قراءة نقدية في البعثات الطبّيّة الأميركية بالمشرق العثماني
تمثّل البعثات الطبّيّة الأميركية في الأراضي العثمانية فصلاً محوريّاً في تاريخ الحداثة الطبّيّة بالمشرق العربي والأناضول. إذ استطاعت هذه البعثات – على مدى قرن كامل – أن تؤسّس شبكة واسعة من المؤسّسات الصحّية والتعليمية امتدّت من البلقان شمالاً إلى الخليج العربي جنوباً، وأن تُخرّج أجيالاً متعاقبة من الأطبّاء والصيادلة والممرّضات. غير أنّ أهمّية هذا الموضوع تتجاوز البُعد الطبّي الصِرف لتطال مسائل أعمق تتّصل بالتحديث والنهضة والهوية، وبالعلاقات المعقّدة بين الشرق والغرب في حقبة التحوّلات الكبرى التي شهدتها الإمبراطورية العثمانية قبيل انهيارها.
يكتسب هذا البحث راهنيّته من استمرار جُلّ المؤسّسات التي أنشأتها تلك البعثات حتّى يومنا هذا، فالجامعة الأميركية في بيروت لا تزال منارة علمية إقليمية، والمستشفى الأميركي في إسطنبول ما برح يُقدّم خدماته منذ أكثر من قرن، ومستشفى الملك حمد في البحرين يواصل رسالته بعد مئة وعشرين عاماً من التأسيس. هذا الاستمرار الاستثنائي يدعونا للتأمّل في طبّيعة هذه المؤسّسات ودورها التاريخي وإرثها الباقي.

بدأت القصّة في خريف عام 1819، حين أبحر بليني فِسك وليڤي پارسونز من ميناء بوسطن متوجّهَين صوب المشرق حاملَين معهما رؤية جديدة للعمل التبشيري تجمع بين الوعظ الديني والرعاية الصحّية والتعليم الحديث. وصل الرجلان إلى سميرنا – إزمير الحالية – في مطلع عام 1820، مُعلنَين بذلك انطلاق مشروع طموح سيترك أثراً عميقاً في نسيج المجتمعات العثمانية على اختلاف قوميّاتها وأديانها.
ويأتي فِسك وپارسونز من نفس الجماعة التي نظّمت كذلك مساعي التبشير المسيحي الپروتستانتي بين الأميركان الأصليّين في الولايات المتّحدة الأميركية.

توسّعت البعثات الأميركية بوتيرة متسارعة خلال العقود التالية، فأُنشئت “محطّة سوريا” في بيروت عام 1823، ثم توالى تأسيس المدارس والمستشفيات والمستوصفات في مختلف أرجاء الإمبراطورية. بلغ هذا التوسع ذروته مع تأسيس الكلّية السورية الپروتستانتية عام 1866 على يد الدكتور دانيال بلِس، وافتتاح كلّية الطبّ فيها بعد عام واحد، لتصبح بذلك أوّل كلّية طبّ في العالم العربي تُدرّس وفق المناهج الأميركية الحديثة.
شهدت الإمبراطورية العثمانية بحلول عام 1914 انتشار أربعمئة وخمسين مدرسة تابعة للبعثات الأميركية، إلى جانب تسع مستشفيات وعشرة مستوصفات تُقدّم الرعاية الصحّية لعشرات الآلاف من الناس سنوياً. خرّجت هذه المؤسّسات آلاف الأطبّاء والصيادلة والممرّضات من مختلف القوميّات والطوائف – عرباً وأتراكاً وأرمناً وأكراداً – ليُسهموا بدورهم في نشر الطبّ الحديث والمعرفة العلمية في مجتمعاتهم.
لكنّ البعثات الطبّيّة الأميركية لم تكن مجرّد مشروع طبّي خيري، بل تشابكت فيها دوافع متعدّدة: دينية تبشيرية، وإنسانية خيرية، وسياسية استراتيجية، واقتصادية تجارية. هذا التشابك جعل منها ظاهرة مُركّبة تستدعي قراءة تاريخية متوازنة لا تُغفل إنجازاتها الطبّيّة والتعليمية، ولا تتجاهل في الوقت ذاته سياقاتها الاستعمارية وأطرها الاستشراقية.

الجذور والنشأة: من بوسطن إلى سميرنا
تأسيس المجلس الأميركي وانطلاق الرسالة
شهد العقد الثاني من القرن التاسع عشر صحوة تبشيرية في الولايات المتّحدة الأميركية، تجلّت في تأسيس المجلس الأميركي لمفوّضي البعثات الأجنبية عام 1810. حصل هذا المجلس على ميثاق رسمي من ولاية ماساچوستس عام 1812، وسرعان ما بدأ في إرسال مبشّريه إلى شتى أصقاع المعمورة. غير أنّ الشرق الأدنى – وبالأخص الأراضي العثمانية – احتلّ مكانة خاصّة في تفكير المجلس، إذ رآه أرض الكتاب المقدّس ومهد المسيحية الأوّلى.
في الثالث منتشرين ثاني نوڤمبر عام 1819، أبحر بليني فِسك وليڤي پارسونز من ميناء بوسطن على متن سفينة متواضعة، حاملَين معهما قناعة راسخة بضرورة إحياء المسيحية في مواطنها الأصلية. وصل الرجلان إلى سميرنا – الميناء العثماني النابض بالحياة على الساحل الغربي للأناضول – في مطلع عام 1820، فكانت تلك اللّحظة بداية حقبة جديدة في تاريخ العلاقات الأميركية العثمانية.
استقبلت سميرنا المبشّرَين الأميركيَّين بتسامح نسبي، فالمدينة الساحلية اعتادت على تنوّع سكّانها وتعدّد مِللهم وطوائفهم. أدرك فِسك وپارسونز منذ البداية أنّ نجاح رسالتهما يتطلّب أكثر من الوعظ الديني المباشر؛ إذ لا بدّ من كسب ثقة السكّان المحلّيّين عبر تقديم خدمات ملموسة تُحسّن حياتهم اليومية. هنا برزت فكرة الجمع بين التبشير والطبّ والتعليم، وهي الفكرة التي ستُصبح السمة المميّزة للبعثات الأميركية في العقود التالية.
امتداد الشبكة: من سميرنا إلى بيروت
توفّى بليني فِسك مبكّراً عام 1825 عن عمر يناهز الثلاثة والثلاثين، لكنّ البذرة التي زرعها استمرّت في النموّ. أسّس المجلس الأميركي “محطّة سوريا” في بيروت عام 1823، مُختاراً المدينة الساحلية لموقعها الاستراتيجي وانفتاحها النسبي. وأصبحت بيروت بسرعة المركز الأهمّ للنشاط التبشيري الأميركي في المشرق العربي، وستشهد لاحقاً تأسيس أبرز المؤسّسات التعليمية والطبّيّة.
تزامن هذا التوسّع مع تحوّلات سياسية كبرى في الدولة العثمانية، إذ أطلق السلطان عبد المجيد الأوّل “التنظيمات” عام 1839، وهي سلسلة من الإصلاحات الإدارية والقانونية هدفت إلى تحديث الدولة وإضفاء طابع مدني على مؤسّساتها. منحت هذه الإصلاحات – وخاصّة {خط همايون} الصادر عام 1856 – حقوقاً أوسع للرعايا غير المسلمين، ووفّرت بيئة قانونية أكثر ملاءمة للعمل التبشيري الأجنبي.
استفادت البعثات الأميركية من هذا المناخ الجديد، فتوسّعت أنشطتها لتشمل مناطق جديدة في الأناضول والمشرق. ولم يكن التوسّع عشوائياً، بل اتّبع منطقاً استراتيجيّاً واضحاً: استهداف المناطق ذات الكثافة السكّانية المسيحية – وبالأخص الأرمنية – حيث تُتوقع استجابة أفضل للرسالة الپروتستانتية.

المؤسّسات الطبّيّة الكبرى: معالم في طريق الحداثة
الكلّية السورية الپروتستانتية: منارة العلم والطبّ
يُعدّ تأسيس الكلّية السورية الپروتستانتية Syrian Protestant College (SPC) عام 1866 نقطة تحوّل فاصلة في تاريخ التعليم العالي بالعالم العربي. قاد هذا المشروع الطموح الدكتور دانيال بلِس، وهو قسّ ومربٍّ أميركي وصل إلى بيروت عام 1856. استطاع بلِس أن يحصل على ميثاق تأسيس الكلّية من ولاية نيويورك عام 1863، برغم الحرب الأهلية الأميركية المستعرة آنذاك. في الثالث من كانون أوّل ديسمبر عام 1866، افتتحت الكلّية أبوابها رسميّاً بحضور ستّة عشر طالباً فقط، لكنّ هذا العدد المتواضع لم يكن إلا بداية لصرح تعليمي سيضمّ آلاف الطلّاب في العقود التالية.
أدرك بلِس منذ البداية أنّ الكلّية لا بدّ أن تتجاوز مجرّد التعليم الديني لتُقدّم معرفة علمية نافعة تُلبّي حاجات المجتمع. هكذا افتُتحت كلّية الطبّ عام 1867، لتكون أوّل كلّية طبّ في العالم العربي تُدرّس التشريح والفيزيولوجيا والأمراض وفق المناهج غرب الأوروپية والأميركية. شكّل هذا تحدّياً ثقافيّاً ودينيّاً، إذ لطالما حرّمت التقاليد الإسلامية واليهودية والمسيحية الشرقية تشريح جثث الموتى (الإسلامية بدأً من القرن 13م). لكنّ إدارة الكلّية نجحت في التفاوض مع السلطات العثمانية والمجتمعات المحلّية للحصول على إذن بممارسة التشريح لأغراض تعليمية.
تخرّجت أوّل دفعة طبّية عام 1871، وضمّت ستّة أطبّاء فقط، لكنّهم كانوا روّاداً فتحوا الطريق أمام الآلاف الذين تلَوهم. في العام نفسه، أُسّست مدرسة الصيدلة التي خرّجت أجيالاً من الصيادلة المحترفين. وفي عام 1905، افتُتح المستشفى الجامعي ومدرسة التمريض، لتكتمل بذلك المنظومة الطبّيّة المتكاملة: تعليم نظري، تدريب سريري، ورعاية صحّية للمرضى.
اختارت الكلّية اللّغة العربية لغةً للتدريس في سنواتها الأوّلى، وهو قرار استراتيجي هدف إلى تسهيل انتشار المعرفة الطبّيّة بين أوسع شريحة ممكنة من السكّان. غير أنّ هذا القرار أُلغي عام 1882 لمصلحة الإنگليزية، بعد أزمة حادّة نشبت حول نظرية داروين في النشوء والارتقاء، وهي الأزمة التي أدّت إلى استقالة أستاذَين بارزَين هما كورنيليوس ڤان دايك وجورج پوست.

