تتبوّأ سوريا مكانة استثنائية في تاريخ الموسيقى الإنساني، فهي ليست مجرّد مساهم في التراث الموسيقي العالمي، بل إحدى مؤسّسيه الأوائل. فعلى أرضها وُضعت أقدم نظرية موسيقية مدوّنة عرفتها البشرية، وفي مدنها تبلورت مفاهيم السلّم الموسيقي والتدوين النوطي قبل أن يعرفها الإغريق بقرون. ولا تنبع هذه المكانة التأسيسية من صدفة تاريخية، بل من تراكم حضاري امتدّ آلاف السنين، جعل من هذه البقعة الجغرافية مختبراً حيّاً للتجريب الموسيقي والتنظير الصوتي.
منذ الألواح الطينية في أُگاريت وصولاً إلى سيمفونيّات الشتات المعاصرة، ظلّت الموسيقى السورية تنبض بحيوية فريدة، تستقبل المؤثّرات الوافدة وتعيد صياغتها ضمن منظومتها الخاصّة، لتصدّرها مجدّداً بنكهة محلّية أصيلة. صنعت هذه الدينامية الحضارية ما نسمّيه اليوم “الفسيفساء الموسيقية السورية”، تلك اللّوحة البانورامية التي تتعايش فيها الألوان المتمايزة دون أن تفقد أيّ منها خصوصيّتها.

سوريا في سياق تاريخ الموسيقى العالمي
ينبغي التنبيه هنا إلى أنّ سوريا بحدودها السياسية المعاصرة ليست كياناً جغرافيّاً ممتدّاً على طول التاريخ بخطوطها الحالية، بل هي محصّلة لاتفاقيات سايكس-پيكو (1916) وسان ريمو (1920) التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وتفكيك الدولة العثمانية. قبل هذه الترسيمات، كانت المنطقة منقسمة إدارياً إلى دول (إيالات) عثمانية متمايزة: إيالة الشام (التي قُسّمت إلى ولايتي سوريِه وبيروت التي شملت على متصرّفيّتي القدس وجبل لبنان)، وإيالة حلب (الشمال)، وولاية الزور (الجزيرة العليا وبادية الشام). سوريا المعاصرة هي حاصل تجميع عواصم هذه الدول دون أبدانها، أي حاصر تجميع بقايا تقسيمات هزيمة الحرب العالمية الأولى.


كلّ دولة من هذه الدول كانت تمتلك خصوصيّتها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، وبذلك موروثها الموسيقي المتميّز. ترك هذا التقسيم الإداري السابق – الذي امتدّ لعشر قرون – أثراً عميقاً في التمايز الموسيقي بين المدارس الإقليمية، فلم تكن حلب ودمشق والجزيرة “مناطق” داخل بلد واحد، بل مراكز حضرية مستقلّة نسبيّاً لكلّ منها شبكاتها التجارية وعلاقاتها الخارجية وتقاليدها الفنّية. لذا، حين نتحدّث عن “الموسيقى السورية”، فإنّنا نتحدّث في الواقع عن فسيفساء من التقاليد الموسيقية التي تطوّرت في كيانات إدارية وجغرافية شبه منفصلة، ثمّ اجتمعت تحت سقف سياسي واحد في القرن العشرين.
يفسّر هذا التاريخ المركّب التنوّع الموسيقي الاستثنائي داخل الحدود السورية الحديثة، وهو تنوّع لا ينبع من تعدّد إثني أو لغوي فحسب، بل من تعدّد المراكز الحضارية والإدارية التاريخية التي شكّلت كلّ منها “مدرسة” موسيقية قائمة بذاتها.

الجغرافيا قدر موسيقي
تتموضع مناطق سوريا في قلب العالم القديم، نقطة التقاء القارات الثلاث، ممرّ القوافل التجارية، ومسار الجيوش والحجّاج والمتصوّفة. حوّلها هذا الموقع الاستراتيجي إلى بوتقة انصهار صوتي لا نظير لها، “خزّان سمعي” هائل استقبل عبر الألفيّات موجات متلاحقة من التأثيرات الموسيقية: عبادة حدد (باقا) وعطِرتا (عنَت، عطَّرت، ديرقيتا، سوريا)، البعلية والمردوقية واليهودية، الإمية، المسيحية السريانية، المسيحية الرومية، المندائية والمانوية، الإسلام بتنويعاته الصوفية والسلفية والمادية. لكنّ هذه الأرض لم تكتفِ باستقبال الوافد الصوتي استقبالاً سلبيّاً، بل مارست عليه عمليّات معقّدة من الإحلال والصهر وإعادة الإنتاج، لتخرج بتراث موسيقي فريد يحمل بصمتها الخاصة.
استخدام مصطلح “الفسيفساء” هنا يتجاوز البلاغة اللّغوية إلى التوصيف البنيوي الدقيق. فالموسيقى السورية لوحة تتجاور فيها “أحجار” صوتية متميّزة: المقامات والإيقاعات، اللّغات والتقاليد المحلّية، كلّ حجر يحتفظ بخصوصيّته اللّونية والمادية، لكنّها مجتمعة تشكّل پانوراما واحدة متناسقة. ولا نستطيع فهم هذه الموسيقى كتلة صمّاء واحدة، بل علينا قراءتها مجموعة “مدارس” إقليمية كبرى – حلب ودمشق والساحل والجزيرة والبادية – تتفاعل فيما بينها عبر أوعية مستطرقة من التأثير والتأثر، مشكّلة نظاماً بيئيّاً صوتيّاً بالغ التراكب.
قراءة التاريخ الموسيقي السوري تستلزم حفراً آثاريّاً عميقاً في الطبقات الصوتية المتراكمة. نبدأ من الرقم الطينية في أُگاريت وماري التي أسّست للنظريات الموسيقية العالمية الأولى، ثمّ نمرّ بالتراتيل السريانية والرومية التي صاغت الوجدان الروحي للمشرق، ونصل إلى الإنشاد الصوفي في العهدين الأموي والعثماني، وننتهي عند المحاولات المعاصرة للأوركسترا الوطنية ومشاريع التوثيق في الشتات.
يسعى هذا البحث إلى تفكيك الفسيفساء الموسيقية السورية لا بغرض العزل، بل بهدف الفهم الشمولي. سننتقل عبر محاور رئيسية تغطّي الجذور الأثرية، المدارس الإقليمية وخصوصيّاتها الجغرافية والاجتماعية، الطبقات الزمنية وتراكمها التاريخي، حركة التصدير الموسيقي وتأثير الصوت السوري في محيطه العربي والعالمي، وأخيراً الأشكال الشعبية والوظيفية التي رافقت الإنسان السوري في حقله ومتجره ومعبده.

الجزء الأول:
المهد الأوّل – الجذور الأثرية والمؤسّسية للصوت السوري
قبل أن يضع فيثاغورث نظرياته في السلالم الموسيقية بقرون طويلة، كانت الأرض السورية قد أسّست للنظريات الموسيقية الأولى، للتدوين، بل وللتنظيم المؤسّسي والبيروقراطي للفرق الموسيقية. تشير اللّقى الأثرية والمعطيات العلمية إلى أنّ سوريا لم تكن محطّة عابرة في تاريخ الموسيقى، بل “المختبر” الذي نضجت فيه المفاهيم الموسيقية الأولى للبشرية.
أُگاريت: ثورة التدوين الموسيقي واكتشاف السلّم السباعي
تمثّل الاكتشافات الأثرية في راس شمرا (أُگاريت) على الساحل السوري نقطة تحوّل جذرية في تاريخ الموسيقى العالمي. ففي الخمسينيات من القرن العشرين، عثر الباحثون على ألواح طينية تعود للقرن الخامس عشر قبل الميلاد (حوالي 1400 ق.م)، تضمّنت ما نعرفه اليوم عالميّاً باسم “الترنيمة الحُرّية رقم 6” Hurrian Hymn No. 6. ليست هذه الترنيمة نصّاً شعريّاً فحسب، بل أقدم تدوين موسيقي كامل ومعروف في التاريخ البشري، ما دفع علماء الموسيقى لإعادة النظر في تاريخ الموسيقى القديمة برمّته.
أثبتت الدراسات المعمّقة التي أجراها علماء الآثار والموسيقى، مثل آن كيلمر Anne Kilmer ومارسيل دوچين گييمان Marcelle Duchesne-Guillemin، أنّ الموسيقى في أُگاريت استخدمت سلّماً موسيقيّاً سباعيّاً يشبه السلّم “الماجور” الغربي (دو-ري-مي…)، وذلك قبل فيثاغورث بحوالي ألف ومئتي سنة. دحض هذا الاكتشاف النظريّات الاستشراقية القديمة التي افترضت أنّ موسيقى العالم القديم كانت بدائية أو خماسية فقط.
تستخدم النصوص الموسيقية المكتشفة لغة تقنية أگّدية معقّدة لتدوين الموسيقى. يتألّف التدوين من أسماء للمسافات الموسيقية Intervallic names متبوعة بأرقام تشير إلى الأوتار وطريقة النقر عليها. ويكشف هذا النظام عن فهم نظري متقدّم جداً للعلاقات بين النغمات، فقد حُدّدت المسافات مثل “الثالثة” و”الرابعة” و”الخمسة” بأسماء دقيقة (مثل إشَرتُم (عشرة) ونيد قَبلِم)، ما يدلّ على وجود مدرسة نظرية موسيقية راسخة.
كانت هذه الترانيم موجّهة للإلهة نِكَّل 𐎐𐎋𐎍، زوجة إله القمر، وكانت تُعزف على قيثارة ذات تسع أوتار كِنَّرُ 𐎋𐎐𐎗 (أمّ القيثارة). تشير إحدى النصوص إلى أنّ الموسيقى “محبوبة الآلهة”، وهو مفهوم يكشف عن رؤية نفعية وروحية في آن واحد؛ فالموسيقى وسيلة لاسترضاء القوى العليا واستجلاب الخصوبة، رؤية تختلف فلسفيّاً عن النظرة السومرية التي مالت للتجريد.

ماري وإبلا: البيروقراطية الموسيقية والاحتراف
إذا كانت أُگاريت قدّمت التدوين والنظرية، فإنّ مملكتي ماري (تل الحريري) وإبلا (تل مرديخ) قدّمتا النموذج الأوّل للمؤسّسة الموسيقية المحترفة. تكشف الأرشيفات الملكية المكتشفة في ماري – التي تعود للألف الثالث والثاني قبل الميلاد – عن حياة موسيقية باذخة ومنظّمة بدقّة، تظهر أهمّية الموسيقى في الحياة السياسية والدينية.
عُثر في ماري على تمثال يصوّر فرقة موسيقية، فيما تشير النصوص المسمارية إلى وجود فرق كبيرة تضمّ ما يصل إلى 26 عازفاً ومغنّياً. ويكشف هذا العدد الكبير عن تطوّر مفهوم “العزف الجماعي” وضرورة وجود نظام للـ”دوزنة المشتركة” لضمان التناغم بين هذا العدد من الآلات المختلفة.
تظهر الوثائق الإدارية وجود منصب “رئيس الموسيقيّين” الذي يشرف على تدريب العازفين في مدارس تابعة للقصر الملكي. كان هناك فصل واضح في التخصّصات بين الآلات: الوترية والهوائية والإيقاعية، مع تخصّصات للمغنّيات مثل أُرنَنشِه 𒌨𒀭𒀏 أُرنِنِه (معروفة اليوم باسم أورنينا)، مغنّية المعبد الشهيرة التي خلّدها تمثالها. يذكر الأرشيف تفاصيل دقيقة عن صناعة الآلات: استيراد خشب الأبنوس لصناعة الناي، معالجة جلود البقر للطبول، استخدام خشب الصندل والذهب للقيثارات، ما يدلّ على صناعة موسيقية متطوّرة واقتصاد مرتبط بالفنون.
تُظهر أرشيفات إبلا أنّ الموسيقيّين كانوا يسافرون بين الممالك – من ماري إلى إبلا والعكس – لإحياء الاحتفالات الملكية والأعراس، ما يشير إلى وجود “سوق إقليمية” للمواهب الموسيقية، واستخدام الموسيقى أداة للقوّة الناعمة والتبادل الحضاري والدبلوماسي بين الممالك السورية القديمة.
تدمر: شعائر الموسيقى في البادية والسينكريتية الدينية
في تدمر، واحة الصحراء الكبرى التي شكّلت عقدة مواصلات تجارية، أدّت الموسيقى دوراً محوريّاً في الشعائر الدينية الموجّهة لثالوث الآلهة: الشمس (يرح بعل)، القمر (عجل بعل)، والسماء (بعل شمين).
تُظهر المنحوتات التدمرية والقطع الفخارية مشاهد لمواكب دينية واحتفالات يتقدّمها عازفو الناي والمزمار المزدوج (المجوِز) والقيثارة. وتظهر هذه المشاهد تمازجاً فريداً (سينكريتية) بين الإرث الآرامي المحلّي والتأثيرات الإغريقية-الرومانية والإيرانية، وهو ما يميّز الهوية التدمرية المنفتحة.
كانت الموسيقى في تدمر وسيلة للوصول إلى حالة من “الوجد” أو النشوة الشعائرية في أثناء الولائم المقدّسة التي كانت تُقام في المعابد تكريماً للآلهة. ولم تكن الموسيقى خلفية صوتية فحسب، بل جزءاً جوهريّاً من الشعيرة التعبّدية التي تجمع المجتمع العربي بكلّ أطيافه التجارية والقبلية.

الجزء الثاني:
الجغرافيا الموسيقية – المدارس الإقليمية وخصوصيّاتها
مع مرور الزمن وتبلور الهويّات المحلّية، نشأت في سوريا مدارس موسيقية إقليمية كبرى. كلّ مدرسة منها تحمل بصمة بيئتها الجغرافية – سهل أو جبل أو ساحل أو بادية – وتاريخها الاجتماعي، لتشكّل “لهجة” موسيقية خاصة ضمن اللّغة الموسيقية السورية العامّة.
المدرسة الحلبية: قلعة الطرب وحارسة التراث
حلب العاصمة الموسيقية التقليدية للمشرق العربي بلا منازع. جعلت هذه المدينة التجارية والصناعية العريقة من “السمّيعة” – أي المستمعين المتذوّقين – مؤسّسة نقدية صارمة لا ينجح في امتحانها إلّا من كان أهلاً للفنّ. وللجمهور الحلبي “أذن” مدرّبة تاريخيّاً ترفض النشاز وتطرب للجمل الموسيقية المعقّدة.
القدود الحلبية درّة تاج الموسيقى الحلبية، وقد أدرجتها اليونسكو في لائحة التراث الإنساني غير المادي عام 2021. “القدّ” لغةً المقاس، وفي الاصطلاح: أن تُصاغ كلمات دنيوية – غالباً غزلية أو عاطفية – على قدّ ألحان دينية أو شعبية شائعة محفوظة في الذاكرة الجمعية. نشأ هذا الفنّ من تفاعل جدلي بين الزوايا الصوفية والشارع؛ كان المنشدون يأخذون الألحان الشعبية الرائجة فيضعون على قدّها كلمات في الحبّ الإلهي لجذب العامّة، وفي المقابل كان الموسيقيّون يأخذون الألحان الدينية الرصينة فيضعون على قدّها كلمات غزلية للطرب الدنيوي.
تقوم القدود أساساً على ارتجال اللّحن والتصرّف فيه، وتحتاج من المؤدّي مهارات صوتية عالية: العُرَب والقفلات والمساحة الصوتية الواسعة. ومن أشهرها: “يا مال الشام” و”قدّك المياس” و”سكابا يا دموع العين”. وليست القدود من مومياوات التاريخ، بل ممارسة حيّة متجدّدة إلى اليوم.
أمّا الموشّحات، وإن كانت فنّاً أندلسيّ المنشأ، حفظتها حلب من الضياع بعد سقوط الأندلس في القرن 15، بل طوّرتها وأضافت إليها نكهة مشرقية خاصة. يختلف الموشّح الحلبي عن نظيره المغاربي بتأثّره الشديد بالمقامات الشرقية والإيقاعات التركية المعقّدة، وبتركيزه على الطرب الفردي (سولو) والجماعي (الكورس) معاً. ويتميّز ببنية شعرية وموسيقية صارمة – الدور والخانة والقفل – وبإيقاعات مركّبة غريبة على الأذن الغربية، مثل السماعي الثقيل 10/8 والمصمودي الكبير.
أدّت التكايا الصوفية دور “الكونسرڤتوار الشعبي” في حلب قبل نشوء المعاهد الحديثة. وفي هذه الزوايا – مثل التكية المولوية والتكية الهلالية – جرى تعليم المقامات والإيقاعات عبر حلقات الذكر والإنشاد الديني. ومنها تخرّج عمالقة الطرب الحلبي الذين جمعوا بين العلم الديني والموسيقى، مثل الشيخ علي الدرويش وعمر البطش وصبري مدلّل وأيقونة الطرب صباح فخري.
المدرسة الدمشقية: روح العاصمة والإنشاد الديني
تتميّز المدرسة الدمشقية بمسحة من الرصانة والروحانية والارتباط الوثيق بالمناسبات الاجتماعية، متأثّرة بوجود الجامع الأموي الكبير مركز للإشعاع الديني والحضاري، وبطبيعة المجتمع الدمشقي المحافظ والمترابط.
يمثّل الجامع الأموي مدرسة موسيقية بحدّ ذاته، ومرجعاً للمقامات في العالم الإسلامي. تطوّرت فيه تقاليد “الأذان الجماعي” (الجوقة) والتواشيح الدينية التي تسبق الصلوات – خاصّة الفجر – وفي المناسبات مثل المولد النبوي وشهر رمضان.
يتميّز المؤذّنون الدمشقيّون بتمكّنهم العالي من المقامات، فيُرفع الأذان بمقامات مختلفة حسب أوقات الصلاة للتوافق مع الحالة النفسية والروحية للوقت: مقام الصبا للفجر لإثارة الشجن والخشوع، مقام السيكاه أو الراست للمغرب، ومقامات الحجاز والبياتي للظهر والعصر. يكشف هذا النظام الدقيق عن فهم عميق لسيكولوجية الاستماع.
العراضة الشامية فنّ فلكلوري حركي وغنائي فريد يرتبط بالمناسبات الاجتماعية: الأعراس واستقبال الحجّاج والاحتفال بالمولود وافتتاح المحالّ التجارية. وتتكوّن العراضة من موكب يقوده “الوصيف” أو “رئيس الفرقة” الذي يردّد أهازيج حماسية أو وصفية، وتردّ عليه المجموعة بحماس.
كانت العراضة قديماً وسيلة لاستعراض قوّة وشجاعة “قبضايات” الحارة وحماية الحيّ، لكنّها تطوّرت لتصبح شعيرة احتفالية منظّمة بملابس فلكلورية موحّدة: الشروال والصدرية والطربوش والشال. وتتضمّن العراضة استعراضات بالسيوف والتروس والمشاعل، وتعتمد على الآلات النحاسية والطبل الضخم، متأثّرة بوضوح بالموسيقى العسكرية العثمانية (المهتر) في قوّتها وصخبها الاحتفالي، ولو أنّها في الأساس فنّ يمني تسرّب إلى الشام مع المهاجرين الصنعانية المستقرّين في حيّ القنوات في دمشق. قبل العثمانيّين بقرون عديدة.
مدرسة الساحل والجبل: صوت الطبيعة والبحر والعمل
في المنطقة الساحلية وسلسلة الجبال الغربية، ولدت موسيقى ملتصقة بالأرض والبحر، تعبّر عن دورة الحياة الزراعية، وعن مشاعر الحبّ والفراق والهجرة، وتتّسم بالبساطة والعفوية وقوّة الصوت.
العتابا والميجنا هما الشكلان الأكثر شيوعاً في الغناء الريفي والساحلي، ويشكّلان عماد السهرات والاحتفالات. العتابا قالب شعري غنائي يتألّف من أربعة أشطر؛ الثلاثة الأولى تنتهي بجناس لفظي – كلمات متشابهة في اللّفظ مختلفة في المعنى – وينتهي الشطر الرابع (القفلة) بحرفي الباء والألف (ـبا) أو الألف واللام (ـال). موضوعاتها غالباً تدور حول العتاب والشكوى من غدر الدهر والحنين والمديح. وتتطلّب العتابا صوتاً جبليّاً قويّاً قادراً على أداء العُرب الطويلة.
غالباً ما تسبق العتابا الميجنا بصفة “كسرة” إيقاعية ومقدّمة تمهيدية، وتتميّز بإيقاعها الراقص الذي يرافق الدبكة، ما يخلق توازناً بين شجن العتابا وفرح الميجنا.
تتميّز أغاني البحر والجبل بأنّها ابنة بيئتها بامتياز. أغاني البحر – مثل “يا بحر يا غدّار” و”يا رايحين عاللّاذقية” – تظهر علاقة الصيّاد بالموج، الخوف من المجهول، وانتظار الرزق. ترافق أغاني الجبل والحصاد مواسم الزراعة وقطف الزيتون والحصاد، مثل “رواحي عالحصاد” و”هالأسمر اللّون”. كانت هذه الأغاني تؤدّي وظيفة اجتماعية واقتصادية حيوية مثل تنظيم إيقاع العمل الجماعي، تخفيف التعب، وبثّ الحماس في نفوس العاملين.
مدرسة الجزيرة العليا: ملتقى البداوة والحضارة
المنطقة السورية من الجزيرة – الحسكة والرقّة ودير الزور – تتميّز بتنوّع إثني لا نظير له: عرب وتركمان وأكراد وأرمن وشيشان، ما انعكس غنىً فاحشاً في موسيقاها التي تمزج بين “المردلي” و”الفراتي” و”البدوي”.
يسود في الجزيرة ألوان غنائية خاصّة مثل “الموّال الفراتي” و”النايل” و”السويحلي” و”الموليا”. و تتميّز الموسيقى الفراتية بالشجن العميق والحزن الشفيف الذي يحاكي جريان النهر وامتداد البادية. وتعتمد بشكل أساسي على آلة الربابة – ذات الوتر الواحد – التي ترافق الشاعر البدوي في سرد سيره وملاحمه. ويختلف الموّال الفراتي عن غيره بتركيبته الشعرية وبالمقامات المستخدمة – غالباً مقام البياتي والصبا واللّامي – التي تظهر بيئة الجزيرة.
تحتفظ الجزيرة بإرث موسيقي سرياني عريق يعود لشعائر كنيسة أنطاكية (مدرسة الرها)، ويعدّه الباحثون الجذر الأساسي للمقامات الشرقية ضمن نظام الألحان الثمانية Ὀκτώηχος. وتتميّز الموسيقى الكردية السورية بإيقاعاتها الحيوية المستوردة من شمال إيران وآلاتها الخاصّة مثل الطنبور والبزق – الذي يشبه الساز – وأغانيها الملحمية التي تروي قصص العشق والبطولة مستعارة من الأدب الأشوري، ما يضيف لوناً مميّزاً للوحة الموسيقية السورية.

الجزء الثالث:
الطبقات الزمنية – تراكم الحضارات في الذاكرة السمعية
ليست الموسيقى السورية اليوم وليدة لحظة واحدة، بل نتاج تراكمي لعدّة حقب زمنية تركت كلّ منها بصمتها الواضحة في الهيكل الموسيقي الحالي. و تشبه هذه الطبقات الصوتية المتراكمة الطبقات الجيولوجية، كلّ واحدة تحكي حقبة وتحمل خصائصها، لكنّها مجتمعة تشكّل الكيان الموسيقي السوري المعاصر.
الطبقة السريانية الرومية: الجذر العميق
قبيل الإسلام تماماً، كانت التراتيل السريانية هي الموسيقى السائدة في المنطقة، مذ تحوّل الغساسنة إلى المسيحية السريانية على مذهب الرصافة والرها. أسّس قدّيسون مثل مار أفرام السرياني ومار يعقوب السروجي هذه التراتيل التي طوّرت الكنيسة السريانية منها نظام “الألحان الثمانية”. ويعتقد كثير من علماء الموسيقى أنّ هذا النظام هو الأصل التاريخي لنظام المقامات العربية الحالي.
ما تزال هذه الألحان حيّة ومستخدمة يومياً في الشعائر الكنسية، بل وفي بعض الأغاني الفولكلورية التي احتفظت باللّحن السرياني القديم مع تغيير الكلمات إلى العربية، ما يثبت استمرارية هذا التراث عبر القرون. وتشكّل هذه الطبقة العميقة “الصخرة الأمّ” التي تأسّست عليها البُنى الموسيقية اللّاحقة.
الطبقة العربية الإسلامية: الامتداد والتطوير
مع ظهور الإسلام، حدث تمازج حضاري وموسيقي كبير أضاف طبقة جديدة إلى التراث الموسيقي القائم. تطوّرت المقامات الموجودة في المنطقة وأُضيفت إليها مقامات جديدة، كما شهدت الآلات الموسيقية تطوّراً ملحوظاً، خاصّة العود والقانون. وفي ظلّ الحكم الأموي، تحوّلت دمشق إلى مركز للمغنّين والموسيقيّين مثل معبد والغريض، حيث ازدهر الغناء في بلاط الخلفاء وانتشرت المجالس الموسيقية، وأصبحت العاصمة الأموية قبلة لفنّاني الحجاز والعراق والجزيرة وقنّسرين وعموم الشام، ما أسّس لحقبة ذهبية من التبادل الفنّي والابتكار الموسيقي امتدّ أثرها عبر العصور اللاحقة.
في العصور اللّاحقة، أدّى التصوّف دور “الجسر” الذي نقل الموسيقى العالية من النخبة إلى العامة، وحافظ على التراث الموسيقي – الموشّحات والقدود – داخل التكايا والزوايا بعيداً عن تقلّبات السياسة. استطاعت الصوفية أن تحوّل الموسيقى من فنّ ترفيهي محض إلى وسيلة للسموّ الروحي والوجد الإلهي، ما أكسبها شرعية دينية واجتماعية حمتها من الاندثار في فترات التشدّد.
الطبقة العثمانية: التفاعل الإمبراطوري
خلال أربعة قرون من الحكم العثماني، حدث تبادل موسيقي كثيف بين ما هو اليوم سوريا وتركيا. أثّرت الموسيقى التركية في الموسيقى السورية – خاصة في حلب – بإدخال مقامات جديدة وقوالب آلية مثل “البشرف” و”السماعي”. و أثّرت الموسيقى العسكرية الانكشارية (المهتر) في الإيقاعات الشعبية والعراضات الشامية بصخبها وقوّتها.
بالمقابل، أثّر الموسيقيّون الشوام في الموسيقى السلطانية في إسطنبول، وكان هناك تنقّل دائم للفنّانين بين الحواضر العثمانية. و لم يكن هذا التبادل أحادي الاتّجاه، بل علاقة جدلية أغنت الطرفين وخلقت لغة موسيقية مشرقية-عثمانية مشتركة ما تزال آثارها واضحة حتى اليوم.

الطبقة الحديثة والمعاصرة: النهضة والمؤسّسات
في القرن العشرين، شهدت سوريا نهضة موسيقية تغريبة عبر تأسيس مؤسّسات أكاديمية غربية حديثة، أبرزها المعهد العالي للموسيقى بدمشق (1990) الذي أسّسه الموسيقار صلحي الوادي. وخرّج المعهد أجيالاً من الموسيقيّين الأكاديميّين الذين جمعوا بين التراث الشرقي والتقنيات الغربية، مثل الفرقة السيمفونية الوطنية السورية.
ظهرت محاولات جادّة لتدوين التراث وتطويره على يد روّاد مثل صباح فخري في القدود، الذي نقل التراث من الإطار المحلّي إلى العالمية. و تمثّل هذه الطبقة المعاصرة محاولة لصهر التراث التاريخي بالتقنيات الحديثة، لخلق موسيقى سورية معاصرة تحافظ على جذورها وتتطلّع للمستقبل في آن واحد.

الجزء الرابع:
التصدير الحضاري – سوريا مانح ومؤثّر موسيقي
لم تكن سوريا المعاصرة متلقّية للموسيقى فحسب، بل كانت مصدراً أساسيّاً للإشعاع الموسيقي في المنطقة والعالم، مؤثّرة في مدارس موسيقية كبرى. ويكشف هذا الدور التصديري عن ديناميّة حضارية جعلت من سوريا مركز إنتاج موسيقي أكثر من مجرّد مستهلك أو ناقل للموسيقى.
التأثير في مصر: هوليوود الشرق
في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، هاجر عدد كبير من الموسيقيّين والمسرحيّين السوريّين إلى مصر هرباً من الأوضاع السياسية أو بحثاً عن فرص أوسع، وتركوا بصمة لا تمّحى في الموسيقى المصرية.
أبو خليل القبّاني، رائد المسرح الغنائي العربي، نقل مسرحه من دمشق إلى القاهرة والإسكندرية، وأدخل فنوناً جديدة مثل رقص السماح والموشّحات، وأثّر بشكل جذري في المسرح الغنائي المصري، ممهّداً الطريق لروّاد مثل سيد درويش.

فريد وأسمهان الأطرش، المنحدران من السويداء في سوريا، شكّلا علامة فارقة في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية في القرن العشرين. أدخل فريد الأطرش نكهة شامية وإيقاعات جديدة وتطويراً تقنياً مذهلاً في العزف على العود، في حين قدّمت أسمهان أسلوباً غنائيّاً أوپراليّاً متطوّراً دمج بين الطرب الشرقي والتقنيات الغربية.

الشيخ علي الدرويش، عالم الموسيقى الحلبي، دُعي إلى مصر لتدريس الموسيقى والموشّحات في معهد الموسيقى العربية، وساهم في تدوين التراث الموسيقي المصري وحفظه. ولم يكتف هؤلاء الرواد السوريّون بنقل موسيقاهم إلى مصر، بل ساهموا في تشكيل الذوق الموسيقي المصري والعربي العامّ.
التأثير في طريق الحرير وآسيا الوسطى
تشير الدراسات المقارنة إلى وجود صلات وثيقة بين الموسيقى المقامية في سوريا والعراق وبين موسيقى “ششمقام” البخارية في أوزبكستان وطاجيكستان. وتعود هذه الصلات إلى عصور ما قبل الإسلام، حيث كانت الممالك السورية والعراقية القديمة – من ماري وإبلا إلى تدمر – تشكّل محطات رئيسية على شبكات التجارة الممتدّة شرقاً نحو بلاد إيران وما وراء النهر. واستمرّ هذا التواصل الحضاري عبر العصور الهلنستية والپهلوية، ثم تعزّز في الحقبة الإسلامية من طريق الحركة الصوفية والمراكز العلمية العربية في بخارى وسمرقند ودمشق وحلب، التي شكّلت فضاءات مشتركة للتبادل الموسيقي والفكري.

سافرت الآلات الموسيقية – العود والقانون – والمفاهيم النظرية مثل المقامات والوصلات شرقاً وتركت أثرها العميق في الموسيقى الفارسية والتركية والآسيوية عموماً، ما يكشف دور سوريا عقدة وصل حضارية. ولم يكن هذا الانتشار عشوائيّ، بل نتيجة لحركة تجارية ودينية وفكرية نشطة جعلت من الموسيقى السورية لغة عالمية مفهومة من المتوسّط إلى آسيا الوسطى.

الموسيقى السورية في الشتات العالمي: ما بعد 2011
بعد اندلاع الحرب السورية، حمل الموسيقيّون السوريّون تراثهم إلى المنافي، ليتحوّلوا إلى سفراء لحضارتهم. برزت مبادرات مثل “خارطة الموسيقى السورية” التي تهدف لجمع وتوثيق التراث المهدّد بالضياع، ومؤسّسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية AMAR التي تعمل على أرشفة التسجيلات النادرة من عصر النهضة.
برزت أسماء مثل كنان العظمة، عازف الكلارينيت، الذي يدمج الموسيقى السورية بالجاز والموسيقى المعاصرة في نيويورك وأوروپا، ومالك جندلي الذي يحوّل الألحان السورية القديمة – مثل ترنيمة أُگاريت – إلى سيمفونيّات تعزفها كبرى الأوركسترات العالمية، موثّقاً الألم والأمل السوري بلغة عالمية. لا يحفظ هؤلاء الموسيقيّون في الشتات التراث فحسب، بل يعيدون تشكيله وتقديمه للعالم بصيغ معاصرة.

الإبداع في المنفى: ظاهرة الهجرة الموسيقية عبر قرن
لم تكن موجة الشتات بعد 2011 ظاهرة استثنائية في التاريخ الموسيقي السوري، بل امتداداً لنمط متجذّر عميقاً في علاقة الإبداع السوري بجغرافيته. تكشف دراسة أجريتها عام 2021 لحياة 58 فنّاناً سوريّاً بارزاً في القرن العشرين (1900-1999) – في حقول الموسيقى والرسم والنحت والكاليگرافي والكاريكاتير والفوتوگرافي – عن حقيقة مذهلة: 81٪ من الفن السوري المعاصر أُنتج خارج حدود سوريا السياسية.
خريطة الشتات الإبداعي
من بين الفنّانين الموسيقيّين والتشكيليّين المشمولين في الدراسة، عاش واشتغل 19٪ فقط داخل سوريا. أما البقية فتوزّعوا على خريطة العالم وفق النسب التالية:
- 14٪ في الولايات المتّحدة الأميركية – حيث استقرّ موسيقيّون مثل إيمان رامي وديمة أورشو ونور مهنّا وشادي جميل وممدوح صقال
- 12٪ في فرنسا – التي احتضنت عبد العزيز وباشار زركان ولينا شماميان ورشا رزق وفارس كاشو
- 10٪ في لبنان – موطن صباح فخري وفريد الأطرش وجورج وسوف ونورا رحال وبديعة مصابني
- 9٪ في مصر – حيث لمعت أسمهان وفايزة أحمد وأصالة نصري ووعد البحري
- 5٪ في ألمانيا – التي استضافت بنگين أحمد ودارين أحمد وسلافة حجازي
- 5٪ في السويد – موطن إدوار موسى وسميرة توفيق وسعد حاجو
- 5٪ في تركيا – حيث استقرّت راحيل سمّوحة وعادل شان وخالد عقيل
وتوزّع الباقون بنسب أصغر على النمسا وكندا والكويت والإمارات وبريطانيا وسويسرا والسعودية.
جذور الهجرة: من القرن التاسع عشر إلى العشرين
لا تبدأ هذه الظاهرة مع حرب خلع الاستبداد، بل تمتدّ جذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر. منذ مذابح دمشق (1840، 1850، 1860) التي أدّت إلى فقدان المدينة 45٪ من سكّانها، تأسّس نمط الهجرة القسرية للكفاءات. كانت المنافسة الاستعمارية البريطانية-الفرنسية تؤجّج الصراعات الطائفية – فرنسا تدعم الكاثوليك والأشوريّين وبريطانيا تدعم الدروز والأكراد – ما خلق دورات متكرّرة من العنف والنزوح.
استمرّت هذه الدورة مع انهيار السلطنة العثمانية وتفكيك إيالاتها (الشام وحلب والزور) إلى كيانات هشّة خاضعة للانتداب الفرنسي والبريطاني (1920-1946)، ثم تلتها موجات الانقلابات العسكرية المتتالية في النصف الثاني من القرن العشرين (1958، 1964، 1969…). كلّ هذه المحطّات السياسية أخفقت في إنتاج مؤسّسة واحدة مستدامة ترعى الفنّ والمبدعين.
التصدير القسري: إبداع بلا حاضنة
هذا “التصدير الحضاري” الذي احتفينا به في الأقسام السابقة – تأثير السوريّين في الموسيقى المصرية والأميركية والفرنسية – لم يكن دائماً اختياراً طوعيّاً، بل في أحيان كثيرة هجرة قسرية مدفوعة بالضرورة الوجودية. فريد وأسمهان الأطرش لم يغادرا السويداء إلى القاهرة بحثاً عن الشهرة فحسب، بل هرباً من بيئة سياسية واجتماعية خانقة لم تسمح بازدهار موهبتهما. سافر الشيخ علي الدرويش إلى مصر ليجد هناك ما لم يجده في حلب: مؤسّسات تحترم المعرفة الموسيقية وتموّل البحث والتدريس.
من المفارقات المؤلمة: الفن الذي نفتخر به اليوم في المتاحف والإذاعات بصفته “فن سوري”، لم يُنتج على أرض سوريا. سوريا القرن العشرين بذور لا تنتش إلا خارجها، ما يكشف عن خلل بنيوي في البيئة المحلية التي فشلت – على مدى قرنين – في توفير التربة الخصبة للإبداع: الحرية، الأمان، التمويل، المؤسّسات، الجمهور المتذوّق.
لماذا أميركا؟ ولماذا فرنسا؟
يكشف توزّع الفنانين السوريّين جغرافيّاً عن منطق واضح:
الولايات المتحدة (14٪) قدّمت فضاءً واسعاً للتجريب الموسيقي والاندماج في صناعة ثقافية ضخمة، خاصّة في نيويورك التي استقبلت موسيقيين مثل كنان العظمة الذي دمج الموسيقى السورية بالجاز.
فرنسا (12٪) – بحكم الإرث الاستعماري واللّغة – شكّلت الوجهة الطبيعية للمثقّفين السوريّين منذ عشرينيّات القرن الماضي، وتحوّلت باريس إلى “دمشق الثانية” للمبدعين الهاربين من الفوضى.
لبنان (10٪) قدّم القرب الجغرافي والثقافي، وكان ملاذاً مؤقّتاً أو دائماً لمن لم يستطع الهجرة إلى أوروپا أو أميركا. بيروت احتضنت صباح فخري وفريد الأطرش، وشكّلت جسراً بين التراث السوري والحداثة اللبنانية.
مصر (9٪) – بصناعتها السينمائية والإذاعية الضخمة في النصف الأول من القرن العشرين – كانت “هوليوود الشرق” التي استوعبت المواهب السورية وأعادت تصديرها للعالم العربي.
من حلب ودمشق: جغرافيا المنشأ
جميع الفنّانين المشمولين في الدراسة وُلدوا في سوريا، وتلقّوا تعليمهم الأوّلي فيها. توزّعوا جغرافيّاً – بالترتيب – على المحافظات التالية: دمشق، حلب، حماة، السويداء، الحسكة، طرطوس، اللاذقية، حمص، وأنطاكية. يظهر هذا التوزّع الخريطة الديموغرافية والثقافية لسوريا في القرن العشرين، حيث شكّلت المدن الكبرى (دمشق وحلب) حاضنات أوّلية للمواهب، قبل أن تطردها إلى الخارج.
حوالي خُمس الـ19٪ الذين بقوا في سوريا عاشوا حياة متنقّلة بين سوريا والخارج، وحملوا جنسيّات أخرى، ثم عادوا إلى مسقط رأسهم للوفاة فيه. أي أنّ الإقامة الدائمة الكاملة في سوريا كانت استثناءً نادراً، لا قاعدة.
الخلل البنيوي: ما الذي يجعل سوريا طاردة للإبداع؟
تكشف هذه الأرقام عن خلل تقني عميق في بنية الدولة السورية الحديثة. منذ ترسيم حدودها (1920)، لم تنجح سوريا في بناء:
- مؤسّسات ثقافية مستقلّة ومستدامة – معاهد موسيقية، مسارح وطنية، دور نشر، استوديوهات تسجيل بمعايير عالمية
- بيئة قانونية حامية لحرية التعبير – الرقابة المفرطة والقمع السياسي جعلا الفن “نشاطاً محفوفاً بالمخاطر”
- سوق فنية قابلة للحياة اقتصادياً – غياب صناعة ثقافية تدرّ دخلاً يسمح للفنان بالعيش من فنّه
- جمهور متذوّق ومتنوّع – تآكل الطبقة الوسطى المثقّفة التي تشكّل قاعدة الاستهلاك الثقافي
لا يتحمّل مسؤولية هذا الخلل طرف واحد. ليس الاستعمار وحده، ولا حزب البعث وحده، ولا نظام السفّاح الأسد وحده، بل تراكم تاريخي لفشل متعدّد المستويات في بناء دولة حديثة تحترم الثقافة وترعى مبدعيها.
استمرارية الظاهرة: من القرن العشرين إلى الشتات الجديد
لم تتوقّف هذه الدورة مع نهاية القرن العشرين. بل تسارعت بعد 2011 مع موجة نزوح جديدة حملت معها آلاف الموسيقيّين والفنّانين إلى برلين ونيويورك وپاريس وإسطنبول وبيروت. لكن ما يميّز موجة الشتات الجديدة – كما رأينا في القسم السابق – هو الوعي بالأرشفة والتوثيق والحفاظ على الهوية، كما تجلّى في مشاريع مثل “خريطة الموسيقى السورية” ومؤسّسة AMAR وأوركسترا السوريّين في المهجر.
الفرق الجوهري بين هجرة القرن العشرين وهجرة ما بعد 2011 هو أنّ الأولى كانت فردية وصامتة، حيث غادر كلّ فنان بمفرده دون تنسيق أو رؤية جماعية، في حين أنّ الثانية أصبحت جماعية وواعية، مع محاولات واضحة لبناء شبكات تضامن وحفظ التراث رقميًا ونقله للأجيال الجديدة في المنافي.
السؤال المؤجّل: متى تصبح سوريا حاضنة لمبدعيها؟
يطرح هذا التاريخ الطويل من الهجرة القسرية سؤالاً محوريّاً: متى تتحوّل سوريا من بيئة طاردة إلى بيئة جاذبة للإبداع؟
لا تكمن الإجابة في مجرد تغيير سياسي أو تبديل نظام حكم، بل في بناء مؤسّسي شامل ومستدام يتطلّب:
- إنشاء مؤسّسات ثقافية مستقلّة عن السلطة السياسية، تملك ميزانيات ثابتة وحوكمة شفّافة
- سنّ قوانين تحمي حرية التعبير الفني وتمنع الرقابة المسبقة والملاحقة الأمنية للفنانين
- تطوير صناعة ثقافية قادرة على المنافسة إقليميّاً وعالميّاً، تشمل دور نشر واستوديوهات ومنصّات رقمية
- إعادة بناء الطبقة الوسطى المثقّفة من طريق التعليم والاستقرار الاقتصادي والأمان الاجتماعي
- خلق فضاءات آمنة للتجريب الفنّي بعيداً عن الأيديولوجيات الإقصائية والخطابات الشعبوية
تشكيل الحكومة السورية الجديدة في آذار 2025، واستحداث وزارات متخصّصة، قد يفتح نافذة أمل لإعادة التفكير في دور الدولة في رعاية الثقافة. لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ الوعود السياسية وحدها لا تكفي؛ المطلوب بناء مؤسّسات تعيش أطول من الأنظمة وأقوى من الأزمات.
حتّى ذلك الحين، ستبقى الفسيفساء الموسيقية السورية – بألوانها الزاهية وأحجارها المتنوّعة – موزّعة على خريطة العالم. بذور تنتش في تربة الغربة، تحمل ذاكرة الوطن وألم الفراق، وتنتظر يومًا قد يأتي أو لا يأتي: يوم تصبح فيه سوريا أرضًا تليق ببذورها.
ملاحظة منهجية: اعتمدت الدراسة المشار إليها (2021) على تحليل سير 58 فنّاناً سوريّاً بارزاً وُلدوا واشتغلوا في القرن العشرين، في حقول الموسيقى والرسم والنحت والكاليگرافي والكاريكاتير والفوتوگرافي. استُثنيت حقول المسرح والسينما والترفيه الاستعراضي. ركّزت الدراسة على من كرّس فنّه للهوية السورية، واستبعدت من كرّس إبداعه كلّيّاً لخدمة بلد المهجر.
الجزء الخامس:
الأشكال الشعبية والوظيفية – موسيقى الحياة اليومية
بعيداً عن المسارح والقصور، كانت الموسيقى حاضرة بفعّالية في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوري، تؤدّي وظائف اجتماعية ونفسية وعملية محدّدة. وتكشف هذه الموسيقى “الوظيفية” عن بعد آخر للفنّ الموسيقي، فهو أكثر من ترف جمالي، بل أداة عملية لتنظيم الحياة وتخفيف مشقّاتها.
أغاني العمل: تنظيم الجهد وتخفيف المشقّة
كانت الأغنية وسيلة أساسية لتنظيم الجهد الجماعي وتخفيف مشقّة العمل اليدوي. في الساحل والسهول الداخلية، يغنّي الحصّادون أهازيج مثل “رواحي عالحصاد” و”عالهيلاه” لتنظيم حركة المناجل وضبط إيقاع العمل الجماعي. وتحمل هذه الأغاني دلالات عميقة عن الارتباط بالأرض ومقاومة التعب.
يغنّي عمّال البناء “هيلا يا رمّانة” و”يا ميسّر يا الله” لضبط إيقاع رفع الحجارة أو خلط الطين. فتتحوّل ورشة البناء إلى شعيرة إيقاعية جماعية تساعد على تنسيق الجهود الجسدية. ليست هذه الأغاني مجرّد ترفيه في أثناء العمل، بل جزء أساسي من آليّة العمل ذاته، فالإيقاع الموحّد يسمح بتنسيق الحركات ويزيد الإنتاجية.
أغاني دورة الحياة: الموسيقى في محطّات العمر
في حمّامات السوق التقليدية في دمشق وحلب، كان للنساء عالمهنّ الغنائي الخاص. تصعد الأصوات تحت القباب العالية، تتضاعف بالصدى، وتختلط بنقرات منتظّمة على الطاسات النحاسية. أغانٍ مرحة تحتفي بالعروس أو النفساء، وتفتح للنساء فسحة من الحرّية بعيداً عن عيون الرجال وآذانهم.
وفي المناسبات الدينية والأعراس والموالد، تُرفع التهاليل والتواشيح، تلك التي تجمع الفرح بالدعاء، والاحتفال بالتضرّع. من المهد إلى اللّحد، كانت الموسيقى حاضرة: في الختان والعرس، في وداع واستقبال الحجّاج وعزاء الأموات. كأنّها موسيقى تصويرية لا تنفصل عن مشاهد الحياة.
الموسيقى في اللّسان والمثل
لم تبقَ الموسيقى في الحناجر والآلات فحسب، بل تسرّبت إلى اللّغة نفسها. تشهد الأمثال الشعبية على ذلك: “طبل وزمر”، “متل الأطرش بالزفّة”، “سمّعنا صوتك”. حتّى الكلمات اليومية امتلأت بالمعاني الموسيقية: صارت “النغمة” تعني طريقة الكلام أو الأسلوب، و”التطريب” أصبح مرادفاً للإرضاء، و”القفلة” باتت تُطلق على كل خاتمة مُحكمة، في الحديث أو الفعل. لم تكن الموسيقى فنّاً منفصلاً عن الحياة، بل كانت الحياة نفسها تنطق وتتنفّس بإيقاع.

الفسيفساء الحيّة وتحديات المستقبل
ليست “الفسيفساء الموسيقية السورية” متحفاً جامداً للذاكرة، بل كائن حيّ يتنفّس ويتألّم ويتغيّر. برغم التحدّيات الهائلة التي فرضتها الحرب من دمار وتهجير، أثبتت هذه الموسيقى قدرة مذهلة على الصمود والتكيّف. من قبو في حلب المحاصرة تصدح قدود، ومن مخيّم للّاجئين في لبنان تخرج فرقة كورال للأطفال، ومن مسارح برلين ونيويورك تُعزف سيمفونيات مستوحاة من أُگاريت.
تشكيل الحكومة السورية الجديدة في آذار 2025، واستحداث وزارات وتركيز الضوء على الهوية الوطنية، يطرح تحدّيات وفرصاً جديدة أمام هذا التراث. وتبرز الحاجة الملحّة اليوم لدعم جهود التوثيق المؤسّسي، مثل مشروع “خريطة الموسيقى السورية” ومبادرات المجتمع المدني، ليس لحفظ الماضي فحسب، بل لبناء جسر العبور نحو المستقبل.
كما كانت مناطق سوريا مهد التدوين الموسيقي الأوّل للبشرية، فإنّها اليوم – عبر شتاتها ومبدعيها في الداخل – تعيد كتابة نوتّتها الموسيقية الجديدة، مؤكّدة أنّ الصوت السوري، بتعدّديته وثرائه، عصيّ على الصمت أو المحو. الفسيفساء السورية، بكلّ أحجارها الملوّنة – من ألحان أُگاريت إلى قدود حلب، من تراتيل الجامع الأموي إلى عتابا الساحل – تبقى شاهدة على أنّ الموسيقى ليست فنّاً فحسب، بل ذاكرة جمعية وهوية وطريقة حياة.

خارطة التنويعات
يصعب عرض الجدال بصورة سليمة على الأجهزة المحمولة
مقارنة بين المدارس الموسيقية الإقليمية في سوريا
الطبقات التاريخية وتأثيرها في الموسيقى السورية

ملحق: لماذا التدقيق في المعرّبات؟
ضرورة العودة إلى الأصول اللّغوية
أُعدّ هذا البحث استناداً إلى تحليل معمّق للوثائق التاريخية والدراسات الموسيقية والأرشيفات المعاصرة، بهدف تقديم مرجع شامل عن تطوّر وبنية الموسيقى السورية. وفي كتابة هذه المقالة، اتّبعنا منهجاً صارماً في استعمال الأشكال الصحيحة للكلمات المعرّبة بدلاً من الأشكال الشائعة الخاطئة. وليس هذا تزمّتاً لغويّاً أو تنطّعاً أكاديميّاً، بل ضرورة منهجية ووفاء تاريخي لعدّة أسباب:
1. الأمانة العلمية والتوثيق التاريخي
حين نتحدّث عن مدن وممالك وآلهة وشخصيّات من الألف الثالث والثاني قبل الميلاد، فإنّنا نتعامل مع أسماء لها أشكال محدّدة في لغاتها الأصلية (الأگّدية والأُگاريتية والسريانية). استعمال الشكل الصحيح – مثل “إبلا” بدلاً من “إيبلا”، و”أُگاريت” بدلاً من “أوغاريت”، و”نِكَّل” بدلاً من “نيكال” – يحفظ صلة الكلمة بأصلها ويسهّل على الباحثين تتبّع المصادر الأوّلية.
الكلمة الأصلية في الأگّدية لـ”إبلا” هي 𒌓𒉌𒆷 (إب-لا ʾib-la)، وليس فيها ياء طويلة. والخطأ الشائع “إيبلا” نشأ من ترجمات إنگليزية غير دقيقة Ebla حيث ظُنّ أنّ الـ e تُقرأ ياءً طويلة، في حين أنّها في الحقيقة كسرة قصيرة.
وكذلك “أُگاريتُ” الأصلية 𐎜𐎂𐎗𐎚 (ʾu-ga-ri-tu) تُكتب بضمّة قصيرة وگاف مقلقلة (تُنطق بين الكاف والقاف)، وليس بواو طويلة كما في الشكل الخاطئ “أوغاريت”. التزامنا بالشكل الصحيح يحفظ النطق الأقرب للأصل.
2. تمييز الطبقات اللّغوية
اللّغة العربية – كمثل أيّ لغة حيّة – تستعير من اللّغات التي تحتكّ بها. لكنّ هناك فرقاً بين:
- المعرّب القديم الذي دخل العربية منذ قرون ونُطق بقوانين العربية (مثل “قيصر” من اللّاتينية Caesar).
- المعرّب الحديث الذي دخل عبر لغات وسيطة (مثل الإنگليزية أو الفرنسية) وحمل معه تشوّهات صوتية ناتجة عن جهل الدارسية الإنگليز والفرنسيّين.
حين نكتب عن حضارات ما قبل الإسلام، فالأصحّ أن نعود للمصدر الأوّل (السومرية، الأگّدية، الأُگاريتية) وليس للوسيط الأوروپي الحديث. فكلمة “بيزنطية” مثلاً جاءتنا عبر الإنگليزية Byzantine، لكنّ الاسم الأصلي للإمبراطورية باليونانية هو Βασιλεία Ῥωμαίων (بسيليا رومَيون = مملكة الروم)، ولذلك استعملنا “رومية” أو “بيزنطية” حَسَبَ السياق، مع تفضيل “رومية” لأنّها الأدقّ تاريخيّاً.
3. تصحيح التشوّهات الاستشراقية
كثير من الأسماء التاريخية وصلتنا عبر مصادر استشراقية في القرنين 19 و 20، حملت معها تشوّهات ناتجة عن:
- صعوبة نقل الأصوات غير الموجودة في اللّغات الأوروپية
- الاعتماد على لغات وسيطة (مثل اليونانية واللّاتينية القديمتين) بناء على افتراض أنّ جميع المصطلحات العربية و”السامية” القديمة ذات تأصيل يوناني!
- عدم توفّر المعرفة الكافية بقواعد اللّغات العروبية القديمة آنذاك
- اعتماد المترجمين العرب على النقحرة (النقل الحرفي للأحرف) دون تدقيق في طريقة اللّفظ، نتيجة لكون هذه المترجمين من غير أهل اختصاص.
مثلاً، اسم الإلهة الأوگاريتية 𐎐𐎋𐎍 كان يُقرأ في المصادر الإنگليزية القديمة Nikkal (نيكال) لأنّ الباحثين الأوائل لم يكونوا متيقِّنين من التشديد. لكنّ البحوث اللّاحقة أثبتت أنّ النطق الصحيح هو نِكَّل (Nikkal مع تشديد الكاف)، لأنّ الكتابة المسمارية تُظهر حرفاً مضاعفاً.
تصحيح هذه التشوّهات ليس تدقيقاً شكليّاً، بل استعادة للحقيقة التاريخية من التحريف الاستشراقي.
4. احترام الهويّة الصوتية للحضارات
كلّ حضارة لها “بصمة صوتية” خاصّة. السومريّون والأگّديّون استعملوا أصواتاً لا وجود لها في العربية الفصحى (مثل الگاف المقلقلة) لكنّها موجودة في لهجات اللّغة العربية الحية. حين نكتب هذه الأصوات بالحروف العربية الأقرب (ك، گ، ق حَسَبَ السياق)، فنحن نحاول – قدر الإمكان – الحفاظ على هويّة تلك الحضارات الصوتية.
استعمال گ (الگاف المقلقلة) في كلمات مثل “أُگاريت” و”أگّدية” يشير إلى أنّ الصوت الأصلي كان بين الكاف والقاف، وهو صوت موجود في اللّهجات العراقية والخليجية والإيرانية والمغاربية. وهذا التمييز مهمّ لمن يريد أن ينطق الكلمة بشكل أقرب لأصلها … لتبيين أصلها.
5. التمييز بين المصطلحات المتشابهة
بعض التصحيحات ضرورية لتجنّب الخلط. مثلاً:
سرياني ≠ سوري: “سرياني” يُشير إلى اللّغة والكنيسة والتراث المسيحي الآرامي، في حين أنّ “سوري” تُشير إلى الانتماء الجغرافي الحديث. الخلط بينهما يُسبّب لبساً كبيراً.
رومي (بيزنطي) ≠ روماني: “رومي” في السياق التاريخي الشرقي يعني البيزنطي (أي مسيحي أرثوذكسي تابع للقسطنطينية)، في حين “روماني” يُشير إلى الإمبراطورية الرومانية الغربية. في العربية التراثية، “الروم” هم البيزنطيّون.
عربي ≠ إسلامي: في السياق التدمري مثلاً، نستعمل “عربي” (نسبة للعرب القدماء) وليس “إسلامي”، لأنّ تدمر سقطت قبل الإسلام بقرون.
6. مثال تطبيقي: تصحيحات رئيسية في المقال
7. ليس تعقيداً، بل دقّة
قد يظنّ القارئ أنّ استعمال “أُگاريت” بدلاً من “أوغاريت” تعقيد لا داعي له. لكنّ الحقيقة أنّ:
- الشكل الصحيح ليس أصعب في النطق
- يُسهّل على الباحثين الربط بالمصادر الأكاديمية
- يحفظ التراث من التشويه التدريجي
- يُعلّم القارئ النطق الأقرب للأصل
تخيّل لو أنّ كلّ لغة حرّفت أسماء الحضارات السابقة بما يناسب صوتيّاتها الخاصّة، لضاعت الأسماء الأصلية تماماً بعد أجيال قليلة. الحفاظ على الشكل الصحيح – أو الأقرب للأصل – هو حفظ للذاكرة الإنسانية.
8. منهج المقال: التوازن بين الدقّة والوضوح
في هذا المقال، اتّبعنا القواعد التالية:
- الأولوية للشكل الأصلي حين يكون معروفاً ومثبتاً علميّاً
- استعمال الأبجدية العربية الموسّعة الأقرب للأصوات غير الموجودة في العربية المصرية (مثل الگاف والپاء)
- ذكر الكتابة الأصلية (مسمارية، أگاريتية، سريانية) عند أوّل ورود للكلمة
- تفضيل التسميات الذاتية على التسميات الخارجية (مثل “رومي” بدلاً من “بيزنطي” حين نتحدّث عن الهوية الداخلية)
- شرح الفروق الدلالية حين يكون للخلط عواقب معنوية (مثل الفرق بين “سرياني” و”سوري”)
ليست اللغة مجرّد أداة تواصل، بل وعاء للذاكرة الجماعية. حين نكتب “أُگاريت” بدلاً من “أوغاريت”، فنحن لا نصحّح خطأً إملائيّاً فحسب، بل نستعيد – ولو جزئيّاً – صدى الأصوات التي تردّدت في شوارع تلك المدينة قبل 3400 سنة. وهذا أقلّ ما يمكن أن نقدّمه لحضارات أسّست – حرفيّاً – لفنّ الموسيقى الذي نعرفه اليوم.
التدقيق في المعرّبات ليس ترفاً أكاديميّاً، بل واجب تجاه التاريخ. وهو – في سياق مقال عن الموسيقى – احترام للدقّة الصوتية التي تميّز الموسيقى نفسها: فالفرق بين “دو” و”دو دييز” قد يبدو بسيطاً، لكنّه يُغيّر اللّحن برمّته.
المراجع والمصادر
- Kilmer, Anne Draffkorn, and Richard L. Crocker. Sounds from Silence: Recent Discoveries in Ancient Near Eastern Music. Berkeley: Bit Enki Records, 1976. (متوفّر أيضاً على CD من Bella Roma Music)
- Kilmer, Anne Draffkorn. “The Discovery of an Ancient Mesopotamian Theory of Music.” Proceedings of the American Philosophical Society, vol. 115, no. 2, 1971, pp. 131-149.
- Duchesne-Guillemin, Marcelle. “A Hurrian Musical Score from Ugarit: The Discovery of Mesopotamian Music.” Sources from the Ancient Near East, vol. 2, fasc. 2. Malibu: Undena Publications, 1984.
- Laroche, Emmanuel. “Documents en langue hourrite provenant de Ras Shamra.” Ugaritica V, 1968, pp. 447-544.
- “Hurrian Hymn to Nikkal.” UNESCO Memory of the World Register, Syrian National Museum, Damascus. https://en.wikipedia.org/wiki/Hurrian_songs
- Ziegler, Nele. Les Musiciens et la Musique d’après les archives de Mari. Florilegium Marianum IX. Paris: SEPOA, 2007.
- Franklin, John Curtis. Kinyras: The Divine Lyre. Cambridge, MA: Center for Hellenic Studies, Harvard University Press, 2016. (خاصة الفصل الرابع والخامس عن إبلا وماري) https://chs.harvard.edu/chapter/4-starting-at-ebla-the-city-and-its-music/
- Mirelman, Sam. “New Developments in the Social History of Music and Musicians in Ancient Iraq, Syria and Turkey.” Yearbook for Traditional Music, 2009.
- UNESCO. “Al-Qudoud al-Halabiya.” Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity, 2021. https://ich.unesco.org/en/RL/al-qudoud-al-halabiya-01578
- Shannon, Jonathan H. Among the Jasmine Trees: Music and Modernity in Contemporary Syria. Middletown, CT: Wesleyan University Press, 2006.
- Racy, Ali Jihad. Making Music in the Arab World: The Culture and Artistry of Tarab. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.
- Touma, Habib Hassan. The Music of the Arabs. Translated by Laurie Schwartz. Portland, OR: Amadeus Press, 1996.
- Marcus, Scott Lloyd. Music in Egypt: Experiencing Music, Expressing Culture. New York: Oxford University Press, 2007. (يتضمّن فصولاً عن التأثير السوري)
- خريطة الموسيقى السورية – Action for Hope: Syria Music Map. Action for Hope in collaboration with Ettijahat – Independent Culture. Launched 2021. https://www.syriamusicmap.org
- El Husseiny, Basma. “About Syria Music Map.” Action for Hope, 2021.
- Kaddour, Farah. “Songs of Syria: The Syria Music Map Reconnects Millions Displaced by War.” Al-Fanar Media, March 2021. https://www.al-fanarmedia.org/2021/03/songs-of-syria-the-syria-music-map-reconnects-millions-displaced-by-war/
- مؤسّسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية (AMAR): Foundation for Arab Music Archiving and Research (AMAR). Beirut, Lebanon. Founded 2009. https://www.amar-foundation.org. Kassar, Kamal, and AMAR Foundation. Orient Resonance: Collection of Endangered Ancient Oral Traditions. Exhibition catalog, MuCEM, Marseilles, 2020.
- Syrian Heritage Archive. “The Diversity of Music in Syria.” Heritage for Peace, 2024. https://syrian-heritage.org/the-musical-diversity-of-syria/
- Dumbrill, Richard. “Interview on the Hurrian Hymn and Ancient Near Eastern Music.” Syrian Heritage Archive, 2024.
- Farmer, Henry George. A History of Arabian Music to the XIIIth Century. London: Luzac & Co., 1929. (مرجع كلاسيكي)
- Shiloah, Amnon. Music in the World of Islam: A Socio-Cultural Study. Detroit: Wayne State University Press, 1995.
- Wright, Owen. “Music in the Mamluk Period.” The Cambridge History of Egypt, vol. 1. Cambridge: Cambridge University Press, 1998, pp. 458-481.
- During, Jean. Musique et Extase: L’Audition Mystique dans la Tradition Soufie. Paris: Albin Michel, 1988.
- Nelson, Kristina. The Art of Reciting the Qur’an. Cairo: American University in Cairo Press, 2001.
- Jandali, Malek. Echoes from Ugarit. Album, 2009. (يتضمّن إعادة تأليف للترنيمة الحورّية رقم 6)
- Azma, Kinan. Elastic City. Album featuring Syrian-Jazz fusion. New York, 2012.
- Kilmer, Anne Draffkorn, and Miguel Civil. “Old Babylonian Musical Instructions Relating to Hymnody.” Journal of Cuneiform Studies, vol. 38, no. 1, 1986, pp. 94-98.
- “Music of Mesopotamia.” Grove Music Online. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/gmo/9781561592630.article.45797
- Husmann, Heinrich. “Syrian Church Music.” Grove Music Online. Oxford University Press.
- Jeannin, Jules. Mélodies Liturgiques Syriennes et Chaldéennes. Paris: Leroux, 1924-1928.





اترك رد