ألمانيا، لايپتسيگ، عام 1732
في زمنٍ كانت فيه القهوة “موضة” جديدة ومثيرة للجدل في أوروپا، وبفي حين كان الرجال ينظرون بريبة لهذا المشروب الأسود القادم من الشرق المسلم، قرّر الموسيقار العبقري يوحنّا سباستيان باخ أن يخرج عن مألوف مؤلفاته الكنسية الجادة، ليأخذنا في نزهة موسيقية ساخرة داخل مقهى “زيمرمان” الشهير.
تبدأ حكايتنا مع رجل عجوز غليظ الطباع يُدعى شليندريان، وابنته الشابة المليئة بالحياة ليشين. كان شليندريان يصرخ طوال الوقت: “اصمتوا.. توقّفوا عن الثرثرة!” (وهو عنوان الكانتاتا)، ليس بسبب الضجيج، بل بسبب غيظه من ابنته التي وقعت في غرام ذلك المشروب “العربي” الغريب: القهوة.
في مدينة لايپتسيگ من بلاد الألمان. لمّا كان الزمان في ثلاثينيات المائة الثامنة بعد الألف من ميلاد المسيح (القرن 18)، كانت القهوة قد اجتاحت أوروپا اجتياحاً لا يُقاوَم ولا يُصَدّ، وانتشرت المقاهي في كلّ صقع وناحية منذ أن وفدت القهوة إلى تلك الديار. فصارت هذه الأمكنة الحادثة مواطن للنقاش في السياسة والفكر وشؤون الاجتماع، تموّج بالحديث والجدال كمثل موج البحر.
ولم يكن ما يعترض عليه الآباء في الحقيقة القهوة بعينها، بل كانوا يخشون التجوال الاجتماعي غير المراقب وغير المصحوب بوليّ من الأولياء، إذ كانوا يتوجّسون من خروج بناتهم إلى المقاهي دون رقيب ولا حسيب، فيختلطن بالناس ويخضن في شؤون الدنيا بعيداً عن أعين الأهل والأقارب. وفي خضمّ هذه المعمعة والصخب، ألّف الموسيقار الشهير يوحنّا سباستيان باخ Johann Sebastian Bach – وكان هو بنفسه يقتني عدّة آنية لصنع القهوة ومن أشدّ المحبّين المتيّمين بهذا الشراب – كنتاتا Kantate ساخرة تروي قصّة فتاة تُدعى ليشين Lieschen وأبيها شليندريان Schlendrian.

الأب الغضبان والابنة المتمرّدة العنود
أما شليندريان – واسمه في لسان العامة من الألمان يفيد معنى العامل الكسلان غير المكترث der faule, lustlose Arbeiter – فكان رجلاً تقليدياً محافظاً على عادات الأوّلين، يرى في ولع ابنته بالقهوة كارثة محدقة ومصيبة عظمى تهدّد سمعة الأسرة وتقاليدها. وأمّا ليشين، فكانت من ناحيتها فتاة عصرية حديثة الطبع لا تقوى على مقاومة سحر هذا الشراب الجديد الوافد من ديار العرب، ولا تطيق أن تمضي نهارها دون أن تحتسي منه وتتلذّذ به.
استُهلّ العمل الموسيقي بصوت الراوي ينادي الجمهور الحاضر في المقهى محذّراً إياهم: اصمتوا واكفّوا عن الثرثرة والهذر Schweigt stille, plaudert nicht! – وما من شك في أنّ ثرثرة جمهور المقاهي إبّان العروض الموسيقية كانت من المشكلات المزمنة التي ابتُلي بها باخ وضاق بها ذرعاً وتبرّم منها أيّما تبرّم. ثم قدّم الراوي للحاضرين والمستمعين شليندريان وابنته، فابتدأت المعركة الكلامية بينهما والمناوشات اللّفظية.
فصاح الأب في ابنته بصوت عالٍ مشحون بالغضب والحنق والسخط: يا لك من طفلة شريرة عاصية! يا فتاة متمردة طاغية! متى أحصل على مرادي منك ومبتغاي؟ اتركي شرب القهوة وانتهي عنها Du böses Kind, du loses Mädchen! Ach! wann werd ich dahin kommen, wer weiß, wie bald? und lasse das Kaffeetrinken!
فأجابته ليشين بثبات وعزم لا يتزعزع ولا يتبدّل: يا أبتِ الحبيب، لا تُغلظ عليّ ولا تكن شديد القسوة! إن لم يتيسّر لي أن أشرب فنجان قهوتي ثلاث مرات في اليوم الواحد، فسأذبل وأضمر وأهزل في عذابي وآلامي كما تذبل قطعة لحم الماعز المشوية وتيبس Herr Vater, seid nicht so scharf! Wenn ich des Tages nicht dreimal mein Schälchen Coffee trinken darf, so werd ich ja zu meiner Qual wie ein verdorrtes Ziegenbrätchen.
أغنية عشق القهوة
ثم انطلقت ليشين تغنّي آريا Arie رائعة بديعة مع مرافقة معقّدة متقنة على الناي Flöte، فأنشدت بصوت شجيّ عذب تصف فيه حبها العميق للقهوة وتقول:
آه! ما أحلى طعم القهوة اللّذيذ وأعذبه! إنّه ألذّ من ألف قبلة، وأرقّ وأعذب من نبيذ المسكاتيل Muskatenwein (نبيذ جوزة الطيب من مسقط)! القهوة، القهوة… لا بدّ لي من القهوة، وإن أراد أحد أن يهديني هدية ويُسعدني ويمتّعني، آه، فليسكب لي إذاً قهوة في الفنجان Ei! wie schmeckt der Coffee süße, lieblicher als tausend Küsse, milder als Muskatenwein. Coffee, Coffee muss ich haben, und wenn jemand mich will laben, ach, so schenkt mir Coffee ein!
المساومات الخائبة والمحاولات الفاشلة
فلمّا رأى شليندريان عناد ابنته وإصرارها، راح يحاول بشتى الوسائل والحيل أن يُغريها بالترغيب أو يُخيفها بالترهيب كي تترك القهوة وتنتهي عنها. فهدّدها أولاً بمنعها من حضور الأعراس وحفلات الزفاف التي تُقام في المدينة وضواحيها، فلم تأبه لذلك ولم تكترث، بل قالت له: طيّب يا أبي، افعل ما تشاء، لكن من فضلك دعني وقهوتي ولا تحرمني منها Ja, ja! nur lasst mir meinen Coffee!
ثم منعها بعد ذلك من الوقوف عند النافذة لمشاهدة المارّة في الطريق والمتنزّهين في الشوارع، فلم يُجدِ ذلك نفعاً ولم يُغيّر من أمرها شيئاً، فأعادت القول نفسه: حسناً يا أبي، لكن دعني مع قهوتي.
ثم رفض أن يشتري لها ثوباً جديداً بالموضة الحديثة والطراز العصري الذي تتسابق إليه الفتيات، فلم تتزحزح عن موقفها ولم تتراجع قيد أنملة.
ثم منع عنها الأشرطة الذهبية والفضية التي تُزيّن بها القبّعات وتُجمّل بها الرؤوس، فما زادها ذلك إلا إصراراً على إصرارها وثباتاً على ثباتها، وفي كل مرة كانت تردّد قولها: حسناً، حسناً، افعل ما بدا لك يا أبي، لكن من فضلك اتركني مع قهوتي ولا تحل بيني وبينها Ja, ja! nur lasst mir meinen Coffee!
الحيلة الماكرة والخدعة الذكية
فلمّا رأى شليندريان أنّ جميع محاولاته باءت بالفشل وذهبت أدراج الرياح، استخرج السلاح الأقوى في جعبته والأمضى في كنانته، فقال لها بلهجة حازمة قاطعة: إن لم تتخلّي عن القهوة وتنتهي عن شربها، فلن أسمح لك بالزواج ولن أُزوّجك من أحد أبداً Wohlan! so musst du mir auch nicht zur Ehe!
فتوقّفت ليشين عندئذ لحظة من اللّحظات وسكتت برهة من الزمان. ذلك أنّ الزواج كان أمراً جللاً عظيم الخطر والشأن في حياة الفتاة، لا يُستهان به ولا يُستخفّ بأمره في بلد لا يعترف بوجود امرأة دون “وليّ أمر” ينوبها. فوافقت على ترك القهوة والكفّ عن شربها… في الظاهر والعلن.
غير أنّ باخ – بحذقه وذكائه – أضاف نهاية ماكرة طريفة لم تكن موجودة في النصّ الأصلي الذي كتبه پيكاندر Picander: فحين اندفع شليندريان يجوب الأرجاء باحثاً عن زوج مناسب لابنته وخاطب يليق بها، أعلنت ليشين في السرّ والخفاء أنّها ستضع شرطاً في عقد الزواج نفسه: يجب أن يُسمح لها بتحضير القهوة وشربها متى شاءت وكيفما أرادت، وإلا فلا زواج ولا عقد!
