تعدّدت آراء العلماء واختلفت حول أصل تسمية {إگيپتوس} وتطوّرها عبر العصور. وكل هذا الاضطراب مرجعه في الأساس حصر العلماء الأوروپيين تفكيرهم في صندوق «الأصل الإغريقي» لكلّ شيء. دون التفات إلى لغات الشرق الأدنى القديمة، لغات أهل المنطقة التي تنتمي إليها مصر، جغرافياً وتراثاً.
يتجلّى الاضطراب في تأصيل إتيمولوجيا {إگيپتوس} أو {القبطية} عبر تاريخ طويل من المحاولات البحثية التي لم تصل إلى إجماع علمي أوروپي. وتضاربت المصادر التاريخية بشكل جوهري؛ فالمصادر الإغريقية قدّمت تفسيرات تختلف جذرياً عن المصادر المصرية والعروبية، ممّا أنتج نقطة انطلاق متشعّبة لأي تأصيل علمي. وأضاف الفارق الزمني الكبير بين أقدم استخدام موثّق للاسم وبداية محاولات تفسيره فجوة سمحت بتحوّلات لغوية غير موثّقة، تاركة مساحة واسعة للافتراض دون أدلّة مباشرة.
خلقت طبيعة الكتابة المصرية القديمة والعروبية القديمة التي لم تدوّن الحركات عائقاً أمام تتبّع التحوّلات الصوتية بدقة، خصوصاً عند الانتقال بين أنظمة كتابية متباينة كالتصويرية (الهيروگليفية) والإغريقية. ثمّ تعدّدت الفرضيّات من جذور لغوية مختلفة؛ بعضها رجّح أصلاً مصرياً خالصاً، وأخرى أصلاً إغريقياً، وثالثة أصلاً هجيناً (لكأنّ مصر لم توجد قبل الحقبة الهلنستية)، لكنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في غياب دليل حاسم يرجّح إحداها بسبب استمرار استعمال لجام «الإغريقية أصل كل شيء».

أدّى تباين المنهجيّات البحثية إلى نتائج متضاربة رغم اعتمادها على المصادر ذاتها. فاختلاف المنطلقات النظرية للمدارس اللّغوية أنتج استنتاجات متباينة دون معيار موضوعي للترجيح في ظلّ غياب الأدلّة القاطعة. وساهم تداخل الحضارات في منطقة البحر المتوسط في تعقيد المسألة؛ إذ تبنّت الشعوب المختلفة صيغاً متنوّعة للاسم، وطوّرتها وفق خصائص لغاتها المتباينة، ممّا شكّل شبكة معقّدة من المشتقّات والتحوّلات يصعب تتبّع مساراتها وتسلسلها الزمني.
أثّرت الأبعاد السياسية والأيديولوجية والدينية على مسار البحث الإتيمولوجي، فسعت بعض المدارس الفكرية لترجيح أصول محدّدة خدمة لتوجّهات معيّنة، سواء لتأكيد أسبقية حضارية أو تعزيز رواية تاريخية بعينها، ممّا أبعد البحث عن المسار الموضوعي. وشهدت الدراسات الإتيمولوجية تحوّلات مستمرّة مع كلّ اكتشاف أثري أو لغوي جديد، ممّا أوجد حالة من عدم الاستقرار النظري وجعل محاولات التأصيل عرضة للتغيير المستمرّ، وهو ما يفسّر استمرار الاضطراب رغم قرون من البحث.
برز اختلاف التركيب الصوتي بين اللّغات كعامل رئيسي في اضطراب التأصيل، فالانتقال بين أنظمة صوتية متباينة كالمصرية القديمة والإغريقية والعروبية فرض تحوّلات صوتية معقّدة. وواجهت محاولات تفسير هذه التحوّلات صعوبات في إثبات الصلة المباشرة بين الصيغ المختلفة، خاصّة مع غياب أمثلة مشابهة في اللّغات نفسها. وتحوّلت النقاشات المعاصرة من البحث عن أصل يقيني واحد إلى تحديد درجات الاحتمال بين الفرضيّات المتنافسة، والاعتراف بالطبيعة الافتراضية لأي تأصيل مقترح. ويعكس هذا التحوّل نضجاً علميّاً في التعامل مع المسائل الإتيمولوجية المعقّدة، ويؤسّس لفهم أعمق لطبيعة التطوّر اللغوي عبر الحضارات والعصور.
وفي ضوء هذا الاضطراب والتباين في تفسير أصل تسمية مصر، يبرز اتّجاه بحثي جديد يعتمد على دراسة النقوش العروبية القديمة والمصادر المحلّية الأصيلة بدلاً من الاكتفاء بالمصادر الإغريقية. وتكشف هذه المقاربة عن جذور أعمق للتسمية تعود إلى الحضارة المصرية ذاتها وعلاقتها بمحيطها الشرقي. هذا المنظور يقدّم تفسيراً يربط بين الرموز الدينية والتسميات الجغرافية في سياق الثقافة العربية، ممّا يفتح آفاقاً جديدة لفهم التداخل الحضاري في المنطقة. والدليل على صحّة هذا التوجه يتجلّى في الأصل اللّغوي لكلمة {القبطية} كما توضحه النقوش والوثائق التاريخية المحلّية التي ظلّت لفترة طويلة بعيدة عن اهتمامات الباحثين الغربيّين.
تسمية مصر: القبطيّة. أصلها من المصرية القديمة {حوت كُى پتاح} ḥwt-kꜣ-ptḥ أي {معبد كى پتاح}. وكلمة {كى} هنا تعني الروح المتجسّدة في الوعل المقدّس (وعل الجبل). فيصبح الاسم {معبد وعل پتاح} أو {معبد روح پتاح المتجسّدة في الوعل}. واسم هذا الوعل اليوم هو {البَدَن}، وكان يسمّى قديماً {الجدي} وله برج الجدي في فضاء النجوم.