المستشفيات والمستوصفات: شبكة الرعاية الصحّية
لم تقتصر البعثات الطبّيّة على التعليم الجامعي، بل امتدّت لتشمل إنشاء مستشفيات ومستوصفات في مختلف المدن والأقاليم العثمانية. افتُتح مستشفى أزاريا سميث في عينتاب – جنوب شرق الأناضول – عام 1880، ليُصبح مركزاً طبّيّاً مهمّاً يخدم المنطقة بأسرها. تلاه مستشفى البصرة ومستوصف البحرين عام 1892، ثمّ مستشفى ماسون في البحرين عام 1903، وهو أوّل مستشفى حديث في منطقة الخليج العربي بِرُمَّتها.
انتشرت المستوصفات الصغيرة في مدن عديدة مثل صيدا وطرابلس والقدس وحربوت وڤان وقيصري، وكانت تُقدّم خدمات طبّية مجّانية أو شبه مجّانية للمحتاجين بغضّ النظر عن دينهم أو مذهبهم. هذا النمط من الخدمة الطبّيّة الخيرية لم يكن مألوفاً في المجتمعات العثمانية آنذاك، ما أكسب البعثات سمعة طيّبة وثقة متزايدة.
توزّعت المستشفيات والمستوصفات وفق منطق جغرافي وديموغرافي محدّد. ففي وسط الأناضول وشرقه، تركّزت المؤسّسات الطبّيّة في المناطق ذات الكثافة الأرمنية العالية، مثل عينتاب ومرعش وحربوت وڤان وبتليس. أمّا في الشام، فكانت بيروت المركز الأهمّ، مع امتدادات في المدن الساحلية والداخلية. وفي العراق والخليج، استهدفت البعثات الموانئ والمراكز التجارية مثل البصرة والكويت والبحرين.
بلغ عدد المستشفيات التابعة للبعثات تسع مستشفيات بحلول عام 1914، إلى جانب عشرة مستوصفات وعشرات العيادات الصغيرة. وكانت هذه الأرقام متواضعة قياساً إلى حجم السكّان الهائل في الإمبراطورية العثمانية، لكنّ تأثيرها تجاوز بكثير أعداد المرضى الذين عالجتهم، إذ شكّلت نموذجاً جديداً للرعاية الصحّية المؤسّسية المنظّمة.
الأعلام الطبّيون: رجال صنعوا تاريخاً

الحكيم كورنيليوس ڤان دايك: الطبيب اللّغوي
برز الدكتور كورنيليوس ڤان دايك (1818-1895) باعتباره إحدى أبرز شخصيّات البعثات الطبّيّة الأميركية على الإطلاق. وصل إلى بيروت عام 1840 شابّاً في الثانية والعشرين من عمره، وسرعان ما أتقن العربية إتقاناً مبهراً مكّنه من الكتابة بها والتدريس فيها. فعُيّن أستاذاً لعلم الأمراض والطبّ الباطني في كلّية الطبّ عند افتتاحها عام 1867، واستمر في التدريس حتّى عام 1882 حين استقال احتجاجاً على فرض الإنگليزية لغةً للتدريس.
تجاوزت إسهامات ڤان دايك التدريس الطبّي لتشمل حقولاً متعدّدة. أنجز الترجمة العربية الكاملة للكتاب المقدّس عام 1865، وهي الترجمة التي لا تزال الأكثر انتشاراً بين المسيحيّين العرب حتّى اليوم. كما ألّف أكثر من عشرين كتاباً طبّياً بالعربية، شملت موضوعات متنوّعة من الأمراض الباطنية إلى الصحّة العامّة. وأصبحت هذه الكتب مراجع أساسية لأجيال من الأطبّاء والطلاب العرب.
عُرف ڤان دايك بلقب “الحكيم”، وهو لقب احترام وتبجيل نادراً ما يُطلق على الأجانب في المجتمعات العثمانية. وكسب ثقة الناس على اختلاف طوائفهم – مسلمين ومسيحيّين ودروزاً ويهوداً – بفضل مهارته الطبّيّة وتواضعه وإتقانه للغتهم. سُمّي شارع باسمه في بيروت، وسُميّت قاعة في الجامعة الأميركية تخليداً لذكراه، وهي تكريمات تظهر المكانة الرفيعة التي بلغها في المجتمع اللّبناني.

دانيال بلِس: المؤسّس الرؤيوي
ولد دانيال بلِس عام 1823 في ولاية ڤرمونت الأميركية، ووصل إلى بيروت عام 1856 حاملاً حلماً بتأسيس مؤسّسة تعليمية كبرى تجمع بين التربية الدينية والعلوم الحديثة. استطاع بلِس – برغم التحدّيات المالية والإدارية الهائلة – أن يحصل على ميثاق تأسيس الكلّية السورية الپروتستانتية من ولاية نيويورك عام 1863، وأن يفتتحها رسميّاً في الثالث من كانون أوّل ديسمبر عام 1866.
رأس بلِس الكلّية حتّى عام 1902، أي طيلة ست وثلاثين عاماً شهدت خلالها المؤسّسة نموّاً مطّرداً في عدد الطلاب والأساتذة والكليات. ونجح في جمع التبرّعات من الأثرياء الأميركيّين لتمويل البناء والتوسّع، وفي استقطاب أساتذة أكفّاء من أميركا وأوروپا، وفي بناء علاقات متوازنة بالسلطات العثمانية والقوى المحلّية المتنافسة.
سُمّي شارع بلِس في بيروت تكريماً لهذا الرجل الذي كرّس حياته لخدمة التعليم. خلفه ابنه هوارد بلِس في رئاسة الكلّية، ليستمرّ الإرث العائلي حتّى العشرينيّات من القرن العشرين.

جورج إدوارد پوست: الجرّاح النباتي
جمع الدكتور جورج پوست (1838-1909) بين الطبّ والنبات بطريقة فريدة. عُيّن أستاذاً للجراحة وعلم النبات في الكلّية السورية الپروتستانتية عام 1868، واستمرّ في التدريس حتّى وفاته عام 1909. واشتهر پوست بمهارته الجراحية الفائقة، لكنّ شهرته الأوسع جاءت من أعماله النباتية.
ألّف پوست كتاب “نباتات سوريا وفلسطين وسيناء”، وهو موسوعة نباتية ضخمة جمع فيها آلاف الأنواع النباتية ووصفها وصفاً علميّاً دقيقاً. وأنشأ “معشبة پوست” التي احتوت على عيّنات مجفّفة لنباتات المنطقة، وأصبحت أكبر المعاشب في الشرق الأوسط والمرجع الأساسي للباحثين في علم النبات الإقليمي.
استقال پوست من الكلّية عام 1882 مع زميله ڤان دايك احتجاجاً على فرض الإنجليزية، لكنه عاد للتدريس بعد سنوات. تُوفّى في بيروت عام 1909 بعد أن أمضى أكثر من أربعين عاماً في خدمة العلم والطبّ.

كلارنس دوگلاس أوشر: الشاهد على المأساة
اكتسب الدكتور كلارنس أوشر (1870-1955) شهرته من شهادته الموثّقة على الإبادة الأرمنية. وصل إلى مدينة ڤان في شرق الأناضول عام 1898، وأسّس المستشفى الأميركي هناك. وعاش أوشر بين الأرمن سبعة عشر عاماً، وأتقن لغتهم، وكسب ثقتهم العميقة.
حين اندلعت الحرب العالمية الأوّلى عام 1914، وبدأت الفصائل الكردية الحميدية حملة القتل الممنهجة ضدّ الأرمن في ربيع عام 1915، وجد أوشر نفسه شاهداً على مذبحة مروّعة. وثّق في مذكراته ورسائله مقتل خمسة وخمسين ألف أرمني في ڤان ونواحيها، ووصف بتفصيل مؤلم عمليّات القتل والترحيل القسري.
نشر أوشر كتابه “طبيب أميركي في تركيا” عام 1917، وهو من أوائل الشهادات المباشرة على الإبادة الأرمنية باللّغة الإنگليزية. وساعد الكتاب في لفت انتباه الرأي العام الأميركي إلى المأساة، ودعم الحملات الإغاثية التي تلت الحرب. لكنّه في ذات الوقت اتّهم السلطات العثمانية بكامل المسؤولية عن المجازر، مغيّباً الدور الكردي الخارج عن القانون، ومغيّباً كذلك دور الجيش العثماني الساعي للفصل بين الأكراد والأرمن حماية للأرمن.

كلارا بارتون: المُسعِفة العجوز
لم تكن كلارا بارتون (1821-1912) طبّيبة بالمعنى الحرفي، لكنّها كانت ممرّضة ومُسعِفة ومؤسّسة الصليب الأحمر الأميركي. في عام 1896، حين بلغت الخامسة والسبعين من عمرها، قادت بارتون بعثة إغاثة أميركية إلى الأناضول لمساعدة الأرمن الناجين من المذابح الحميدية التي راح ضحيّتها مئات الآلاف.
عمل فريق بارتون لعدّة أشهر في مناطق متفرّقة من الأناضول، وعالج أكثر من عشرة آلاف مريض ومُصاب. وقدّرت بارتون أنّ جهود بعثتها أنقذت حياة خمسين ألف أرمني كانوا مهدّدين بالموت من الجوع والمرض. عادت إلى أميركا عام 1897، واستمرّت في جمع التبرّعات لمصلحة الأرمن حتّى وفاتها عام 1912.
الانتشار الجغرافي: خريطة المؤسّسات

الشام: القلب النابض
احتلّت الشام – وبالأخصّ بيروت – موقع القلب في شبكة البعثات الطبّيّة الأميركية. مثّلت الجامعة الأميركية في بيروت المركز الفكري والعلمي الذي أشعّ على المنطقة بأسرها. وضمّت الجامعة بحلول مطلع القرن العشرين كلّية الطبّ، ومدرسة الصيدلة، ومدرسة التمريض، والمستشفى الجامعي، وكلّيّات أخرى للآداب والعلوم.
امتدّت الخدمات الطبّيّة خارج بيروت لتشمل مدناً ساحلية أخرى مثل صيدا وطرابلس وعكّا، إلى جانب مدن داخلية مثل القدس ونابلس والناصرة. كانت هذه المستوصفات أصغر حجماً من المستشفيات الكبرى، لكنّها أدّت دوراً حيويّاً في تقديم الرعاية الصحّية للسكّان المحلّيّين، خاصّة الفقراء منهم.
استفادت البعثات في الشام من عوامل عديدة: الموقع الجغرافي المتوسّط بين مصر والأناضول، والتنوّع الديني والطائفي الذي سهّل العمل التبشيري، والحضور غرب الأوروپي القوي الذي وفّر حماية سياسية ودبلوماسية. كما ساعد صعود النهضة العربية وحركة التنوير العربي على خلق بيئة فكرية منفتحة على الأفكار والمعارف الجديدة القادمة من الغرب.
لم تقتصر أهمّية بيروت على كونها مركزاً طبّياً محلّياً، بل أصبحت مقصداً لطلّاب الطبّ من مختلف أنحاء العالم العربي والعثماني. التحق بكلّية الطبّ طلّاب من مصر والعراق والحجاز واليمن وحتّى من الهند وإيران، ما جعل منها مؤسّسة إقليمية بامتياز. وعاد هؤلاء الخرّيجون إلى بلدانهم حاملين معهم المعارف الطبّيّة الحديثة، فأسهموا في نشرها وتوطينها في سياقاتهم المحلّية.

الأناضول: الشبكة الكثيفة
شهدت منطقة الأناضول – قلب الدولة العثمانية الجغرافي – انتشاراً واسعاً ومنظّماً للمؤسّسات الطبّيّة التابعة للبعثات الأميركية. امتدّت هذه الشبكة من غرب الأناضول إلى أقصى شرقه، مع تركيز خاص على المناطق ذات الكثافة الأرمنية المرتفعة.
في وسط الأناضول، برزت عينتاب مركز طبّي رئيس بعد افتتاح مستشفى أزاريا سميث عام 1880. خدم هذا المستشفى منطقة واسعة امتدت من حلب جنوباً إلى ملاطية شمالاً، ومن البحر المتوسّط غرباً إلى ديار بكر شرقاً. تبعته مستشفيات أصغر في مرعش وطلاص وقيصري وأضنة وطرسوس، لتشكّل جميعها شبكة متكاملة من الرعاية الصحّية.
أمّا في شرق الأناضول، تركّزت المؤسّسات الطبّيّة في المدن الأرمنية الكبرى. أُنشئت كلّية الفرات في حربوت، وضمّت قسماً للطبّ إلى جانب أقسام اللّاهوت والآداب. افتُتحت مستشفيات في ڤان وبتليس وديار بكر وأرضروم وماردين وسيڤاس، وكانت جميعها تخدم في المقام الأوّل السكّان الأرمن، برغم أنّ أبوابها ظلّت مفتوحة للأكراد والأتراك والسريان أيضاً.
اتّخذت البعثات من الكنائس الپروتستانتية الأرمنية قواعد لها، إذ تحوّل آلاف الأرمن من المذهب الأرثوذكسي التقليدي إلى الپروتستانتية على يد المبشرين الأميركيّين. وأثار هذا التحوّل غضب الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية، لكنّه وفّر للبعثات قاعدة اجتماعية صلبة مكّنتها من التوسع والاستمرار.
نظّم المجلس الأميركي عمله في الأناضول وفق تقسيم إداري واضح أُقرّ في اجتماع حربوت عام 1860. قُسّمت المنطقة إلى ثلاث بعثات رئيسة: بعثة تركيا الغربية ومقرّها مرزيفون، وبعثة تركيا الوسطى ومقرها قيصري مع محطّات في طلاص وعينتاب، وبعثة تركيا الشرقية ومقرّها حربوت مع محطّات في ڤان وبتليس. سهّل هذا التقسيم التنسيق بين المحطات المختلفة، ومكّن كل بعثة من التركيز على منطقتها الجغرافية دون تداخل أو تضارب.

العراق وشبه الجزيرة العربية: الامتداد الجنوبي
امتدّت البعثات الطبّيّة الأميركية جنوباً لتصل إلى العراق وشبه الجزيرة العربية، برغم صعوبة الظروف المناخية والسياسية في تلك المناطق. افتُتح مستشفى البصرة عام 1892، وأصبح المركز الطبّي الأهم في جنوب العراق. تبعه افتتاح مستوصف البحرين في العام نفسه، ثم مستشفى ماسون في البحرين عام 1903، وهو أوّل مستشفى حديث في منطقة الخليج العربي بِرُمَّتها.
مثّل العمل الطبّي في شبه الجزيرة العربية تحدّياً فريداً للبعثات، إذ كان عليها التعامل مع مجتمعات محافظة دينيّاً، وبيئة صحراوية قاسية، وسلطات سياسية مفكّكة تتنافس على النفوذ. مع ذلك، نجحت البعثات في كسب ثقة السكّان المحلّيّين بفضل الخدمات الطبّيّة المجّانية التي قدّمتها، خاصّة في معالجة الأمراض المستوطنة مثل الملاريا والتراخوما والجدري.
توسّع النشاط الطبّي الأميركي لاحقاً ليشمل الكويت وعُمان، وإن بدرجة أقل من البحرين. في العراق، افتُتح مستشفى في بغداد عام 1924، بعد انتهاء الحرب العالمية الأوّلى وتأسيس المملكة العراقية تحت الانتداب البريطاني. كما شهدت الموصل وكركوك نشاطاً طبّياً محدوداً، لكنّه لم يصل إلى مستوى المؤسّسات الكبرى في البصرة وبغداد.
استفادت البعثات في الخليج من التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية، إذ سعت كل قوّة لكسب ودّ السكّان المحلّيّين وزعمائهم. استطاعت الولايات المتّحدة – بوصفها قوّة غير استعمارية آنذاك – أن تقدّم نفسها طرف محايد يهتمّ بالصحّة والتعليم دون أطماع سياسية مباشرة، برغم أنّ هذه الصورة لم تكن دقيقة تماماً.

إسطنبول والبلقان: الحضور المحدود
ظلّ الحضور الطبّي الأميركي في العاصمة العثمانية إسطنبول محدوداً نسبيّاً حتّى العقد الثاني من القرن العشرين. أُسّست كلّية روبرت عام 1863 مؤسّسة تعليمية للبنين، وضمّت أقساماً للعلوم والآداب، لكنّها لم تؤسّس كلّية طبّية. جاء الحضور الطبّي الأميركي الأبرز في إسطنبول مع افتتاح المستشفى الأميركي عام 1920، بعد انتهاء الحرب العالمية الأوّلى مباشرة.
فسّر هذا التأخر في التوسّع الطبّي بإسطنبول بعوامل عديدة، أبرزها وجود مؤسّسات طبّية عثمانية حديثة أسّسها السلاطين الإصلاحيّون، مثل المدرسة الطبّيّة الإمبراطورية (مكتب طبّ شاهانه) التي أُنشئت عام 1827. كما أنّ الرقابة الحكومية في العاصمة كانت أكثر صرامة من الولايات الطرفية، ما حدّ من حرّية حركة المبشّرين. أضف إلى ذلك أنّ الجاليات غرب الأوروپية في إسطنبول كانت تملك مستشفياتها الخاصّة، ما قلّل الحاجة لمستشفيات أميركية.
في منطقة البلقان، ظلّ النشاط الطبّي الأميركي محدوداً للغاية. شهدت اليونان وسالونيك بعض النشاط التبشيري التعليمي، لكنّ المؤسّسات الطبّيّة كانت نادرة. ركّز المبشرون الأميركيون في البلقان على التعليم الابتدائي والثانوي، تاركين المجال الطبّي للمؤسّسات الأوروپية الأكثر نفوذاً في المنطقة.

التطوّر المؤسّسي والتوسّع الاستراتيجي
مرحلة التأسيس والنموّ (1860-1890)
شهدت العقود الثلاثة بين 1860 و1890 نموّاً تدريجيّاً ولكن مطّرداً في عدد المؤسّسات الطبّيّة وحجمها ونطاق خدماتها. بدأت هذه المرحلة بتأسيس الكلّية السورية الپروتستانتية عام 1866، وهو حدث فاصل نقل البعثات من مرحلة العمل الخيري المحدود إلى مرحلة المؤسّسية الكاملة.
اتّسمت هذه المرحلة باعتماد البعثات على التبرّعات الخاصّة من الأثرياء الأميركيّين، الذين شجّعهم المبشرون على دعم “نشر الحضارة المسيحية في الشرق الوثني”. جُمعت مبالغ كبيرة سمحت ببناء مبانٍ ضخمة، واستقدام أساتذة أكفّاء، وشراء معدّات طبّية حديثة.
تطوّرت المناهج الطبّيّة تدريجيّاً لتواكب آخر المستجدّات في غرب أوروپا وأميركا. وبدأت كلّية الطبّ في بيروت بمنهج بسيط يركّز على الأساسيّات، لكنّها أضافت تدريجيّاً تخصّصات جديدة مثل الجراحة والتوليد وطبّ الأطفال والأمراض العقلية. واستُقدم أساتذة متخصّصون من الولايات المتّحدة، كما أُرسل بعض الخرّيجين المتميّزين للدراسة في جامعات أميركية وغرب أوروپية ثمّ العودة للتدريس.
واجهت البعثات تحدّيات جمّة خلال هذه المرحلة، أبرزها المقاومة الدينية والاجتماعية لبعض الممارسات الطبّيّة. فالتشريح – الذي يُعدّ أساس التعليم الطبّي الحديث – كان محرّماً في التقاليد الدينية الإسلامية (منذ القرن 13) والمسيحية الشرقية. اضطرّت إدارة الكلّية للتفاوض مع السلطات العثمانية والزعماء الدينيّين للحصول على إذن باستخدام جثث المجرمين المعدومين والأشخاص مجهولي الهوية لأغراض تعليمية.
كما واجهت البعثات مقاومة من الأطبّاء التقليديين – الحكماء والعطّارين والحجّامين – الذين رأوا في الطبّ الحديث تهديداً لمصالحهم ومكانتهم الاجتماعية. لكنّ نجاح الأطبّاء الخريجين في معالجة أمراض كانت تُعدّ مستعصية، وانتشار الأخبار عن عمليّات جراحية ناجحة، ساعدا تدريجياً على كسب ثقة الجمهور.

مرحلة النضج والازدهار (1890-1914)
دخلت البعثات الطبّيّة مرحلة نضج كامل بحلول العقد الأخير من القرن التاسع عشر. تضاعف عدد المستشفيات والمستوصفات، وارتفع عدد الطلّاب الملتحقين بكلّية الطبّ في بيروت إلى مئات سنويّاً، وتخرّجت أجيال من الأطبّاء الأكفّاء الذين انتشروا في مختلف أنحاء الدولة العثمانية وخارجها.
شهدت هذه المرحلة تطوّراً نوعيّاً في الخدمات الطبّيّة المقدّمة. لم تعد المستشفيات تكتفي بمعالجة الحالات البسيطة، بل أصبحت تُجري عمليّات جراحية معقّدة، وتستخدم تقنيات تشخيصية حديثة مثل الأشعّة السينية التي اكتُشفت عام 1895. افتُتحت أقسام متخصّصة للأمراض المعدية، وللأمراض النفسية، وللتوليد ورعاية الأطفال.
كما شهدت هذه المرحلة دخول النساء إلى المجال الطبّي بأعداد متزايدة. افتُتحت مدرسة التمريض في بيروت عام 1905، وخرّجت أجيالاً من الممرّضات المحترفات. كانت هذه خطوة ثورية في مجتمعات محافظة كانت تحصر النساء في البيوت، إذ فتحت المهنة الطبّيّة أمامهن مجالاً جديداً للعمل والاستقلال المادي.
بلغ عدد المدارس التابعة للبعثات أربعمئة وخمسين مدرسة بحلول عام 1914، إلى جانب تسع مستشفيات وعشرة مستوصفات. كانت هذه الشبكة الواسعة تخدم مئات الآلاف من الناس سنويّاً، وتُخرّج آلاف الطلاب الذين يحملون معهم لا القراءة والكتابة فحسب، بل أيضاً قيماً جديدة تتعلّق بالنظافة والصحّة العامّة والوقاية من الأمراض.
أسهمت البعثات خلال هذه المرحلة في حملات تطعيم واسعة ضدّ الجدري، وفي نشر الوعي حول أهمّية النظافة الشخصية ونظافة مياه الشرب، وفي مكافحة الأمراض المستوطنة مثل الملاريا والتراخوما. هذه الجهود – برغم محدودية نطاقها – تركت أثراً إيجابيّاً على الصحّة العامّة في المناطق التي عملت فيها.

الحرب الكبرى والاستجابة الإنسانية
الكارثة الأرمنية وشهادات العيان
جاءت الحرب العالمية الأوّلى (1914-1918) بكوارث لم يسبق لها مثيل على شعوب الدولة العثمانية، وكان الأرمن أكثر الضحايا مأساوية. بدأت السلطات العثمانية في ربيع عام 1915 حملة ترحيل قسري واسعة النطاق للأرمن من مناطقهم التاريخية في شرق الأناضول، بحجة أنّهم يشكّلون خطراً أمنيّاً في ظلّ الحرب مع روسيا بسبب انحيازهم عسكريّاً إلى روسيا، ولحمايتهم من حملات الفصائل الكردية على قراهم.
وجد الأطبّاء والممرّضون الأميركيّون العاملون في مستشفيات الأناضول أنفسهم شهوداً على هذه المأساة. كان الدكتور كلارنس أوشر في ڤان حين بدأت المذابح، ووثّق بتفصيل مروّع ما شاهده من قتل وحرق للقرى الأرمنية والسريانية. وكتب في مذكّراته عن جثث الأطفال الرضّع الملقاة في الطرقات، وعن النساء المُغتصبات، وعن الرجال المُعدَمين جماعيّاً.
حاول الأطبّاء الأميركيّون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فحوّلوا مستشفياتهم إلى ملاجئ للّاجئين، وخبّأوا الأطفال الأرمن في دور الأيتام، وأرسلوا نداءات استغاثة عاجلة إلى السفارة الأميركية في إسطنبول وإلى الصحف الأميركية. لكنّ قدرتهم على المساعدة ظلّت محدودة للغاية أمام حجم الكارثة.
ميلاد إغاثة الشرق الأدنى
استجابت الولايات المتّحدة – التي لم تكن دخلت الحرب بعد – بتأسيس “اللّجنة الأميركية للإغاثة الأرمنية والسورية” في السادس عشر من أيلول سبتمبر عام 1915. هدفت هذه اللّجنة لجمع التبرّعات من الأميركيّين لمساعدة ضحايا الحرب في الدولة العثمانية، خاصّة الأرمن والسريان.
نجحت اللّجنة في جمع ملايين الدولارات بفضل حملة إعلامية واسعة استخدمت الصحف والملصقات والخطب العامّة. وصوّرت الحملة معاناة الأرمن بطريقة مؤثّرة، مستخدمة صوراً لأطفال جائعين ونساء منكوبات. أدمج الكونگرس الأميركي اللّجنة رسميّاً في السادس من آب أغسطس عام 1919 تحت اسم “إغاثة الشرق الأدنى” Near East Relief، ما منحها صفة قانونية وسمح لها بتوسيع عملياتها.

عمليّات الإغاثة الضخمة
بلغت عمليات إغاثة الشرق الأدنى ذروتها عام 1921، حين أدارت المنظّمة 63 مستشفى بسعة إجمالية قدرها 6522 سريراً، و128 عيادة، و229 دار أيتام. عالجت هذه المرافق 561970 شخصاً، معظمهم من الأرمن الناجين من الإبادة.
استضافت دور الأيتام التابعة للمنظّمة مئة ألف طفل بحلول شباط فبراير عام 1921. كان معظم هؤلاء الأطفال يتامى فقدوا آباءهم وأمّهاتهم في المذابح أو في مسيرات الترحيل القاتلة عبر الصحاري. ووفّرت دور الأيتام لهم المأوى والطعام والتعليم، وحاولت – قدر الإمكان – الحفاظ على هويّتهم الأرمنية ولغتهم في ظروف بالغة الصعوبة.
عملت إغاثة الشرق الأدنى في مناطق متفرّقة من الأناضول وسوريا ولبنان والعراق واليونان. وواجهت المنظّمة تحدّيات جسيمة: نقص الإمدادات، وصعوبة النقل في ظلّ الحرب، والأوبئة المتفشّية، والعداء من السلطات العثمانية التي كانت تنظر بعين الريبة إلى نشاط أميركي يدعم “أعداء الدولة” الموالين للروس.
الإجلاء الكبير (1922-1923)
جاءت الضربة الأخيرة للوجود الأرمني في الأناضول مع انتصار الحركة الكمالية وإعلان الجمهورية التركية. في عام 1922، وتلبية لطلب بريطاني أُجلي خمسة عشر ألف طفل من دور أيتام إغاثة الشرق الأدنى من تركيا عبر بحر إيجه إلى اليونان. وكانت عملية إجلاء مأساوية، تمّت في ظروف فوضوية في حين كانت الحرب التركية اليونانية تقترب من نهايتها بانتصار الأتراك.
أنهى هذا الإجلاء فعليّاً الحضور الأرمني الكبير في الأناضول، وأنهى معه الحضور الطبّي الأميركي الواسع في المناطق ذات الأغلبية الأرمنية. وبحلول عام 1928، لم يبقَ سوى ثلاث مستشفيات أميركية عاملة في تركيا، مقابل تسع مستشفيات كانت تعمل عام 1914. وانكمش الوجود الأميركي بشكل دراماتيكي، وتركّز في إسطنبول وعينتاب فقط.

مصائر المؤسّسات بعد الانهيار العثماني
تركيا: التضييق والاستمرار المحدود
فرضت الجمهورية التركية الجديدة سياسات صارمة على المؤسّسات الأجنبية، سعياً لتأكيد السيادة الوطنية وبناء دولة علمانية حديثة على أسس تركيّة قومية خالصة. أُغلقت معظم المدارس التبشيرية، وصودرت بعض الممتلكات، وطُرد بعض المبشّرين. غير أنّ بعض المؤسّسات الطبّيّة نجت بفضل قيمتها الخدمية وقدرتها على التكيّف.
استمرّ المستشفى الأميركي في إسطنبول Vehbi Koç Vakfı Amerikan Hastanesi في العمل، ونجح في الحفاظ على مكانته مؤسّسة طبّية رائدة. تحوّل تدريجيّاً من مؤسّسة تبشيرية إلى مؤسّسة طبّية خالصة، واستقطبّ مرضى من الطبقات الميسورة التركية والأجنبية. وفي عام 1994، نُقلت ملكية المستشفى إلى مؤسّسة كوتش، وهي مؤسّسة تركية خيرية، لكنّه حافظ على اسمه وإرثه.
كذلك استمرّ مستشفى SEV في غازي عينتاب (عينتاب الجديدة) في تقديم خدماته، وهو يواصل العمل حتّى اليوم بعد أكثر من قرن ونصف من التأسيس. أمّا كلّية روبرت في إسطنبول، فاستمرّت مدرسة ثانوية، في حين تحوّل قسمها الجامعي لاحقاً إلى جامعة بوغازيچي الحكومية عام 1971.
في عام 1968، أُنشئت مؤسّسة SEV منظّمة تركية خاصّة لتولي إدارة ممتلكات المجلس الأميركي في تركيا. مثّلت هذه الخطوة تسوية توفيقية سمحت باستمرار المؤسّسات التعليمية والصحّية تحت إدارة تركية، مع الحفاظ على روابط رمزية بالمؤسّس الأميركي.

لبنان: الازدهار والاستمرار
شكّلت الجامعة الأميركية في بيروت حالة استثنائية، إذ لم تواجه التحدّيات الوجودية التي واجهتها المؤسّسات الأميركية في تركيا. في الثامن عشر من تشرين ثاني نوڤمبر عام 1920، أُعيدت تسمية الكلّية السورية الپروتستانتية رسميّاً لتصبح “الجامعة الأميركية في بيروت”، تأكيداً لمكانتها جامعة كاملة متعدّدة الكلّيّات.
استمرّت الجامعة في النموّ والتوسّع خلال فترة الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943)، دون أن تتعرّض لتأميم أو مصادرة. بل على العكس، استقطبت أعداداً متزايدة من الطلّاب من مختلف الدول العربية، وأصبحت المؤسّسة التعليمية الأبرز في المشرق العربي.
حافظت الجامعة على استقلاليّتها بعد استقلال لبنان عام 1943، وواصلت دورها منارة علمية إقليمية. بلغت ميزانيّتها 423 مليون دولار ووقفها 768 مليون دولار بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ويضمّ مركزها الطبّي 420 سريراً، ويدرس فيها أكثر من ثمانية آلاف طالب من أكثر من ستّين دولة.
نجت الجامعة من الحرب الأهلية اللّبنانية (1975-1990) برغم الدمار الذي لحق ببعض مبانيها وخسارة بعض أساتذتها وطلّابها. واستمرّت في التدريس حتّى في أحلك الأوقات، مؤكّدة التزامها برسالتها التعليمية. بعد انتهاء الحرب، شهدت نهضة جديدة شملت ترميم المباني وتحديث المرافق واستقطاب أساتذة وباحثين من الطراز الأوّل.
في عام 2023، افتتحت الجامعة حرماً جديداً في قبرص، موسّعة بذلك نطاقها الجغرافي لأوّل مرّة منذ تأسيسها. ويمثّل هذا التوسّع دليلاً على حيوية المؤسّسة واستمرار جاذبيّتها في القرن الحادي والعشرين.

العراق والخليج: الاستمرارية المتباينة
سلكت المؤسّسات الطبّيّة الأميركية في العراق وشبه الجزيرة العربية مسارات مختلفة بعد انهيار الدولة العثمانية. في العراق، استمرّت مستشفيات البعثات في العمل تحت الحكم الملكي (1921-1958)، وقدّمت خدمات طبّية قيّمة للسكّان. لكن مع صعود القومية العربية وثورة 1958، بدأت الحكومات العراقية المتعاقبة في تأميم المؤسّسات الأجنبية. أُمّمت معظم المستشفيات التابعة للبعثات خلال الستّينيّات، وتحوّلت إلى مستشفيات حكومية.
شكّلت البحرين حالة استثنائية فريدة، إذ استمرّ مستشفى الإرسالية الأميركية (الذي أصبح لاحقاً مستشفى الملك حمد للبعثة الأميركية) في العمل لأكثر من 120 عاماً دون انقطاع. وحافظ المستشفى على طابعه الخاص برغم استقلال البحرين عام 1971، واستمرّ في تقديم خدمات طبّية راقية. في عام 2023، انضمّ المستشفى إلى شبكة مايو كلينك العالمية، مؤكّداً التزامه بأعلى معايير الجودة الطبّيّة.
أما في عُمان، فاستمرّت المستشفيات التابعة للبعثات في تقديم خدماتها حتّى عام 1973، حين نُقلت ملكيّتها إلى الحكومة العُمانية بعد سبعين عاماً من الخدمة المتواصلة. شكّل هذا النقل نهاية رسمية للوجود الطبّي الأميركي المباشر، لكنّ الأطبّاء العُمانيّين الذين تدرّبوا في تلك المستشفيات واصلوا تطبّيق المعايير المهنية التي تعلّموها.

