مؤخّرًا، يميل العديد من المؤثّرين على السوشلميديا إلى المقارنة ما بين استعمار الأوروپيين لأميركا واحتلال الصهاينة لفلسطين، وأجدها مقارنة غير صحيحة، ولا صواب فيها، وسأشرح الأسباب.

مقارنة غير دقيقة
هناك بعض الاختلافات الجوهرية بين استعمار الأوروبيين للقارة الأميركية واحتلال الصهاينة لفلسطين، مما يجعل المقارنة بينهما غير دقيقة.
أولًا، كان استعمار الأوروپيين للقارّة الأميركية عملية تدريجية، بدأت في القرن الخامس عشر واستمرت حتى القرن التاسع عشر. خلال هذه الحِقْبَة، واجه الأوروپيون مقاومة من السكان الأصليين، الذين تمكنوا من الحفاظ على استقلالهم في بعض المناطق، مثل كندا. أمّا احتلال الصهاينة لفلسطين، فقد تم في مدّة زمنية قصيرة نسبيًا، بدأت في أواخر القرن التاسع عشر واستمرّت حتى القرن العشرين. خلال هذه الحِقْبَة، تمكن الصهاينة من السيطرة على معظم الأراضي الفلسطينية في سنتين فقط، وذلك بمساعدة من القِوَى الاستعمارية الأوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا.
وصل الأوروپيون إلى أمريكا كغزاة وفاتحين، بهدف الاستيلاء على الأرض وخيراتها. أمّا اليهود الأوروپيين الذين وصلوا إلى فلسطين، فقد كانوا في البداية لاجئين من المجازر التي تعرضوا لها في أوروپا.
ثانياً، كان استعمار الأوروپيين للقارة الأميركية عملية اقتصادية، حيث كان الهدف من استعمارها هو الحصول على الموارد الطبيعية والأسواق الجديدة. أما احتلال الصهاينة لفلسطين، فقد كان عملية سياسية، حيث كان الهدف من احتلالها هو إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.
استقبل السكّان الأصليون في أمريكا الأوروپيين بمقاومة عنيفة، ممّا أدّى إلى صراع طويل الأمد. أما الفلسطينيّون، فقد استقبلوا اليهود في البداية بترحيب، وقبلوا بهم مواطنين، حيث كانوا يشعرون بالشفقة عليهم بسبب معاناتهم.
ثالثًا، لم يكن استعمار الأوروپيين للقارة الأميركية عملية عنصرية، حيث تم قَبُول السكّان الأصليّين في المجتمع الأوروپي-الأميركي، كما تم منحهم بعض الحقوق السياسية بموجب تحوّلهم إلى الديانة المسيحية. أما احتلال الصهاينة لفلسطين، فقد كان عملية عنصرية، حيث تم طرد السكان الفلسطينيين من أراضيهم، وتمّ تهميشهم في المجتمع الإسرائيلي، ولا يُقبل منهم التحوّل إلى الديانة اليهودية.
مكّنت القوى الاستعمارية الأوروپية الأوروپيين من الاستيلاء على الأراضي الأمريكية وتحويل سكّانها إلى الثقافة الأوروپية بصفة الفاتحين. أما اليهود الأوروپيّون فقد تمكّنوا من إنشاء دولة إسرائيل بمساعدة القوى الاستعمارية الأوروپية أيضاً، ولكن دون صراع ثقافي مع الفلسطينيين.