وانتهى العمل الموسيقي بجوقة ختامية تُنشد على إيقاع البوريه Bourrée، تغنّي قائلة:
إنّ القطط لا تكفّ عن صيد الفئران وقنصها، والبنات يبقين أخوات القهوة ورفيقاتها. الأمّ تعشق عادتها في شرب القهوة وتهواها، والجدّة أيضاً كانت تشربها وتحتسيها، فمن ذا الذي يستطيع أن يلوم البنات وينتقدهنّ Die Katze lässt das Mausen nicht, die Mädchen bleiben Coffeeschwestern. Die Mutter liebt den Coffeebrauch, die Großmama trank solchen auch, wer will nun auf die Töchter lästern!
ما وراء الحكاية وخلف القصة
كانت القهوة في ذلك الزمان ترمز إلى الحرية بعينها وذاتها – حرية الاختلاط والتواصل والاستهلاك. وكان كثير من الأطبّاء والحكماء يشاركون في الحملة الشعواء ضدّ القهوة ويُحذّرون منها، وكانت حجّتهم المفضّلة التي يردّدونها أنّ النساء اللواتي يستعملن هذا المشروب ويدمنّ عليه يجب أن يتخلّين عن الإنجاب والولادة، إذ زعموا أنّ القهوة تُفسد الرحم وتمنع الحمل. فكانت كنتاتا القهوة لباخ احتجاجاً موسيقيّاً بارزاً ظاهراً ضدّ هذه الافتراءات الكاذبة والمزاعم الباطلة.
والراجح أنّ العمل قُدّم لأوّل مرة في مقهى تسيمرمان Zimmermannsches Kaffeehaus في مدينة لايپتسيگ في حدود عام 1735 من الميلاد، حيث كان باخ يُدير فرقة موسيقية منتظمة تعزف بصفة دورية. وربّما – كما يتكهّن بعض الباحثين والدارسين – كانت ابنة باخ بنفسها، وهي دوروتيا Dorothea، قد غنّت دور ليشين على خشبة ذلك المقهى المحلّي أمام الجمهور.
ففي هذا العمل الموسيقي الظريف اللّطيف، لم يكن باخ يحتفي بالقهوة وحدها فحسب، بل كان يسخر ويستهزئ من الهوس الاجتماعي بمراقبة حياة النساء والتدخّل في شؤونهنّ، ويدافع عن حقهنّ في الاختيار والاستقلال والتصرّف بإرادتهنّ الحرّة – حتى لو كان ذلك في أبسط الأمور وأيسرها وأتفهها: فنجان قهوة صباحي يُحتسى في أوّل النهار.
بين المنبر والمقهى
كان يوحنّا سيباستيان باخ في ذلك الزمان يشغل منصباً جليلاً رفيع المقام في مدينة لايپتسيگ، إذ كان مديراً للموسيقى Thomaskantor في كنيسة القديس توماس Thomaskirche، وهي من أعظم الكنائس وأجلّها في المدينة. وكان من واجباته ومسؤولياته أن يؤلّف الموسيقى الدينية المقدّسة للقدّاسات والاحتفالات الكنسية، وأن يُدرّس الغناء للفتيان في مدرسة الكنيسة، وأن يُشرف على الشؤون الموسيقية في عدّة كنائس أخرى في المدينة. فكان موقعه إذاً موقع رجل دين موسيقي محترم مُبجّل، يُنتظر منه أن يكون قدوة في التقوى والورع والسلوك القويم.
غير أنّ باخ – وهو الرجل المتعدّد المواهب والاهتمامات – لم يقنع بالموسيقى الكنسية وحدها، بل كان يُدير أيضاً فرقة موسيقية علمانية تُدعى الكوليگيوم موزيكوم Collegium Musicum، وكانت هذه الفرقة تعزف في مقهى تسيمرمان بانتظام كل يوم جمعة مساءً في فصل الشتاء، وكل يوم أربعاء في فصل الصيف، وأحياناً في الأيام الخاصة والمناسبات. وكان المقهى مكاناً يرتاده التجّار والطلبة والمثقّفون، يجتمعون فيه للحديث والنقاش وسماع الموسيقى واحتساء القهوة.