الأثر الاجتماعي والحضاري العميق
نقل المعارف الطبّيّة وتوطينها
تجاوز أثر البعثات الطبّيّة مجرّد معالجة المرضى وتدريب الأطبّاء، ليشمل نقل منظومة معرفية كاملة من الغرب إلى الشرق. إذ قدّمت البعثات الطبّ الحديث بمفاهيمه ومنهجيّاته وأدواته: التشريح أساس لفهم الجسد، والتدريب السريري وسيلة لاكتساب المهارات، والبحث التجريبي سبيل للتقدّم العلمي.
لم يكن هذا النقل أحادي الاتجاه، بل تضمّن عمليّات معقّدة من الترجمة والتكيّف والتوطين. ألّف الأساتذة الأميركيّون كتباً طبّية بالعربية تستخدم مصطلحات مستحدثة أو معرّبة لمفاهيم لم تكن موجودة في التراث الطبّي العربي التقليدي. فخلق هذا الجهد معجماً طبّياً عربيّاً حديثاً لا يزال مستخدماً حتّى اليوم.
كما أسهمت البعثات في خلق شبكات تعليمية وعلمية عابرة للحدود. فالطلاب السوريّون واللّبنانيّون الذين درسوا الطبّ في بيروت انتقل بعضهم للدراسة العليا في القاهرة أو إسطنبول أو غرب أوروپا، ثمّ عادوا لينشروا معارفهم في بلدانهم. والطلّاب المصريّون والعراقيّون الذين درسوا في بيروت عادوا ليؤسّسوا مدارس طبّية في بلدانهم على النموذج نفسه.
النشر العلمي والنهضة الفكرية
ارتبطت البعثات الطبّيّة ارتباطاً وثيقاً بحركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر. إذ أسّس خرّيجو الكلّية السورية الپروتستانتية بعض أهمّ المجلات الفكرية والعلمية في تلك الحقبة.
صدرت مجلة “المقتطف” عام 1876 على يد يعقوب صرّوف وفارس نمر، وهما من خرّيجي الكلّية السورية الپروتستانتية. استمرّت المجلّة في الصدور حتّى عام 1952، ونشرت خلال عقودها السبعة أكثر من أربعين مقالة عن موضوعات علمية وطبّية. عرّفت المجلة القراء العرب بنظرية داروين في النشوء والارتقاء، وبالاكتشافات الطبّيّة الحديثة مثل الميكروبات ولقاحات الأمراض، وبالنظريّات الفيزيائية والكيميائية المعاصرة.
كذلك أسّس جرجي زيدان، وهو طالب طبّ سابق في الكلّية، مجلّة “الهلال” عام 1892، وما زالت تصدر حتّى اليوم. نشرت “الهلال” مقالات عديدة عن الصحّة العامة والتثقيف الصحّي، بما في ذلك موضوعات حسّاسة آنذاك مثل الصحّة الجنسية والإنجابية.
ساهمت هذه المجلّات وغيرها في توسيع دائرة القراءة العربية توسّعاً هائلاً. ففي حين كان عدد القرّاء العرب يُحسب بالآلاف في مطلع القرن التاسع عشر، تجاوز المليون قارئ بحلول الحرب العالمية الأوّلى. شكّل هذا التوسع في القراءة والنشر إحدى أبرز معالم النهضة العربية، وكانت البعثات الطبّيّة التعليمية إحدى روافدها المهمّة.
ألّف الأطبّاء الأميركيّون كتباً طبّية عديدة بالعربية، أبرزها مؤلّفات الدكتور ڤان دايك التي تجاوزت العشرين كتاباً. شملت هذه الكتب موضوعات متنوّعة من علم الأمراض إلى الصحّة العامة إلى التغذية. كما صدر أوّل قاموس طبّي تركي عام 1873، وضعه أطبّاء مرتبطون بالبعثات، وأسهم في توحيد المصطلحات الطبّيّة في اللّغة التركية.
تدريب الكوادر المحلّية وبناء المهنة
خرّجت كلّية الطبّ في الجامعة الأميركية في بيروت آلاف الأطبّاء العرب على مدى أكثر من قرن ونصف. وانتشر هؤلاء الخرّيجون في مختلف البلدان العربية، فأسّسوا المستشفيات والعيادات، ودرّسوا في كلّيّات الطبّ المحلّية، وشغلوا مناصب قيادية في وزارات الصحّة والمؤسّسات الطبّيّة.
لم يقتصر التدريب على الأطبّاء، بل شمل الصيادلة والممرّضات والمختبريّين. أسّست مدرسة التمريض في بيروت عام 1905 نموذجاً جديداً للتمريض المهني، يختلف جذريّاً عن التمريض التقليدي الذي كانت تمارسه نساء بلا تدريب رسمي. وخرّجت المدرسة أجيالاً من الممرّضات المحترفات اللّواتي نقلن معارفهن إلى بلدانهنّ، وأسهمن في رفع معايير المهنة.
كان لهذا التدريب أثر حاسم في “مَهْننة” الطبّ، أي تحويله من حرفة تُتوارث أو تُكتسب بالتلمذة التقليدية، إلى مهنة تتطلّب تعليماً نظاميّاً ورخصة رسمية. وبدأت الحكومات العثمانية ثم الحكومات الوطنية لاحقاً في فرض شروط للحصول على إجازة مزاولة المهنة، ما رفع تدريجيّاً من مستوى الرعاية الصحّية.

ثورة في أدوار النساء
شكّلت البعثات الطبّيّة عاملاً مهمّاً في تغيير أدوار النساء في المجتمعات العثمانية، وإن بصورة محدودة ومتدرّجة. بحلول عام 1890، فاق عدد النساء الأميركيّات العاملات في البعثات عدد الرجال، إذ بلغ عدد النساء 707 مقابل 589 رجلاً.
عملت هذه النساء ممرّضات ومعلّمات ومديرات مدارس، وبعضهنّ طبيبات. وتخرّجت أكثر من 150 امرأة من كلّية المرأة الطبّيّة في الولايات المتّحدة، ثم جئن للعمل طبيبات مبشّرات في الأراضي العثمانية. كان وجود طبيبات نساء ضروريّاً لمعالجة النساء المسلمات اللّواتي كانت التقاليد تمنعهنّ من الكشف أمام أطبّاء رجال.
فتحت البعثات مدارس للبنات إلى جانب مدارس البنين، وشجّعت تعليم الفتيات في وقت كانت فيه نسبة الأمّية بين النساء تتجاوز التسعين بالمئة. كما أسّست أوّل مدرسة تمريض في تركيا في المستشفى الأميركي بإسطنبول عام 1920، فاتحة بذلك المجال أمام النساء التركيّات للدخول إلى المهنة الطبّيّة.
برزت نماذج نسائية رائدة مرتبطة بالبعثات أو متأثّرة بها. كانت أنيسة صايبا (1865-1944) من أوائل الطبّيبات شرق الأوسطيّات، إذ تخرّجت من كلّية طبّية في الولايات المتّحدة ثم عادت لتعمل في بيروت. أمّا الدكتورة صفيّة علي، فكانت أوّل طبّيبة تركية، وحصلت على شهادتها عام 1922 في بدايات الجمهورية التركية، متأثرة بالنماذج النسائية التي قدمتها البعثات.

الإرث الباقي في القرن الحادي والعشرين
المؤسّسات الحيّة المستمرّة
برغم مرور أكثر من قرن على انهيار الدولة العثمانية، لا تزال بعض المؤسّسات التي أسّستها البعثات الطبّيّة الأميركية تعمل بكامل حيويّتها، بل وتحتلّ مكانة رائدة في مجالاتها.
تواصل الجامعة الأميركية في بيروت دورها منارة علمية وطبّية إقليمية. ويضمّ مركزها الطبّي أحدث التقنيات الطبّيّة، ويستقبل مرضى من مختلف الدول العربية وشرق الأوسطية. تُخرّج كلّية الطبّ فيها مئات الأطبّاء سنويّاً، يعمل كثير منهم في أرقى المستشفيات والجامعات في العالم. كما تُجري الجامعة بحوثاً طبّية متقدّمة في حقول مثل السرطان وأمراض القلب والأوبئة.
يستمرّ المستشفى الأميركي في إسطنبول في تقديم خدمات طبّية راقية، ويضم 278 سريراً و 36 سرير عناية مركّزة. استثمرت مؤسّسة كوتش التي تملكه الآن أكثر من ثلاثمئة مليون دولار في تحديثه وتوسيعه، ليصبح من أفضل المستشفيات الخاصّة في تركيا.
أمّا مستشفى الملك حمد في البحرين، إذ أكمل مئة وعشرين عاماً من الخدمة المتواصلة، وهو رقم استثنائي بكل المقاييس. انضمامه إلى شبكة مايو كلينك عام 2023 يظهر التزامه بأعلى معايير الجودة الطبّيّة العالمية، ويؤكّد استمرار الإرث الذي بدأ في مطلع القرن العشرين.
التأثير على الأنظمة الصحّية الوطنية
تجاوز تأثير البعثات الطبّيّة مؤسّساتها الخاصّة، ليطال تشكيل الأنظمة الصحّية الوطنية في المنطقة. فالنموذج المؤسّسي الذي قدمتها البعثات – مستشفيات بأجنحة متخصّصة، وكلّيّات طبّ بمناهج منظّمة، ومدارس تمريض بمعايير مهنية – أصبح النموذج السائد في المنطقة.
أنشأت البعثات شبكات إحالة للمرضى بين المستوصفات الصغيرة والمستشفيات الكبرى، وهو نظام لا يزال معمولاً به في معظم الأنظمة الصحّية الحديثة. كما وضعت معايير لاعتماد المستشفيات وترخيص الأطبّاء، تبنّتها لاحقاً الحكومات الوطنية.
قادت البعثات حملات التطعيم ضدّ الجدري في مناطق عديدة، وأسهمت في نشر الوعي حول أهمّية الوقاية والصحّة العامّة. هذا التركيز على الوقاية – وليس فقط على العلاج – شكّل تحوّلاً مهمّاً في المفاهيم الصحّية، وأصبح إحدى أركان السياسات الصحّية الحديثة.
الإرث التعليمي والبحثي
أرست البعثات الطبّيّة أسس التعليم الطبّي الحديث في المنطقة. فالنموذج الذي طبّقته كلّية الطبّ في بيروت – تعليم نظري متين، تدريب سريري مكثّف، وبحث علمي متكامل – انتشر في كلّيّات الطبّ التي أُنشئت لاحقاً في القاهرة ودمشق وبغداد وعمّان والرياض وغيرها.
أكّدت البعثات على أهمّية التدريب السريري، فلم يعد الطبّ يُدرّس معرفة نظرية فقط، بل مهارة عملية تتطلّب المشاهدة والممارسة تحت إشراف أطبّاء خبراء. وأصبح المستشفى الجامعي جزءاً لا يتجزّأ من كلّية الطبّ، وهو نمط لا يزال سائداً حتّى اليوم.
فتحت البعثات التعليم الطبّي أمام النساء لأوّل مرّة في المنطقة، فأسّست مدارس تمريض ودرّبت طبّيبات. برغم المقاومة الاجتماعية الأوّلية، أصبحت مشاركة النساء في المهن الطبّيّة أمراً طبّيعيّاً، بل إنّ النساء يشكّلن اليوم الأغلبية في بعض التخصّصات الطبّيّة في كثير من الدول العربية.
كما أسهمت البعثات في خلق أدب طبّي عربي حديث، فألّف أساتذتها وخريجوها مئات الكتب والمقالات الطبّيّة بالعربية، وأسّسوا مجلّات علمية، ووضعوا معاجم للمصطلحات الطبّيّة. شكّل هذا الإنتاج الفكري جزءاً من حركة النهضة العربية الأوسع، وساعد على نشر التفكير العلمي والعقلاني.

قراءة نقدية: بين الحداثة والهيمنة
المنجزات والمساهمات
لا يمكن إنكار المنجزات الملموسة التي حقّقتها البعثات الطبّيّة الأميركية. إذ أسّست مؤسّسات تعليمية وصحّية دائمة نجت من الحروب والأزمات، ولا تزال كثير منها تخدم المجتمعات حتّى اليوم. خرّجت آلاف الأطبّاء والصيادلة والممرّضات الذين أسهموا في تحسين الرعاية الصحّية في بلدانهم. ونقلت معارف طبّية حديثة ومنهجيّات علمية أثرت بناء المؤسّسات الصحّية والتعليمية الوطنية.
فتحت البعثات المهن الطبّيّة أمام النساء، وهو إنجاز ثوري في مجتمعات كانت تحصر النساء في البيوت. كما أسهمت في نشر التعليم والقراءة، ودعمت حركة النهضة العربية بنشرها للمجلّات العلمية والكتب الطبّيّة.
استجابت البعثات بكرم وشجاعة لمآسي الحرب العالمية الأوّلى، فأنقذت عشرات الآلاف من الأرمن والسريان من الموت جوعاً ومرضاً. ووثّق أطبّاؤها الإبادة الأرمنية، وساعدوا في لفت انتباه العالم إلى هذه الجريمة.
الإشكاليّات والانتقادات
لكنّ البعثات الطبّيّة لم تكن مجرّد مشروع خيري بريء، بل كانت جزءاً من منظومة أوسع من التوسع الغربي في الشرق، وحملت في طيّاتها إشكاليّات لا يجوز تجاهلها.
ارتبطت البعثات بالتبشير المسيحي، وهدفت صراحة إلى تنصير السكّان المحلّيّين أو على الأقل نشر القيم الپروتستانتية. واستخدمت الخدمات الطبّيّة والتعليمية وسيلة لكسب القلوب والعقول، ما يثير تساؤلات أخلاقية حول استغلال حاجة الناس للرعاية الصحّية في أغراض دينية.
عملت البعثات ضمن إطار استشراقي افترض تفوّق الحضارة الغربية وتخلّف الشرق “الوثني”. نظرت إلى الطبّ التقليدي السائد – بما فيه من ممارسات الحكماء والعطّارين – جهل يجب استبداله بالعلم الحديث، دون اعتراف بأنّ بعض تلك الممارسات كانت فعّالة أو على الأقل ملائمة للسياق المحلّي.
تشابكت البعثات مع المصالح الاستعمارية الغربية، وإن بدرجات متفاوتة. فالوجود الأميركي في المنطقة – حتّى لو كان مختلفاً عن الاستعمار غرب الأوروپي المباشر – خدم أهدافاً استراتيجية واقتصادية، من فتح أسواق للبضائع الأميركية إلى بناء نفوذ سياسي يمكن استثماره لاحقاً.
همّشت البعثات الأنظمة الطبّيّة الإسلامية، ووصفتها بأنّها متخلّفة وخرافية، دون محاولة جادّة لفهمها أو الحوار معها. أدّى هذا الموقف الإقصائي إلى ضياع كثير من المعارف التقليدية التي كان يمكن الاستفادة منها أو دمجها مع الطبّ الحديث.
قراءة متوازنة
تستدعي البعثات الطبّيّة الأميركية قراءة متوازنة لا تقع في فخّ التمجيد الأعمى أو الإدانة الكاملة. فهي ظاهرة مركّبة تشابكت فيها دوافع إنسانية خيرية، ومصالح سياسية واقتصادية، وأيديولوجيات دينية واستشراقية، وطموحات علمية وتحديثية.
كانت العلاقة بالاستعمار معقّدة وغير مباشرة. فالدولة العثمانية حافظت على سيادتها نوعاً ما حتّى الحرب العالمية الأوّلى، والبعثات عملت بإذن السلطات العثمانية وتحت رقابتها. لم تكن أدوات استعمارية مباشرة كما كانت المدارس الاستعمارية الفرنسية في الجزائر مثلاً، لكنّها لم تكن محايدة تماماً أيضاً.
مارست المجتمعات المحلّية فاعليّتها وخياراتها في التعامل مع البعثات. إذ تبنّى الناس بشكل انتقائي ما رأوا فيه نفعاً لهم، ورفضوا ما تعارض مع قيمهم الدينية والاجتماعية. وتحوّل آلاف الأرمن إلى الپروتستانتية، في حين بقي معظم المسلمين والمسيحيّين الأرثوذكس على مذاهبهم. وأقبل الناس على المستشفيات لمعالجة الأمراض، لكنّهم لم يتخلّوا بالضرورة عن ممارساتهم التقليدية.
لم يكن التعايش بين الأنظمة الطبّية التقليدية والحديثة سلميّاً كما قد يبدو للوهلة الأولى. إذ سعت البعثات الطبّية بنشاط إلى تقويض مكانة الحكماء والعطّارين والحجّامين، فصوّرتهم في كتاباتها ومراسلاتها بوصفهم دجّالين جهلاء يشكّلون خطراً على الصحّة العامّة. وروّجت البعثات لخطاب يربط بين التحضّر واستشارة الطبيب الحديث، وبين التخلّف واللّجوء إلى الممارسات التقليدية، حتى وإن كانت بعض تلك الممارسات فعّالة أو على الأقل غير ضارّة.
مع ذلك، لم تنجح البعثات في القضاء الكامل على الطبّ التقليدي، إذ استمرّ الحكماء والعطّارون في العمل – وإن بمكانة متراجعة – جنباً إلى جنب مع الأطبّاء المتخرّجين من الكلّيّات الحديثة. استمرّ الناس في استشارة الاثنين حَسَبَ الحالة والإمكانات المادية والثقة الموروثة، لا لأنّ البعثات شجّعت على التعدّدية الطبّية، بل لأنّ الطبّ الحديث ظلّ باهظ التكلفة وبعيد المنال عن الأغلبية الساحقة من السكّان. خلقت هذه الديناميكية – برغم معارضة البعثات لها – نوعاً من التعدّدية الطبّية القسرية لا تزال قائمة في كثير من المجتمعات العربية، ليس بصفة إرث إيجابي للتسامح، بل نتيجة للتفاوت الطبقي في الوصول إلى الرعاية الصحية الحديثة.

خاتمة: إرث متعدّد الأوجه
مثّلت البعثات الطبّيّة الأميركية في الأراضي العثمانية ظاهرة تاريخية معقّدة لا تنطوي تحت تصنيف واحد بسيط. إذ جمعت بين الإيمان الديني والطموح العلمي، بين الخير الإنساني والمصلحة السياسية، بين نقل المعرفة وفرض الهيمنة، بين التحديث والاستلاب.
أسّست هذه البعثات مؤسّسات دائمة لا تزال تخدم ملايين الناس حتّى اليوم، وخرّجت عشرات الآلاف من الأطبّاء والممرّضات الذين نشروا الطبّ الحديث في بلدانهم، وخلقت أدباً طبّيّاً عربيّاً ضخماً ساهم في النهضة الفكرية، وفتحت المهن الطبّيّة أمام النساء في مجتمعات ذكورية محافظة.
لكنّها في الوقت نفسه عملت ضمن إطار استشراقي افترض تفوّق الغرب وتخلّف الشرق، واستخدمت الطبّ والتعليم أدوات للتبشير الديني وبناء النفوذ السياسي، وهمّشت الأنظمة المعرفية المحلّية ووصمتها بالجهل والخرافة، لمصلحة أمركة المجتمع الطبّي وعموم المجتمعات المسلمة في البلاد الشرقية العثمانية السابقة.
استجابت البعثات بفاعلية وكرم للكارثة الإنسانية التي جلبتها الحرب العالمية الأوّلى، فأنشأت أكبر عملية إغاثة دولية شهدها العالم حتّى ذلك الحين. أدارت ثلاث وستين مستشفى عالجت أكثر من نصف مليون إنسان، وأنقذت مئات الآلاف من الأطفال الأيتام من الموت جوعاً ومرضاً. ووثّق أطبّاؤها الإبادة الأرمنية بشهادات مباشرة ساعدت العالم على إدراك فظاعة ما جرى … غير أنّها شوّهت أساس ما جرى، بتغييب حقيقة الدور الكردي، وتركيز المسؤولية على السلطات العثمانية وحدها، وعلى القومية التركية برمّتها.
بعد انهيار الدولة العثمانية، تكيّفت البعثات مع الواقع الجديد بمرونة ملحوظة. في تركيا، حيث فرضت الجمهورية الكمالية قيوداً صارمة على المؤسّسات الأجنبية، فانكمش الوجود الطبّي الأميركي لكنّه لم ينته، فاستمرّت بعض المستشفيات في العمل بعد أن تكيّفت مع الشروط الجديدة. أمّا في لبنان، حيث وفّر الانتداب الفرنسي بيئة أكثر انفتاحاً، ازدهرت الجامعة الأميركية وتوسّعت لتصبح منارة إقليمية. وفي الخليج، استمرّت المستشفيات في تقديم خدماتها عقوداً طويلة، بعضها حتّى اليوم.
يستمرّ إرث البعثات الطبّيّة في أشكال متعدّدة: في المؤسّسات الحيّة مثل الجامعة الأميركية في بيروت والمستشفى الأميركي في إسطنبول ومستشفى الملك حمد في البحرين، وفي النموذج المؤسّسي للتعليم الطبّي والرعاية الصحّية الذي انتشر في المنطقة، وفي الأدب الطبّي العربي الذي وضع أسسه أساتذة وخرّيجو تلك المؤسّسات، وفي المفاهيم المهنية للطبّ والتمريض التي نقلتها، وفي المعايير الصحّية التي أرستها.
لكنّ الإرث الأعمق ربّما يكمن في الأسئلة التي تثيرها هذه التجربة التاريخية حول طبّيعة نقل المعرفة بين الحضارات، وحول العلاقات المعقّدة بين الطبّ والدين والسياسة، وحول التوازن الدقيق بين الاستفادة من التجارب الإنسانية العالمية والحفاظ على الخصوصيّات المحلّية، وحول معنى التحديث والنهضة في سياقات ما بعد استعمارية.

تأمّلات ختامية: الطبّ بين العالمية والمحلّية
تضعنا تجربة البعثات الطبّيّة الأميركية أمام معضلة فلسفية عميقة: هل المعرفة الطبّيّة عالمية بطبّيعتها، أم أنّها تحمل دائماً بصمات السياق الحضاري الذي نشأت فيه؟ التشريح والفيزيولوجيا والكيمياء الحيوية حقائق علمية لا تختلف من مجتمع لآخر، لكن ممارسة الطبّ – كيف يتعامل الطبّيب مع المريض، وكيف يُنظّم النظام الصحّي، وما هي القيم الأخلاقية التي توجّهه – تتأثّر حتماً بالقيم الدينية والاجتماعية والاقتصادية السائدة.
جاءت البعثات بمعرفة طبّية حديثة ثبتت فعّاليتها في معالجة أمراض كانت قاتلة، لكنّها جاءت أيضاً بمنظومة قيمية غربية پروتستانتية لم تكن بالضرورة ملائمة للسياق المحلّي (المسلم والمسيحي). نجحت في نقل المعرفة التقنية – كيفية إجراء عملية جراحية أو تشخيص مرض – لكنّها فشلت أحياناً في التواصل الثقافي العميق مع المجتمعات المحلّية.
الفاعلية المحلّية – قدرة الناس على الاختيار والرفض والتكيّف – كانت العامل الحاسم في تحديد مصير هذه البعثات ونطاق تأثيرها. فحيث وجد الناس في الطبّ الحديث إجابات عن مشكلاتهم الصحّية، أقبلوا عليه بحماس. وحيث تعارض مع قيمهم الدينية أو تقاليدهم الاجتماعية العميقة، قاوموه أو تبنّوه بشكل انتقائي جزئي.
خلقت هذه الديناميكية أنظمة طبّية هجينة تجمع بين الحديث والتقليدي، بين الغربي والمحلّي، بين العلمي والشعبي. هذه الهُجينة ليست نقيصة أو مرحلة انتقالية نحو “الحداثة الكاملة”، بل هي واقع ثابت يظهر تعقيد المجتمعات الإنسانية وتعدّد مصادر المعرفة فيها.
تُذكّرنا تجربة البعثات الطبّيّة أيضاً بأنّ العمل الخيري الإنساني نادراً ما يكون خالصاً من الاعتبارات السياسية والأيديولوجية. فالأطبّاء الأميركيّون الذين عالجوا الفقراء مجّاناً وخاطروا بحياتهم لإنقاذ الآخرين كانوا مدفوعين بإيمان صادق ونزعة إنسانية حقيقية، لكنّهم كانوا في الوقت نفسه أدوات – واعية أو غير واعية – لمشروع أكبر يتعلّق بنشر النفوذ الأميركي والقيم الپروتستانتية في الشرق.
هذا التشابك بين النبيل والمصلحي، بين الإنساني والسياسي، ليس حكراً على البعثات الأميركية، بل هو سمة ملازمة للعمل الإنساني الدولي في كلّ العصور. الوعي بهذا التشابك ضروري لفهم التاريخ فهماً نقديّاً، ولبناء علاقات أكثر عدالة وشفافية بين الشعوب في الحاضر والمستقبل.