الموجة الأولى من جورجيا
كانت أولى موجات النازحين اليهود اللاجئين إلى فلسطين قد وصلت من جورجيا، عقب استيلاء روسيا عليها من إيران بموجب معاهدة تركمانجاي. هذا الاستيلاء تمّ بحروب امتدّ عهدها من سنة 1801 إلى سنة 1828.
وصلت موجة يهود جورجيا إلى فلسطين بعد أن تعرّضوا للاضطهاد من قبل الحكّام الروس في جورجيا. وكان هذا في عقب صدور مرسوم قيصري في عام 1881، أدّى إلى اضطهاد اليهود في عموم روسيا.
وكانت هذه الموجة مختلفة عن الموجات السابقة من يهود جورجيا، حيث كانت أكثر تنظيماً وهدفاً.
كان قادة هذه الموجة من أتباع الحركة الصهيونية، التي كانت تدعو إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. وخطّطوا لوصول جماعي لليهود إلى فلسطين، بهدف بناء هذه الدولة. وكانت الدولة العثمانية قد قبلت بلجوء يهود جورجيا إليها لتُظهر للعالم أنّ السلطنة دولة عادلة ورحيمة، وكان هناك ضغط دولي على السلطنة العثمانية لقبول يهود جورجيا. وقد حثت الدول الغربية، مثل بريطانيا، السلطنة على قبول يهود جورجيا، وذلك باعتبارها مسؤولية إنسانية.
وصلت أوّل مجموعات من يهود جورجيا إلى فلسطين في عام 1830. واستقرّوا في البداية في القدس، ولكنهم سرعان ما انتشروا في جميع أنحاء البلاد. ثمّ في عام 1863، ثمّ في عام 1882، وصلت موجة كبيرة من يهود جورجيا إلى فلسطين، وذلك بعد أن اندلعت حرب بين روسيا والعثمانية. واستقرّت هذه الموجة في العديد من القرى والمدن الفلسطينية، مثل يافا وحيفا ونابلس.
كان لليهود الجورجيّين الذين وصلوا إلى فلسطين في القرن التاسع عشر تأثير كبير على المجتمع الفلسطيني. فقد ساهموا بشكل كبير في الاقتصاد الفلسطيني، حيث أسّسوا العديد من الشركات والمصانع. كما ساهموا في الثقافة الفلسطينية، حيث أسسوا العديد من المدارس والمراكز الثقافية. وركّزوا تأسيس المدارس في مدن: القدس، يافا، حيفا، نابلس، صفد، طبريا، الخليل، رام الله. كما أسّسوا العديد من القرى اليهودية في فلسطين، مثل: كفر ياسيف، قرية الشيخ دنون، قرية كسرى، قرية جت، قرية عيلبون، قرية عرابة، قرية بيرزيت.
وهكذا، لعب يهود جورجيا دوراً هاماً في تأسيس المجتمع اليهودي الصهيوني في فلسطين نهاية القرن التاسع عشر، حيث كانوا من أهمّ المجموعات اليهودية التي استقرّت فيها، وساهموا بشكل كبير في الحياة الثقافية والاقتصادية الفلسطينية. وهذا ما أدّى إلى إنشاء الحركة الصهيونية في عام 1897، والتي لعبت دوراً هاماً في تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين.
في الختام، يمكن القول إنّ المقارنة بين استعمار الأوروپيين لأميركا واحتلال الصهاينة لفلسطين بحاجة إلى إعادة النظر. وإذا كانت هناك بعض النقاط المشتركة، فإن الاختلافات الجوهرية تجعل من المقارنة بينهما مضلّلة في الغالب. لا يمكن الحكم على التاريخ بناءً على المقارنات السطحية، ولكن يجب فحص الظروف الخاصة والمحدّدة لكل حدث. والأمر يتطلب فهمًا أعمق للسياق التاريخي والجغرافي والثقافي والديني للأمور.
مراجع ومصادر
1. “European Colonization of America: History and Impact” – John Hacklton, Book, 2006.
2. “La sionisme et la fondation de l’État d’Israël: Histoire et analyse” – Elias Sanbar, Livre, 2014.
3. “European Colonization and the Americas: Cultural and Economic Impacts” – David B. Quinn, Journal of Historical Studies, 2011.
4. “The Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited” – Benny Morris, Book, 2004.
5. “Jewish Migration to Palestine in Modern Times” – Arieh L. Avneri, Book, 2010.





اترك رد