حين ننظر إلى خريطة تجارة المخدّرات العالمية، نجد مفارقة محيّرة: بعض أغنى الدول بالموارد الطبيعية صارت أكبر مراكز تهريب المخدّرات في العالم.
- ڤنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكّد على وجه الأرض، 304 مليار برميل تفوق احتياطيات السعودية والعراق معاً، ومع ذلك تحوّلت إلى محور رئيس لتهريب الكوكايين.
- إيران تحتلّ المرتبة الثانية عالميّاً في احتياطيات الغاز والرابعة في النفط، لكنّ الحرس الثوري الإيراني أصبح لاعباً أساسيّاً في تجارة الأفيون والهيروين.
- سوريا، التي موّل نفطها ذات يوم اقتصاداً صناعيّاً مزدهراً، تحوّلت في العقد الأخير إلى أكبر منتج للكپتاگون Captagon في العالم، بإيرادات سنوية تتراوح بين 5 و57 مليار دولار.
السؤال المحوري هنا: لماذا تحتاج أنظمة تملك ثروات هائلة إلى الاتّجار بالمخدّرات؟
تأتي الإجابة التقليدية، الفقر ونقص الموارد، لا تصمد أمام الوقائع. فهذه الأنظمة، ولو أنّها تحت عقوبات دولية، بدأت انخراطها في تجارة المخدّرات قبل العقوبات الدولية القاسية بسنوات، بل وفي ذروة ازدهارها الاقتصادي أحياناً.
الحقيقة أعمق وأخطر: المخدّرات ليست بديلاً اضطراريّاً عن الموارد الشرعية، بل جزء عضوي من بنية الحكم الاستبدادي وآلية بقائه.
هذا المقال يفكّك العلاقة المعقّدة بين السلطة الاستبدادية والجريمة المنظّمة، مستعرضاً كيف حوّلت أنظمة ڤنزويلا وإيران وسوريا ولبنان تجارة المخدّرات من نشاط هامشي غير شرعي إلى سياسة دولة ممنهجة، وكيف أنّ هذا التحوّل لم يكن استجابة للضغوط الخارجية بل استراتيجية متعمّدة لضمان السيطرة والولاء.

مقدّمة
بنت الأنظمة الاستبدادية في ڤنزويلا وإيران وسوريا ولبنان على مدى عقود شبكات تهريب مخدّرات تُدار مباشرة من قلب المؤسّسة العسكرية والأمنية. ليست هذه الشبكات تنظيمات إجرامية منفصلة عن الدولة، بل أجهزة موازية مندمجة في بنية الحكم ذاته. “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني يوجّه استراتيجيّاً عمليات تهريب الأفيون والهيروين من أفغانستان عبر تركيا والعراق إلى أوروپا.
“حزب الله” اللّبناني، عبر ما يُعرف بمكوّن الأعمال Business Affairs Component التابع لمنظّمته الأمنية الخارجية، يدير شبكة عالمية لتهريب الكوكايين وغسل الأموال تمتدّ من أمريكا اللّاتينية إلى أفريقيا وأوروپا. “الفرقة الرابعة المدرّعة” في سوريا، بقيادة ماهر الأسد شقيق الرئيس السابق، سيطرت على صناعة الكپتاگون وحوّلت سوريا إلى مصنع ضخم ينتج 80% من الإمدادات العالمية. ونظام مادورو في ڤنزويلا حوّل البلاد إلى جسر عابر للمحيطات يربط كوكايين الكارتيلات الكولومبية بالأسواق الأمريكية والأوروپية.
تدرّ هذه الشبكات إيرادات سنوية تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات، أرقام تنافس ميزانيّات دفاع دول بِرُمَّتها، لكنّها لا تموّل خزائن الدولة العامّة بل تغذّي شبكات محسوبيّة معقّدة تضمن ولاء القيادات العسكرية والأمنية. الأموال القذرة تُوزَّع مباشرة على الموالين دون مرورها بأيّ قنوات رسمية أو رقابة برلمانية، ممّا يخلق طبقة أوليگارشية إجرامية يرتبط مصيرها عضويّاً بمصير النظام. فحين يصبح الجنرال أو رئيس جهاز المخابرات مطلوباً دوليّاً بتهم الاتّجار بالمخدّرات، لا يعود بإمكانه الانشقاق أو التمرّد دون تعريض نفسه للملاحقة والسجن.

الجذور التاريخية: من التجارة العابرة إلى الصناعة الممنهجة
لبنان: التحالف السياسي الإجرامي في حقبة ما بعد الاستقلال
بدأت القصّة في لبنان، لا في زمن حزب الله أو الحرب الأهلية، بل في حقبة الانتداب الفرنسي وما بعد الاستقلال. في عشرينيّات وثلاثينيّات القرن العشرين (1339-1359هـ 1920-1940م)، سيطرت عائلات لبنانية نافذة على زراعة الحشيش في سهل البقاع، لكنّ التجارة ظلّت محدودة ومحلّية نسبيّاً. التحوّل الحقيقي وقع بعد الاستقلال عام 1943م 1362هـ، حين أفرز النظام الطائفي اللّبناني، الذي يقسّم السلطة بين الموارنة والسنّة والشيعة والدروز، بنية سياسية قائمة على المحسوبيّة والمحاصصة.
في هذا النظام، صار السياسيّون وكبار الموظّفين الجمركيّين والأمنيّين شركاء مباشرين في تجارة المخدّرات. كان إدمون عزيزي، مدير الجمارك اللّبنانية، يوفّر ممرّات آمنة للمهرّبين مقابل حصّة من الأرباح. وامتلك نوّاب في البرلمان مزارع حشيش في البقاع وقاوموا أيّ محاولات للتجريم حماية لمصالحهم. وسامي الخوري، إحدى أشهر المهرّبين في الستّينيّات (1380-1390هـ 1960-1970م)، عمل بحصانة كاملة بفضل علاقاته بوزراء ونوّاب وضبّاط شرطة كبار. بحلول الستّينيّات، صار لبنان يزوّد مصر بمعظم حاجتها من الحشيش، محتكراً السوق الإقليمية بفضل الحماية السياسية والبنية التحتية لميناء بيروت.
أسّست هذه المرحلة نموذجاً استمرّ عقوداً: التحالف السياسي الإجرامي، حيث لا تكتفي الدولة بالتغاضي عن الجريمة بل تصبح شريكاً فاعلاً فيها. لم يكن الفساد ظاهرة عابرة أو استثناءً، بل بنية مؤسّسية عميقة نسجت خيوطها في نسيج الحكم اللّبناني منذ عقوده الأولى.
سوريا: من نقطة عبور إلى مصنع صناعي
في عهد حافظ الأسد (1970-2000م 1390-1421هـ)، استفادت سوريا من سيطرتها على لبنان (1976-2005م 1396-1426هـ) لفرض ضرائب على زراعة الحشيش وطرق التهريب في البقاع. لكنّ التجارة ظلّت عابرة، إذ كانت سوريا ممرّاً للأفيون الأفغاني والإيراني المتّجه نحو أوروپا وأمريكا، وليست مركز إنتاج. انخرطت عائلات مرتبطة بالنظام، وعلى رأسها عائلة مخلوف، في شبكات التهريب منذ السبعينيّات والثمانينيّات، لكنّ الحجم ظلّ محدوداً والطابع انتهازيّ أكثر منه استراتيجيّ.
وقع التحوّل الجذري بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011م 1432هـ وما تبعها من حرب مدمّرة. مع انهيار الاقتصاد السوري وفرض العقوبات الدولية، فقد نظام بشار الأسد معظم موارده الشرعية. توقّفت صادرات النفط، وانقطعت المساعدات الخليجية، وانهارت العملة. في هذا السياق، اتّخذ نظام الأسد قراراً استراتيجيّاً: تحويل سوريا من نقطة عبور إلى مصنع صناعي للكپتاگون، وهو منبّه أمفيتاميني Amphetamine يُستهلك بكثرة في دول الخليج العربي.
سيطرت الفرقة الرابعة المدرّعة، بقيادة ماهر الأسد، على العملية بِرُمَّتها. حوّل نظام الأسد مصانع كيميائية موجودة في حلب وحمص إلى مختبرات لتصنيع الكپتاگون، مستعيناً بكيميائيّين ومهندسين موالين. صار ميناء اللّاذقية، الخاضع لسيطرة ماهر الأسد المباشرة، المركز الرئيس للتصدير، حيث تُخبّأ حبوب الكپتاگون في شحنات البلاط والحمضيّات والإلكترونيّات المتّجهة إلى الأردنّ ودول الخليج وأوروپا. شغّل سامر كمال الأسد، ابن عمّ الرئيس، مصنع البساط جنوب اللّاذقية، في مثال صارخ على احتكار العائلة الحاكمة للصناعة.
بحلول عامي 2022-2023م 1444-1445هـ، كانت سوريا تنتج 80% من الكپتاگون العالمي، بإيرادات سنوية تتراوح بين 5.7 و57 مليار دولار، رقم يفوق ثلاثة أضعاف الميزانية الرسمية للحكومة السورية. والأهمّ من ذلك، أنّ 90% من العملة الأجنبية الداخلة إلى سوريا في السنوات الأخيرة من حكم الأسد جاءت من صادرات الكپتاگون، ممّا جعل المخدّرات شريان الحياة الاقتصادي لنظام الأسد. لم تعد المخدّرات مصدر دخل ثانوي أو احتياطي، بل الركيزة الأساسية لبقاء النظام ماليّاً وسياسيّاً.
الدروز في السويداء: شبكات التهريب الحدودية
دخلت الطائفة الدرزية في محافظة السويداء السورية الشبكة بطريقة مختلفة. بعد عام 2011م 1432هـ، جنّد ضبّاط المخابرات العسكرية التابعون لنظام الأسد مجموعات درزية وبدوية مسلّحة مهرّبين متخصّصين عبر الحدود. نسّق العميد وفيق ناصر، رئيس الأمن العسكري في السويداء منذ تشرين الأوّل أكتوبر 2011م 1432هـ، هذه العملية بالعمل مع شخصيات مثل أبو ياسين أحمد جعفر، درعاوي له صلات عائلية بحزب الله، لإنشاء مزارع نقاط تجميع وشحن للمخدّرات.
عملت سلسلة التهريب ذات الحلقات الثلاث على النحو التالي: المنتجون المدعومون عسكريّاً، مثل مجموعة راجي فلحوط وعائلة مظهر، ينقلون الكپتاگون والحشيش الجاهزين إلى نقاط التجميع. وحدات المخابرات العسكرية، بقيادة ناصر السعدي بالتعاون مع قائد الفرقة محمد علي غالية، توفّر اللّوجستيّات اليومية بما فيها الخبز والطعام المنقول إلى الحاملين البدو. وشباب تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة، يجنّدهم أعضاء عشيرة الرمثان عبر شبكات قبلية، يحملون المخدّرات في مجموعات من 5 إلى 7 أشخاص عبر الحدود الأردنّية مقابل 1,500 إلى 2,500 دولار لكلّ عبور ناجح.
الأهمّ أنّ المشاركة الدرزية لم تكن مستقلّة: موقع السويداء الاستراتيجي، حيث مرّ ثلاثة أرباع حركة المخدّرات بين سوريا والأردنّ بحلول عام 2023م 1445هـ، جعل سيطرة نظام الأسد أساسية، واكتسب قادة الميلشيات المحلّية الثروة والسلطة عبر عقود حكومية. حاولت حركة رجال الكرامة، أكبر فصيل درزي، حتّى التفاوض مع الحكومة الجديدة بعد سقوط الأسد عام 2025م 1446هـ لإعلان المنطقة شبه مستقلّة، في اعتراف صريح بأنّ شبكات تهريب المخدّرات صارت جزءاً من بنى الحكم المجتمعي.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ أكثر من 200,000 شخص في محافظة السويداء السورية يحملون الجنسية الڤنزويلية، بما فيهم حكمت الهجري، وجميعهم من الطائفة الدرزية. يكشف هذا الرابط الديموغرافي عن شبكة معقّدة من العلاقات العابرة للقارّات بين المجتمعات الدرزية في سوريا وأمريكا الجنوبية، وهو ما استغلّته لاحقاً شبكات التهريب في بناء جسور لوجستية بين الشرق الأوسط وڤنزويلا.

ڤنزويلا: من الثراء النفطي إلى دولة المخدّرات
تقدّم ڤنزويلا نموذجاً مختلفاً لكنّه لا يقلّ خطورة. في عهد هوگو چاڤيز Hugo Chávez (1999-2013م 1420-1434هـ)، بدأت اتّهامات أمريكية بضلوع قيادات عسكرية ڤنزويلية في تهريب الكوكايين، وذلك في ذروة الطفرة النفطية حين كانت أسعار النفط مرتفعة وڤنزويلا تضخّ أكثر من 3 ملايين برميل يوميّاً. عام 2005م 1426هـ، طرد چاڤيز وكالة مكافحة المخدّرات الأمريكية DEA من كراكاس متّهماً إيّاها بالتجسّس، وأوقف جميع برامج التعاون في مكافحة المخدّرات.
في هذه الفترة، بدأت عناصر في الحرس الوطني والجيش الاتّجار مباشرة بالكوكايين الكولومبي العابر للأراضي الڤنزويلية. بعد وفاة چاڤيز عام 2013م 1434هـ ووصول نيكولاس مادورو Nicolás Maduro إلى السلطة، تعمّقت الظاهرة وتحوّلت إلى ما يُعرف بكارتيل الشموس Cartel de los Soles، إشارة إلى شعار الشمس على أكتاف الجنرالات.
ديوسدادو كابيّو رونذون Diosdado Cabello Rondón، رئيس الجمعية الوطنية، وطارق العيسمي، نائب الرئيس السابق، وجنرالات متقاعدون مثل هوگو كارڤاخال Hugo Carvajal وكليڤر أنطونيو Clíver Antonio، جميعهم اتُّهموا رسميّاً من قبل وزارة العدل الأمريكية بإدارة عمليات تهريب كوكايين بمئات الأطنان سنويّاً. كان العيسمي، وهو نائب رئيس، يوفّر جوازات سفر دبلوماسية لعناصر حزب الله لتسهيل تحرّكهم العابر للقارّات.
دمّرت العقوبات الأمريكية التي فُرضت منذ 2017م 1438هـ الاقتصاد الڤنزويلي، فانهار إنتاج النفط من 3.2 مليون برميل يوميّاً إلى أقلّ من مليون، وتراجعت الصادرات النفطية إلى الولايات المتّحدة من 800,000 برميل يوميّاً عام 2013م إلى 120,000 فقط. في ظلّ هذا الانهيار، صارت المخدّرات البديل الفعلي للنفط: دخل نقدي فوري بالدولار لا يخضع للعقوبات ولا للنظام المصرفي الدولي.
تشير تقديرات أمريكية إلى تهريب 200-250 طنّ من الكوكايين سنويّاً عبر ڤنزويلا بحلول 2020م 1441هـ، بإيرادات تصل إلى مئات ملايين الدولارات. لكنّ هذه الأموال لا تذهب لخزينة الدولة، بل تُوزَّع على شبكة معقّدة من القيادات العسكرية والمسؤولين المدنيّين، كما كشفت لائحة الاتّهام الأمريكية الصادرة في كانون الثاني يناير 2026م 1447هـ، التي وصفت كارتيل الشموس بأنّه ليس منظّمة إجرامية هرمية بل نظام محسوبيّة وثقافة فساد تتدفّق فيها أرباح المخدّرات إلى المسؤولين المدنيّين والعسكريّين والأمنيّين.

المنطق الاستراتيجي: لماذا المخدّرات برغم الثروة؟
بناء شبكات الولاء خارج المؤسّسات الرسمية
لا تثق الأنظمة الاستبدادية بمؤسّسات الدولة حتّى لو سيطرت عليها. البرلمانات والوزارات والهيئات الرقابية، مهما كانت خاضعة، تظلّ عرضة للتسريبات والانشقاقات والضغوط الدولية. لذلك تبني هذه الأنظمة أجهزة موازية تعمل في الظلّ وتعتمد على الولاء الشخصي لا الولاء المؤسّسي. توفّر المخدّرات آلية مثالية لهذا الغرض، إذ أنّ المال القذر لا يمرّ بالبيروقراطية: الإيرادات النفطية الرسمية تمرّ عبر شركة النفط الحكومية، وتُودَع في مصارف مركزية، وتخضع نظريّاً لرقابة برلمانية، وتظهر في الموازنات والتقارير الدولية، في حين أنّ أموال المخدّرات نقدية فورية لا تخضع لأيّ رقابة ولا تظهر في أيّ سجلّات.
إثراء النخبة العسكرية يضمن الولاء المطلق: توزيع حصص من أرباح المخدّرات على الجنرالات وقادة الأجهزة الأمنية يضمن ولاءهم المطلق. فحين يثري القائد ثراءً فاحشاً من التهريب، يصبح شريكاً في الجريمة، ممّا يجعل انقلابه على النظام مستحيلاً دون تعريض نفسه للملاحقة الدولية. إشراك ضابط في عملية تهريب مخدّرات ليس فساداً عفويّاً بل طقس عبور يربطه عضويّاً بالنظام. بمجرّد أن يتورّط في الجريمة، لم يعد بإمكانه الخروج دون أن يدفع الثمن.
المثال الأوضح على ذلك: أبناء أخ زوجة مادورو، إفراين كامپو وفرانكي فلوريس Efrain Campo و Franqui Flores، قُبض عليهما في هايتي عام 2015م 1436هـ بتهمة محاولة تهريب 800 كيلوگرام من الكوكايين إلى الولايات المتّحدة، عملية واحدة كانت ستدرّ عليهما عشرات ملايين الدولارات شخصيّاً. شغل كارلوس إريك مالپيكا فلوريس Carlos Erik Malpica Flores، ابن أخ آخر لزوجة مادورو، منصب نائب رئيس شركة النفط الحكومية PDVSA واتُّهم بالتورّط في تهريب المخدّرات. يتكرّر هذا النمط في سوريا وإيران ولبنان: العائلة الحاكمة وحلفاؤها المقرّبون يثرون مباشرة من المخدّرات، في حين لا يرى المواطن العادي شيئاً.
تجنّب الرقابة والشفافية المفروضة على الموارد الشرعية
الثروة النفطية، برغم ضخامتها، تخضع لقيود متعدّدة. الرقابة الدولية تفرض نفسها حين تتعامل شركات النفط الحكومية مع شركات عالمية وأسواق مالية دولية، ممّا يعرّضها للتدقيق والمحاسبة. العقوبات قابلة للتطبيق بفعّالية، إذ أنّ الأصول النفطية قابلة للتجميد والمصادرة، كما حدث مع الأصول الڤنزويلية في الولايات المتّحدة. تظهر الضغوط البرلمانية الداخلية حتّى في الأنظمة الاستبدادية، حيث توزيع الإيرادات النفطية يخلق توقّعات شعبية وضغوطاً من النخب المنافسة.
المخدّرات تتجاوز كلّ هذه القيود بطريقة مطلقة: لا تُسجَّل في أيّ موازنة، لا تخضع لأيّ رقابة برلمانية أو قضائية، لا يمكن تجميدها أو مصادرتها دوليّاً، وتُوزَّع حسب إرادة القائد الأعلى دون أيّ محاسبة. هذه الحرّية المطلقة في التصرّف بالإيرادات تجعل المخدّرات أداة سياسية أقوى من النفط برغم أنّ حجمها المالي أصغر.
تمويل الميلشيات والأجهزة الموازية
تعتمد الأنظمة الاستبدادية على ميلشيات وأجهزة أمنية موازية لا يمكن تمويلها رسميّاً دون إثارة فضيحة دولية. في ڤنزويلا، تحتاج ميلشيات كولكتيڤوس Colectivos الشعبية وعصابة ترين دي أراگوا Tren de Aragua التي صُنّفت منظّمة إرهابية إلى تمويل مستمرّ للسيطرة على الأحياء الفقيرة وقمع المعارضة. وفي سوريا، استُخدمت فرق الشبّيحة والفرقة الرابعة والميلشيّات الطائفية المتعدّدة أدوات قمع وحشية لا يمكن الاعتراف بها رسميّاً في الموازنة العامّة. وفي إيران، يحتاج فيلق القدس والميلشيات الشيعية في العراق وسوريا واليمن إلى مليارات الدولارات سنويّاً لتمويل عملياتها العسكرية والسياسية. حزب الله في لبنان يحتاج إلى آلاف المقاتلين والشبكة الأمنية الواسعة في لبنان والخارج، بتكاليف تشغيلية ضخمة.
تمويل هذه الميلشيات عبر الموازنة الرسمية سيثير فضيحة دولية ويفضح طبيعة النظام القمعية. توفّر المخدّرات التمويل السرّي الضروري لإبقاء هذه الأجهزة فاعلة ومخلصة، وتضمن أنّ ولاء هؤلاء المقاتلين والأمنيّين موجّه شخصيّاً للقيادة وليس للمؤسّسة الرسمية.
سلاح جيوسياسي ضدّ الأعداء
بعض الأنظمة تنظر إلى المخدّرات سلاح غير تقليدي في صراعها مع الغرب. في ڤنزويلا، لائحة الاتّهام الأمريكية تذكر أنّ أبناء أخ زوجة مادورو قالوا في تسجيلات صوتية إنّهم في حرب مع الولايات المتّحدة وأنّ الكوكايين سلاحهم. إغراق الولايات المتّحدة بالكوكايين والفنتانيل يُنظَر إليه حرب غير تقليدية تضعف المجتمع الأمريكي من الداخل، إذ أنّ أزمة المخدّرات في الولايات المتّحدة تودي بحياة عشرات الآلاف سنويّاً وتستنزف موارد هائلة في العلاج والإنفاذ القانوني.
في سوريا، يُصدَّر الكپتاگون بكمّيات ضخمة إلى دول الخليج العربي، ممّا يحقّق أهدافاً مالية وسياسية معاً، إذ تزعزع هذه المخدّرات استقرار مجتمعات الخليج الداعمة لمعارضة الأسد وتموّل نظام الأسد في آن واحد، وبقيت منها اليوم جماعة الهجري في السويداء. في إيران، ليس تهريب الأفيون والهيروين إلى أوروپا مجرّد تجارة بل وسيلة ضغط على الدول الأوروپية المعادية، حيث تخلق أزمات اجتماعية تُضعف التماسك الداخلي وتشغل الحكومات عن سياساتها الخارجية.
استبدال الموارد الشرعية المنهارة
في حالة ڤنزويلا بالتحديد، حوّلت العقوبات الأمريكية النفط من نعمة إلى عبء. انهيار الإنتاج جاء نتيجة تراجع بنسبة 70% بسبب نقص الاستثمار والعقوبات ومنع استيراد المخفّفات الكيميائية الضرورية لمعالجة النفط الثقيل الڤنزويلي. أدّى حصار التصدير إلى انخفاض الصادرات من أكثر من 2 مليون برميل يوميّاً إلى أقلّ من مليون، مع قطع الوصول إلى السوق الأمريكية شبه كليّاً. تجميد الأصول طال مليارات الدولارات من الأصول الڤنزويلية في المصارف الأمريكية والأوروپية، ممّا حرم النظام من سيولة نقدية حيوية.
في ظلّ هذا الانهيار، صارت المخدّرات البديل الفعلي للنفط، إذ توفّر دخلاً بالدولار النقدي يتجاوز كلّ العقوبات ويصل مباشرة إلى جيوب المسؤولين دون أيّ وسيط. لكنّ الأهمّ هو أنّ التورّط في المخدّرات بدأ قبل العقوبات القاسية بأكثر من عقد، ممّا يؤكّد أنّ الدافع الأساسي لم يكن الحاجة المالية بل البنية السياسية للنظام الاستبدادي ذاته. ومن جهة ثانية، تنقذ المخدّرات المسؤولين من فقدان السيولة المالية، لكنّها لا تنفع الشعب ولا تحميه.

العلاقة بنظام الأسد السفّاح والشبكات الإجرامية العابرة للقارّات
الجذور السورية اللّبنانية الڤنزويلية
لم تقتصر تحالفات ڤنزويلا الدولية على القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، بل امتدّت لتشمل شبكة معقّدة من العلاقات بأنظمة شرق أوسطية، وعلى رأسها نظام بشار الأسد السفّاح السوري. منذ اندلاع الثورة السورية في آذار مارس 2011م 1432هـ، وقف الرئيسان هوگو چاڤيز ثمّ نيكولاس مادورو بقوّة إلى جانب الأسد، في موقف تجاوز الدعم السياسي الخطابي ليصل إلى روابط أعمق تشمل الجريمة المنظّمة والاتّجار بالمخدّرات والأسلحة.
تبادل چاڤيز والأسد الزيارات الرسمية، وأصدرا بيانات مشتركة تدين الإرهاب وتتّهم الغرب بالتدخّل في الشؤون الداخلية. استمرّ مادورو على النهج ذاته، مدعوماً بجالية سورية لبنانية كبيرة في ڤنزويلا تضمّ أكبر تجمّع درزي خارج الشرق الأوسط، وتشكّل هذه الجالية جزءاً من النسيج الاجتماعي والتجاري منذ عقود. غير أنّ الأخطر في هذه العلاقة ظهر عبر كارتيل الشموس Cártel de Los Soles، وهو شبكة إجرامية تضمّ مسؤولين عسكريّين ڤنزويليّين كباراً متورّطين في تهريب المخدّرات والأسلحة.
عادل الزبيار: الحلقة الفاضحة بين كراكاس ودمشق
برز اسم عادل الزبيار Adel El Zabayar، عضو سابق في الجمعية الوطنية الڤنزويلية، حلقة وصل فاضحة بين كراكاس ودمشق. عمل الزبيار وسيطاً لشحن أسلحة من الشرق الأوسط مقابل كوكايين ڤنزويلي، وقاتل شخصيّاً في صفوف قوّات الأسد المدعومة من حزب الله في عام 2013م 1434هـ. ساعد في تجنيد عناصر من حزب الله وحماس للتدريب في ڤنزويلا، في شبكة معقّدة تربط بين كارتيلات أمريكا اللّاتينية وميلشيّات الشرق الأوسط. واتّهمته إدارة مكافحة المخدّرات الأمريكية DEA رسميّاً بالإرهاب النّاركو Narco-Terrorism وتهريب المخدّرات عام 2020م 1441هـ.
الزبيار، المولود في سوريا لعائلة درزية ثمّ انتقل إلى ڤنزويلا، جسّد التقاطع المثالي بين الهويّات المتعدّدة والولاءات الإجرامية. عضويّته في البرلمان الڤنزويلي منحته حصانة سياسية، وصلاته العائلية والطائفية في سوريا وفّرت له شبكات لوجستية، وعلاقاته بحزب الله أعطته وصولاً إلى أسواق السلاح والتمويل الإيراني. شكّل هذا المثلّث، ڤنزويلا سوريا حزب الله (لبنان)، نموذجاً لكيفية تحوّل الروابط الإثنية والدينية إلى قنوات إجرامية عابرة للقارّات.
مع سقوط نظام الأسد: هل وجدت الفلول ملاذاً في كراكاس؟
مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول ديسمبر 2024م 1446هـ وتولّي أحمد الشرع رئاسة سوريا، دافع مادورو عن الأسد حتّى اللّحظة الأخيرة، محذّراً ممّا سمّاه الإرهاب الرقمي. لم تظهر حتّى الآن أدلّة قاطعة على استقبال ڤنزويلا لفلول النظام السوري أو هاربيه، برغم أنّ كراكاس توفّر تاريخياً ملاذاً لمطلوبين دوليّين من مختلف الجنسيات. تركّز حكومة الشرع على محاسبة فلول النظام السابق داخل سوريا دون ذكر ڤنزويلا وجهة للّجوء، لكنّ الشبكات الإجرامية المشتركة التي بُنيت على مدى سنوات لا تتلاشى بين ليلة وضحاها.
الأهمّ هو أنّ البنية التحتية الإجرامية ظلّت قائمة: الجالية السورية اللّبنانية الكبيرة في ڤنزويلا، الدروز السوريّون الحاملون للجنسية الڤنزويلية في السويداء، العلاقات التجارية والمالية بين رجال الأعمال الموالين للأسد وشركاء ڤنزويليّين، كلّها عناصر يمكن أن تُستخدم لإيواء أو تهريب أو حماية مسؤولين سوريّين هاربين. الغياب الحالي للأدلّة لا يعني بالضرورة غياب الظاهرة، بل قد يظهر ببساطة قدرة هذه الشبكات على العمل في الخفاء.
العلاقة الڤنزويلية السورية: بُعد إضافي للاستراتيجية المناهضة لواشنطن
تكشف هذه العلاقة الڤنزويلية السورية بُعداً إضافيّاً لاستراتيجية مادورو في بناء محور مناهض للولايات المتّحدة، محور لا يقتصر على القوى الكبرى بل يشمل دولاً وميلشيات وكارتيلات تشترك في معاداة واشنطن، ولو أنّها تحالف تل أبيب سرّاً وعلانية في كثير من الحالات. وفي سياق التصعيد الراهن في البحر الكاريبي، تشير هذه الروابط إلى أنّ المواجهة مع ڤنزويلا ليست محض صراع إقليمي، بل جزء من معركة أوسع تمتدّ من كراكاس إلى دمشق، ومن الكوكايين إلى الكلاشنكوڤ.

الشبكة العابرة للقارّات: حزب الله حلقة الوصل
مكوّن الأعمال: الجناح المالي العالمي
حزب الله اللّبناني، برغم كونه ميلشيا مسلّحة ذات أهداف سياسية ودينية، بنى إحدى أكثر الأجهزة المالية الإجرامية تطوّراً في العالم. يدير مكوّن الأعمال BAC، التابع لمنظّمة الأمن الخارجي لحزب الله، عمليات تهريب كوكايين وغسل أموال تمتدّ من أمريكا اللّاتينية إلى أفريقيا وأوروپا والشرق الأوسط. أسّس عماد مغنية، القائد العسكري المقتول، هذا المكوّن، ويقوده حاليّاً عبد الله صفي الدين، مبعوث حزب الله الشخصي إلى طهران، وأدهم طباجة.
ليست البنية تنظيماً بيروقراطيّاً صارماً بل شبكة من المقاولين والوسطاء من الشيعة اللّبنانيّين في الشتات، يجمعهم الولاء الإثني والديني والعائلي لكنّهم أكثر اهتماماً بجني المال من العقيدة الدينية أو السياسية، كما وصفتهم تحقيقات وكالة مكافحة المخدّرات الأمريكية DEA. هؤلاء الوسطاء يحدّدون أعمالاً مشروعة مربحة، معارض بيع سيّارات مستعملة ومحلّات إلكترونيّات وشركات عقارات، ويحصلون على حصص ملكية فيها لاستخدامها واجهات لغسل الأموال وشراء الأسلحة.
عمليّات مكوّن الأعمال العابرة للقارّات
في مجال تهريب الكوكايين، بنى مكوّن الأعمال شراكات مع كارتيلات كولومبية مثل لا أوفيسينا دي إنڤيگادو La Oficina de Envigado وكارتيلات مكسيكية مثل زيتاس Los Zetas، مع نقل شحنات متعدّدة الأطنان مباشرة إلى الولايات المتّحدة وأوروپا. نسّق أيمن جمعة، تاجر كوكايين كولومبي لبناني، وحده عمليات غسل أموال بقيمة 200 مليون دولار شهريّاً خلال ذروة نشاطه، في مثال صارخ على حجم العمليات المالية الضخمة التي تديرها هذه الشبكة.
في مجال غسل الأموال، طوّر مكوّن الأعمال آليات شديدة التطوّر تشمل أنظمة البيزو السوداء Black Market Peso Exchange التي تمكّن مهرّبي الكوكايين في أمريكا اللّاتينية من شراء دولارات بأسعار مواتية، مع توجيه عناصر مكوّن الأعمال العائدات عبر شركات واجهة لبنانية إلى مصارف دولية. استُخدمت شبكات الحوالة التقليدية لنقل الأموال دون أثر مصرفي، ووسطاء عملات مشفّرة جدد انضمّوا للشبكة في السنوات الأخيرة. الغسل القائم على التجارة Trade-Based Laundering عبر تلاعب بفواتير الاستيراد والتصدير في مناطق التجارة الحرّة الأوروپية، خاصّة منطقة الحدود الثلاثية بين الأرجنتين وپاراگواي والبرازيل، سمح بتضخيم أسعار البضائع المشروعة لتبرير تحويلات نقدية كبيرة تجارة شرعية.
في مجال التمويل الإرهابي، تموّل عائدات بيع المخدّرات مباشرة أنشطة حزب الله العسكرية في سوريا، وشراء الأسلحة من أوروپا الشرقية وآسيا، والمصاريف التشغيلية للميلشيات في لبنان والعراق واليمن. بين عامي 2015-2016م 1436-1437هـ، اعتقلت عملية أرز Project Cedar قيادات المكوّن بمن فيهم محمد نور الدين، الذي أدار تحويلات مالية عبر شركة واجهة لبنانية Trade Point International وحافظ على روابط مباشرة بالأجنحة التجارية والإرهابية لحزب الله.
الجسر الڤنزويلي اللّبناني: التكامل التشغيلي الكامل
صارت ڤنزويلا، تحت حكم چاڤيز ومادورو، المحور الأساسي لربط كوكايين الكارتيلات الكولومبية بشبكات حزب الله العالمية. في مرحلة الحصول على الكوكايين، تسيطر فصائل منشقّة عن الفارك FARC الكولومبية والكارتيلات المكسيكية على الإنتاج في المناطق الحدودية، في حين يوفّر الجيش الڤنزويلي عبوراً آمناً ووصولاً إلى الموانئ، وجزيرة مارگريتا Margarita استضافت حسب تقارير استخباراتية مخيّمات تدريب مشتركة بين عناصر ڤنزويليّين وحزب الله.
في مرحلة اللّوجستيّات، تدير عصابة ترين دي أراگوا التوزيع المحلّي في ڤنزويلا وكولومبيا وتموّن الشحنات العابرة للأطلسي بقيمة 300 إلى 500 مليون دولار سنويّاً. وفي مرحلة غسل الأموال، يستلم مكوّن الأعمال عائدات الكوكايين ويحوّلها عبر شبكات مصرفية دولية، ووسطاء عملات مشفّرة، وبيوت صرافة لبنانية، كما وصفه خبراء بقولهم: لا يوسّخون أيديهم، بل يغسلون ويوفّرون شبكات لمساعدة الكارتيلات على إرسال الأموال عبر الشرق الأوسط.
في مرحلة الحماية السياسية، تحمي بعثات إيران الدبلوماسية في أمريكا الجنوبية العمليات من إنفاذ القانون، ويوفّر الجسر الجوّي “طهران كراكاس دمشق” استمرارية لوجستية بين المراكز التشغيلية، ممّا يسمح بنقل الأشخاص والأموال والمعلومات بسرية تامّة. بحلول 2019م 1440هـ، تجاوزت هذه الشبكة المتكاملة قدرة مكوّناتها الفردية، إذ أنّ الفارك وحزب الله لم يعودا قادرين على السيطرة على حجم تدفّقات الكوكايين التي خلقاها، وحتّى النخب العسكرية الڤنزويلية بدت منزوعة الشرعية بسبب التأثيرات المزعزعة الواضحة للتجارة على الاقتصاد والمجتمع الڤنزويلي الأوسع.

الشبكات المالية: من الكوكايين إلى الحسابات المصرفية
الخدمات المصرفية الإيرانية الظلّ
إيران، تحت وطأة العقوبات الأمريكية والأوروپية الخانقة، بنت نظاماً مصرفيّاً موازياً Shadow يتجاوز النظام المالي الدولي بالكامل. بيوت صرافة في طهران وقم وتبريز تحوّل عائدات المخدّرات إلى شبكات مصرفية ظلّ، ثمّ تنقلها دوليّاً عبر شركات واجهة في الإمارات العربية المتّحدة ووسطاء في هونگ كونگ. حدّد تحليل شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية FinCEN عام 2025م 1446هـ حوالي 39 كياناً عبر ولايات قضائية متعدّدة تسهّل التهرّب من العقوبات وغسل الأموال، مع شركات واجهة تتعامل بخمسة مليارات دولار سنويّاً، أساساً بالعملات المشفّرة وتجارة السلع.
وسطاء عملات مشفّرة مثل علي رضا دراخشان وآرش استكي عليوند ينسّقان معاملات عملات مشفّرة تفيد فيلق القدس ووزارة الدفاع الإيرانية، مع تنسيق عليوند مع توفيق محمد سعيد اللو، صرّاف مرتبط بحزب الله يوفّر الوصول إلى محافظ عملات مشفّرة. تسمح هذه الشبكة المالية الموازية لإيران بالاستمرار في التجارة الدولية وشراء السلع الاستراتيجية وتمويل وكلائها الإقليميّين برغم العقوبات الشاملة.
غسل الأموال القائم على التجارة والمصارف اللّبنانية
طوّر حزب الله علاقات عميقة بالمصارف اللّبنانية التي تعاونت تاريخيّاً مع عمليات مكوّن الأعمال، إذ أنّ مقاومة المصرف المركزي اللّبناني لإنفاذ قواعد مكافحة غسل الأموال دفعت الولايات المتّحدة لفرض عقوبات على القطاع المالي اللّبناني بِرُمَّته عبر قانون منع التمويل الدولي لحزب الله HIFPA. استهدف هذا القانون، الصادر عام 2015م 1436هـ، أيّ مؤسّسة مالية تتعامل مع حزب الله بأيّ شكل، ممّا أجبر المصارف اللّبنانية على قطع علاقاتها العلنية بالحزب لكنّه لم يوقف التدفّقات المالية تماماً.
تستمرّ بورصة البيزو السوداء في العمل عبر شبكات غير رسمية، حيث يشتري تجّار الكوكايين في كولومبيا وڤنزويلا دولارات بأسعار أفضل من السعر الرسمي، مع قيام وسطاء حزب الله بنقل هذه الدولارات إلى لبنان عبر شحنات تجارية مزيّفة أو تحويلات معقّدة عبر عدّة دول. يسمح التلاعب بفواتير الاستيراد والتصدير في منطقة الحدود الثلاثية بين الأرجنتين وپاراگواي والبرازيل بغسل مليارات الدولارات سنويّاً، إذ تُضخَّم أسعار البضائع المستوردة على الورق في حين يُدفع الفرق نقداً ويُغسل عبر شركات وهمية.
تهريب النفط مقابل الإرهاب
نسّق حزب الله أيضاً مبيعات النفط الإيرانية إلى نظام الأسد وأطراف ثالثة، مع عائدات تموّل كلّاً من نظام الأسد وحزب الله نفسه. نسّق علي قصير، رئيس الوحدة 108 المسؤولة عن نقل الأسلحة والتقنية من سوريا إلى لبنان، مبيعات النفط الإيرانية عبر شبكة معقّدة من الوسطاء والناقلات. جسّدت حادثة ناقلة أدريان داريا 1 Adrian Darya 1 عام 2019م 1440هـ هذه الآلية بوضوح: نفط إيراني بقيمة عشرات ملايين الدولارات شُحن إلى سوريا متجاوزاً العقوبات الأوروپية والأمريكية، مع عناصر حزب الله وشركات واجهة تدير العقود والتنسيق البحري واستلام الأموال.
توفّر هذه العملية فائدة ثلاثية: إيران تبيع نفطها برغم العقوبات، يحصل نظام الأسد على الوقود الضروري لبقائه، وحزب الله يحصل على عمولات ضخمة من الوساطة. النفط، في هذا السياق، يتحوّل إلى سلعة إجرامية تُتّجر بها بنفس منطق المخدّرات: تجاوز القانون الدولي، استخدام شبكات سرّية، توزيع الأرباح على شبكات الولاء.

ما بعد سقوط الأسد: تفكّك الشبكة أم إعادة تموضعها؟
عطّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول ديسمبر 2024م 1446هـ الشبكة لكنّه لم يقضِ عليها بالكامل. انهيار تدفّق المخدّرات من سوريا انخفض بنحو 90% مع فقدان الفرقة الرابعة المدرّعة قدرتها التشغيلية وأوامر السلطات السورية الانتقالية الجديدة بوقف الإنتاج. عزل أصول حزب الله في لبنان فُصلت عن الحماية الحكومية السورية بعد ضعف حزب الله المؤسّسي نتيجة الحرب مع إسرائيل واغتيال قياداته.
استعادة استقلالية المهرّبين الدروز والبدو في السويداء ساقت إلى استئناف عمليات عبور الحدود بحلول نيسان أپريل 2025م 1446هـ دون تنسيق مؤسّسي مركزي، ممّا يعني عودة إلى نمط التهريب الصغير المحلّي بدلاً من الصناعة الضخمة المركزية.
تشظّي القدرة الإنتاجية بين مجموعات إجرامية أصغر وعناصر نظام متبقّية قلّص الإنتاج الصناعي الواسع، لكنّه لم يوقفه تماماً، إذ أنّ المعرفة التقنية والمواد الكيميائية والشبكات اللّوجستية لا تزال موجودة. غير أنّ نفوذ فيلق القدس الإيراني ومكوّن الأعمال لحزب الله يظلّان سليمين، مع تركيز متجدّد على عمليات الكوكايين وغسل الأموال في ڤنزويلا وأمريكا اللّاتينية، ممّا يشير إلى أنّ مركز ثقل الشبكة انتقل غرباً نحو كراكاس وبوگوتا Bogotá وبوينس آيرس Buenos Aires بدلاً من أن يتلاشى.
يكشف هذا التحوّل الجغرافي مرونة الشبكة وقدرتها على التكيّف. فقدان سوريا مركز إنتاج للكپتاگون لا يعني نهاية الشبكة، بل إعادة تنظيم حول مراكز أخرى أكثر أماناً. ڤنزويلا، بحكومتها الموالية وموقعها الاستراتيجي وضعف إنفاذ القانون فيها، صارت المحور الأهمّ، وحزب الله يعيد توزيع موارده البشرية والمالية لتعزيز وجوده هناك.

الجريمة استراتيجية دولة
ليست شبكات تهريب المخدّرات الممتدّة عبر إيران وسوريا ولبنان وڤنزويلا آثاراً جانبية لضعف الدولة بل آليّات مؤسّسية للسلطة وتوليد الإيرادات. هذه الدول، وخاصّة فيلق القدس الإيراني، صمّمت عن قصد بنى قيادية هرمية، ودمجت عمليات المخدّرات في الأجهزة العسكرية والأمنية، ونشرت موارد الدولة للحماية واللّوجستيّات، وأعادت استثمار العائدات في شراء الأسلحة والشبكات الإقليمية الوكيلة والالتفاف على العقوبات الدولية.
التطوّر من التحالف السياسي الإجرامي في لبنان، حيث تقاسم فاعلو الدولة السلطة مع مجرمين مستقلّين، إلى الإنتاج المسيطَر عليه من الدولة في سوريا، حيث احتكرت النخب العسكرية التصنيع، إلى دولة المخدّرات في ڤنزويلا، حيث اندمجت السلطات المدنية والعسكرية بالكامل، يظهر مسارات مؤسّسية مختلفة نحو الغاية ذاتها: الاستيلاء على إيرادات تجارة المخدّرات أدوات نفوذ جيوسياسي وبقاء النظام.
القيمة السنوية المقدَّرة للشبكة، من 10 إلى 57 مليار دولار حسب منهجية القياس، تفوق ميزانيّات الدفاع لمعظم دول المنطقة وتنافس مبيعات الأسلحة الدولية، ممّا يضع عائدات المخدّرات مصادر دخل منافسة للنفط والمعادن والضرائب التقليدية. يفسّر هذا الحجم المالي الهائل استماتة هذه الأنظمة في الحفاظ على شبكاتها الإجرامية حتّى لو كلّفها ذلك عزلة دولية وعقوبات قاسية.
يقترح هذا التحليل أنّ مواجهة هذه الشبكات تتطلّب ليس مجرّد إنفاذ قانون يستهدف الوسطاء والمهرّبين، بل ضغطاً استراتيجيّاً على الفاعلين المؤسّسيّين على مستوى الدولة، خاصّة فيلق القدس الإيراني، وبنى القيادة العسكرية السورية المتبقّية، والجهاز المالي لحزب الله، مع الاعتراف بأنّ تعطيل الشبكة وحده لا يمكن أن ينجح دون معالجة احتياجات إيرادات الدولة الأساسية والمنافسة الجيوسياسية التي تحفّز المشاركة المؤسّسية في الاتّجار بالمخدّرات.
المخدّرات لا تموّل الدولة، بل تموّل النظام. وهذا الفرق هو كلّ شيء، إذ أنّ الدولة مؤسّسة عامّة تخدم المواطنين وتخضع نظريّاً للمحاسبة، في حين أنّ النظام شبكة سلطة شخصية يخدم نفسه ويستخدم موارد الدولة لضمان بقائه. المخدّرات، بطبيعتها السرّية وربحيّتها الفورية وعدم خضوعها لأيّ رقابة، تشكّل الأداة المثالية لتمويل النظام دون الدولة، لإثراء الموالين دون الشعب، لشراء الولاء دون المؤسّسات.
سأبحث عن المصادر المناسبة والتحقق من وجودها لمحتوى المقال الثاني حول المخدرات والأنظمة الاستبدادية.سأواصل البحث عن مصادر أخرى مهمة.سأواصل البحث عن مصادر إضافية حول حزب الله والشبكات المالية.بناءً على البحث الشامل، سأقوم الآن بإعداد قائمة المصادر النهائية المناسبة للمقال الثاني.
قائمة المصادر
- Shad, Christopher Alexander. “Drug Trafficking Networks in Lebanon: Their History and Formation, 1920-1975”. رسالة ماجستير، الجامعة الأمريكية في بيروت، 2012. https://scholarworks.aub.edu.lb/handle/10938/8845
- Marshall, Jonathan V. The Lebanese Connection: Corruption, Civil War, and the International Drug Traffic. Stanford University Press, 2012. https://www.sup.org/books/middle-east-studies/lebanese-connection
- “The Show Must Go On: A Brief History of Lebanon’s Drug Control Politics”. Journal of Illicit Economies and Development, 2023. https://jied.lse.ac.uk/articles/10.31389/jied.207
- “Illegal Drug Trade in Lebanon”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Illegal_drug_trade_in_Lebanon
- “The Colonial Legacy of Drug Control in Lebanon”. TalkingDrugs, 24 أيّار مايو May 2024. https://www.talkingdrugs.org/the-colonial-legacy-of-drug-control-in-lebanon/
- Levanoni, Moran. “No Boundaries – The Syrian-Lebanese Drug Economy”. Moshe Dayan Center for Middle Eastern and African Studies. https://dayan.org/content/no-boundaries-syrian-lebanese-drug-economy
- “4th Armoured Division (Syria)”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/4th_Armoured_Division_(Syria)
- “Maher al-Assad”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Maher_al-Assad
- “Maher al-Assad”. Syrian Expatriates Truth and Freedom. https://setf.ngo/card/maher-al-assad/
- “Treasury Sanctions Syrian Regime and Lebanese Actors Involved in Illicit Drug Production and Trafficking”. U.S. Department of the Treasury, 28 آذار مارس March 2023. https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy1369
- “Fourth Armoured Division of the Syrian Army”. OpenSanctions. https://www.opensanctions.org/entities/NK-7KbnwfP5mWU2KsTHjnMahY/
- Alvarez Gomez, Jose Lev. “Maher Al-Assad: Looting General, Cartel Boss”. The Times of Israel, 27 أيلول سپتمبر September 2025. https://blogs.timesofisrael.com/maher-al-assad-looting-general-cartel-boss/
- “Mysterious Blast Draws Attention to Iran-Affiliated Syrian Army Division”. JNS.org, 29 آب أغسطس August 2023. https://www.jns.org/middle-east/syria/23/8/29/313905/
- “The Captagon Industry in Syria After Assad’s Fall – A Current Overview”. Alma Research and Education Center, 6 آذار مارس March 2025. https://israel-alma.org/the-captagon-industry-in-syria-after-assads-fall-a-current-overview/
- Alexander, Kristian. “Assad’s Fall and Syria’s Fragmented Captagon Industry”. Stimson Center, 19 آب أغسطس August 2025. https://www.stimson.org/2025/assads-fall-and-syrias-fragmented-captagon-industry/
- Sharawi, Ahmad. “Assad Is Gone, Syria’s Captagon Trade Isn’t”. Foundation for Defense of Democracies, 15 أيلول سپتمبر September 2025. https://www.fdd.org/analysis/op_eds/2025/02/03/assad-is-gone-syrias-captagon-trade-isnt/
- “Ba’athist Syrian Captagon Industry”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Ba’athist_Syrian_Captagon_industry
- “Cartel of the Suns”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Cartel_of_the_Suns
- “Nicolás Maduro Moros and 14 Current and Former Venezuelan Officials Charged with Narco-Terrorism, Corruption, Drug Trafficking and Other Criminal Charges”. U.S. Department of Justice, 26 آذار مارس March 2020. https://www.justice.gov/archives/opa/pr/nicol-s-maduro-moros-and-14-current-and-former-venezuelan-officials-charged-narco-terrorism
- “Manhattan U.S. Attorney Announces Narco-Terrorism Charges Against Nicolas Maduro”. U.S. Department of Justice, 26 آذار مارس March 2020. https://www.justice.gov/usao-sdny/pr/manhattan-us-attorney-announces-narco-terrorism-charges-against-nicolas-maduro-current
- “United States of America v. Nicolás Maduro”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/United_States_v._Nicol%C3%A1s_Maduro
- Prager, Stephen. “After Claiming Maduro Was Its Kingpin, DOJ Now Admits in Court That ‘Cartel De Los Soles’ Isn’t a Real Group”. Common Dreams. https://www.commondreams.org/news/doj-cartel-de-los-soles-not-real
- Corrales, Javier. “How Venezuela Became a Gangster State”. Journal of Democracy, 25 أيلول سپتمبر September 2025. https://www.journalofdemocracy.org/online-exclusive/how-venezuela-became-a-gangster-state/
- “Nicolás Maduro Moros”. U.S. Department of State. https://www.state.gov/nicolas-maduro-moros
- “The Charges Against Nicolás Maduro: What the Indictment Alleges”. JURIST. https://www.jurist.org/features/2026/01/05/the-charges-against-nicolas-maduro-what-the-indictment-alleges/
- “Cartel of the Suns”. InSight Crime, 22 أيلول سپتمبر September 2025. https://insightcrime.org/venezuela-organized-crime-news/cartel-de-los-soles-profile/
- “Project Cedar (DEA)”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Project_Cedar_(DEA)
- “DEA And European Authorities Uncover Massive Hizballah Drug And Money Laundering Scheme”. U.S. Drug Enforcement Administration, 1 شباط فبراير February 2016. https://www.dea.gov/press-releases/2016/02/01/dea-and-european-authorities-uncover-massive-hizballah-drug-and-money
- “Project Cassandra”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Project_Cassandra
- “Operation Cedar: Hezbollah Narco-Money Laundering”. The Washington Institute for Near East Policy. https://www.washingtoninstitute.org/media/5452
- “Hezbollah’s Business Affairs Component”. Grey Dynamics, 11 تشرين الأوّل أكتوبر October 2024. https://greydynamics.com/hezbollahs-business-affairs-component/
- “Funding of Hezbollah”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Funding_of_Hezbollah
- Levitt, Matthew. “Hezbollah: Narco-Terror and Crime in Latin America”. Jewish Policy Center, 7 كانون الثاني يناير January 2021. https://www.jewishpolicycenter.org/2021/01/07/hezbollah-narco-terror-and-crime-in-latin-america/
- Miller, James. “How Hezbollah Funds Terror Through the Global Cocaine Trade”. The Jewish Chronicle, 23 تشرين الثاني نوڤمبر November 2023. https://www.thejc.com/news/world/how-hezbollah-funds-terror-through-the-global-cocaine-trade-l8adnumv
- Fernandez, John. “The DEA’s Targeting of Hezbollah’s Global Criminal Support Network”. The Washington Institute for Near East Policy. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/deas-targeting-hezbollahs-global-criminal-support-network
- Levitt, Matthew. “Hezbollah: Narco-Terror and Crime in Latin America”. Foundation for Defense of Democracies, 21 آذار مارس March 2023. https://www.fdd.org/analysis/2021/01/08/hezbollah-narco-terror-crime-latin-america/
- “How Suwayda Became a Drug-Smuggling Hub”. Syria Direct. https://syriadirect.org/how-suwayda-became-a-drug-smuggling-hub/
- “Border Traffic: How Syria Uses Captagon to Gain Leverage Over Saudi Arabia”. Carnegie Endowment for International Peace, تمّوز يوليو July 2024. https://carnegieendowment.org/research/2024/07/border-traffic-how-syria-uses-captagon-to-gain-leverage-over-saudi-arabia
- “The Future of the Illicit Captagon Drug Trade”. CTC Sentinel, West Point. https://ctc.westpoint.edu/the-future-of-the-illicit-captagon-drug-trade/
- “Where Does the Captagon Trade in Syria Stand After Assad?” The Soufan Center, 31 تمّوز يوليو July 2025. https://thesoufancenter.org/intelbrief-2025-july-31/





اترك رد