الدروس المستفادة للحاضر والمستقبل
تطرح تجربة البعثات الطبّيّة الأميركية دروساً مهمّة للعمل الصحي والتعليمي الدولي في عصرنا الراهن:
أوّلاً، أهمّية بناء مؤسّسات محلّية مستدامة بدلاً من المشاريع قصيرة الأمد. فالجامعة الأميركية في بيروت والمستشفى الأميركي في إسطنبول ومستشفى الملك حمد في البحرين استمرّت أكثر من قرن لأنّها أصبحت جزءاً من النسيج المحلّي، توظّف كوادر محلّية، وتخدم المجتمع المحلّي، وتتكيّف مع التحوّلات السياسية والاجتماعية.
ثانياً، ضرورة احترام الخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمعات المستهدفة. فشلت البعثات أحياناً حين حاولت فرض نموذج غربي جامد دون مراعاة للسياق المحلّي، ونجحت حين أظهرت مرونة وقدرة على التكيّف. الطبّ الجيّد هو الذي يجمع بين العلم العالمي والحساسية المحلّية.
ثالثاً، أهمّية الشفافية حول الأهداف والدوافع. فالخلط بين العمل الطبّي والتبشير الديني خلق توتّرات ومقاومة كان يمكن تجنّبها لو فُصل بينهما بوضوح. المنظمات الصحّية الدولية اليوم مطالبة بأن تكون واضحة حول أجنداتها، وألّا تستغلّ حاجة الناس للرعاية الصحّية في تحقيق أهداف أخرى.
رابعاً، قيمة الحوار بين الأنظمة المعرفية المختلفة بدلاً من الإلغاء المتبادل. الطبّ التقليدي – برغم قصوره في كثير من الجوانب – يحمل خبرات متراكمة عبر قرون، وبعض ممارساته ثبتت فعّاليتها علميّاً. نهج الحوار والتكامل أجدى من نهج الإقصاء والاستبدال.
خامساً، الوعي بأنّ نقل المعرفة ليس عملية أحادية الاتجاه، بل تفاعل متبادل يُثري الطرفين. فالأطبّاء الأميركيّون تعلّموا من تجربتهم في الشرق، وطوّروا فهماً أعمق للأمراض الاستوائية والطبّ الوقائي، واكتسبوا حساسية ثقافية أفادتهم في عملهم. المعرفة تنمو بالتبادل لا بالفرض.