ولما ألّف باخ كنتاتا القهوة هذه وقدّمها في مقهى تسيمرمان، أثارت جدلاً ولغطاً بين أهل المدينة وسكّانها. ذلك أنّ بعض المحافظين والمتشدّدين من رجال الدين والأتقياء رأوا في هذا العمل خروجاً عن اللّياقة والوقار اللّذين يليقان برجل في منصب باخ الديني الرفيع. فكيف لمدير موسيقى كنيسة القدّيس توماس، الذي يُفترض به أن يؤلّف المزامير والترانيم المقدّسة، أن ينزل إلى المقهى ويُقدّم عملاً موسيقياً ساخراً يتناول موضوعاً دنيويّاً تافهاً مثل القهوة؟ وكيف له أن يصوّر فتاة متمرّدة عاصية لأبيها، تخدعه وتحتال عليه في نهاية المطاف؟
وكان من أشدّ المنتقدين صرامة وحدّة يوحنّا أوگست إرنستي Johann August Ernesti، الذي كان مديراً لمدرسة القديس توماس Rektor der Thomasschule، ودارت بينه وبين باخ خلافات ومشاحنات عديدة طوال السنين. فقد رأى إرنستي أنّ باخ يُضيّع وقته وموهبته في الملاهي والمقاهي بدلاً من التفرّغ التام لخدمة الكنيسة والربّ. وكان إرنستي من أتباع المذهب التقوي Pietismus الذي يُشدّد على الزهد والتقشّف والابتعاد عن ملذّات الدنيا وزخارفها، ويرى في الموسيقى الدنيوية والترفيه إلهاءً عن العبادة والتقرّب إلى الله.
ولم يكن إرنستي وحده في هذا الرأي، بل شاركه فيه آخرون من المتديّنين المتزمّتين الذين كانوا يرون أنّ المقاهي مواطن للفساد والانحلال، وأنّ القهوة نفسها شراب مشبوه يُثير الشهوات ويُفسد الأخلاق، خاصّة عند النساء. وكانوا يستشهدون بأقوال بعض الأطبّاء والوعّاظ الذين حذّروا من أن القهوة تُسبّب العقم وتُفسد الطبائع وتُثير الرغبات الجامحة.
غير أنّ باخ لم يأبه بهذا الانتقاد ولم يُبالِ بتلك المعارضة، بل مضى في طريقه غير عابئ ولا مكترث. إذ كان يرى أنّ الموسيقى – سواء كانت مقدّسة أم دنيوية – هي هبة من اللّه وعطاء منه، وأنّ الغاية منها جميعاً هي تمجيد الخالق وإسعاد المخلوق. وكان يُردّد دائماً أنّ الموسيقى المكتوبة بإخلاص وإتقان، حتى لو كانت علمانية، هي في نهاية المطاف تسبيح للرب وحمد له. بل إنّه كان يكتب على مخطوطاته الموسيقية – حتى الدنيوية منها – عبارة إس دي گ S.D.G، وهي اختصار لعبارة باللّاتينية تعني لمجد اللّه وحده Soli Deo Gloria.
وكان باخ أيضاً من المدافعين عن حقّ الناس – ولا سيّما النساء – في التمتّع بملذّات الحياة البريئة المشروعة، ومنها احتساء القهوة والاجتماع في المقاهي. فقد رأى في الهجوم على القهوة هجوماً على الحرّية الشخصية وتدخّلاً غير مبرّر في حياة الأفراد الخاصة. ولذلك جاءت كنتاتا القهوة بمثابة ردّ موسيقي ساخر على أولئك المتشدّدين الذين أرادوا أن يفرضوا آراءهم على الناس ويُملوا عليهم كيف يعيشون.
وممّا يُذكر أنّ پيكاندر Picander – واسمه الحقيقي كريستيان فريدريش هنريكي Christian Friedrich Henrici – هو الذي كتب النص الشعري لهذه الكنتاتا. وكان پيكاندر شاعراً وكاتباً معروفاً في لايپتسيگ، وكان صديقاً حميماً لباخ وتعاون معه في أعمال كثيرة، منها آلام المسيح حسب إنجيل متّى Matthäus-Passion التي تُعدّ من أعظم الأعمال الموسيقية الدينية في التاريخ. وكان پيكاندر أيضاً من المحبّين للقهوة والمقاهي، ومن المؤمنين بأنّ الفنّ والموسيقى يجب ألا يُحصرا في أسوار الكنائس والمعابد، بل يجب أن ينزلا إلى الناس في أماكن اجتماعهم وحياتهم اليومية.
فلمّا اجتمع باخ وپيكاندر على هذا العمل، كانت النتيجة تحفة موسيقية ساخرة تحمل في طيّاتها رسالة اجتماعية وفكرية عميقة: أنّ الحرّية – حتّى في أبسط صورها كمثل حرية احتساء فنجان قهوة – هي حقّ أصيل لا ينبغي أن يُسلب من أحد، وأنّ محاولات الآباء والسلطات الدينية والاجتماعية للسيطرة على كل تفصيل من تفاصيل حياة الناس – ولا سيّما النساء – محكوم عليها بالفشل في نهاية المطاف.
وهكذا بقيت كنتاتا القهوة شاهدة على جرأة باخ وشجاعته في الدفاع عن الحرية والاستقلال، وعلى إيمانه بأن الموسيقى ليست حكراً على المعابد والكنائس، بل هي للناس جميعاً في كل مكان وزمان.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد