مقاومة القوميّة بالقوميّة
ترجمة مقال جود عيسى على identityhunters.org
ظهر البخاريّون إثر اضطرابات الثورتين البلشفية والماوية، في وقت كافحت فيه المملكة العربية السعودية “للدفاع عن الأمة الدولية من تهديد الدولة القومية”. تصوّر تجربة البخاريّين كيف أدّت القومية إلى نفيهم من آسيا الوسطى وإقامتهم في المملكة العربية السعودية إلى الانحلال النهائي للدوافع التي أدت إلى وجودهم.
من مرغلان وأورومتشي إلى الحجاز
تروي موجات الهجرة من آسيا الوسطى إلى المملكة العربية السعودية بين عشرينيات وستينيات القرن العشرين قصّة مؤثرة عن محاولات أمّة فرعية للوجود وجهود دولة في البناء. فشل الأوزبك والأويغور في مقاومتهم للشيوعية السوفيتية والصينية، ممّا أجبرهم على مغادرة أوطانهم (غلادني، 1998، ص 4). تأثّرت النخب بسياسة النظام الجمعيّة، والمثقفون الدينيون لمقاومتهم للدعاية المناهضة للإسلام، والمبشرون الباحثون عن الأعمال بعيداً عن الفوضى الشيوعية (بالتشي، ص 14). عبر عدّة موجات من الهجرة، سعى الأوزبك والأويغور إلى الاستقرار في أراضٍ جديدة، وكان الحجاز من بين الوجهات الأكثر رغبة إلى جانب تركيا (ص 12).
“… اعتبار المملكة العربية السعودية وجهتهم النهائية كان دائماً خياراً طبيعياً ورمزياً للهجرة والملاذ الأخير.”
بيرم بالتشي، اللاجئون من آسيا الوسطى في المملكة العربية السعودية: التطور الديني والمساهمة في إعادة أسلمة وطنهم الأم ص 12
تزامنت موجة الهجرة الأولى حوالي الثلاثينيات مع تحوّلين جيوسياسيين للحجاز. أولاً، كان هناك ميل نحو القومية العربية لنيل الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية تحت حكم ملك الحجاز، الحسين بن علي. ثانيًا، توسع الدولة السعودية إلى الحجاز في عام 1925 وصولاً إلى تشكيل المملكة العربية السعودية في عام 1932 مدعومة بأيديولوجية سلفية معارضة للقومية العربية. وسط هذه الأوضاع، حافظت المملكة العربية السعودية على هدف دعم “الإيمان ضدّ العرق، الإسلامية ضد العروبة” (بالتشي، ص 18). لذلك، برغم هذه التحوّلات، فتحت المملكة العربية السعودية حدودها للمهاجرين الفارين من الأنظمة الإلحادية التي تستهدف المسلمين (لويس، 1989، ص 2).
كان الإسلام، وبشكل رئيس السلفية، آلية المملكة العربية السعودية لتكوين الدولة وإحدى طرق الدفاع عن الدين على القومية عند الترحيب بالمهاجرين (بالتشي، ص 12). سبب حاسم آخر كان الحاجة إلى سكّان المملكة الجديدة بأولئك الذين سيرفعون الاقتصاد ويستغلّون الأراضي، إذ تضاعفت مساحتها أربع مرّات (بالتشي، ص 12). بالاعتماد على خبراتهم ومواقعهم الاجتماعية في وطنهم الأصلي كمثقفين ورجال أعمال، كانوا شعباً مرغوباً للترحيب بهم في الجنسية السعودية.
الانسجام بين الهويات: الحجازي والبخاري
شكّلت العوامل الجيوسياسية فرصة استثنائية للهجرة الناجحة، وإلى جانب الألفة الموجودة بين الأوزبك والأويغور والعرب، كانت عملية الاندماج سهلة، ممّا خلق هويّة متماسكة متوافقة مع العرب. نظراً لتركيز المملكة العربية السعودية على الإسلام النقي، سعى الأوزبك والأويغور لإثبات هويّة أكثر إعجاباً تجذب المملكة بالإشارة إلى أنفسهم كقادمين من أرض البخاري، العالم الديني المركزي الذي كان السعوديّون على دراية كبيرة به. أصبح مصطلح “بخاري” يشير قريباً إلى الأمّة الفرعية في الحجاز، سواء كانوا أوزبك أو أويغور، من بخارى أو لا، بخلفية سلفية أو صوفية. ومع ذلك، تخلّى البخاريّون طواعية عن التعاليم الصوفية لمصلحة السلفية لتعميق روابطهم مع المملكة الجديدة (بالتشي، ص 12). هذا التحوّل هو نقطة النجاح المملكة العربية السعودية بالضبط.
أدّى بناء هويّة في منطقة انضمّت حديثاً تحت حكم المملكة العربية السعودية بشكل طبيعي إلى اندماج عميق مع البلد المضيف (ديباتا وغوانغ، 2010، ص 60). ضاقت الحواجز الثقافية بشكل كبير، وشارك البخاريّون بشكل جيّد في المجتمع عبر المشاركة في التعليم وريادة الأعمال والتكنولوجيا والطبّ والحكومة (ديباتا وغوانغ، 2010، ص 67). إحدى الشخصيات البارزة هي عبد العزيز تركستاني، السفير السعودي السابق لدى اليابان.

البيانات الديموغرافية المنشورة من قبل المملكة محدودة. ومع ذلك، يقدّر مصدر أنّ المملكة العربية السعودية كان بها أكبر عدد من السكان الأويغور خارج آسيا الوسطى في عام 2010 (ديباتا وغوانغ، 2010، ص 66). رقم آخر من صحيفة سعودية يدّعي أنّ مكّة المكرمة في القرن العشرين كان بها 20 ألف من سكان آسيا الوسطى، مشكلين 13.3% من سكّان مكّة، وهي أكبر أمّة فرعية غير عربية (البخاري، 2011).
فقدان الاتّصال: البخاري هو حجازي
كانت الروابط مع العرب ذات قيمة كبيرة للهوية البخارية، وعلى الجانب الأكثر قتامة من هذا الاندماج الناجح هو حقيقة أنّ الهجرة كانت، بالنسبة للكثيرين، خاصة الأويغور، دائمة؛ لا نظر إلى الوراء. أوّلاً، كانت الرحلة الشاقّة التي شُرع بها انتقائية فقط للأصحّاء والأثرياء ولكنّها أسفرت أيضاً عن خسائر كبيرة في أفراد الأسرة، تاركة سلسلة من الذكريات غير المرغوب بها. ثانياً، دمّرت الثورات السوفيتية والماوية رموز الأمة الأويغورية، وأثبتت هذه الأنشطة القوميّة للبخاريين أنّ الروابط الدينية أقوى من الروابط الوطنية، ممّا قلّل أكثر من أيّ اهتمام بالعودة بعد الاستقلال أو العمل من أجل تقرير المصير. أخيراً، كما لخّصت لُجين روزي، وهي سعودية أويغورية بخارية:
“هناك انفصال عن الثقافة، وكان خياراً متعمّداً لتبني هويّة بديلة أقوى، بدلاً من هوية ضعيفة ستؤدي إلى قتلك”.
هذا الافتقار النهائي للتمييز بين العرب والبخاريين في المملكة العربية السعودية هو حالة فريدة لا تشاركها المجتمعات التي هاجرت إلى أماكن أخرى. في تركيا، تُغذّى الهوية عبر الحفاظ على اللّغة، وتعليم أنّ تركستان الشرقية محتلّة من قبل الصين والجهود السياسية القومية (كلوثي، 2022). ومع ذلك، قدّم الاندماج الناجح فرصة قيمة للوافدين الجدد والمملكة العربية السعودية الناشئة. يجلب هذا الاندماج ما يشار إليه في هذا المقال باسم العقد العربي البخاري.
العقد العربي البخاري
عنى إيجاد البخاريّين ملجأ في المملكة العربية السعودية الأمن الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار لهم. بالنسبة للمملكة، كانت فرصة لاحتضان والاستفادة من المهارات والموارد التي جلبتها هذه المجتمعات للتعامل مع توسّعات الدولة الحديثة، وتصدير التعاليم الأيديولوجية الإسلامية، واكتساب الدعم والشرعية الدولية. جعل هذا الهجرة أشبه بعقد، يفيد كلا الطرفين.
وجد الشعب البخاري عموماً في منتصف القرن العشرين سهولة في الحصول على التأشيرات والجنسيات، ممّا سمح بمزيد من الفرص للتفاعل مع المجتمع. وثق العرب في ولائهم للمملكة، وهو إرث انتقل إلى الأجيال البخارية التالية. وضع هذا أيضاً البخاريّين في نطاق هرمي من الأقليات الأخرى التي ينظر إليها بشكّ (بالتشي، 17).
تجاوز تأثير المجتمع البخاري حدود المملكة العربية السعودية، وكان له دور مهمّ في الترويج للسلفية السعودية في آسيا الوسطى. أرسلت المملكة العربية السعودية البخاريّين إلى أوطانهم بمهمّة الاستفادة من القوميّة والترويج للسلفية بدلاً من الماركسية اللّينينية. حدث التحوّل إلى السلفية بشكل شبه لا واعٍ إذ كان من المستحيل تقريباً الشكّ في شرعية خادم الحرمين الشريفين، وكان من الأفضل منح الإسلام موقعاً سياسياً (بالتشي، ص 17).
شكّل هذا النشر الاستراتيجي للتعاليم الإسلامية السعودية نجاحاً كبيراً للعقد العربي البخاري إذ غرس السلفية داخل الدول القومية الناشئة في آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. استفادت المملكة العربية السعودية، برغم أنّها ليست نظاماً قوميّاً، بالفعل من وجود دول أخرى تعرّف نفسها عبر الأسس الدينية التي وضعتها المملكة.
في حين أنّ العقد العربي البخاري رمزي، إلا أنّه سُهّل أحياناً عبر عقود فعلية. أولاً، رابطة العالم الإسلامي، التي استخدمت لتعبئة البخاريين وإرسالهم “لإعادة أسلمة أوطانهم.” (بالتشي، ص 18). استمرّ التقليد مع مبادرة البخاريّين لدعم الهدف. ثانياً، وبشكل مفارق، صفقة الصواريخ الصينية السعودية. برغم أنّ الصفقة الفعلية كانت لتجارة الأسلحة، إلا أنّها اقترنت باتّفاق لرعاية التعليم الإسلامي للطلاب الأويغور (غلادني، 1992، ص 174).
نهاية العقد والجيل الثالث من البخاريّين
هناك نقطة توقّفت فيها الهجرة إلى المملكة العربية السعودية؛ برغم صعوبة تحديدها، يمكن القول إنّها بعد الستّينيات. يجادل بالتشي بأنّ عملية الهجرة تغيرت بين عامي 1948 و1949، ممّا جعلها أكثر صعوبة. تدّعي إذاعة آسيا الحرّة أنّ المملكة العربية السعودية لم تقبل مجموعات اللاجئين في عام 1965، وهو ما يتزامن مع الادعاء بأنّ المملكة العربية السعودية توقّفت عن إصدار تأشيرات للأوزبك (بالتشي، ص 19). حدث هذا أيضاً خلال محاولات إقامة علاقات بين المملكة العربية السعودية والصين، التي كانت سابقاً النظام الإلحادي الذي فرّ منه بعض البخاريون (يتزهاك، 1989).
الحدث الأهمّ الذي يشير إلى تحوّل في مصالح المملكة العربية السعودية هو ازدهار صناعة النفط، أيضاً حوالي الستينيات (بالتشي، 2007، ص 15). إغلاق المملكة العربية السعودية حدودها أمام اللّاجئين من آسيا الوسطى يشير إلى تغيير في المصالح الوطنية التي يمكن وصفها سابقاً ببناء الدولة والدوافع الدينية، متحوّلة إلى اهتمام بقوّة التحالفات الدولية والقيم الاقتصادية. هذا يشير أيضاً إلى رضا المملكة عن نتائج العقد العربي البخاري من جهة، ومن جهة أخرى الاندماج النهائي للمهاجرين من آسيا الوسطى لخلق أمّة فرعية حصريّة تناسب فقط الحجاز.
مع مرور الوقت، أصبح مصطلح “بخاري” معرّفاً ثانويّاً، يلاحظ بشكل رئيس عبر الأسماء والملامح الجسدية والحفاظ على المأكولات المحلّيّة. بعد أن كانت لغة ثانوية، أصبحت العربية سائدة بسرعة، ولم تعد اللّغة الأم ذات صلة. تؤكّد هذه النتيجة دورهم الحاسم في تشكيل الهويّة السعودية وتصدير التعاليم الإسلامية، ممّا يضعهم كلاعبين في بناء الدولة للمملكة. دورهم في تكوين الهويّة السعودية الحجازية والترويج للسلفية السعوديّة في آسيا الوسطى أمر حيوي. تعكس لُجين روزي بإيجاز طبقات الهويّة البخارية:
“إذا سألتني، أنا سعودية. إذا أربكتك ملامحي الجسدية واسمي، فأنا بخارية، وفقط إذا طُلب مني التحديد، فأنا أويغورية.”

مراجع:
Albukhari, Monis. “من هم البخارية؟.” مدوّنة البخاري, Feb 23, 2009. ~https://albukhari.com/2009/02/23/%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9%D8%9F/~.
AlRadadi, Talal. “انتقلوا إلى الغربية منذ ٧٠ عام البخارين يستقون أخبار بلادهم من الحرم.” okaz.com.sa, December 7, 2006. ~https://web.archive.org/web/20211203015012/https://www.okaz.com.sa/Homepage~.
Balci, Bayram. “Central Asian Refugees in Saudi Arabia: Religious Evolution and Contributing to the Reislamization of Their Motherland.” Oxford University Press 26, no. 2 (2007): 12–21. ~https://doi.org/10.1093/rsq/hdi0223~.
Clothey, Rebecca. “Education and the Politics of Cultural Survival for Uyghur Immigrants in Turkey.” Journal of Language, Identity & Education, April 12, 2022, 1–14. ~https://doi.org/10.1080/15348458.2022.2045202~.
Gladney, Dru C. “Constructing a Contemporary Uighur National Identity : Transnationalism, Islamicization, and State Representation.” CEMOTI 13, no. 1 (1992): 165–84. ~https://doi.org/10.3406/cemot.1992.1009~.
Gladney, Dru C. “Internal Colonialism and the Uyghur Nationality: Chinese Nationalism and Its Subaltern Subjects.” Cahiers d’études sur la Méditerranée orientale et la monde turco-iranien, no. 25 (January 1, 1998): 1–12. ~https://doi.org/10.4000/cemoti.48~.
Guang, Tian, and Mahesh Ranjan Debata. “Identity and Mobilization in Transnational Societies: A Case Study of Uyghur Diasporic Nationalism.” China and Eurasia Forum Quarterly 8, no. 4 (2010): 59–78. ~http://jnu.ac.in/sites/default/files/sis/MakingSISVisible/Publications/Mahesh%20and%20guang%20Tian.pdf~. Lipes, Joshua. “Between Identity and Integration: The Uyghur Diaspora in the West – World Uyghur Congress.” World Uyghur Congress – Uyghur Human Rights Advocacy Organization, May 27, 2016. Shichor, Yitzhak. East wind over arabia: Origins and implications of the Sino-Saudi missile deal*. Berkeley (Calif.): University of California, 1989.
Sulaiman, Eset. “Between Identity and Integration.” Radio Free Asia. Accessed November 10, 2023. ~https://www.rfa.org/english/news/special/pathtofreedom/~.





اترك رد