كلمة أخيرة
بعد أكثر من قرنين على إبحار بليني فِسك وليڤي پارسونز من بوسطن، وبعد قرن على انهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم خريطة المنطقة، يبقى إرث البعثات الطبّيّة الأميركية حيّاً نابضاً في مؤسّسات تخدم الملايين، وفي أجيال من الأطبّاء والممرّضات الذين تدرّبوا على أيدي أساتذة تعلّموا في تلك المؤسّسات، وفي المفاهيم المهنية والأخلاقية التي شكّلت المهن الطبّيّة في المنطقة.
هذا الإرث ليس خالصاً من الإشكاليّات، وليس محصّناً من النقد، لكنّه واقع تاريخي لا يمكن إنكاره أو محوه. فهمه فهماً عميقاً ونقديّاً ومتوازناً يساعدنا على استخلاص الدروس المفيدة، وتجنّب تكرار الأخطاء، وبناء مستقبل أكثر عدالة وإنسانية في العلاقات بين الشعوب والحضارات.
في نهاية المطاف، تبقى قصّة البعثات الطبّيّة الأميركية في الأراضي العثمانية قصّة إنسانية عن لقاء بين عوالم مختلفة، عن طموحات وآمال، عن نجاحات وإخفاقات، عن صراع بين الخير والمصلحة، بين العلم والأيديولوجيا، بين التحرّر والهيمنة. هي قصّة معقّدة كمثل تعقيد التاريخ نفسه، وتستحقّ أن تُروى بكل أبعادها دون تبسيط مخلّ أو تعقيد مُغرِق.
مخطّط تحوّل أسماء ومُلكية مؤسّسات البعثات الأميركية
1. الجامعة الأميركية في بيروت
التسلسل الزمني:
- 1863: الحصول على الميثاق من ولاية نيويورك
- الاسم: Syrian Protestant College (SPC)
- المالك: مجلس أمناء أميركي + المجلس الأميركي (ABCFM)
- 1866: الافتتاح الرسمي
- الاسم: الكلية السورية البروتستانتية
- اللغة: العربية (1866-1882)
- 1882: التحوّل إلى الإنجليزية
- الاسم: Syrian Protestant College
- السبب: أزمة داروين
- 18 نوفمبر 1920: تغيير الاسم
- الاسم الجديد: American University of Beirut (AUB)
- الاسم العربي: الجامعة الأميركية في بيروت
- المالك: مجلس أمناء مستقل (chartered in New York)
- 1920-حتى اليوم: استمرار بنفس الاسم والملكية
- الصفة: جامعة خاصة مستقلة غير طائفية
- الميزانية (2020s): 423 مليون دولار
- الوقف: 768 مليون دولار
- 2023: التوسع
- افتتاح: AUB Mediterraneo في بافوس، قبرص
الكلّيات الطبية:
- 1867: School of Medicine
- 1871: School of Pharmacy
- 1905: School of Nursing
- 1905: المستشفى الجامعي
- 2008: Rafic Hariri School of Nursing (عضو AACN)
- حالياً: American University of Beirut Medical Center (AUBMC)
- السعة: 420 سريراً
2. المستشفى الأميركي – إسطنبول
التسلسل الزمني:
- 1920: التأسيس
- الاسم: American Hospital
- المالك: المجلس الأميركي (ABCFM)
- 1920-1968: إدارة أميركية مباشرة
- التابعية: American Board of Commissioners for Foreign Missions
- 1968: التحوّل المؤسسي
- تأسيس: مؤسسة SEV (Sağlık ve Eğitim Vakfı)
- Health and Education Foundation
- الصفة: مؤسسة تركية خاصة غير ربحية
- الغرض: إدارة ممتلكات المجلس الأميركي في تركيا
- 1994: نقل الملكية
- المالك الجديد: مؤسسة كوتش (Vehbi Koç Foundation)
- الصفة: مؤسسة تركية خيرية خاصة
- الاسم: American Hospital (الاسم محفوظ)
- Amerikan Hastanesi
- 1994-حتى اليوم:
- الملكية: مؤسسة كوتش
- الاستثمار: أكثر من 300 مليون دولار
- السعة: 278 سريراً + 36 سرير عناية مركزة
- الصفة: مستشفى خاص راقٍ
3. كلّية روبرت – إسطنبول
التسلسل الزمني:
- 1863: التأسيس
- الاسم: Robert College
- المؤسس: كريستوفر روبرت (تاجر أميركي)
- المالك: مجلس أمناء أميركي
- 1863-1971: كلية أميركية خاصة
- القسم الابتدائي والثانوي
- القسم الجامعي (أُضيف لاحقاً)
- 1971: التقسيم
- أ) القسم الجامعي:
- الاسم الجديد: Boğaziçi University (جامعة البوسفور)
- الملكية: جامعة حكومية تركية
- الصفة: من أرقى الجامعات التركية
- ب) القسم الثانوي:
- الاسم: Robert College (محتفظ بالاسم)
- الملكية: مدرسة خاصة مستقلة
- الصفة: مدرسة ثانوية (Grades 9-12)
- أ) القسم الجامعي:
- 1971-حتى اليوم:
- Robert College: مدرسة ثانوية خاصة نخبوية
- Boğaziçi University: جامعة حكومية
4. مستشفى عنتاب (غازي عنتاب)
التسلسل الزمني:
- 1880: التأسيس
- الاسم: Azariah Smith Memorial Hospital
- المؤسس: المجلس الأميركي (ABCFM)
- الموقع: عنتاب (Aintab)
- 1880-1922: العمل تحت الإدارة الأميركية
- الخدمة: السكان الأرمن بشكل رئيس
- 1922-1923: الإبادة والإجلاء
- تأثر المستشفى بإجلاء الأرمن
- 1968: التحوّل المؤسسي
- نُقل إلى: مؤسسة SEV
- الاسم: SEV American Hospital Gaziantep
- 1968-حتى اليوم:
- الاسم: SEV Amerikan Hastanesi
- الملكية: مؤسسة SEV (تركية خاصة)
- الصفة: مستشفى خاص، أقدم مستشفى مستمر في المنطقة
- العمر: 144 سنة (منذ 1880)
5. مستشفى البحرين (مستشفى الملك حمد)
التسلسل الزمني:
- 1892: بداية النشاط
- تأسيس: مستوصف البحرين
- المؤسس: المجلس الأميركي (ABCFM)
- الطبيب: Samuel Zwemer
- 1903: التطوير
- الاسم: Mason Memorial Hospital
- سُمي باسم: جون ماسون (متبرع أميركي)
- الصفة: أول مستشفى حديث في الخليج العربي
- 1903-1971: تحت الإدارة الأميركية
- التابعية: Reformed Church in America (RCA)
- بعد انفصالها عن ABCFM
- 1971: استقلال البحرين
- استمرار: العمل كمستشفى خاص
- الإدارة: أميركية/دولية
- 1980s: تغيير الاسم
- الاسم: American Mission Hospital
- 2000s: التطوير والتوسع
- الاسم الجديد: King Hamad American Mission Hospital
- الاسم العربي: مستشفى الملك حمد للبعثة الأميركية
- الصفة: مستشفى خاص، شراكة بحرينية-أميركية
- 2023: الانضمام لشبكة عالمية
- الشراكة: Mayo Clinic Care Network
- الصفة: عضو في شبكة مايو كلينك
- العمر: 131 سنة (منذ 1892) / 120 سنة (منذ 1903)
- حتى اليوم:
- الملكية: مؤسسة خاصة (إدارة مختلطة)
- الصفة: مستشفى خاص رائد في البحرين
6. مستشفيات العراق
البصرة:
- 1892: التأسيس
- الاسم: Basrah Mission Hospital
- المؤسس: المجلس الأميركي
- 1892-1960s: عمل مستمر
- 1960s: التأميم
- نُقل إلى: الحكومة العراقية
- الصفة: مستشفى حكومي
- الاسم الحالي: غير موثق (مؤمم ومدمج)
بغداد:
- 1924: التأسيس
- الاسم: Baghdad Mission Hospital
- 1924-1960s: العمل تحت الإدارة الأميركية
- 1960s: التأميم
- نُقل إلى: الحكومة العراقية
7. مستشفيات عُمان
التسلسل الزمني:
- 1890s-1900s: بداية النشاط الطبي
- المؤسس: المجلس الأميركي
- المواقع: مسقط وصلالة
- 1890s-1973: العمل المستمر (حوالي 70 سنة)
- 1973: النقل إلى الحكومة
- نُقلت الملكية: سلطنة عُمان
- السبب: سياسة التعمين والسيادة الوطنية
- الوضع الحالي: مستشفيات حكومية
8. المجلس الأميركي نفسه (ABCFM)
التطور المؤسسي:
- 1810: التأسيس
- الاسم: American Board of Commissioners for Foreign Missions
- المكان: Massachusetts
- 1812: الميثاق الرسمي
- من: ولاية ماساچوستس
- 1810-1870: تحالف طوائف بروتستانتية
- الأعضاء: Congregationalists, Presbyterians, German Reformed
- 1870-1950s: هيئة أبرشانية خالصة
- بعد انفصال الپرسبيتريين
- 1957: الاندماج الكنسي
- اندماج: Congregational Christian Church
- + German Evangelical and Reformed Church
- النتيجة: United Church of Christ (UCC)
- 1961: نهاية الاستقلال
- اندمج في: United Church Board for World Ministries
- التابعية: وكالة تابعة لـ United Church of Christ
- 1961-حتى اليوم:
- الوضع: لم يعد موجوداً ككيان مستقل
- الخلف: Wider Church Ministries (UCC)
9. مؤسسة SEV (تركيا)
التأسيس والدور:
- 1968: التأسيس
- الاسم الكامل: Sağlık ve Eğitim Vakfı
- (Health and Education Foundation)
- الاسم المختصر: SEV
- الصفة: مؤسسة تركية خاصة غير ربحية
- الغرض: تولي إدارة ممتلكات ABCFM في تركيا
- 1968-حتى اليوم:
- الدور: إدارة المدارس والمستشفيات الموروثة
- المؤسسات تحت إدارتها:
- – SEV American Hospital, Gaziantep
- – عدة مدارس في إسطنبول وأنقرة ومرسين
- – ممتلكات عقارية أخرى
- الوضع القانوني:
- – مسجلة في تركيا
- – غير ربحية
- – مستقلة عن الحكومة
- – تحافظ على الإرث الأميركي رمزياً
10. إغاثة الشرق الأدنى Near East Relief
التطوّر:
- 16 سبتمبر 1915: التأسيس
- الاسم الأول: American Committee for Armenian and Syrian Relief (ACASR)
- المؤسسون: Cleveland H. Dodge, James L. Barton
- الغرض: إغاثة ضحايا الإبادة الأرمنية
- 1918: تغيير الاسم الأول
- الاسم: American Committee for Relief in the Near East (ACRNE)
- السبب: توسع النطاق الجغرافي
- 6 أغسطس 1919: الميثاق الفدرالي
- الاسم الرسمي: Near East Relief (NER)
- الصفة: مؤسسة مُدمجة بقرار من الكونغرس الأميركي
- (ثاني منظمة بعد الصليب الأحمر)
- 1915-1930: ذروة النشاط
- الميزانية: 117 مليون دولار (110-116 مليون حسب المصادر)
- المستفيدون: أكثر من مليون لاجئ
- الأيتام: 132,000 يتيم
- المتطوعون: حوالي 1000 أميركي في الميدان
- 1930: التحوّل الجذري
- الاسم الجديد: Near East Foundation (NEF)
- السبب: انتهاء الإغاثة الطارئة
- التوجه الجديد: التنمية طويلة المدى
- 1930-حتى اليوم: Near East Foundation
- المقر: Syracuse, New York
- النطاق: الشرق الأوسط وأفريقيا
- الصفة: أقدم منظمة تنمية أميركية غير طائفية
- 2014: إنشاء الجمعية التاريخية
- الاسم: Near East Relief Historical Society
- الغرض: حفظ وتوثيق تاريخ الإغاثة
مخطّط بصري للتحوّلات الرئيسية
ABCFM (1810)
│
┤← Syrian Protestant College (1866)
│ ┘← AUB (1920)────────← مستمرّة
│
┤← Robert College (1863)
│ ┤← Boğaziçi University (1971) ← حكومية
│ ┘← Robert College (مدرسة ثانوية) ← خاصّة
│
┤← American Hospital Istanbul (1920)
│ ┘← SEV (1968) ← Koç Foundation (1994) ← خاصّة
│
┤← Aintab Hospital (1880)
│ ┘← SEV (1968)────────← مستمرّة
│
┤← Mason Hospital Bahrain (1903)
│ ┘← King Hamad Hospital────────← مستمرّة
│
┤← Iraq Hospitals (1892-1924)
│ ┘← مؤمّمة (1960s)────────← حكومية
│
┤← Oman Hospitals (1890s)
│ ┘← نُقلت للحكومة (1973)────────← حكومية
│
┘← ABCFM ← UCC (1957) ← Wider Church Ministries (1961)
ACASR (1915) ← ACRNE (1918) ← NER (1919) ← NEF (1930) ←────← مستمرّة
ملخّص المصائر
مستمرّة بملكية خاصة:
- الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)
- مستشفى الملك حمد، البحرين
- مستشفى SEV، غازي عنتاب
- المستشفى الأميركي، إسطنبول (مؤسسة كوتش)
تحوّلت إلى حكومية:
- جامعة البوسفور (من كلية روبرت)
- مستشفيات العراق (مؤممة)
- مستشفيات عُمان (نُقلت للحكومة)
تحوّلت مؤسّسياً:
- المجلس الأميركي ← United Church of Christ
- إغاثة الشرق الأدنى ← مؤسسة الشرق الأدنى (تنمية)
باقية مدارس:
- كلّية روبرت (مدرسة ثانوية)
- مدارس SEV في تركيا
قائمة المراجع
- Harvard Library – American Board of Commissioners for Foreign Missions Archives https://library.harvard.edu/collections/american-board-commissioners-foreign-missions-archives
- Documents from the American Board of Commissioners for Foreign Missions – Anatolia College Archives https://anatolia.libguides.com/c.php?g=653856&p=4590788
- American Board Archives Guide – American Research Institute in Turkey (ARIT) http://dlir.org/arit-american-board-archives-guide.html
- Guide to the Syria-Lebanon Mission Records – Presbyterian Historical Society https://history.pcusa.org/collections/research-tools/guides-archival-collections/rg-492
- Records of the American Board of Commissioners for Foreign Missions, Near East Relief, 1917-1928 http://www.dlir.org/aba-official-records-1917-1928.html
- American University of Beirut. في: Encyclopædia Britannica https://www.britannica.com/topic/American-University-of-Beirut
- Penrose, Stephen B. L. (1970). That They May Have Life: The Story of the American University of Beirut, 1866-1941. Princeton: Princeton University Press.
- Founding of the Syrian Protestant College (SPC) – AUB Libraries Online Exhibits https://online-exhibit.aub.edu.lb/exhibits/show/founders–legacy—honoring-th/—-founding-of-the-syrian-pro
- AUB History: A Short Guide – LibGuides at American University of Beirut https://aub.edu.lb.libguides.com/AUB_History
- Missionaries – Archives and Special Collections Subject Guide – AUB Libraries https://aub.edu.lb.libguides.com/c.php?g=1261447&p=9305312
- Fisk, Pliny (1792-1825). في: Boston University School of Theology – Missionary Biography https://www.bu.edu/missiology/missionary-biography/e-f/fisk-pliny-1792-1825/
- “Telling Fisk’s Story” by John Hubers. في: The Northwestern Review, Vol. 2, No. 1 https://nwcommons.nwciowa.edu/northwesternreview/vol2/iss1/7/
- “I Am a Pilgrim, a Traveler, a Stranger” – New book on early ABCFM missionary Pliny Fisk https://www.globalministries.org/_i_am_a_pilgrim_a_traveler_a_stranger_new_book_on_early_abcfm_missionary_to_the_middle_east_pliny_fisk/
- Bliss, Daniel (1823-1916). في: Boston University School of Theology – Missionary Biography https://www.bu.edu/missiology/missionary-biography/a-c/bliss-daniel-1823-1916/
- Cornelius Van Alen Van Dyck. في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Cornelius_Van_Alen_Van_Dyck
- George Edward Post (1838-1909) – AUB Online Exhibits https://online-exhibit.aub.edu.lb/exhibits/show/founders–legacy—honoring-th/daniel-bliss–1823-1916–serv/george-edward-post–1938-1909-
- Ussher, Clarence Douglas (1917). An American Physician in Turkey: A Narrative of Adventures in Peace and War. Boston: Houghton Mifflin Company.
- Clarence Ussher. في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Clarence_Ussher
- Birth of Clarence Ussher (September 9, 1870) – Armenian Prelacy https://armenianprelacy.org/2023/09/06/birth-of-clarence-ussher-september-9-1870/
- Heroes and Healers: Stories of Courage and Altruism in Times of Genocide – Armenian American Medical Society https://aamsc.org/genocide-event/
- “The Armenian Mission of Clara Barton”. في: AllInNet History https://allinnet.info/history/the-armenian-mission-of-clara-barton-late-19th-century/
- Clara Barton. في: Armeniapedia http://www.armeniapedia.org/wiki/Clara_Barton
- Our History – Near East Foundation https://neareast.org/our-history/
- Near East Foundation. في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Near_East_Foundation
- Near East Relief and the Armenian Genocide – Armenian National Institute https://www.armenian-genocide.org/ner.html
- 100 Years Ago Today – Near East Relief Historical Society https://neareastmuseum.com/2015/09/16/100-years-ago-today/
- Relief Begins Archives – Near East Relief Historical Society https://neareastmuseum.com/chapters/relief-begins/
- Barton, James L. (1930). Story of Near East Relief (1915-1930): An Interpretation. New York: Macmillan.
- Near East Relief / 1.0 / encyclopedic. في: 1914-1918-Online (WW1) Encyclopedia https://encyclopedia.1914-1918-online.net/article/near-east-relief/
- Khatchikian, Lisa (2023). “The Near East Relief and the American Board Commissions for foreign missions. Humanitarian partnership and divorce in the Near East (1918–1929)”. The Journal of Imperial and Commonwealth History, 51(4), 747-769. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13530194.2023.2233216
- American Board of Commissioners for Foreign Missions. في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/American_Board_of_Commissioners_for_Foreign_Missions
- Yavuz, M. Hakan. “American Board of Commissioners for Foreign Missions (ABCFM) and ‘Nominal Christians’: Elias Riggs (1810-1901) and American Missionary Activities in the Ottoman Empire”. Ph.D. Dissertation, University of Utah. https://collections.lib.utah.edu/details?id=196003
- Medicine and Arabic literary production in the Ottoman Empire during the nineteenth century. The British Journal for the History of Science, Cambridge University Press. https://www.cambridge.org/core/journals/british-journal-for-the-history-of-science/article/medicine-and-arabic-literary-production-in-the-ottoman-empire-during-the-nineteenth-century/9EDBADC6DFE673E6B47C37672ABD4E0F
- Makdisi, Ussama (2008). Artillery of Heaven: American Missionaries and the Failed Conversion of the Middle East. Ithaca: Cornell University Press.
- Khalaf, Samir (2012). Protestant Missionaries in the Levant: Ungodly Puritans, 1820-1860. London: Routledge.
- American Mission Hospital. في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/American_Mission_Hospital
- American Mission Hospital: A Healthcare Centurion – EME Outlook Magazine https://www.emeoutlookmag.com/company-profiles/215-american-mission-hospital
- American Mission Hospital in Bahrain joins Mayo Clinic Care Network – Mayo Clinic News Network https://newsnetwork.mayoclinic.org/discussion/american-mission-hospital-in-bahrain-joins-mayo-clinic-care-network/
- American Hospital (Istanbul). في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/American_Hospital_(Istanbul)
- American Hospital – VKV Encyclopedia https://encyclopedia.vkv.org.tr/Categories/Institutions/Vehbi-Koc-Foundation-Institutions/American-Hospital
- Robert College. في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_College
- Robert College History https://website.robcol.k12.tr/en/about-rc/history
- Aintab American Hospital And Its Effect On The Region. Turkish Studies, 13(18). https://turkishstudies.net/turkishstudies?mod=makale_ing_ozet&makale_id=18862
- Imperial School of Medicine (Ottoman Empire). في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Imperial_School_of_Medicine_(Ottoman_Empire)
- Science and technology in the Ottoman Empire. في: Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Science_and_technology_in_the_Ottoman_Empire
- Towards a History of Medical Missions. Medical History, PMC. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC2002588/
- Early Medical Missionaries in the Middle East: “Why I Want to Go to Arabia”. Doctor or Doctress? https://doctordoctress.org/islandora/object/islandora:1862
- Guide to the United Mission in Iraq Records – Presbyterian Historical Society https://www.history.pcusa.org/collections/research-tools/guides-archival-collections/rg-509
- The United Mission in Iraq – Presbyterian Historical Society Blog https://www.history.pcusa.org/blog/2018/05/united-mission-iraq
- Hospitals and Medical Schools in the Ottoman Empire. في: Springer Encyclopedia https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-94-007-3934-5_9955-2





اترك رد