رسمة أمس السبت رسمت فيها مشهداً من السماء للمسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية. ولنحك بعضاً من حكاية هذه المدينة ومسجدها.

أُنشئت الخليل حوالي 3500 ق.م باستيطان المورو فيها قبل إنشاء بابل وقبل تحوّلهم إلى الآراميّين. كان اسم المدينة قبل الخليل حبرون وقبلها قرية أربع أو قريات أربع، وقد تعني أربع قرى أو مدينة أربع أحياء، أو أربع تلال، أو أربع عشائر.
في العبرية القديمة نقرأ اسم المدينة خِبرون وهو الاسم الذي تستعمله السلطات الاسرائيليّة اليوم. وينحدر هذا الاسم من كلمة خَبِر חָבֵר العبريّة التي تعني خليل، لذا فاسم خِبرون هو ترجمة حرفية للاسم العربيّ الخليل، أو العكس. في لغتنا القديمة أيّام الأگّديّين كانت صفة الخليل تُترجم إلى خائِرُ ḫāʾiru (خَيِّرُ) وإذا صار زوجاً بعقد صارت صفته خابِرُ ḫābiru. لذا فالكلمة العبريّة البابلية خَبِر חָבֵר منحولة في الأساس عن لغة العرب من أهل العراق والمشرق وعن كلمة خابِرُ.
أمّا اسم المدينة الخليل فمنحول من الآية 125 من سورة النساء في كتاب القرآن “وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا”. إذ يُعتقد أنّ النبيّ إبراهيم الخليل قد هاجر إلى هذه المدينة من مدينة أُر (أور) السومرية في العراق. ثمّ تحالف مع اثنتين من عشائر المدينة الموريّة فجعلنه أميراً عليهم. وصار من بعدها أميراً على المدينة كلّها، عشيرتين منها على دينه، وعشيرتين بقيت على دينها.
لمدينة الخليل قدسيّة خاصّة بين أتباع العديد من أديان هذا العالم يسافرن إليها في رحلة حج. ويزور الحجيج في مدينة الخليل المسجد الإبراهيمي المقتسم اليوم ما بين اليهود والمسلمين، بالإضافة إلى كنيسة المسكوبية، ورامة الخليل، والشجرة المقدسيّة؛ وهي شجرة معمّرة يزيد عمرها عن 5000 سنة.
والمسجد الإبراهيمي الذي رسمته هنا، أو الحرم الإبراهيمي الشريف أو كهف البطاركة أو مغارة المكفيلة، يُعتبر ثاني أقدم بناء مقدّس لم يزل مستخدماً إلى اليوم دون انقطاع، بعد المسجد الأموي في دمشق. بُني المسجد على مغارة يُعتقد أنّ النبيّ إبراهيم وآله جميعاً مدفونين فيها منذ 1638 ق.م وفق التلمود البابلي.
ويذكُر المؤرّخ مجير الدين الحنبلي من القرن 16 أنّ الحرم الإبراهيميّ في الأساس سور يسمّى اليوم الحير. وهو مبني على طبقتين، الأولى مبنية في القرن 10 ق.م والثانية مبنيّة عليه في القرن 2 ق.م. ثمّ في القرن الأول ق.م بُني معبد في المكان كان على الأغلب لديانة البطالمة في مصر أو للديانة الرومانية، حوّله البيزنطيّون في القرن الرابع إلى كنيسة ثمّ أعيد بناؤها في القرن السادس، ثمّ هدمها الساسان سنة 614. ثمّ بني المسجد الإبراهيمي في عهد الأمير الأموي عبد الملك بن مروان نهاية القرن السابع.
مذ تحوّلت المدينة إلى الإسلام والناس تصلّي في الحير ولو أنّه سور دون سقف. لكن في عهد عبد الملك بن مروان وبعد سنة 680؛ سُقف الحير بسقف خشبي على طراز المسجد الأموي في دمشق، ثمّ رُفعت القباب على أضرحة الأنبياء، وصارت الأبنية والأسواق تتّسع حول المسجد. ثمّ أعيد بناء القباب على ضُرُح النبيّ إبراهيم وزوجته سارة في العهد الفاطمي سنة 985. كما أسّسوا دوراً فندقيّة حول المسجد لخدمة الحجيج.
سنة 1099 وبعد استيلاء الفرنسيّين على الخليل حوّلوا مسجدها إلى كنيسة باسم القدّيس أبراهام. ثمّ في سنة 1112 صارت ديراً يدير كلّ كنائس منطقة الخليل على النظم الرهبانية الأوغسطينية Les augustins وصار في المسجد مقرّ منصب رئيس كنيسة القديس أبراهام، ثمّ طرأ على عمارة المسجد تغييرات لتلائم وظيفتها الكنسية سنة 1119، فهُدم الكثير من المسجد وبنيت في مكانه كنيسة على الطراز البازيليكي. ثمّ صار الدير أسقفية سنة 1168.
سنة 1187 عادت الخليل إلى سلطة العرب المسلمين بعد معركة حطّين. فأُعيد تحويل الكنيسة الصليبية إلى مسجد ثمّ رُمّم المبنى سنة 1191 ووُضع فيه منبر عسقلاني ليوائم وظيفته الإسلامية، ثمّ أقام له السلطان المعظّم عيسى بن أحمد ترميماً شاملاً سنة 1215. ثمّ قام الظاهر بيبرس بتجديد القبّة الرئيسة سنة 1268 مع مشروع ترميم جديد. ثمّ أمر السلطان قلاوون سنة 1287 بتغطية المسجد بالرخام مع ترميم جديد.
في العهد العثماني صار للمسجد الإبراهيمي أربع مشاريع ترميم، تميّزت بإضافة التزيينات والزخارف والتجديد دون تغيير ظاهر في عمارته.
سنة 1967 سقطت الخليل تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومنعت آنذاك السلطات العسكرية استعمال المسلمين للمسجد وأغلقته عن الصلاة. ثمّ سنة 1972 قسّمت السلطات الإسرائيلية المسجد ما بين اليهود والمسلمين. واستمرّ توسّع استعمال اليهود للمكان حتّى صار سنة 1994 يشمل 60٪ من المسجد القديم، حيث تمّ تحويل جزءٍ منه إلى كنيس يهودي بشكل رسميّ ولأوّل مرة في تاريخه.
وبغضّ النظر عن المعتقدات الدينيّة وكلّ ما يقال في تاريخ مدينة الخليل، هي مدينة عربية، أسّسها المورو أجداد العرب، الذين هم ذاتهم أجداد الآراميّين، وبقيت مدينة عربيّة ما تغيّر حالها حتّى بعد أن دمّرها الساسان وحتّى بعد حكم الصليبيّين الفرنسيّين لها. فإذا كانت الخليل هي المكان الذي بدأ فيه تاريخ بني إسرائيل كما قال بن غوريون (*)، إذاً هم عرب، بدأ تاريخهم في مدينة عربيّة، والأجدر بهم الحديث والتواصل بالعربيّة، بدل استعمال النسخة المعاصرة المشوّهة من العبرية.
(*) عرفات حجازي. مدينة الخليل وحروب الحاخامات الدينية (الطبعة 1995). دار الصباح. صفحة 26.





اترك رد