من الخرافات التي دأب عليها مستشرقي الحِقْبَة الاستعمارية؛ اختراع أمّم وقوميّات بناء على أسماء عواصم دولهم… ولو تمكّن لهم اليوم لتحدّثوا مثلاً في القوميّة القاهرية بدل المصرية، والقومية البغدادية والقومية الكويتية والقومية السُّعُودية! والشعوب البيروتية والدبيّانية والبوظبيية… المهم عندهم ألّا يقال: شعوب عربية. وسأفنّد لك هنا واحدة من أكبر أكاذيب التاريخ، التي لم يعترف بها ولا حتّى الآثاري مكتشفها الأوّل.
هذه الأكذوبة هي خرافة اللّغة الأكادية والحضارة الأكادية والأمّة الأكادية… والمكذوب على لسانه فيها هو عالم الأشّوريّات القدير إگناس گلِب Ignace Gelb. الذي برهن، ومن لحظة اكتشافه الأوّل للعاصمة أگَّدة (أقَّدة) أنّ اسم المدينة منسوب إلى اسم أسلاف العرب القدرو، وأنّ معنى اسم القدرو الأصلي هو البنّائين والمنظِّمين.
گلِب وأگَّدة
يُعزى نسب اكتشاف الاسم الأصلي لمدينة أكاد وهو في الواقع أگَّدة (أقَّدة) 𒀕𒆠 إلى عالم الآثار الأشّوريّات إگناس گلِب. ففي كتابه الصادر عام 1946م بعنوان {سومر: أگَّد والإمبراطوريّات الأولى} Sumer: Akkad and the First Empires، قدّم گلِب حُجَّة مقنعة مفادها أنّ الكلمة الأگَّديّة لـ”مدينة” كانت في الأصل اسم مكان، وتحديداً اسم مدينة أگَّدة 𒀕𒆠. واقترح أنّ أگَّدة كانت عاصمة الإمبراطورية الأگّديّة، التي ازدهرت من القرنين 24 و22 قبل الميلاد.
قبل إگناس گلِب ظنّ المستشرقون أنّ كلمة أكاد (أگَّدة) مجرّد كلمة تقابل كلمة مدينة، وليست اسماً لمدينة محدّدة. لكنّ گلِب وضّح أنّها اسم لعاصمة، وليست أيّ عاصمة سياسية، بل كذلك مدينة مقدّسة. وبرهن گلِب على فرضيّته بالأدلّة التالية:
- في النقوش الأگّدية ولو أنّها باللّغة السومريّة، لم تُستخدم الكلمة السومرية لـ”مدينة” وهو أُرُ (أورو) 𒌑، للإشارة إلى مدينة أگَّدة. بل استخدمت النصوص الأگّدية كلمة أگَّدة، وهي مشابهة للكلمة السومرية أقاد 𒀝 التي تعني “بناء” أو “تنظيم” أو “تشييد” أو “توجيه”.
- كانت الكلمة الأگّدية أگّيدُ (أكيدو) 𒀕𒅖𒋾𒄿 ومعناها “باني”، مرتبطة أيضاً بكلمة أگَّد ومطابقة للكلمة السومريّة أقّيدُ بنفس المعنى، باستبدال حرف ق بحرف گ. ممّا يشير إلى أنّ أگَّدة كانت في الأصل اسم مكان، وتحديداً اسم مدينة كانت معروفة ببنائها.
- لم تكن هناك أي مدن أگَّديّة أخرى معروفة بأنها دُعيت أگَّدة. ممّا يشير إلى أنّ أگَّدة كانت اسم مكان فريد.
استناداً إلى هذه الأدلّة، استنتج گلِب أنّ كلمة أگَّد كانت في الأصل اسم مدينة أگَّدة، وأنّ هذا الاسم اعتُمد لاحقاً في الفترة الأشّّورية بمنزلة مصطلح عام يعني “مدينة” بالأگّدية. وتمّ قبول عمل كلِب على نطاق واسع من قِبل علماء الأشّوريّات، وأصبح اسم أگَّدة بعدها يُستخدم على نطاق واسع للإشارة إلى عاصمة الدولة الأگّديّة.
بعد هذا الاكتشاف الذي حقّقه عالم الأشّوريّات القدير إگناس گلِب، كُذب على لسانه، واخترعت القوميّة الأگّديّة، دون أيّ اعتبار إلى أنّ أگَّد كان مجرّد اسم دولة، إحدى دول شعب المنطقة العربية.
إذ أنّ اكتشاف گلِب بأنّ أگَّدة هو الاسم الأصلي لمدينة أكاد يلقي الضوء أيضاً على أصل التسمية. فاسم أگَّدة مشتقّ في الأساس من اسم شعب القِدرو (گِدْرُ) 𒆕𒉈𒇓 (جِدرو)، وهم قبيلة سومريّة كانت تعيش في منطقة أگَّد، سجّلت مسماريّات أُرُگ (أوروك) تسميتهم بصيغة أُگِّد (أُقِّد) 𒀠𒆗𒀖. كان شعب القِدرو معروفاً بمهاراتهم كبنّائين ومنظّمين، وربّما كان هذا هو السبب في استخدام اسمهم للإشارة إلى العاصمة الأگّديّة.
