين التركيز والتأمل.
كما يُعتقد أنّ بعض أنواع البخور لها خصائص مضادّة للأكسدة ومضادّة للالتهابات ومضادّة للبكتيريا. وهذا يمكن أن يساعد في تحسين الصحّة الجسدية عن طريق تعزيز جهاز المناعة والحدّ من الالتهابات والأمراض. كما يُعتقد أن بعض أنواع البخور لها تأثيرات مهدئة على الجهاز التنفسي ويمكن أن تساعد في تخفيف أعراض الربو والتهاب الشعب الهوائية.
هذا منافع وفوائد رآها أسلافنا العرب ومن قديم الأزمان. فانتشرت مباخر البخور في كلّ مساكنهم ومنازلهم ومعاملهم، لا يخلو منها بيت. واعتقد أسلافنا أنّ الأشجار هي روح الأرض الطيّبة، والتي تمنحنا طيبها بمفرزات نستنشق رائحتها، فتتحوّل دخانًا يسهل دخوله إلى القلب وانحلاله في النفس… طالما أنّ الروح كذلك هي دخان وفق معتقدات العرب القديمة.
واليوم، هناك العديد من الأنواع الطبيعية والنقية من البخور التي يمكن استخدامها للتأثير على أمزجتنا وصحّتنا النفسية. وتتميّز هذه الأنواع بأنّها مصنوعة من مواد طبيعية وعضوية، مثل الراتنجات والأعشاب والأزهار والأخشاب. مثل اللّبان والمر والصندل والباتشولي والجاوي والمسك وهود الورد والعنبر.

اللّبان هو راتنج عطري يُستخرج من شجرة بوصيري (بوسويلي) Boswellia sacra، ويستخدم على نطاق واسع في الشعائر الدينية ولأغراض التأمل والاسترخاء. ويُعتقد أنّ له خصائص مضادة للالتهابات ومهدّئة للأعصاب. وأبرز مصادر اللّبان من قديم الأزمان وإلى اليوم اليمن والصومال.
المر هو راتنج آخر يُعتبر طبيعي ونقي، ويُستخرج من شجرة البَلَسان Commiphora. ويُستخدم المر بشكل تقليدي في الشعائر الدينية والعلاجية ولتحسين الصحّة النفسية والجسدية. ومتوفّر بأنواعه في أغلب البلاد العربية، وأفضل أنواع يسمّى لَقْهَم وهو بَلَسان سقطري مشهور في أنحاء العالم.
الصندل هو خشب عطري يُستخرج من شجرة الصَنْدَل Santalum، ويتميز برائحته العطرية الدافئة والمهدئة. يُستخدم الصندل لأغراض التأمل وتحسين المزاج والاسترخاء. وأبرز مصادره الهند وأستراليا وإندونيسيا.
الباتشولي هو عشب عطري ينتمي إلى عائلة النعناع، ويتميّز برائحته القويّة والأرضية. يُستخدم الباتشولي في صناعة العطور وكبخور لتحسين المزاج وتهدئة الأعصاب.
الجاوي هو نوع من البخور يُصنع من خليط من الراتنجات والأعشاب والأخشاب الطبيعية، مثل الجاوي الأحمر والجاوي الأسود. يُستخدم الجاوي لأغراض التطهير والتنقية وتحسين الصحة النفسية والجسدية. وإندونيسيا أبرز مصادره.
المسك هو ماّدة عطرية تُستخرج من غدد ظبي المسك Moschus moschiferus، وهو نوع من الظباء يعيش في وسط آسيا وجبال الهيمالايا، وأبرز مصادره أفغانستان والهند. كما تنتج المملكة المغربية صنفًا من المسك الاصطناعي، وهو مدعوم عالميًا بسبب قضايا الحفاظ على البيئة والحياة البرية والرفق بالحيوان.
كذلك، تعدّ المملكة المغربية من أبرز مصادر البخور على المستوى العربي، وتنتج أصنافاً مميّزة لتعطير المنازل والملابس وزيادة الطاقة الإيجابية، مثل عود الورد، والعنبر.

وبهذا، نجد أنّ حضارتنا العربية القديمة قد سبقت العالم في توجيه الإنسان نحو السعادة والرفاهية النفسية والجسدية، بأدوات طبيعية، ليس فيها دواء يبتلع ولا سيطرة على العقل ولا تشويه هورمونات. فقد استخدم أجدادنا الأعشاب والزيوت العطرية والبخور لتعزيز الصحّة والسلامة العقلية والجسدية والعاطفية.
ومن خلال ذلك، أسهمت هذه الحضارة في نشر مفهوم العلاج الشامل والتوازن بين الجسد والروح (النفس)، ممّا يعكس حكمة وثقافة شعوبنا العربية وتراثها العظيم، ويُظهر أهمّية استعادة هذا التراث وتبنّيه في عصرنا الحديث للحفاظ على جودة حياتنا ورفاهيّتنا. واليوم، نحتاج من جامعاتنا العربية زيادة الاهتمام ببحوث البخور ودراساتها، لتطوير طرائق حديثة وأكثر فاعلية لاستخراج الروائح النافعة من أصناف البخور المختلفة، بأقلّ السبل كلفة.






اترك رد