والتسمية عن اللّغة في العهد الأگّدي: {خِكُوپتاخ} 𒄭𒆪𒌒𒋫𒀪 ورومنتها (ḫi-ku-up-ta-aḫ) وتعريبها (حِ-كُ-ءُپ-تَ-اح). وتحمل ذات المعنى المصري. في الواقع كان أطلقها المضريّون على البلد لمّا حكموا مصر في العهد السرياني (الآشوري) منذ القرن 8 ق.م. نسبة إلى معبد {پتاح} الرئيس ومحجّه في مدينة منف المقدّسة القديمة التي كانت حيث مدينة {ميت رهينة} المعاصرة جنوب الجيزة في القاهرة.
من تلك الحقبة صار لقب ملك مصر هو {إكُى پتاح} أو {إگُى پتاح} بصوت G بدلاً عن K وهي جميعاً تحويرات لصوت ق Q حين يكون الأصل {إقُپتاح}، وكان صوت گ آنذاك هو الصوت المقابل لحرف ق المعاصر. أمّا صفة {إگُى پتاح} فمعناها ببساطة: {الوعل پتاح}. وهو الوعل المقدّس أو الجدي المقدّس كما أسلفت. وبقي اللّقب ذاته مستعملاً في العهد الأخميني (بعد السرياني) ثمّ كذلك في العهد الپطولمي الهلنستي. ومع الزمن تحوّر اللّقب على ألسنة الناس من {إگُى پتاح} إلى {إگُپتاح} إلى {إگُپتا}، وكتبها العرب {إقُبتا}، ثمّ صارت في يونانية مصر بلفظ: {إقُبطا} ونقلتها عنها العربية بالتالي: {القُبط}، وصارت شائعة.
دخلت التسمية اللّغة الإغريقية قبل العهد الهيليني بكثير، فكانت في المقدونية القديمة {إىكُپِتِيّو} 𐁁𐀓𐀠𐀴𐀍 ثمّ صارت التسمية في العهد الهيليني {إىگُپتوس} Αἴγυπτος التي دخلت اللاتينية بصيغة {أىگوپتُس} Aegyptus.
في بداية العصر الروماني كانت هذه التسمية عامّة على الثلث شمال الغربي من مصر فقط، ذلك الذي حكمته مدينة الإسكندرية في العهد الروماني. ثمّ صارت شاملة على مصر كلّها في العهد البيزنطي وخاصّة حين تأسّست الكنيسة المصريّة وتحوّل إليها جميع معتنقي عبادة پتاح. فصار اسمها البيزنطي على اسم كنيستها {إىگُپتوس} Αἴγυπτος، الذي كتبه العرب {إقبط} و {هقفط} وأخيراً {القبط} حين كان حرف ق يقابل الصوت G، لا كما هو اليوم في العربية الفصحى.
وعلى هذا فالترجمة الحرفية لاسم مصر القبطيّة معناه بلد الوعل المقدّس.
هذه الحصيلة تثبت وبلا شكّ أنّ حضارة مصر والعراق واليمن حضارة واحدة ولآلاف السنين، ليست حضارات متفرّقة، وليست أمم مختلفة، بل هي أمّة واحدة اتّبعت نفس العادات، وقدّست ذات المقدّسات، واتّخذت لنفسها أسماء من وحي القيم والمبادئ نفسها.

يسمّى وعل البدن اليوم بالوعل النوبي، وهو جنس الوعول التي تستوطن شبه الجزيرة العربية بشكل رئيس ويتواجد اليوم في المناطق الجبليّة العاليّة على طول جنوب الجزيرة العربيّة وصحراء النقب وشبه جزيرة سيناء والأردن ومنطقة النوبة في السودان، وكان في السابق يعيش أيضا في لبنان وسوريا قبل أن ينقرض في الخمسينيات من القرن العشرين جراء الصيد المفرط والتمدن الحاصل في المناطق الريفيّة والجبليّة التي كان يقطنها.
ونلاحظ في معجم البلدان الذي كتبه الجغرافي اليعقوبي في القرن التاسع ميلادية خدمة للخلافة العبّاسية، أنّ اليعقوبي استعمل اسم الجدي على مصر، واستعمل كذلك الأسماء كرسي بنات نعش، ومهبّ الشمال، على كلّ المنطقة التي تشمل مصر والساحل الشرقي للمتوسّط حتى نهر الفرات.

مراجع
- Kees, Hermann. (1961). “Ancient Egypt: A Cultural Topography”. University of Chicago Press.
- Vycichl, Werner. (1983). “Dictionnaire étymologique de la langue copte”. Peeters Publishers.
- Allen, James P. (2013). “The Ancient Egyptian Language: An Historical Study”. Cambridge University Press.
- Takács, Gábor. (1999-2008). “Etymological Dictionary of Egyptian”. Brill Academic Publishers.
- Černý, Jaroslav. (1976). “Coptic Etymological Dictionary”. Cambridge University Press.
- Loprieno, Antonio. (1995). “Ancient Egyptian: A Linguistic Introduction”. Cambridge University Press.
- Peust, Carsten. (1999). “Egyptian Phonology: An Introduction to the Phonology of a Dead Language”. Peust & Gutschmidt Verlag.
- الدميري، محمد بن موسى. (1424هـ). “حياة الحيوان الكبرى”. دار الكتب العلمية.
- السيوطي، جلال الدين. (1967). “حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة”. دار إحياء الكتب العربية.
- المقريزي، تقي الدين. (2002). “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”. مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي.
- المسعودي، أبو الحسن. (1938). “مروج الذهب ومعادن الجوهر”. المكتبة التجارية الكبرى.
- اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب. (1988). “البلدان”. دار إحياء التراث العربي.
- Gardiner, Alan. (1957). “Egyptian Grammar: Being an Introduction to the Study of Hieroglyphs”. Oxford University Press.
- Ritner, Robert K. (1993). “The Mechanics of Ancient Egyptian Magical Practice”. The Oriental Institute of the University of Chicago.
- O’Connor, David & Reid, Andrew. (2003). “Ancient Egypt in Africa”. UCL Press.
- Gauthier, Henri. (1925-1931). “Dictionnaire des noms géographiques contenus dans les textes hiéroglyphiques”. Institut français d’archéologie orientale.
- Redford, Donald B. (2001). “The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt”. Oxford University Press.
- Hornung, Erik. (1999). “The Ancient Egyptian Books of the Afterlife”. Cornell University Press.
- جبران، نعمة الله. (2012). “الوعول في الشرق الأوسط: تاريخها وأهميتها الثقافية”. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- الإدريسي، محمد بن محمد. (1989). “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”. عالم الكتب.






اترك رد