يُعد عمل إگناس گلِب مساهمة مهمّة في فهمنا للّغة العربية في العهد الأگّديّ وتاريخ بلاد ما بين النهرين. فاكتشافه بأنّ أگَّدة هي الاسم الأصلي لمدينة أكاد ساعد على توضيح أصل التسمية وإلقاء الضوء على تاريخ الإمبراطورية الأگّديّة.

پوستگيٓت وأوتس
وهناك عدد من علماء الآثار الذين شاركوا گلِب نظريّته ودافعوا عن الصلة بين قوم گِدرُ (قِدرو) والعرب. ومن هؤلاء العلماء نيقولاس پوستگيٓت، الذي يرى أنّ قوم گِدرُ كانوا مجموعة إثنيّة مميّزة منحدرة عن السومريّين وسلف للعرب. واستند پوستگيٓت في نظريّته إلى هذه الأدلّة:
- عُرف عن قوم الگِدرُ مهارتهم في البناء والهندسة، ويُنسب إليهم بناء مدينة أگَّدة التي كانت عاصمة الإمبراطورية الأگّديّة. وهذا يشير إلى أنّهم كانوا شعباً متقدّماً تقنيّاً وذا ثقافة راقية.
- يرى پوستگيٓت أنّ لغة قوم گِدرُ مرتبطة باللّغة العربية ولهجاتها. وهذا يدعم أكثر فكرة أنّهم كانوا أسلافاً للعرب.
- توجد سجلّات تاريخية تشير إلى أنّ قوم الگِدرُ هاجروا عبر الجزيرة العربية وتزاوجوا مع سكّانها. وهذا من شأنه أن يساعد على نشر جينات وثقافة قوم الگِدرُ في المنطقة.
ومن العلماء الآخرين الذين دافعوا عن الصلة بين قوم گِدرُ والعرب الآثاري جوان أوتس. واستندت أوتس في نظريّته إلى هذه الأدلّة:
- ذُكر قوم الگِدرُ في عدد من النصوص القديمة بما في ذلك ملحمة گلگاميش والقائمة الملكية السومرية. وتشير هذه النصوص إلى أن قوم گِدرُ كانوا شعباً قوياً وذا نفوذ.
- كما صُوّر قوم الگِدرُ في عدد من الأعمال الفنّية القديمة بما في ذلك التماثيل والنقوش. وتوحي هذه الصور أن قوم الگِدرُ كانوا شعباً ذا ملامح عربية واضحة، لا تختلف عن الملامح العربية المعاصرة.
- وُجدت أدلة أثرية تشير إلى أن قوم الگِدرُ عاشوا في شبه الجزيرة العربية لفترة طويلة من الزمن، وكانت لهم عدّة دول. وتتضمّن هذه الأدلة أواني فخارية وتماثيل صغيرة وغيرها من القطع الأثرية التي عُثر عليها في مواقع أثرية عربية.
استناداً إلى الأدلّة التي قدّمها گلِب وپوستگيٓت وأوتس، من الواضح أن هناك حجّة قوية تدعم الصلة بين قوم الگِدرُ والعرب. وعليه، فالتاريخ واضح في أنّ عرب اليوم هم نسل حضارات أگّد وسومر.

تعاريف
- إگناس گلِب Ignace Gelb كان مؤرّخاً پولانديّاً أمريكيّاً متخصّصاً بالتاريخ القديم وعالم آشوريّات، وكان رائداً في الدراسة العلميّة لأنظمة الكتابة القديمة.
- نيقولاس پوستگيٓت Nicholas Postgate أكاديمي بريطاني وعالم آشوريات. كان مديراً للمدرسة البريطانية للآثار في العراق. وكان أستاذاً لعلم الآشوريات في جامعة كامبريدج.
- جوان أوتس Joan Louise Oates عالمة آثار وأكاديميّة أمريكية-بريطانية، متخصّصة في الشرق الأدنى القديم. كانت زميلة ومعلّمة ومحاضرة في جامعة كامبريدج. وكانت زميلة باحثة أولى في معهد ماكدونالد للأبحاث الأثرية.
مراجع ومصادر
- Gelb, I. J. (1946). Sumer: Akkad and the First Empires. University of Chicago Press.
- Oppenheim, A. L. (1977). Ancient Mesopotamia: Portrait of a Dead Civilization. University of Chicago Press.
- Van De Mieroop, M. (2007). A History of the Ancient Near East, ca. 3000-323 BC. Blackwell Publishing.
- Foster, B. R. (2016). The Age of Agade: Inventing Empire in Ancient Mesopotamia. Routledge.
- Oates, J. (2004). Babylon. Thames & Hudson.
- Pollock, S. (1999). Ancient Mesopotamia: The Eden that Never Was. Cambridge University Press.
- Postgate, J. N. (1992). Early Mesopotamia: Society and Economy at the Dawn of History. Routledge.
- Kramer, S. N. (1963). The Sumerians: Their History, Culture, and Character. University of Chicago Press.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد