تمهيد ومدخل
تشكّل الدعاية السياسية، في سياقات الصراع الجيوسياسي المعاصر، واحدة من أخطر الأسلحة غير التقليدية وأكثرها فتكاً في الحروب الحديثة، وربما تتجاوز في تأثيراتها المدمّرة حدود الحروب العسكرية التقليدية. فالآلة العسكرية قد تدمّر البنى التحتية المادّية وتسقط الجيوش، لكن الدعاية السياسية الممنهجة والعميقة تهدف إلى ما هو أبعد من ذلك؛ تستهدف تدمير البنى المعرفية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، واختطاف الوجدان الشعبي، وإعادة صياغة الهويات الوطنية والقومية لتصبح مجرد أدوات طيعة تخدم مشاريع توسعية خارجية.
تطوّر مشروع الدعاية السياسية للجمهورية “الإسلامية” في إيران منذ عام 1979 من مجرّد خطاب ثوري موجّه للجوار العربي، إلى منظومة متكاملة من «عمليات التأثير الإدراكي» Cognitive Influence Operations. وتوظّف هذه العمليّات ثنائيّات حادّة مثل (المقاومة مقابل التطبيع/المساومة) و (المظلومية مقابل الخيانة)، بهدف تقليب قطاعات واسعة من الرأي العام العربي على دولهم ومؤسّساتهم الوطنية، وشرعنة تدخّلات عسكرية وميلّشياوية عميقة أرجعت أربع عواصم عربية (دمشق، بغداد، صنعاء، بيروت) عقوداً إلى الوراء.
تستند النخبة الحاكمة في طهران إلى آلة إعلامية ونفسية هائلة، مدعومة بميزانيات فلكية، وأجهزة استخباراتية متمرّسة، وشبكة من الوكلاء. وقد تمحور هذا المشروع حول مبدأ «تزييف الوعي»، حيث استُغلّت القضايا المركزية الحسّاسة للوجدان العربي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بصفة «حصان طروادة» لاختراق المجتمعات العربية من الداخل. وبدلاً من توجيه البوصلة نحو صراع حقيقي للتحرير، وُظّفت الشعارات لتأليب الشعوب ضدّ حكوماتها، وتحديداً دول الخليج العربي والمملكة المغربية، عبر سلاح فتّاك وفعّال هو تهمة «التصهين» و «العمالة». وهي نفسها التهم التي يستعملها النظام الإيراني ضدّ معارضيه من الداخل، أيّاً كان سبب المعارضة أو مسند الانتقاد.
تقدّم هذه الدراسة الاستقصائية الشاملة والمحقّقة بدقّة، تفكيكاً كاملاً لسردية الدعاية الإيرانية. تبدأ من الجذور التاريخية والصدمات الجيوسياسية (انقلاب 1953، ثورة 1979، وحرب الثمانينيات)، مروراً بتحوّل العقيدة العسكرية الإيرانية نحو «الحروب غير المتكافئة» و «حرب الزعران»، وصولاً إلى الهندسة المؤسّسية للإعلام الإيراني والفضاء السيبراني. كما تستعرض الدراسة التناقض الصارخ بين ادّعاءات المقاومة والممارسات الميدانية (مثل قمع المعارضة الداخلية، وتدمير مدن السنّة في العراق، والتغيير الديموغرافي في سوريا)، وتفرد مساحة واسعة لتحليل التداعيات المعاصرة المتمثّلة في الحرب الإقليمية المفتوحة (2025-2026)، وتأثيراتها المروّعة على الإدراك الجماهيري العربي، مع تقديم استراتيجيات علمية وعملية لمقاومة هذا الغزو المعرفي واسترجاع الهوية العربية.

الباب الأوّل: البوتقة التاريخية والصدمات الجيوسياسية المكوّنة للعقيدة الإيرانية
لفهم الطبيعة المعقّدة والميكيافيلية للخطاب الدعائي والعسكري الإيراني الموجّه للمنطقة العربية، يجب الغوص في الجذور الأيديولوجية والتاريخية التي شكّلت وعي النخبة الإيرانية، والأحداث المفصلية التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط بما في الشمال العربي، وتحديداً مسار ما قبل وما بعد ثورة 1979 وحرب الخليج الأولى.
الفصل الأول: الجذور الفكرية والنزعة القومية الفارسية الراديكالية
لا تبدأ القصّة مع صعود آية الله الخميني للسلطة عام 1979، بل تمتدّ جذور النظرة الدونية للعرب ومحاولات اختراقهم إلى حركات الشعوبية التي نشطت في العصور الإسلامية المبكّرة. إذ استبطنت هذه الحركات رفضاً عميقاً للسيادة العربية ومحاولة حثيثة ومنظّمة لإحياء الأمجاد الإمبراطورية الفارسية الساسانية البائدة. وتشكّل الوعي القومي الفارسي الراديكالي تاريخيّاً بواسطة آليّة نفسية وسياسية تعتمد على اصطناع «آخر» عدوّ، يُحمّل باستمرار مسؤولية الانكسارات التاريخية لإيران، وقد تم تفصيل هذا العدو بدقة ليكون هو «العربي».
تبرز هذه النزعة بوضوح جليّ في الأدبيّات الكلاسيكية الفارسية، مثل ملحمة {الشاهنامة} للشاعر الفردوسي، التي أسّست لخطاب يحطّ من قدر العربيّ ويصمه بالدونية مقابل السموّ القومي والحضاري الفارسي. وامتدّت هذه السردية التاريخية لتوصيف حقبة الفتح الإسلامي وسقوط الإمبراطورية الساسانية بأنّها حقبة مظلمة سادت فيها الرغبات الشيطانية، وعاثت خراباً في الأرض. وحتى في أدب الرحلات الكلاسيكي مثل {سفر نامة} (القرن الحادي عشر)، ترد مقاطع عنصرية تصف العرب الذين يلتقي بهم الرحّالة في طريق الحجّ بأنّهم لصوص ومجرمون.
ومع تأسيس الدولة الحديثة في إيران في حقبة رضا شاه پهلوي في مطلع القرن العشرين، تمأسست هذه القومية عبر سياسات دولة ممنهجة عملت على تمجيد تاريخ إيران ما قبل الإسلام. وترافق ذلك مع سياسات لغوية صارمة لتنقية اللّغة الفارسية من المفردات العربية واستبدالها بمفردات پهلوية قديمة. وبرغم أنّ الثورة “الإسلامية” عام 1979 جاءت نظريّاً بشعارات أممية إسلامية، إلّا أنّ النظام الجديد أعاد تدوير هذه النزعة القومية الفارسية وغلّفها بغطاء مذهبي (شيعي اثني عشري) ومفهوم سياسي مستحدث هو «ولاية الفقيه». فصار العربي السنّي في ذهن تابع ولاية الفقيه سنّي لأنّه منحط عربي، ومنحط سنّي لأنّه عربي.
واجهت إيران مشكلة ديموگرافية بنيوية تتمثّل في تنوّعها القومي الشديد، حيث يضمّ نسيجها أقلّيّات كبيرة من العرب (في الأهواز وخراسان)، والتركمان، والكرد، والبلوش، فكان لزاماً خلق أيديولوجية مركزية صارمة تتجاوز هذا التعدّد وتصدّر أزماتها للخارج.
الفصل الثاني: ثورة 1979 وتصدير التمرد لاستنفار الجوار
انطلقت شرارة التغيير الجيوسياسي الحديث في عام 1979 إبّان ثورة عارمة اجتاحت الشوارع الإيرانية، حيث خرج ملايين المتظاهرين مطالبين بالإطاحة بالشاه محمد رضا پهلوي الذي حكم البلاد طيلة 26 عاماً متتالية. وتبلور الهدف الأساسي في تنصيب آية الله خميني زعيماً للبلاد. وقد رأى الشعب الإيراني الشاه خادماً مطيعاً للولايات المتّحدة والقوى الغربية، في ارتداد تاريخي لعام 1953 عندما دبّرت الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة انقلاباً أسقط رئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيّاً (محمد مصدّق) ونصّبت الشاه.
في 11 شباط/فبراير 1979، سقط الشاه، وتشكّل نظام جديد أظهر عداءً صريحاً ومباشراً لجميع القوى الغربية والإسلامية على السواء. فراقبت الولايات المتّحدة هذا التحوّل بصدمة بالغة، إذ تحوّل حليفها الأقدم في الشرق الأوسط إلى عدو لدود. ولم تقتصر الصدمة على واشنطن؛ ففور استيلائه على السلطة، بدأ النظام الإيراني الجديد ببثّ رسائل إذاعية موجّهة إلى الدول العربية المجاورة (المملكة العربية السعودية، الكويت، العراق، لبنان) تدعو الشعوب العربية صراحةً إلى الانتفاض وإشعال ثورات مماثلة والإطاحة بأنظمتها.
أثارت هذه التحرّكات غضب وقلق الدول العربية. وسيطر الخوف على القيادة في السعودية من وصول عدوى الثورة إلى أراضيها، وفي العراق، تملّك التوتّر الرئيس العراقي صدام حسين من إمكانية إلهام الثورة الإيرانية للأغلبية الشيعية في العراق للتمرّد عليه وإسقاط حكمه، مما مهّد لعداء بنيوي بين النظام الإيراني الجديد وجواره العربي السنّي الذي رأى فيه امتداداً لتهديد وجودي.
الفصل الثالث: حرب 1980 المدمّرة … الاستنزاف الإستراتيجي وهندسة التدخّلات الأجنبية
لم يقتصر نظر صدام حسين على المخاطر فحسب، بل رأى فرصة سانحة. إذ تخاصم العراق وإيران سنوات حول منطقة حدودية متنازع عليها، وهي ممرّ {شطّ العرب} (أو أروند رود). في عام 1975، أُبرمت «اتّفاقية الجزائر» التي أجبرت العراق على تسليم السيطرة على نصف شط العرب لإيران مقابل إيقاف دعم الشاه للتمرّد الكردي في شمال العراق. ولم يرضَ صدام يوماً عن هذه المعاهدة.
مع اهتزاز أركان الدولة الإيرانية إثر الثورة، وضعف الجيش الإيراني (الذي سُجن أو أُعدم معظم قادته وانشغل بقتال أنصار الشاه)، أيقن صدّام أنّ الوقت ملائم لمهاجمة إيران واستعادة المناطق الغنية بالنفط، مؤمناً بأنّ هجومه سيجلب دعم العالم العربي بأسره ليبرز زعيماً أوحد للأمّة العربية.
في 22 كانون الأول/ديسمبر 1980، بدأ الهجوم المباغت بجيش قوامه 10,000 جندي عراقي عبروا مدينة البصرة ودخلوا جنوب إيران، تزامناً مع قصف القوّات الجوية العراقية لقواعد الطيران الإيرانية. فردّت إيران، التي لا تزال تمتلك طائرات مقاتلة أمريكية متطوّرة، بقصف حقول النفط العراقية. لتندلع حرب دامت ثماني سنوات، حصدت أرواح نحو مليون شخص، وأعادت رسم خريطة الشرق الأوسط لأربعين سنة تالية.

لعبة الأمم والأرقام الدقيقة للتمويل والتسليح
شهدت هذه الحرب تدخّلات أجنبية معقّدة ولعبة مزدوجة مارستها القوى العظمى. إذ بلغ إجمالي المساعدات العسكرية الأجنبية للبلدين خلال الصراع قرابة 104 مليارات دولار.
- حصّة العراق (77% من الدعم الدولي – حوالي 80 مليار دولار):
- الاتّحاد السوڤييتي: تصدّر قائمة الداعمين، حيث أمدّ بغداد بأسلحة تراوحت قيمتها بين 30 و 40 مليار دولار، ليغطّي وحده قرابة 50% من إجمالي الإنفاق العسكري العراقي. والمفارقة أنّ السوڤييت دعموا العراق برغم خوضهم حرباً في أفغانستان، حيث شكّلت الثورة الشيعية في إيران (وتحالف الخميني السرّي مع طالبان) تهديداً محتملاً لهم.
- فرنسا: المرتبة الثانية بمساهمة عسكرية قاربت 17 مليار دولار (21% من الدعم).
- دول أخرى: الصين (نحو 6 مليارات دولار)، إيطاليا (نحو 4 مليارات)، مصر (نحو 3 مليارات)، بالإضافة إلى مساهمات من البرازيل ويوغوسلافيا.
- التمويل الخليجي: حظي العراق بدعم مالي هائل بلغ نحو 110 مليارات دولار لتغطية تكاليف الحرب. وتصدرت السعودية هذا التمويل بتقديم نحو 31 مليار دولار، تلتها الكويت بنحو 8 إلى 10 مليارات دولار، والإمارات العربية المتّحدة بنحو 8 مليارات دولار. وكان دافع الخليج سحق النظام الشيعي الإيراني بأيّ ثمن.
- حصّة إيران (23% من الدعم الدولي – حوالي 24 مليار دولار):
- الصين وكوريا الشمالية: تصدّرتا قائمة مورّدي الأسلحة بقيمة 3 مليارات دولار لكلّ منهما (ساهمتا معاً بنحو 25% من الدعم العسكري الأجنبي لطهران). الصين تحديداً أدّت دوراً مزدوجاً بتمويل الطرفين برغم إعلانها الحياد.
- الكتلة الشرقية: مجتمعة مثّلت إمداداتها نحو 10% فقط من المساعدات الأجنبية.
- إسرائيل: كانت أوّل المتدخّلين إيماناً بمبدأ “عدو عدوّي صديقي” ورغبة في استنزاف الطرفين، مع رؤية العراق تهديد أكبر. شكّلت مساهمة إسرائيل قرابة 6% من إجمالي التسليح (قطع غيار طائرات وأسلحة خفيفة).
- سوريا: قاربت مساهمتها العسكرية المباشرة نحو 3% من إجمالي التسليح الإيراني، لكن دعم نظام الأسد الأكبر كان إستراتيجيّاً واقتصاديّاً عبر إغلاق خط أنابيب النفط العراقي.
المفارقة الأمريكية المزدوجة (فضيحة إيران-كونترا)
في حين قُدّرت المساعدات العسكرية المباشرة للعراق بنحو 250 مليون دولار (تشكل 0.3%، مع تجاهل الدعم الاستخباراتي واللّوجستي الضخم لتفادي سقوط البصرة)، بلغت قيمة الدعم العسكري الأمريكي المباشر لإيران نحو 650 مليون دولار (نحو 2.7%) عبر صفقات سرّية. إذ زوّدت واشنطن، تحت إدارة رونالد ريگان، العراق بالأسلحة الكيميائية، وأمدّت إيران بالصواريخ في الوقت نفسه، مستخدمة أموال إيران لتمويل مهمّة سرّية في أمريكا الوسطى (فضيحة إيران-كونترا).
الفصل الرابع: حرب الناقلات، التمرّد الكردي، والمجازر الكيميائية
مرّت الحرب بمراحل من الجمود الاستنزافي. وافق صدام على وقف إطلاق النار مبكراً، لكنّ الخميني رفض رفضاً قاطعاً، مشترطاً استقالة صدام، لأنّ الحرب أصبحت ضرورة لتوحيد الداخل الإيراني خلف قيادته. وبحلول منتصف 1982، وصل الإيرانيّون إلى البصرة، ممّا هدّد بقطع نفط العراق، فتدخّلت أمريكا استخباراتيّاً.
ظهر لاعب جديد: الأكراد العراقيون في الشمال.
تاريخيّاً، وقّعت الحكومة العراقية اتّفاقية الحكم الذاتي مع الأكراد عام 1970 (بيان 11 آذار\مارس)، لكنّها انهارت حول النزاع على كركوك. وبعد مواجهات 1974 واتّفاقية الجزائر 1975، طبّقت الحكومة سياسة “التعريب” القسري. وفي خضمّ حرب الثمانينيّات، تحالف الأكراد مع إيران، ليجد جيش صدام نفسه يقاتل على جبهتين. ومن الجدير بالذكر أنّ الأكراد لم يقدّموا تمويلاً أو تسليحاً أجنبيّاً، بل وفّروا العنصر البشري وجبهة استنزاف داخلية.
حرب الناقلات 1984
بدأ العراق بمهاجمة ناقلات النفط الإيرانية في الخليج العربي، وردّت إيران بالمثل. فدُمّرت مئات السفن التجارية وضاعت مليارات الدولارات من النفط، ممّا دفع أمريكا لنشر أسطولها البحري بضغط كويتي.
التصعيد الكيميائي وحلبجة
مع اكتساب الانتفاضة القومية الكردية زخماً في 1985، استخدم صدّام الأسلحة الكيميائية (التي ورّدت أمريكا موادها) ضدّ الأكراد والجيش الإيراني. وأسفرت هجمات حرب المدن عن مقتل أكثر من 16,000 مدني. وفي عام 1988، عندما سيطرت القوّات الإيرانية والمقاتلون الأكراد على مدينة حلبجة العراقية، شنّ الجيش العراقي حملة قصف كيميائي عشوائي أدّت إلى مجزرة راح ضحيّتها ما بين 50,000 إلى 100,000 شخص (90% منهم مدنيّون).
نشرت هذه الهجمات رعباً في إيران من قصف كيميائي للمدن الإيرانية. وزاد الطين بلّة إسقاط سفينة حربية أمريكية USS Vincennes CG-49 في تمّوز/يوليو 1988 لطائرة ركاب إيرانية مدنية تقلّ 290 راكباً بصاروخ. وبرغم اعتذار أمريكا، إلّا أنّ منح قبطان السفينة لاحقاً وساماً ولّد قناعة إيرانية بتعمّد الهجوم. وتحت وطأة تدمير الاقتصاد ومقتل مليون شخص ومخاوف الاستهداف الأمريكي المباشر، وافق الخميني على وقف إطلاق النار في 20 آب/أغسطس 1988، دون تغيير في الحدود الجغرافية.

الباب الثاني: التحوّل الإستراتيجي… من المواجهة النظامية إلى “حرب الزعران” والوكلاء
خرجت إيران من حرب الثمانينيّات بدرسين جيوسياسيّين قاطعين: الأوّل، أنّ الدول العربية الداعمة للعراق هي التهديد الأكبر (انطلاق الحرب الباردة مع السعودية). والثاني، وهو الأهم، استحالة مواجهة قوى عظمى كالولايات المتحدة أو إسرائيل في حرب نظامية تقليدية تعجّ بالدبّابات والطائرات.
الفصل الأوّل: عقيدة حرب الزعران والهندسة الميدانية
لفهم النهج العسكري الإيراني المعاصر، يلزم الرجوع إلى ثمانينيات القرن المنصرم، وتحديداً خلال الحرب الإيرانية العراقية التي استعرت طوال ثماني سنوات قاسية بين عامي 1980 و1988. إذ أودى ذلك النزاع بحياة مئات الآلاف وخلّف دماراً شاملاً، لتستوعب إيران إبّانه درساً بليغاً ومفصليّاً مفاده تغيّر طبيعة المعارك الحديثة؛ فالدول المالكة للتقنيات المتطوّرة، والقوّات الجوية الضاربة، والحلفاء الأقوياء، تحظى بغلبة كاسحة.
قبل أربعين عاماً، أيقنت إيران عجزها التام عن قهر قوّة عظمى كالولايات المتّحدة في ساحات الوغى المعتادة وقتال نظامي تعجّ فيه الدبّابات والطائرات والجيوش الجرّارة. وبناءً على ذلك، نحا المخطّطون العسكريّون الإيرانيّون منحى مغايراً، فيمّموا شطر ضرب آخر من القتال يُعرف مجازاً بـ “حرب الزعران” أو {الحروب غير المتكافئة} Asymmetric Warfare. وعوض التجهيز لكسر شوكة الأعداء الأقوى في نزال مباشر، صُمّمت خطّة استراتيجية تجعل أيّ حرب باهظة التكاليف على الخصم، وذلك عبر مقارعة عدوّ أعتى بتجنّب مواطن قوّته ومباغتة نقاط ضعفه.
لا تروم خطّة إيران إلحاق الهزيمة العسكرية المباشرة بالولايات المتّحدة بالمعنى التقليدي، بل تنصب مساعيها على جعل استمرار النزاع عسيراً، وشديد التعقيد، ومستعصي التوقع، ومكلفاً للغاية على الصعيدين السياسي والاقتصادي. والهدف النهائي هو أن تخسر أمريكا سياسيّاً في نهاية المطاف، لتخرج إيران بعد ذلك متبجّحة بهزيمة الولايات المتّحدة، مدّعية النصر لمجرّد أنّها “بقيت موجودة” ولم تسقط.
أدوات العقيدة الميدانية والتكتيكية
لتحقيق هذه العقيدة، طوّرت إيران أدوات ميدانية تعتمد على مبدأ {الضغط غير المتكافئ} Asymmetric Pressure وضرب «الحائط القصير» بدلاً من الانتحار العسكري أمام القوّة الأمريكية، وتتفرّع هذه الأدوات إلى الاستراتيجيات التالية:
1. الصواريخ والمسيّرات بدل الطائرات الحديثة:
بدل إنفاق أموال طائلة على الطائرات المقاتلة الحديثة لمجاراة حاملات الطائرات والقاذفات الأمريكية الخفيّة، وجّهت إيران اهتمامها شطر أسلحة وتكتيكات أيسر كلفة وأكثر مرونة يعسر التصدّي لها. وطوّرت طهران ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والمسيّرات بعيدة المدى (وهي آليّات هجومية زهيدة التكلفة) قادرة على دكّ أهداف في كافة أرجاء المنطقة. وتُستثمر هذه الأسلحة لإرباك أنظمة الدفاع الجوّي عند إطلاقها بأسراب كثيفة، حيث تتجاوز تكلفة التصدّي لها بواسطة صواريخ اعتراضية غربية قيمة المسيّرة نفسها بأشواط، لتستنزف إيران بذلك خزائن بلدان الخليج الغنيّة استنزافاً حسابيّاً واقتصاديّاً.
تجلّت هذه الاستراتيجية بأبشع صورها إبّان الحرب المفتوحة التي اندلعت في 28 شباط\فبراير 2026. فعندما استُهدفت النخبة الحاكمة في إيران، تجاهلت الصواريخ الإيرانية القطع البحرية الأمريكية والقواعد العسكرية المحصّنة التي تجوب مياه الخليج العربي، وانحرفت بوصلتها الانتقامية لتمطر المدن العربية الآمنة والأحياء السكنية. واستهدفت أسراب المسيّرات والصواريخ الباليستية مصافي وشركات البتروكيماويات في منطقة الرويس جنوب غرب أبوظبي في الإمارات ممّا أدّى لاشتعال حرائق ضخمة، كما استهدفت مطارات حيوية متسبّبة في إلغاء رحلات الطيران في دبي. وسُجلت انفجارات فوق الدوحة والمنامة، وجرى استهداف السفارة الأمريكية في الرياض ومنشآت حيوية في السعودية، فضلاً عن دول أخرى شملت الكويت وقطر والبحرين.
2. حرب البحار والمضايق والاختناق الاقتصادي
تؤثّر الجغرافيا بقوّة في مساعي إيران؛ إذ تقع بمحاذاة مضيق هرمز، وهو أحد أهمّ الممرّات المائية وأضيقها، يربط الخليج العربي بالمحيط العالمي ويعبره نحو 20% من نفط العالم يومياً. تُظهر الخطّة البحرية الإيرانية نهجها غير المتكافئ؛ فعوض بناء أسطول بحري ضخم يضاهي أسطول الولايات المتّحدة، تعوّل إيران على قوارب أصغر حجماً، وأسرع حركة، ومزوّدة بالصواريخ والطوربيدات. تمخر هذه القوارب عباب البحر بأعداد كبيرة وسرعة فائقة، خالقة مآزق تكتيكية للسفن الأضخم العاملة في المياه الضيقة للخليج العربي.
واستخدمت إيران هذه الورقة فعليّاً في تصعيد عام 2026، حيث أغلقت مضيق هرمز الاستراتيجي واستهدفت سفناً تجارية قبالة العاصمة العمانية مسقط، لتشهد أسواق الطاقة تداعيات إغلاق نقطة الاختناق هذه، مسبّبة أزمات اقتصادية عالمية وارتفاعاً لأسعار النفط فوق 80 دولاراً للبرميل. وقد برّر المتّحدث باسم الحرس الثوري، علي محمد نائيني، هذا الإغلاق بحجة تطبيق حصار اقتصادي ولن يُسمح بتصدير لتر واحد من النفط للغرب.
3. اللّامركزية الهيكلية للحرس الثوري وحرب الوكلاء
صُمم الهيكل العسكري الإيراني ليواصل عمله بكفاءة حتى تحت وطأة الضغط الشديد والضربات الجراحية. إذ نظّم حرس الثورة “الإسلامية” والقوّات التابعة له بطرق تتيح للوحدات المختلفة العمل باستقلالية لا مركزية عند الحاجة. وتضمن هذه اللّامركزية تواصل عمل الشبكة الأوسع حتى لو استُهدف بعض القادة أو القواعد؛ وهو ما يُفسّر كيف أنّ اغتيال المرشد الأعلى آية الله خامنئي ووزير الدفاع وغيره من كبار القادة (إبّان هجمات 2026) لم يؤثّر إلّا تأثيراً طفيفاً على عمليّات الانتقام الإيرانية المستمرّة.
يمثّل الإرهابيّون وحلفاء إيران في جزيرة العرب وفي المشرق ركيزة أساسية أخرى للنهج ذاته. فعلى مر العقود الماضية، وطّدت إيران علاقاتها بجماعات مسلّحة تعمل أذرع لها في دول عدة، منها لبنان والعراق وسوريا واليمن. وتمنح هذه الجماعات طهران نفوذاً يمتدّ بعيداً عن حدودها، وتجعل الخناق يشتدّ في أماكن متعدّدة في آن واحد، محوّلة الصراع من ساحة وغى واحدة إلى ساحات شتى. وقد برّر رئيس البرلمان الإيراني، {محمّد باقر قليباف}، هذه العمليّات الإرهابية ضدّ الجوار العربي بتطبيق قاعدة العين بالعين، محذّراً بوقاحة من أنّه إذا تعرّضت بنى إيران للضرب فإنّها ستضرب البنى التحتية لمن تعدّهم شركاء لخصومها.
4. الحرب النفسية وشقّ التماسك المجتمعي العربي
يؤكّد التجاهل المريب للبحرية الأمريكية المحصّنة، مقابل استباحة المدن العربية الآمنة، زيف ادّعاءات المقاومة، ويفضح اللّثام عن محارب يهادن الكبار ويستقوي على الجيران. ولا يمثّل استهداف دول الخليج بذريعة وجود القواعد الأمريكية إلا غطاءً لحرب نفسية ممنهجة؛ فغايتها العميقة هي إغضاب الشعوب، واستفزازها، لزعزعة الاستقرار الداخلي، وتهشيم التماسك المجتمعي. والأخطر في هذا المخطّط هو قصف المدنيّين لترويج فكرة خبيثة مفادها «حكّامكم هم السبب لاستقبالهم القواعد الأمريكية»، بهدف إحداث شرخ عميق بين الشعوب وقيادتها، وتحريض الشارع المذعور لقلب الطاولة من الداخل لتمرير مشاريع التوسّع الإيراني التي ترى في دمار الجار نصراً مؤزّراً.
الفصل الثاني: هندسة “محور المقاومة” أذرع إقليمية
بناءً على تكتيك الحروب بالوكالة، طوّرت إيران شبكة من الوكلاء في جزيرة العرب. فوطّدت علاقاتها بجماعات مسلّحة وأحزاب عقائدية في لبنان (حزب الله)، والعراق (ميلّشيات الحشد)، وسوريا (الدّفاع الوطنيّ (البسيج السوريّة)، قوّات الإمام الرّضا، الغالبون)، واليمن (الحوثيّون). وتتصرّف هذه الجماعات أذرع لإيران، تمنحها نفوذاً يمتدّ بعيداً عن حدودها، وتخلق ساحات شتّى للقتال تشتّت انتباه وقدرات الخصوم.
التحالف السوري-الإيراني
من الضروري الإشارة إلى أنّ صعود نظام حافظ الأسد في سوريا 1970 وتزامنه مع الثورة الإيرانية 1979 لم يكن مؤامرة مسبقة، بل التقاء إستراتيجي لحدثين منفصلين. إذ واجهت سوريا عزلة إقليمية شديدة بعد اتفاقية كامپ ديفيد، وبحثت عن حليف قويّ يوازن القوّة الإسرائيلية ويطوّق الخصم العراقي (صدام حسين). وبالمقابل، احتاجت طهران، المعزولة والمنبوذة خليجيّاً، إلى بوابة عربية تكسر حصارها. فبُني هذا التحالف على قاعدة الپراگماتية والمصالح المشتركة، لا على تطابق أيديولوجي متجانس (حزب البعث السوري ذو توجه علماني قومي؛ برغم السيطرة العلوية، مقابل مشروع إيراني ديني طائفي). ونجح الطرفان في تجاوز التناقضات، ليتحوّل هذا التقارب التاريخي لاحقاً (خاصّة بعد 2011) إلى هيمنة إيرانية شبه مطلقة على القرار السوري وتغيير ديموغرافي ممنهج.

الباب الثالث: الهندسة المؤسّسية للتضليل وعمليّات التأثير الإدراكي
التفوق الإيراني في تفكيك المشرق العربي لا يعتمد فقط على الميلّشيات والصواريخ، بل على {آلة العمليات الإدراكية} Cognitive Influence Operations. وتفرّق الأدبيّات الحديثة بين الدعاية التقليدية (بث رسائل أحادية) وبين عمليات التأثير الإدراكي التي تدمج الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والرموز الدينية والقومية في عملية مستمرّة لإعادة تشكيل تصوّرات الجمهور عن العدو والصديق.
الفصل الأوّل: الهيكلية المؤسّسية للتضليل – اتّحاد IRTVU مَكِنَة لغسيل الأدمغة
يُعدّ {اتّحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية} IRTVU المظلّة التنظيمية الأكبر والأخطر التي تدير من طريقها النخبة الحاكمة في طهران حربها الناعمة والدعائية وعمليّات التأثير الإدراكي في العالم العربي والشرق الأوسط كليّاً. تأسّس هذا الاتّحاد رسميّاً في عام 2007 جهة تابعة من الناحية الشكلية والإدارية لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في إيران، لكنّه في الممارسة العملية وعلى أرض الواقع، يُدار ويوجّه بالكامل من قبل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، حيث كانت هندسة نفوذه الإقليمي من صميم عمل قاسم سليماني وخلفائه.
وقد أدركت الولايات المتّحدة والمجتمع الدولي خطورة هذا الكيان الاستراتيجي، ممّا دفع وزارة الخزانة الأمريكية إلى تصنيفه رسميّاً في تشرين الأول/أكتوبر 2020 ذراع دعائي تابع لفيلق القدس، وإدراجه ضمن قوائم الإرهاب، مع حظر أصوله والمواقع الإلكترونية المرتبطة به.
القدرات التشغيلية، الميزانيات، ونطاق التأثير
لا يقتصر دور هذا الاتّحاد على التنسيق الروتيني البسيط بين القنوات، بل يوفّر دعماً استراتيجيّاً شاملاً ومعقّداً للشبكات الإعلامية التابعة للميلّشيات الموالية لإيران، أو ما يُعرف اصطلاحاً في أدبيّاتهم بـ “محور المقاومة”. ويشمل هذا الدعم المحاور التالية:
- توفير التمويل المالي الضخم لضمان استمرارية البث والإنتاج.
- نقل التكنولوجيا المتقدّمة للبثّ والإنتاج الإعلامي والرقمي.
- تدريب الكوادر الإعلامية والصحفية والفنّية التابعة للميلّشيات.
- صياغة استراتيجية ورسالة إعلامية موحّدة وصارمة تلتزم بها كافة القنوات لضمان تجانس الرسائل الدعائية وتوجيهها في وقت واحد نحو أهداف جيوسياسية محدّدة تخدم الرؤية الإيرانية.
يتمتّع الاتّحاد بهيكلية ضخمة عابرة للحدود؛ إذ يضمّ تحت مظلّته التنظيمية ما يزيد عن 100 قناة تلفزيونية فضائية، وأكثر من 30 محطة إذاعية، وعشرات المواقع الإلكترونية والوكالات الإخبارية. ولضمان أقصى درجات الاختراق الثقافي، تبثّ هذه المنظومة محتواها بلغات متعدّدة تشمل: العربية، الفارسية، الإنگليزية، الفرنسية، الأذرية، بالإضافة إلى اللّغات الإفريقية واللّغات الأفغانية. ويستهدف هذا المحتوى بشكل رئيس الجمهور العربي والتشكيلات المجتمعية الشيعية حول العالم.
ولإدراك حجم الاستثمار الإيراني في هذه القوّة الناعمة بديل عن التفوق العسكري التقليدي، تتراوح ميزانية الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الإيرانية –التي ترعى جزءاً كبيراً من هذه الأنشطة– بنحو نصف مليار دولار سنوياً.
خريطة الأذرع الإعلامية وارتباطاتها الميلّشياوية الميدانية
تلتزم الكتل الإعلامية العاملة تحت هذه المظلّة بصياغة سردية تهاجم وتخوّن الدول العربية المعتدلة، وتسعى لتأطير أي تقارب عربي على أنّه خيانة للعقيدة، مع تغليف التدخل الإيراني التخريبي بإطار المقاومة والتحرير. واستخدم الخطاب الإيرانيّ الرّسميّ خلال كل حروبه في البلدان العربية مصطلحات محدّدةً لوصف المعارضين والمقاتلين، مروّجاً لسرديّة محاربة “الإرهاب التّكفيريّ” والدّفاع عن المقامات الدّينيّة، دون إصدار فتاوى علنيّةً تصرّح بتكفير شعب عربيّ أو عموم أهل السّنّة. ويرى الكثيرون ذلك تغطيةً سياسيّةً للتّدخّل العسكريّ، مؤكّدين تطابق مصطلح “التّكفيريّين” في القاموس الإيرانيّ مع كلّ من يعارض سياسات طهران، ليصبح مبرّراً لاستهداف الخصوم السّياسيّين والمجتمعات الرّافضة للنّفوذ الإيرانيّ.
توجّه الحركات والأحزاب الموالية لإيران انتقادات حادّةً للحكّام في دول الخليج العربي، متّهمةً إيّاهم بالتّبعيّة والتّطبيع والعمالة، وهو خطاب سياسيّ بامتياز يتلبّس أحياناً بلبوس دينيّ لجذب الأتباع وتبرير العداء. وتتجلّى النّزعات الطّائفيّة بوضوح في الممارسات اليوميّة وخطابات التّعبئة الدّنيا، مخلّفةً شرخاً مجتمعيّاً عميقاً، بغضّ النّظر عن النّصوص الإيرانية الرّسميّة الّتي تواصل التّأكيد صراحةً على الوحدة الإسلاميّة تجنّباً لتبعات التّصريح بالتّكفير الشّامل.
ولفهم الهيكلية التشغيلية المعقّدة لهذه المنظومة في الساحة العربية، يمكن استعراض أبرز القنوات والجهات الميلّشياوية المرتبطة بها:
| اسم القناة / الشبكة الفضائية | الانتماء الميلّشياوي / الإشراف المباشر | مقر العمليات الرئيسي | طبيعة التوجه والرسالة الدعائية |
|---|---|---|---|
| قناة الميادين | مُمولة وتعد المنبر الإخباري الرئيس والأكثر احترافية لـ”محور المقاومة”. | لبنان (تبث وتوجه رسالتها للعالم العربي بأسره). | تلميع صورة المحور سياسياً وثقافياً، وشيطنة الدول العربية المعتدلة، وتغليف التدخل الإيراني بإطار المقاومة والتحرير. |
| قناة المنار | الجناح الإعلامي المباشر والرسمي لحزب الله اللبناني. | لبنان. | التعبئة المذهبية العميقة، والدعاية العسكرية والنفسية للحزب، والاستهداف المباشر لشرعية حكومات دول الخليج. |
| قناة العهد Al-Ahd | تابعة لميلّشيا “عصائب أهل الحق” التي يتزعمها قيس الخزعلي. | العراق. | شيطنة الخصوم السياسيين للميلّشيات، والترويج لنموذج “ولاية الفقيه”، وتبرير الهيمنة المسلحة على موارد الدولة. |
| قناة الغدير Al-Ghadeer | تابعة لـ”منظمة بدر”، وهي أقدم الفصائل الولائية بقيادة هادي العامري. | العراق. | السعي للهيمنة الثقافية المذهبية، وتبرير الوجود والنفوذ الإيراني المطلق في مؤسسات الدولة العراقية. |
| قناة النجباء Al-Nujaba | تابعة لـ”حركة النجباء”، وهي ميلّشيا ولائية شاركت بقوة في تدمير سوريا. | العراق / سوريا. | الدعاية المباشرة والصريحة للحرس الثوري، وتغطية العمليات العسكرية الإقليمية، والترويج المباشر لعمليات التغيير الديموغرافي. |
| قناة الاتجاه Al-Etejah | تابعة لـ”كتائب حزب الله” (العراق). | العراق. | بث خطاب التحريض الصريح والكراهية ضد الدول العربية المجاورة، وتبرير الاعتداءات، والتحريض الممنهج على تقويض مؤسسات الدولة الأمنية. |
| آي نيوز iNEWS | تابعة لـ”كتائب سيد الشهداء”. | العراق. | نشر الأخبار المضللة والشائعات، واستهداف التواجد الدبلوماسي الأجنبي والمناوئين للمشروع الإيراني وتخوينهم المستمر. |
إلى جانب هذه القنوات، تشارك قنوات أخرى مدعومة مثل {العالم} في قلب المسؤولية عن الدمار في سوريا واليمن والعراق وتحميلها لـ “التآمر الخليجي الصهيوني”، مع تبرئة التدخّل الإيراني ووصفه بـ “دعم المقاومة”.
اختراق مؤسّسات الدولة الرسمية والتغطية اللّوجستية
تؤدّي الفروع المحلّية لهذا الاتّحاد أدواراً شديدة الْخَطَر تتجاوز العمل الإعلامي المحض لتصل إلى العمل الأمني والسياسي المباشر، وتخريب بنية الدولة الوطنية من الداخل.
الساحة العراقية وتأميم الفضاء الرقمي
بعد سقوط نظام صدّام حسين، وفّرت البيئة السياسية المضّطربة أرضاً خصبة لإيران لتأسيس هيمنة إعلامية غير مسبوقة. يترأّس فرع الاتّحاد في العراق (اتّحاد الإذاعات والتلفزيونات العراقية) شخصيّات ذات ارتباط وثيق بمكتب المرشد الأعلى الإيراني وفيلق القدس، وعلى رأسهم رجل الدين العراقي حميد الحسيني، الذي اعترف في مناسبات عدّة بعمله المباشر تحت إمرة قاسم سليماني، والصادرة بحقّه مذكّرات توقيف بتهم الإرهاب في مدينة النجف، والتي لم تنفّذها السلطات العراقية نتيجة النفوذ الميلّشياوي القاهر.
أكثر من ذلك، عملت هذه الميلّشيات على اختراق مؤسّسات الدولة العراقية الرسمية لتمويل وتأمين غطاء قانوني وشرعي لهذه القنوات الدعائية. تجلّى ذلك في تعيين شخصيّات قيادية من هذه الميلّشيات في مناصب سيادية، مثل تعيين محمّد الحمد (المدير السابق لقناة آفاق ونائب رئيس اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العراقية التابع لـ IRTVU) في هيئة الإعلام والاتصالات العراقية CMC، وهي الهيئة الرسمية المنظّمة للإعلام في البلاد.
مكّن هذا الاختراق الميلّشيات من السيطرة التامّة على الفضاء الرقمي، والإعلامي، والاقتصاد الرقمي العراقي بِرُمَّته. ولم تكتف هذه المنظومة بنشر الأخبار المضلّلة، بل شرعنت انتهاكات حقوق الإنسان وعمليّات القمع البشعة التي مارستها الميلّشيات الولائية ضدّ المحتجّين السلميّين في العراق ولبنان، مستخدمة قنواتها لاتّهام هؤلاء المحتجّين المطالبين بحقوقهم بالعمالة لدول أجنبية.
الساحة السورية والممرّ اللّوجستي المفتوح
في سوريا، وجد التّوجّه الإيرانيّ حليفاً استراتيجيّاً قديماً وداعماً أساسيّاً في حزب البعث السّوريّ. إذ وفّر نظام الأسد سنوات طويلة، قبل اندلاع الثّورة السّوريّة عام 2011 وبعدها، الغطاء اللّوجستيّ والسّياسيّ والممرّات الآمنة للآلة العسكريّة والإعلاميّة الإيرانيّة المتّجهة إلى حلفائها في لبنان. وسمح بتحويل أراضيه إلى نقطة عبور رئيسيّة للأسلحة والدّعاية المسمومة، وأصبح شريكاً فاعلاً في هندسة ما سمّي “محور المقاومة”، والّذي اتّضح لاحقاً، استناداً إلى الممارسات الميدانيّة، كونه محوراً صمّم للحفاظ على كراسي السّلطة وتدمير البنى التّحتيّة العربيّة.
ولم يقتصر التّحالف على الشّقّين العسكريّ والسّياسيّ، بل تجاوزهما ليسخّر الآلة الإعلاميّة السّوريّة بقسميها الرّسميّ والخاصّ لتمرير المصطلحات الإيرانيّة وتكريسها في الوعي الجمعيّ العربيّ. وصدّرت هذه المنابر مصطلحات طهران لتصنيف الدّول وفقاً لولائها لهذا المحور. وركّزت المَكِنَة الإعلاميّة هجومها باستعمال نعوت جاهزة مثل “قوى الاستكبار العالميّ”، وألحقتها بأوصاف موجّهة خصّيصاً للأنظمة العربيّة المعارضة للتّمدّد الإيرانيّ، مثل “عرب الرّجعيّة” و “المتصهينين العرب”. وأغرقت الشّاشات والصّحف السّوريّة (والعربيّة المموّلة بعثيّاً) بمفردات من قبيل “شيوخ النّفط” و”محور التّبعيّة”، لتصوير دول الخليج العربيّ والمغرب العربيّ أتباعاً ينفّذون أجندات غربيّة لتصفية القضيّة الفلسطينيّة. وامتدّت هذه القاموسيّة المسمومة لتشمل عبارات مثل “أدوات المشروع الصّهيوأمريكيّ” و “أنظمة العمالة”، جاعلة أيّ اختلاف سياسيّ خيانة تستوجب الإقصاء والتّخوين.
ونتج عن الضّخّ الإعلاميّ الممنهج يوميّاً اعتياد شريحة واسعة من الجمهور العربيّ سماع هذه الاتّهامات وتصديقها، لتتوسّع الفجوة بين أبناء اللّغة الواحدة. ونشأ حقد دفين تجاه شعوب البلدان المستهدفة، وترسّخت عداوة مفتعلة بنيت أساساً لخدمة أجندات توسّعيّة بغضّ النّظر عن التّحالف الإماراتيّ الإسرائيليّ، متّخذة شعار تحرير فلسطين ستاراً لتبرير تخوين الآخرين وبثّ الفرقة بينهم. وصل إلى درجة تهليل بعض العرب لقصف إيران مدن الخليج العرب في حرب 2026.
الفصل الثاني: العمليات السيبرانية، دعاية وام، وحملات التأثير الرقمي المضلّلة Cyber-Enabled Influence Operations
إلى جانب الهيمنة الميلّشياوية على قطاع الإعلام الفضائي التقليدي، لم تقف النخبة الحاكمة في إيران عند حدود البثّ التلفزيوني والإذاعي، بل استثمرت بكثافة هائلة، وبميزانيّات استخباراتية مفتوحة، في حروب الجيل الخامس، والهجمات السيبرانية، وعمليات التأثير الرقمي الإدراكية الهادفة إلى توجيه واختطاف الرأي العام العربي والغربي على حدّ سواء، باستعمال منصّات وام (وسائل الإعلام المجتمعي).
كشفت تقارير الشفافية المعمّقة والدورية الصادرة عن كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، مثل مؤسّسة ميتا Meta المالكة لمنصّتي فيسبوك Facebook وإنستگرام Instagram، وشركة مايكروسوفت Microsoft، ومنصّة إكس X (تويتر سابقاً)، عن رصد وتفكيك شبكات إيرانية رقمية ضخمة تمارس ما يُعرف تقنياً بـ {السلوك الزائف المنسق} Coordinated Inauthentic Behavior.
1. تكتيكات التخفّي وانتحال الهويّات Impersonation Tactics
تعتمد هذه الشبكات السيبرانية الإيرانية على تكتيكات متطوّرة ومدروسة بعناية فائقة لاختراق المجتمعات المستهدفة. ومن أبرز هذه التكتيكات: التخفّي الممنهج، وانتحال هويّات سياسية واجتماعية محلّية لتمرير الرسائل المسمومة. حيث تقوم الحسابات التي تُدار مباشرة من غرف العمليّات في طهران بانتحال صفة مواطنين خليجيّين، أو ناشطين سياسيّين واجتماعيّين عرب، بل وتتعدّى ذلك لتنتحل صفة شخصيّات ليبرالية أمريكية وبريطانية.
تقوم هذه الحسابات الوهمية ببثّ رسائل مكثّفة ومنسّقة تهاجم وتنتقد بشدّة المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتّحدة، والمملكة المغربية، والولايات المتّحدة الأمريكية. وبالتزامن مع هذا الهجوم، تعمد هذه الشبكات إلى دسّ محتوى ناعم ومؤيّد للسياسات التوسّعية الإيرانية ولتوجّهات نظام الأسد، ودمجه ببراعة ضمن سياقات نقاشية عامّة حول القضايا الاجتماعية أو القومية، وذلك لإضفاء مصداقية مزيّفة على هذه الحسابات وجعلها تبدو أصوات محلّية طبيعية.
2. دعاية وام العربية وتوجيه الخوارزميّات
وفقاً لدراسات بحثية وأكاديمية متخصّصة في “الدعاية الحاسوبية العربية”، التي حلّلت آلاف التغريدات الصادرة عن شبكات حسابات إيرانية قامت منصة تويتر (X حالياً) بإغلاقها، تبيّن بالدليل القاطع أنّ اللّغة العربية هي من أكثر اللّغات استهدافاً في العمليات الرقمية الإيرانية (إذ تحتلّ المرتبة الثالثة عالميّاً في قائمة اللّغات المستخدمة من قبل هذه الشبكات.
اللّافت في نتائج هذه الدراسات أنّ هذه الحسابات الناطقة بالعربية لم تكن تهدف إلى التفاعل الاجتماعي الطبيعي أو النقاش البنّاء، بل كانت تعمل منصّات توجيه آلية Automated Bots لترويج ونشر روابط لمواقع إخبارية عربية تُدار سرّاً في طهران. وتدفع هذه الماكينات باتجاه سردية سياسية أحادية تهاجم المملكة العربية السعودية بضراوة، وتدعم ميلّشيا الحوثيّين في اليمن، ونظام الأسد في سوريا. كما تستغلّ هذه الشبكات لحظات التوتّر الإقليمي لتضخيم وسوم Hashtags تتّهم دولاً عربية بالخيانة أو التطبيع، بهدف تأجيج الغضب الشعبي الموجه.
3. مصائد العسل الاجتماعية والاستهداف الفردي الدقيق
لم تتوقّف العمليّات السيبرانية الإيرانية عند حدود البثّ العام والتوجيه الجماهيري، بل لجأت الاستخبارات الإيرانية إلى تكتيكات الاستهداف الفردي الدقيق. إذ وثّقت تقارير أكاديمية محاولات اختراق شديدة الْخَطَر استخدمت فيها حسابات وهمية إيرانية—تتّخذ صوراً شخصية جذّابة ومسمّيات أكاديمية أو إعلامية رنّانة—تقنية {مصائد العسل} Honeytraps الاجتماعية.
تستهدف هذه الحسابات التواصل المباشر مع ناشطين، وكتّاب، وباحثين عرب مقيمين في العواصم الغربية (مثل العاصمة الأمريكية واشنطن أو الألمانية برلين)، وتستدرجهم بأساليب ناعمة لمشاركة ونشر روابط لمقالات مفبركة بالكامل، أو مقالات رأي مزيّفة منشورة في مواقع مجهولة صُمّمت لتبدو وكأنّها منصات إعلامية شرعية. ويكمن الهدف الاستراتيجي من هذا التكتيك في إضفاء شرعية أكاديمية ونخبوية على السردية الإيرانية، واختراق صفوف النخب العربية المعارضة، وتلويث مصادر المعلومات الغربية.
4. احتكار سردية “المقاومة” وإبادة الحركات الوطنية المخالفة
تُسخّر الآلة السيبرانية والدعائية الإيرانية جهوداً مكثّفة لاحتكار تمثيل “المقاومة” ضدّ الصهيونية، وتصوير إيران ووكلائها على أنّهم المدافع الأوحد والشرعي عن قضايا “الأمّة”. ويعتمد هذا التكتيك الرقمي والإعلامي على استنساخ وتضخيم النموذج الذي طبّقه ما يسمّى “حزب الله” في لبنان؛ حيث صوّر الحزب نفسه للشارع العربي على أنّه المقاوم الوحيد للتوسّع الإسرائيلي، في حين كان في الواقع يعمل منهجيّاً على إقصاء وتصفية وإبادة كافّة حركات المقاومة الوطنية والفلسطينية الأخرى التي لا تدين بالولاء لعقيدة “ولاية الفقيه” الشيعية ولا تعتمد على التمويل الإيراني المباشر.
وعلى ذات المنوال، تعمل شبكات التأثير الرقمي الإيرانية على طمس وتشويه أيّ فصيل أو حركة مقاومة عربية مستقلّة لا تخضع لأجندتها. وقد تجلّى ذلك بوضوح في العراق، حيث غطّت الآلة الدعائية على حقيقة أنّ الميلّشيات الإيرانية طعنت المقاومة العراقية السنّيّة في الظهر، وتواطأت صراحةً مع قوّات الاحتلال الأمريكي لاقتحام المدن السنّيّة وإبادة مقاومتها. وتستخدم هذه الحسابات والمنصّات سلاح الاغتيال المعنوي لترهيب الحركات الوطنية، واصفة إيّاها بـ “الإرهاب” أو “التكفير” أو “العمالة”، بهدف ترسيخ وهمٍ جماعي في الوجدان العربي بأنّ معاداة إسرائيل و”الاستكبار” لا تمرّ إلّا عبر بوّابة الانصياع الكامل لمشروع الهيمنة الإيراني، والتسليم المطلق بسطوة ميلّشياته.

الباب الرابع: سلاح “التصهين” وتوظيف “المظلومية” للإبادة السياسية
إنّ السمة الأبرز التي تكشف عمق الزيف في الدعاية السياسية الإيرانية وتناقضها الأخلاقي الصارخ، تكمن في طريقة استخدامها لسلاح “التصهين” و “العمالة للصهيونية”. فهذه التهمة، في القاموس السياسي والأمني الإيراني، لا تعتمد إطلاقاً على وجود أدلّة مادّية أو ارتباطات استخباراتية حقيقية بدولة إسرائيل؛ بل تحوّلت إلى مجرّد رصاصة إعلامية وقانونية معلّبة، تُستخدم أداة تدمير شامل للإجهاز على الخصوم السياسيّين، وتجريدهم من الشرعية الأخلاقية والدينية، سواء أكان هؤلاء الخصوم مواطنين إيرانيّين يتظاهرون في شوارع طهران، أو حكومات وشعوباً سيادية في المحيط العربي.
الفصل الأوّل: توظيف التهمة في قمع الداخل (قضية أراش تولو شيخ زاده)
يتجلّى النفاق السياسي للنظام الإيراني بأوضح صوره الدموية في منهجية تعامله مع المعارضة الشعبية الداخلية. ففي كل مرّة تندلع فيها احتجاجات شعبية عارمة في المدن الإيرانية الكبرى—احتجاجاً على القمع، والفقر، والفساد المالي المستشري، وإهدار مقدّرات الشعب وثرواته الوطنية لتمويل وتسليح الميلّشيات العابرة للحدود—يسارع المرشد الأعلى وقيادات الحرس الثوري إلى وصم المتظاهرين السلميّين بـ “العمالة لأمريكا وإسرائيل” والمطالبة بإعدامهم الفوري.
لقد تجلّى هذا النهج بوضوح صارخ خلال موجة الاحتجاجات الكبرى التي هزت أركان النظام الإيراني أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، التي اندلعت بالتزامن مع تداعيات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية والتدهور الاقتصادي المروّع. وبدلاً من الاستماع لمطالب الشارع الجائع، وجّه المرشد الأعلى علي خامنئي اتّهامات مباشرة للمحتجّين بأنّهم مجرّد أدوات رخيصة بيد قوى خارجية، مدّعياً أنّهم يخرّبون الشوارع وحرق الممتلكات إرضاءً للإدارة الأمريكية و”الكيان الصهيوني”. وأصدر أوامره المباشرة والدموية للحرس الثوري وميلّشيات “البسيج” بسحق هذه الاحتجاجات بكلّ السبل المتاحة ودون أي رأفة، واصفاً إيّاها بمحاولات زعزعة استقرار النظام بإيعاز وتخطيط أجنبي.
لم تكن هذه الاتّهامات بالتصهين مجرّد تنظير سياسي، بل تُرجمت إلى أحكام إعدام ميدانية ورخص صريحة للقتل الممنهج والتعذيب الوحشي في أقبية السجون. ومن الأمثلة المأساوية الصارخة التي وثّقتها تقارير حقوقية ووكالات أنباء دولية، قضية الناشط المدني {أراش تولو شيخ زاده}، البالغ من العمر 35 عاماً.
اعتُقل أراش في أوائل شهر شباط/فبراير 2025 في مدينة مشهد من قبل فرع استخبارات الحرس الثوري (الباسداران) بعد اقتحام منزله عنوة. كانت جريمته الوحيدة هي ممارسة حقّه في حرية التعبير عبر نشر مقاطع فيديو على شبكة الإنترنت تظهر المظاهرات الاحتجاجية في مشهد. وتحت ذريعة التهمة الجاهزة “العمالة للخارج”، تعرّض أراش لاختفاء قسري ولتعذيب وحشي وسادي في المعتقلات السرّية، ممّا أدّى إلى إصابته بكسور متعدّدة في ذراعيه وساقيه، وإصابات بالغة الخطورة في الرأس شملت كسراً غائراً في الجمجمة. فدخل الناشط الشاب في غيبوبة عميقة نُقل على إثرها إلى مستشفى ولايت بمدينة مشهد، حيث وُضع على أجهزة التنفس الاصطناعي، ليلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أيام معدودة من الاعتقال. وسُلّمت جثّته المحطّمة لعائلته وسط تهديدات أمنية صارمة بمنع نشر الخبر أو إقامة عزاء علني.
هذه الممارسات القمعية الموثّقة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ تهمة “التصهين” في الإبستمولوجيا السياسية الإيرانية لا تعني سوى “معارضة الولي الفقيه” والمطالبة بالحياة الكريمة، وأنّ عقوبتها التلقائية هي الإعدام تحت التعذيب؛ وهو ذات المنطق الذي يُصدّر للتعامل مع معارضي المشروع الإيراني من العرب، ونفس المنطق الذي عامل نظام الأسد به الشعب السوري منذ انتفاضة 2011 حتّى سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024.
الفصل الثاني: استهداف المملكة المغربية وتزوير الوقائع (حملة 2025-2026)
بنفس المنهجية الميكياڤيلية التي تُقمع بها المعارضة الداخلية، تتعامل الآلة الدعائية الإيرانية مع الدول العربية التي ترفض الإذعان لمشروع الهيمنة، وفي مقدّمتها المملكة المغربية التي شكّلت حائط صدّ منيع أمام التغلغل الإيراني في شمال أفريقيا.
شنّت الأذرع الإعلامية الإيرانية، في تناغم وتنسيق استخباراتي مكشوف مع نظيرتها في الجزائر، حملات تضليل ممنهجة وحرباً نفسية استهدفت ضرب صورة المؤسّسات الاستراتيجية السيادية للمملكة المغربية، وعلى رأسها المؤسّسة العسكرية. ففي منتصف عام 2025، ومع تصاعد حدّة التوتّرات الإقليمية، روّجت حسابات إيرانية وجزائرية تابعة لشبكات “محور المقاومة” وثائق مفبركة ومزوّرة بالكامل. زعمت هذه الوثائق مقتل ضبّاط مغاربة رفيعي المستوى في أثناء مشاركتهم في تدريبات عسكرية مشتركة مع الجيش الإسرائيلي إبّان الهجمات الصاروخية الإيرانية.
كانت صياغة هذه الوثائق المزعومة تتّسم بالركاكة الشديدة والسطحية في المضمون والأختام، ممّا وفّر دليلاً قاطعاً للخبراء الدوليّين في إدارة الأزمات على أنّها نتاج مطابخ استخباراتية إيرانية هادفة إلى خلق ضجة إعلامية زائفة، وتأجيج الرأي العام العربي والإسلامي ضدّ المغرب في توقيت محسوب بعناية. ولم تكن هذه الحملات الإيرانية معزولة عن السياق الجيوسياسي الأوسع؛ فالنظام الإيراني يسعى باستمرار إلى ابتزاز المغرب وعقابه على مواقفه السيادية، وذلك من طريق دعم جبهات انفصالية وإثارة ملف الصحراء المغربية والتدخل فيه.
وعندما يتصدّى المغرب بصرامة وحزم لهذا التدخّل—كما صرّح بذلك صراحة وزير الخارجية المغربي {ناصر بوريطة} منتقداً تدخّلات إيران التخريبية في شؤون اليمن والدول العربية—يكون الردّ الإيراني التلقائي، عبر المتحدّث باسم خارجيّتها، هو الهروب إلى الأمام واستخدام ورقة “التصهين” والتصويب على العلاقات المغربية-الإسرائيلية، في محاولة بائسة لترميم صورتها المنهارة وتصريف هزائمها الدبلوماسية بافتعال وقائع وأكاذيب لا أساس لها من الصحة.
الفصل الثالث: التطويق الاستراتيجي وشيطنة دول الخليج العربي
إلى جانب المملكة المغربية، تقف دول الخليج العربي هدف رئيس ودائم في مرمى سلاح “التصهين” الإيراني. وقد استخدمت الدعاية الإيرانية تكتيكاً مزدوجاً وشديد الخطورة تّجاه دول الخليج:
- التطويق الجيوسياسي عبر السعي الاستراتيجي إلى تطويق هذه الدول بميلّشيات مسلّحة تابعة عقائدياً لطهران (مثل الحوثيّين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق) لتهديد أمنها القومي بشكل مباشر.
- التجريد من الشرعية عبر الاعتماد الممنهج على تجريد حكومات هذه الدول من شرعيّتها الشعبية والأخلاقية من طريق ضخّ إعلامي هائل عبر القنوات الفضائية التابعة لاتحاد IRTVU مثل “الميادين” و “المنار”.
تُصوّر دول الخليج العربي على مدار الساعة في هذه المنصّات والشبكات الرقمية على أنّها أنظمة “مُتصهينة”، ومُطبّعة، وعميلة بالكامل للمشروع الغربي. والهدف النهائي والخفيّ من هذا التوصيف المستمرّ هو الوصول إلى مرحلة تُشرعن فيها الدعاية الإيرانية، في عين المشاهد العربي، ضرب هذه الدول الخليجية أمنيّاً واقتصاديّاً واستنزافها، بزعم أنّها قواعد خلفية لـ “الاستكبار العالمي”. وهو ما يمثّل التواءً منطقيّاً عجيباً، يجعل من قصف العمق العربي، وتدمير بناه التحتية، وتسليمه للمشروع الفارسي الشيعي، عملاً مشروعاً من أعمال “المقاومة” ضدّ إسرائيل!
الفصل الرابع: خيانة المقاومة العراقية وازدواجية المعايير – شهادة تاريخية
لفضح ازدواجية المعايير العميقة في الخطاب الإيراني وتفكيك السردية التي تحتكر تمثيل المقاومة، تبرز الشهادة التاريخية المفصّلة للدكتور {محمد عياش الكبيسي}، التي توثّق بدقّة متناهية موقف المرشد الأعلى علي خامنئي وميلّشياته من المقاومة الوطنية العراقية إبان الاحتلال الأمريكي عام 2003. تكشف هذه الشهادة، المدعمة بوقائع وأسماء، كيف تحالفت الأذرع الإيرانية ميدانيّاً وسياسيّاً مع القوّات الغازية لضرب الحركات المناهضة للاحتلال.
المبحث الأول: انطلاق المقاومة وتواطؤ الميلّشيات الولائية
فور احتلال القوّات الأمريكية للعراق في عام 2003، اندلعت المقاومة العراقية مباشرة في المحافظات ذات الأغلبية السنّيّة، وتجلّت ذروتها في معارك الفلّوجة الكبرى التي خيضت ضدّ الجيش الأمريكي. وفي تناقض صارخ مع شعارات “مقارعة الاستكبار”، كانت الميلّشيات الشيعية ذات التوجه الديني—التي ترتبط هيكليّاً وعقائديّاً بإيران—تساند الجيش الأمريكي بشكل علني وصريح في تلك المعارك.
لم يقتصر الدعم على الجانب الميداني، بل امتدّ إلى الغطاء الديني والسياسي؛ حيث صدرت فتاوى صريحة من المراجع الدينية تحرّم مقاومة المحتلّ الأمريكي. وترافق ذلك مع تنسيق سياسي مكثّف مع الحاكم المدني الأمريكي {پول بريمر} Paul Bremer لبناء دولة بمواصفات “أمريكية-إيرانية” مشتركة. وقد ضمّت هذه العملية السياسية أقطاب حزب الدعوة الإسلامية (مثل نوري المالكي وغيره)، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية (بقيادة آل الحكيم)، بالإضافة إلى منظّمة بدر بقيادة هادي العامري، وهم ذات الأشخاص الذين كانوا يقاتلون جنباً إلى جنب مع الحرس الثوري الإيراني إبّان الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيّات.
في تلك المرحلة المفصلية، كانت المقاومة العراقية مشغولة بنسبة 100% بمعاركها الميدانية ضدّ المحتلّ الأمريكي، ولم تلتفت إطلاقاً إلى صراعات السلطة، أو كيفية تشكيل الحكومة، أو بناء الجيش الجديد وأجهزة الأمن، كما أنّها تجاهلت تماماً كافّة الاستفزازات الطائفية الموجّهة ضدّها.
المبحث الثاني: انكشاف المشروع المزدوج والطعن في الظهر
حدث التحوّل الاستراتيجي والوعي بطبيعة المعركة عندما بدأت الميلّشيات الشيعية باقتحام مناطق السنّة جنباً إلى جنب مع قوّات المارينز الأمريكية. وتجسّد هذا الحقد الطائفي في الشعارات التي كتبتها تلك الميلّشيات على جدران مدينة الفلّوجة في عقب المعركة الثانية، ومن أبرزها العبارة الصارخة: “اليوم أرضكم وغداً عرضكم”.
عند هذه اللّحظة، أدركت المقاومة السنّيّة بشكل قاطع أنّها لا تواجه عدوّاً واحداً، بل تواجه مشروعين متحالفين ومعاديين للعراق في آن واحد: مشروع الاحتلال الأمريكي، ومشروع تصدير الثورة الإيرانية. وبناءً على ذلك، ارتأى كثير من القيادات السنّيّة ضرورة فتح خطوط اتّصال مباشرة وغير مباشرة للحوار مع الطرف الإيراني، في محاولة يائسة لإقناعه بأنّه ليس من مصلحة إيران أو المنطقة بأسرها توجيه طعنة في الظهر للمقاومة العراقية؛ لأنّ تدمير المقاومة يعني استفحال الخطر الأمريكي الذي سيسحق المنطقة بِرُمَّتها.
المبحث الثالث: الجهود الدبلوماسية السنّيّة والردود الصادمة
تضمّنت محاولات الحوار وتجنّب الاقتتال الداخلي سلسلة من اللّقاءات والوساطات رفيعة المستوى، التي أسفرت جميعها عن إجابات صادمة كشفت حقيقة الموقف الإيراني:
1 مواجهة آية الله تسخيري
التقى الشيخ {حارث الضاري} بـ {آية الله تسخيري}، وهو قيادي إيراني بارز ومعروف. صارح الشيخ الضاري المسؤول الإيراني بكلّ شجاعة بخطورة الموقف، إلّا أنّ {تسخيري} تعنّت وكابر في ردّه، وهو لقاء موثّق ومسجّل ومنشور. ولم تتوقّف المحاولات عند هذا الحدّ، بل تجدّدت في لقاء ثانٍ جمع الدكتور {محمّد عيّاش الكبيسي} و {الشيخ الفَيْضي} مع {تسخيري} في دولة البحرين، ولكن دون تحقيق أي نتيجة تذكر.
2 لقاء حسن نصر الله وانكشاف التوجيهات العليا
بعد أن استشرت جرائم الميلّشيات في قتل أهل السنّة وحرق مساجدهم، تدخّل عدد من علماء السنّة في لبنان لترتيب لقاء وساطة حضروه بأنفسهم، وجمع بين الدكتور الكبيسي وأمين عام حزب الله اللّبناني حسن نصر الله. وفي هذا اللّقاء، وجّه الكبيسي سؤالاً استنكارياً مباشراً: “لمصلحة من تُطعن المقاومة العراقية في الظهر؟ ما معنى أنّكم تقاومون المشروع الصهيو-أمريكي في جنوب لبنان، وتسكتون عنه في العراق؟”.
جاءت إجابة نصر الله، ضمن حديث طويل، لتلخص عقيدة المحور بِرُمَّته حيث قال حرفيّاً: {أنا جندي وفي عنقي بيعة للولي الفقيه، هو يقول: قاوموا في فلسطين ولبنان فنقاوم، ويقول: لا تقاوموا في العراق وأفغانستان فلا نقاوم}. علاوة على ذلك، رفض نصر الله بشكل قاطع التدخّل وسيط لوقف عمليّات القتل الممنهج وحرق المساجد السنّيّة، وهي جرائم تمّ توثيقها لاحقاً في كتاب بعنوان {مساجد في وجه النار}، الذي رصد إحراق مئات المساجد بصورة مباشرة ومتعمّدة من قبل الميلّشيات.
3 وساطات الحركات الإسلامية وشخصيّات قيادية
سلكت القيادات السنّيّة طرقاً أخرى عبر بعض الحركات الإسلامية السنّيّة في فلسطين وغيرها، نظراً لما تملكه من علاقات وتنسيقات ومصالح مشتركة مع إيران، ومن أبرز هذه الأمثلة محاولات التواصل مع الأستاذ رمضان شلّح.
كما عُقد لقاء مع الشيخ حسن الترابي في أوج حضوره السياسي الفاعل، الذي أبدى حينها تأييداً منقطع النظير للمقاومة العراقية. وعندما أخبر الترابي الوفد بأنّ له علاقات طيّبة بالمرشد الإيراني {علي خامنئي}، طالبه الكبيسي بالتدخل، موضحاً له أنّ الميلّشيات التابعة لخامنئي تقاتل المقاومة وتدخل المدن جنباً إلى جنب مع المارينز الأمريكي. واستشهد الكبيسي ملاطفاً بأبيات للإمام الشافعي لحثّه على استغلال مكانته: {وأدّ زكاة الجاه واعلم بأنّها / كمثل زكاة المال تمّ نصابها}، إلا أنّ كلّ هذه الجهود ذهبت أدراج الرياح.
المبحث الرابع: التوظيف الاستراتيجي للإرهاب والتغيير الديموغرافي
كانت النتيجة المباشرة لكلّ هذه المحاولات الدبلوماسية هي استمرار القمع، حيث مُلئت السجون بكلّ من يُشتبه بأنّ له صلة بالعمل المقاوم، وفُعّلت “المادة 4 إرهاب” (قانون مكافحة الإرهاب العراقي) خصّيصاً لتحقيق هذا الغرض الإقصائي.
لم تكتفِ النخبة الإيرانية بتسليط الميلّشيات، بل لجأت إلى استخدام تنظيمات متطرّفة مثل القاعدة ولاحقاً داعش أدوات وظيفية لتدمير المدن السنّيّة وقتل علماء أهل السنّة. وتؤكّد الشهادات التاريخية أنّ قيادات هذه المجاميع المتطرّفة كانت تقيم بشكل شبه كامل في إيران؛ ومن أبرز الأدلة على ذلك اعتراف مفتي تنظيم القاعدة المعروف، أبو حفص الموريتاني، بأنّ إيران احتضنته هو وكثيراً من قيادات التنظيم لعشر سنوات وأكثر، حيث خُصص لهم مجمّع سكني كامل في مدينة زاهدان الإيرانية.
يفسّر هذا الاحتضان الاستخباراتي حقيقة ميدانية صارخة: لم يقم تنظيم القاعدة ولا تنظيم داعش بتنفيذ عملية إرهابية واحدة داخل الأراضي الإيرانية طوال تاريخهما، في حين نفّذت هذه التنظيمات مئات العمليّات الدموية في الدول العربية (ومنها المملكة العربية السعودية وسوريا)، وكانت كافّة عمليّاتها التدميرية في العراق محصورة حصراً في المحافظات السنّيّة.
تُختتم هذه الشهادة الموثّقة بتوجيه عتب كبير وتحذير صارم للعلماء وصنّاع القرار في البلاد العربية، الذين يصدرون البيانات والمواقف السياسية ويبنون قرارات ذات تبعات كارثية استناداً إلى معلومات سطحية، أو شائعات إعلامية، أو انطباعات شخصية، دون تكليف أنفسهم عناء البحث الميداني أو سؤال إخوانهم المعنيّين مباشرة بالصراع في العراق وسوريا لمعرفة الحقائق الدقيقة والتعقيدات العميقة للمشروع التوسعي.

الباب الخامس: التخريب الهيكلي وتدمير الحواضر العربية – تناقض الشعار والميدان
القراءة الفاحصة والإبستمولوجية لآلة الدعاية السياسية الإيرانية تكشف عن مفارقة كبرى وتناقض صارخ يمثّل صميم هذا المشروع الاستقصائي؛ إذ تتجلّى الهوّة السحيقة بين الشعارات الأيديولوجية المرفوعة، وعلى رأسها مزاعم “تحرير فلسطين” ومقارعة الاستكبار العالمي، وبين النتائج الميدانية الكارثية الموثّقة على الأرض. إذ تمخّضت هذه الاستراتيجية فعليّاً عن تدمير هيكلي وممنهج لأربع عواصم عربية تاريخية (بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء)، وتحويلها من حواضر حضارية فاعلة إلى ساحات مستباحة للميلّشيات، ومسارح للانهيار الاقتصادي، والديموغرافي، والمؤسّسي.
الفصل الأول: شلّ الاقتصاديّات الوطنية وتحطيم البنى المؤسّسية للدولة العربية
على غرار التقنيات الإسرائيلية ضدّ الدول العربية، اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية في بسط نفوذها على مقاربة «تآكل الدولة من الداخل»، حيث لا تُسقط الحكومات بشكل تقليدي، بل تزرع كيانات ميلّشياوية موازية تبتلع مقدّرات الدولة الوطنية، وتفرض عليها عزلة سياسية واقتصادية، ممّا يؤدّي إلى شلّ الاقتصاديات وتحطيم المؤسّسات وفق النماذج التالية:
المبحث الأوّل: التجربة اللّبنانية – الهيمنة المسلّحة وتفكيك القطاع المصرفي
في لبنان، أسفرت الهيمنة العسكرية والسياسية المطلقة لميلّشيا “حزب الله” عن اختطاف كامل لقرار الدولة السيادي. إذ قادت حروب الحزب العبثية والقرارات الانفرادية، المصمّمة خصّيصاً لخدمة أجندة ولاية الفقيه بعيداً عن المصالح الوطنية اللّبنانية، إلى فرض طوق من العزلة العربية والدولية الخانقة على بيروت.
ولم يقتصر دور الحزب على التوريط العسكري، بل امتدّ لتوظيف فائض القوّة في حماية شبكات الفساد المؤسّسي والسياسي المرتبطة بحلفائه. وأدّت هذه الهندسة التخريبية إلى تدمير مبرمج للقطاع المصرفي اللّبناني—الذي كان يُعدّ يوماً ما فخر الاقتصاد الشامي—وتعطيل محرّكات الإنتاج الاقتصادي، ما دفع بالأغلبية الساحقة من الشعب اللّبناني للعيش تحت خط الفقر، في ظلّ غياب أبسط مقوّمات الخدمات الأساسية من كهرباء ورعاية صحية.
المبحث الثاني: الجرح اليمني – منصّات الصواريخ واختطاف الجغرافيا
في الشطر الجنوبي من الجزيرة العربية، استنسخت إيران ذات النموذج التدميري عبر تمويل وتسليح وتدريب ميلّشيا الحوثيّين (أنصار الله). وهنا تتجلّى سخرية الدعاية الإيرانية بأقبح صورها؛ ففي حين ترفع هذه الميلّشيا شعارها الصارخ «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللّعنة على اليهود»، كانت صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة—ذات المنشأ والتقنية الإيرانية—تتّجه حصراً لتدكّ الأحياء السكنية والبنى التحتية في المدن اليمنية (مثل مأرب وتعز)، والمدن الحيوية في المملكة العربية السعودية.
حوّلت إيران الجغرافيا اليمنية إلى مجرّد منصّة متقدّمة لإطلاق الصواريخ لتهديد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مخلّفة وراءها دماراً هائلاً في البنية التحتية، ومتسبّبة في ما صنّفته الأمم المتّحدة «أسوأ أزمة إنسانية في العالم».
المبحث الثالث: الساحة العراقية – ميلّشيات الفضاء الرقمي والمادي E-Militias
في العراق، لم تكتفِ الميلّشيات الولائية (المرتبطة عقائدياً بالحرس الثوري الإيراني) بالسيطرة العسكرية، بل تغلغلت في مفاصل الدولة لتأسيس دولة عميقة تتحكّم بالقرار السيادي. إذ عملت هذه الشبكات المعقدة على نهب الموارد الوطنية المكتسبة من عوائد النفط، وفرضت الإتاوات الاقتصادية على التجارة الداخلية والمعابر الحدودية، ووفّرت الغطاء والحماية لدوائر الفساد المؤسّسي المستشري.
إلى جانب ذلك، أسّست هذه الكيانات ما يُعرف بـ «الميلّشيات الإلكترونية» E-Militias، وهي جيوش سيبرانية وظيفتها ترهيب الخصوم، وتشويه سمعة الناشطين، وابتزاز المعارضين. وعلى الصعيد القانوني والأمني، جرى التعسّف في استخدام وتسييس قوانين مكافحة الإرهاب المشرّعة حكوميّاً، وتوظيفها أداة قانونية بغيضة لتهجير وقتل واعتقال أبناء المكوّن العربي السنّي، وتجريد أي حركة احتجاجية شعبية (بما فيها احتجاجات تشرين) من شرعيّتها ووصمها بالعمالة والخيانة.
الفصل الثاني: الهندسة الديموغرافية والتغيير المذهبي القسري (النموذج السوري)
شكّلت الجغرافيا السورية الساحة الأكثر فداحة، ودموية، ووضوحاً لتطبيق استراتيجية التغيير الديموغرافي الإيراني بالقوّة العسكرية. كان الهدف الجيوسياسي الاستراتيجي من هذه الهندسة الدموية هو تأمين ممرّ برّي مفتوح يربط (طهران، ببغداد، بدمشق، وصولاً إلى بيروت شواطئ البحر المتوسّط). وارتكزت هذه الاستراتيجية طويلة الأمد على محاور تنفيذية غاية في الدقّة والخطورة:
المحور الأوّل: التهجير القسري، التطهير المكاني، وإعادة التوطين الممنهج
بدأت العملية عبر حملات قصف مدفعي وجوّي ممنهج، ترافقت مع ارتكاب مجازر طائفية بشعة نفّذتها ميلّشيات عابرة للحدود استجلبتها إيران، وعلى رأسها (لواء الفاطميّين الأفغاني، ولواء الزينبيّين الپاكستاني، وميلّشيا حزب الله اللّبناني).
عقب تفريغ المناطق من طريق القتل والترويع، أشرفت إيران مباشرة على فرض اتّفاقيّات تسوية وتفريغ قسرية—كان من أبرزها (اتّفاق المدن الأربع). وأدّت هذه التكتيكات إلى إفراغ أحياء ومدن بِرُمَّتها من سكّانها العرب السنّة الأصليّين، كما حدث في (محافظة حمص، ومدينة القصير، وقرية البيضا في بانياس، والمناطق الحيوية في محيط العاصمة دمشق وريفها). وفي خطوة لاحقة، استبدلت هؤلاء السكّان المهجرين بعائلات المقاتلين الأجانب التابعين للميلّشيات الموالية لإيران، وذلك لضمان خلق حزام أمني طائفي يحيط بالعاصمة وطرق الإمداد الاستراتيجية.
المحور الثاني: التجنيس السياسي للمقاتلين الأجانب واستملاك الأرض
لتثبيت هذا التغيير الديموغرافي وإضفاء طابع قانوني مزيّف عليه، عمدت الاستخبارات السورية، بالتنسيق والإملاء المباشر من الاستخبارات الإيرانية، إلى منح الجنسية السورية لآلاف المقاتلين الشيعة الأجانب وعائلاتهم. تمّت هذه العملية الاستثنائية تحت غطاء مسمّى رمزي وسرّي عُرف بـ “الأصدقاء”.
ولم يقف الأمر عند منح الوثائق الرسمية، بل مُنح هؤلاء المجنّسون الجدد عقارات، ومساكن، ومقاطعات تجارية في مناطق شديدة الأهمية شملت: (العاصمة دمشق، ريف دمشق، مدينة تدمر في بادية حمص، ومحافظة اللّاذقية الساحلية)، ممّا كرّس احتلالاً استيطانيّاً يغير وجه سوريا التاريخي.
المحور الثالث: الاختراق العشائري، تزوير الأنساب، وتشييع البادية السورية
أدركت القيادة الإيرانية أهمّية المنطقة الشرقية من سوريا، فركّزت جهود اختراقها الثقافي والمذهبي في مناطق (البادية السورية وضفاف نهر الفرات). واستخدمت إيران سلاحي المال والترهيب لشراء ذمم بعض شيوخ ووجهاء العشائر العربية. والأخطر من ذلك كان لجوء الآلة الثقافية الإيرانية إلى هندسة أنساب مزوّرة تهدف إلى ربط قبائل عربية سنّية عريقة، مثل (قبيلة البكّارة)، بآل البيت الكرام، في محاولة ماكرة لتسهيل عملية تجنيد شباب هذه القبائل في صفوف الميلّشيات التابعة للحرس الثوري. وتجلّى نجاح هذا المخطّط الكارثي في اختراق قرى وبلدات بِرُمَّتها، كما حدث في قريتي حطلة والشدادي.
على التوازي، سعت الدعاية الإيرانية إلى تعميق تيّار أيديولوجي يُعرف بـ «عودة الفرع لأصله»، الذي يهدف إلى ممارسة ضغوط ثقافية ودينية لتحويل أبناء الطائفة النصيرية (العلوية) في سوريا لاعتناق المذهب الشيعي الإثني عشري، لضمان توحيد المرجعية العقائدية تحت راية قم وطهران.
المحور الرابع: الزلزال الجيوسياسي – السقوط المدوّي للنظام السوري (كانون أوّل\ديسمبر 2024)
في خضمّ هذا التمدّد، شهدت المنطقة تحوّلاً زلزاليّاً أربك الحسابات الإيرانية بالكامل. ففي شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 2024، سقط نظام بشار الأسد ومعه حكم حزب البعث الذي جثم على صدر سوريا طيلة 61 عاماً، وذلك إثر تمكّن الفصائل السورية المعارضة من اجتياح والسيطرة التامّة على العاصمة دمشق.
شكّل هذا السقوط انهياراً استراتيجيّاً مدويّاً لحجر الزاوية في الممرّ البرّي الإيراني. وفور تسلّمها مقاليد الأمور، اتّخذت الحكومة السورية الجديدة خطوات سيادية حاسمة لاجتثاث النفوذ الإيراني الناعم، وكانت أولى هذه الخطوات تطهير المناهج التعليمية والمدارس، وإلغاء مادّة التربية الوطنية، وسحب كافّة المقرّرات والمناهج التي أُقحمت تعديلات دينية وتاريخية مفبركة فيها صُمّمت خصّيصاً لخدمة الدعاية الإيرانية وغسيل أدمغة الأجيال الناشئة.
أمام هذا الانهيار المروّع في أهمّ ساحات نفوذها، سارعت آلة الدعاية السياسية الإيرانية إلى ممارسة المكابرة الإعلامية ورفض الاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية. وبدأت تبشّر قواعدها بتحالفات دولية كبرى قادمة مع كلّ من روسيا والصين لاحتواء التداعيات، معلنة توجّهاً جديداً نحو الاعتماد العسكري واللّوجستي بشكل أكبر وأعمق على الميلّشيات المتبقّية مثل الحوثيّين في اليمن والحشد الشعبي في العراق، في محاولة يائسة لتعويض الخسارة الجيوسياسية الفادحة وانهيار “محور المقاومة” في الشام.

الباب السادس: حرب 2025-2026 وأزمة الوعي الجمعي العربي
في 28 شباط فبراير 2026، وصلت التوتّرات ذروتها باندلاع حرب إقليمية مفتوحة (أمريكية/إسرائيلية ضدّ إيران)، بدأت بضربات أمريكية وإسرائيلية قاصمة استهدفت قيادات الداخل الإيراني، وأسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي ووزير الدفاع وقيادات وازنة (في حين نجا الرئيس {مسعود پزشكيان} بأعجوبة من محاولة اغتيال).
الفصل الأول: الضرب في الحائط القصير (البنية التحتية العربية)
أثبتت هذه الحرب حقيقة التكتيك الإيراني: البحرية الأمريكية تجوب مياه الخليج، والقواعد العسكرية محصّنة، فلماذا تتجاهلها الصواريخ الإيرانية حين تمطر المدن العربية؟
أدركت طهران أنّ المساس الجاد بإسرائيل أو الأساطيل الأمريكية يعني نهاية النظام، فاتّبعت استراتيجية الضغط غير المتكافئ، أي ضرب “الحائط القصير” بدلاً من الانتحار العسكري. وانحرفت البوصلة الانتقامية لتنفّذ هجمات واسعة على البنى التحتية المدنية والاقتصادية لدول الخليج العربية. وبرر رئيس البرلمان الإيراني، {محمّد باقر قليباف}، هذه الجرائم وقاحة بقاعدة “العين بالعين”، مهدّداً: إذا ضُربت بنى إيران، ستُضرب بنى الدول “التي تعدّ شركاء لخصومها” … دون ضرب الخصوم!
استهدفت الصواريخ والمسيّرات مصافي وشركات البتروكيماويات في الرويس (أبوظبي)، وتسبّبت بإغلاق مطارات دبي، وانفجارات فوق الدوحة والمنامة، واستهداف سفارة واشنطن بالرياض، وإغلاق مضيق هرمز واستهداف سفن تجارية قبالة مسقط (رافعين أسعار النفط فوق 80 دولاراً). ولم يكن هذا صدفة، بل غطاء لحرب نفسية ممنهجة لترويج فكرة خبيثة في الشارع العربي مفادها: «حكّامكم هم السبب لاستقبالهم القواعد الأمريكية»، بهدف تهشيم التماسك المجتمعي، وإغضاب الشعوب المذعورة، وتحريضها لقلب الطاولة من الداخل لتمرير مشاريع التوسّع الإيرانية المتخفّية بشعارات “المقاومة”.
الفصل الثاني: متلازمة التعاطف مع الجلاد في الوجدان العربي
تجلّى الانتصار المأساوي للدعاية الإيرانية إبّان هذه الضربات؛ ففي حين كانت الصواريخ الإيرانية تدمّر البنية التحتية الخليجية (التي توفّر ملايين فرص العمل وتعدّ شريان الاقتصاد العربي)، كانت فئات لا يستهان بها من الجماهير والمغردين العرب تشمت وتصفّق معتبرة إيّاها انتصاراً لغزّة. إذ جرت عملية غسيل أدمغة ربطت معاداة إسرائيل بموالاة إيران وتبرير ضرب الدول العربية “المتصهينة”. ركّزت هذه الدعاية الإيرانية على إسناد أي عدوان إسرائيلي على مصلحة عربية خليجية مفترضة.
تدعم هذا التحليل أرقام كارثية وموثوقة من استطلاعات الباروميتر العربي Arab Barometer التي أُجريت أواخر 2025 (إبّان حرب غزّة)، حول النظرة الإيجابية للسياسة الخارجية للمرشد علي خامنئي:
- تونس: 49% (أعلى نسبة تأييد، تفضح اختراق الخطاب العاطفي للمغرب العربي).
- العراق: 48% (انقسام طائفي حاد، التأييد بين الشيعة أعلى بـ 50 نقطة من السنّة بفضل سطوة القنوات الولائية).
- فلسطين: 36% (نتيجة حالة اليأس والحاجة لأيّ داعم إبان حرب غزة).
- المغرب: 35% (اختراق شديد الْخَطَر برغم القطيعة الرسمية واستهداف إيران للسيادة المغربية).
- لبنان: 29% (تراجع نسبي بسبب معاناة اللّبنانيّين من هيمنة حزب الله وانهيار الاقتصاد).
- الأردن: 19% (رفض واسع برغم القرب الجغرافي).
- سوريا: 3% (الاستثناء الكاشف)؛ الشعب الوحيد الذي عايش دموية المشروع الإيراني ميدانيّاً وذاق ويلاته، يرفضه رفضاً شبه كامل.
- إيران 20% (تتمثّل هذه الفئة في منتسبي الحرس الثّوريّ والبسيج، والمستفيدين من الشّبكات الاقتصاديّة التّابعة للمؤسّسات الدّينيّة والسياديّة، حيث يتبنّى هؤلاء عقيدة “تصدير الثّورة” بوصفها واجباً دينيّاً واستراتيجيّاً).
تثبت هذه الأرقام تغليب العاطفة والانتماء المذهبي المضلّل على حساب الهوية القومية والمصالح العليا، ما أدّى لانتحار معرفي جعل المواطن العربي يصفّق لمن يخرّب بيته العربي بيده.
إليك الباب السّابع بكامل فصوله، مع ترتيب المحاور ضمن “استراتيجيّة الخلاص” بتسلسل منطقيّ يبدأ من تأسيس المنصّات والأدوات السّياديّة (الدّور السّعوديّ)، لينتقل إلى حماية الفضاء الرّقميّ، ثمّ تصحيح السّرديّات الجماهيريّة (القضيّة الفلسطينيّة والمظالم الدّاخليّة)، وصولاً إلى التّحصين التّعليميّ طويل الأمد والتّكامل الاقتصاديّ الجيوسياسيّ.
راعيت في هذه الصّياغة خلوّ النّصّ التّامّ من الكلمات والعبارات الممنوعة، وتطبيق الحروف الخاصّة (پ، گ، ج، ڤ)، والالتزام بقواعد الشّدّة وتنوين الفتح، وصياغة الأفعال بصيغ محايدة لضمان تدفّق النّصّ برصانة أكاديميّة عالية:

الباب السّابع: مآلات الجغرافيا السّياسيّة وبناء حائط الصّدّ العربيّ
يمثّل الوجود الإسرائيليّ في المنطقة استزراعاً وظيفيّا طارئاً يزول بزوال أسباب بقائه. وعلى الجانب الآخر، يمتلك إقليم إيران رصيداً حضاريّاً متجذّراً اختطفه النّظام الطّائفيّ الحاليّ واستخدمه معول هدم؛ في الداخل الإيراني وفي الجوار. لذلك، انهيار النّظام الإيرانيّ لا يمثّل خسارة لمحور ممانعة، بل هو تحرّر للقضيّة الفلسطينيّة من الاستغلال والابتزاز، وخطوة لعودة إيران جاراً طبيعيّاً.
الفصل الأوّل: التّحوّلات الاستراتيجيّة العالميّة والإقليميّة (ما بعد المواجهة)
يشهد المشهد الدّوليّ تواطؤاً صامتاً؛ إذ آثرت موسكو وبكّين الصّمت والمراقبة (تغليباً لمصالحهما في تايوان وأوكرانيا، وربّما بناءً على صفقات مع واشنطن)، وبرزت پيونگيانگ (كوريا الشّماليّة) صوتاً وحيداً يطالب تلّ أبيب بوقف الهجوم على إيران. كما أظهرت إيران حرصاً بالغاً على تجنّب استهداف قاعدة إنجرليك التّركيّة أو السّعوديّة أو عُمان، لتفادي استدعاء تدخّل مباشر من حلف النّاتو أو إشعال المنطقة بالكامل.
في هذا الإطار، يسعى العرب للنّهوض بمسعى بناء محور إقليميّ متماسك (من السّعوديّة، مروراً بمصر المتعافية وسوريا الملتئمة، وصولاً للجزائر). وهنا تبرز الصّين شريكاً استراتيجيّاً ضامناً لاستقرار المنطقة ومبادرة الحزام والطّريق، ممّا يكبح التّمدّد الغربيّ. وعلى الجانب الآخر، تسعى إسرائيل لتقليل اعتمادها المطلق على واشنطن، متّجهةً لبناء تحالف استراتيجيّ وتيكنولوجيّ معمّق مع الهند (الّتي تبتعد عن الضّغوط الأمريكيّة وتقترب من المحور الرّوسيّ-الصّينيّ)، وتمتدّ شبكتها إلى إثيوپيا تعويضاً عن عجزها الدّيموغرافيّ.
يُنتظر انتقال مركز الثّقل القادم إلى البحر الأحمر وخليج عدن، لتصطفّ الصّين (من قاعدتها في جيبوتي) مع الرّؤية العربيّة الدّاعمة لسودان موحّد ويمن متماسك، لمنع أيّ تطويق استراتيجيّ هنديّ-إسرائيليّ لخطوط الملاحة في قناة السّويس وباب المندب.
الفصل الثّاني: استراتيجيّة الخلاص وحماية الهويّة والمصالح العربيّة
مواجهة آلة الدّعاية الإيرانيّة العميقة والمُمأسسة، الّتي تعتمد في صلب بنيتها على تكتيكات “قتل السّمعة” الممنهج، والتّوظيف الابتزازيّ لتهمة “التّصهين” و”العمالة” أداةً للإبادة السّياسيّة والمعنويّة وتزييف الوعي الجماهيريّ، لا يمكن أن ترتكز بأيّ حال من الأحوال على ردود أفعال عفويّة، أو خطابات دبلوماسيّة خجولة، أو معالجات إعلاميّة سطحيّة ومؤقّتة. بل يُحتّم الواقع الجيوسياسيّ المعاصر ضرورة بلورة خطّة استراتيجيّة شاملة، متعدّدة الأبعاد، تتّسم بالدّيمومة والعمق، وتتوزّع على مسارات إعلاميّة، وأمنيّة، ومعرفيّة، واقتصاديّة، تتصدّى بقوّة لاختراق الوعي وتستعيد السّيادة المعرفيّة للمجتمعات العربيّة. وتتجسّد هذه الاستراتيجيّة في المحاور المفصليّة الآتية:
أوّلاً: هندسة المنصّات الإعلاميّة المضادّة والضّرورة السّعوديّة لكسر سلاح تهمة “التّصهين”
تفرض التّحوّلات الجيوسياسيّة المعاصرة حتميّة التّحرّك السّريع لكسر الاحتكار الإيرانيّ للفضاء الإدراكيّ العربيّ. وتبرز المملكة العربيّة السّعوديّة بصفتها الثّقل السّياسيّ والمركزيّ في العالم الإسلاميّ، الرّكيزة الأساسيّة القادرة على تمويل وبناء منظومة إعلاميّة ورقميّة مضادّة للپروپاگاندا الإيرانيّة.
تأتي هذه الضّرورة استجابةً للاختراق العميق الّذي أحدثته الماكينة الدّعائيّة الإيرانيّة، بتوظيف تهمة “التّصهين” سلاحاً فظيعاً لابتزاز الدّول العربيّة ومحاصرة أيّ مشروع وطنيّ مستقلّ لا يخضع لإملاءات طهران. بقاء الفضاء السّياسيّ العربيّ مكشوفاً أمام المصطلحات المسمومة يتيح لنظام ولاية الفقيه مواصلة شيطنة الأنظمة العربيّة والمبادرات العربية وتصوير أيّ اجتهاد سياسيّ أو تقارب دبلوماسيّ خيانةً عظمى. لذا، بناء خطّ دفاعيّ وهجوميّ معرفيّ، تموّله الرّياض، يمثّل ضرورةً أمنيّةً قصوى لحماية الأجيال القادمة من الانزلاق في فخّ التّعاطف مع الجلّاد، ولتجريد الأذرع الإيرانيّة من ورقة المزايدة بالقضيّة الفلسطينيّة.
تتطلّب آليّة التّنفيذ تجاوز الأساليب الدّفاعيّة التّقليديّة، والتّحرّك نحو استراتيجيّة هجوميّة تفكيكيّة شاملة ترتكز على مسار الإعلام التّقليديّ لتأسيس مراكز بحوث وقنوات تلفزيونيّة متخصّصة لتشريح الخطاب الإيرانيّ وتفكيك مصطلحاته بهدف صياغة قاموس سياسيّ عربيّ جديد؛ ومسار الرّدع الرّقميّ لبناء جيش سيبرانيّ عربيّ مزوّد بأحدث تيكنولوجيا الذّكاء الاصطناعيّ لتحليل البيانات الضّخمة والرّصد الآنيّ لشبكات الذّباب الإلكترونيّ. إنّ التّكامل بين التّمويل السّعوديّ والتّخطيط الاستراتيجيّ العالي يضمن خلق بيئة إعلاميّة عربيّة محصّنة ترفض الوصاية الخارجيّة.
ثانياً: تعزيز السّيادة الإعلاميّة والأمن المعرفيّ الرّقميّ وتفكيك شبكات التّضليل
شكّل الفضاء الإلكترونيّ المفتوح وغياب الرّؤية السّيبرانيّة الموحّدة ثغرةً استراتيجيّةً خطيرةً أتاحت للتّوغّل الإيرانيّ فرصة هندسة الوعي العربيّ. ولتفكيك هذه المنظومة، يتوجّب على الدّول العربيّة الانتقال إلى مرحلة “الأمن المعرفيّ الرّقميّ” Cognitive Security بوضع تشريعات قانونيّة صارمة، وتطوير قدرات وطنيّة سيبرانيّة متقدّمة تضمن حماية الفضاء المعلوماتيّ الوطنيّ من الاختراق والتّلاعب المبرمج. ويتطلّب هذا المحور إقامة تنسيق استخباراتيّ، وقانونيّ، وتقنيّ عالي المستوى مع عمالقة منصّات التّيكنولوجيا العالميّة ومحرّكات البحث لفرض حظر صارم وشامل على كافّة الشّبكات والكيانات المرتبطة والمموّلة من اتّحاد الإذاعات والتّلفزيونات الإسلاميّة IRTVU الإيرانيّ.
لا يقتصر الأمر على الحظر، بل يمتدّ إلى تصنيف هذه المؤسّسات دوليّا ضمن قوائم الكيانات الدّاعمة للإرهاب الرّقميّ، وتزييف الهويّات، وغسيل الأموال، مع تجريم التّعامل الماليّ والتّقنيّ معها كلّيّا. وبالتّوازي، تبرز الحاجة الملحّة لتأسيس مراصد ومختبرات عربيّة للأمن الرّقميّ، تُعنى بتشريح التّكتيكات السّيبرانيّة الإيرانيّة، وتدريب الصّحفيّين والنّاشطين العرب على رصد تفاعلات السّلوك الزّائف المنسّق، واكتشاف تكتيكات قتل السّمعة والاتّهامات العشوائيّة، وتطوير معايير مهنيّة صارمة تحجّم من تأثير الحملات المنظّمة على الرّأي العامّ.
ثالثاً: فكّ الارتباط الشّرطيّ والوهميّ وتصحيح سرديّة القضيّة الفلسطينيّة
القضيّة الفلسطينيّة بالأساس والتّاريخ والدّم قضيّة عربيّة مركزيّة وإسلاميّة نوعاً ما، أثبتت المعطيات التّاريخيّة والوقائع الميدانيّة أنّ الاستحواذ الإيرانيّ الفجّ على هذه القضيّة لم يكن سوى توظيف ميكياڤيليّ بحت؛ وورقة ضغط في المفاوضات الإقليميّة، وأداة تجنيد عاطفيّ ومذهبيّ رخيصة لاختراق الشّباب العربيّ.
يستوجب الخلاص هنا فكّ هذا الارتباط الوهميّ، وإعادة القضيّة إلى إطارها العربيّ الخالص، مع تسليط الضّوء المكثّف والمدعّم بالحقائق والأرقام على أنّ الصّواريخ الإيرانيّة الباليستيّة لم تنطلق يوماً لتحرير قرية فلسطينيّة واحدة، بل انطلقت حصراً ردّ فعل انتقاميّ على استهداف قيادات الحرس الثّوريّ، أو لاستخدام البنية التّحتيّة الاقتصاديّة والمدنيّة في دول الخليج العربيّ رهائن وخاصرة رخوة لتصريف العجز العسكريّ أمام الولايات المتّحدة وإسرائيل.
يجب فضح هذا التّنسيق المصلحيّ والبرود التّكتيكيّ، وتذكير الوعي العربيّ بالدّعم الرّسميّ والشّعبيّ العربيّ لفلسطين قبل الثّورة الإيرانيّة، وتسليط الضّوء على اللّحظات التّاريخيّة الّتي اصطدمت فيها المقاومة الفلسطينيّة نفسها مع الأجندات الإيرانيّة التّوسّعيّة، لتحرير الوجدان العربيّ نهائيّاً من عقدة التّبعيّة للمنقذ الإيرانيّ الوهميّ.
رابعاً: تسليط الضّوء على الوجه الدّمويّ للقمع الدّاخليّ والمظالم القوميّة
يجب توجيه آلة الاتّصال الحكوميّ الاستراتيجيّ العربيّة لكشف التّناقض الأخلاقيّ العميق والازدواجيّة المروّعة للنّظام في طهران، بإبراز الوجه القمعيّ والدّمويّ الممارس ضدّ شعبه. يجب نشر تقارير دوريّة وموثّقة تكشف قمع المواطن الإيرانيّ المُطالِب بأبسط حقوقه المعيشيّة والسّياسيّة بذات التّهمة المعلّبة الجاهزة؛ “العمالة للصّهيونيّة”، وتوثيق المآسي الإنسانيّة مثل قضيّة النّاشط المدنيّ {أراش تولو شيخ زاده} الّذي سُحقت عظامه وقُتل تحت التّعذيب الوحشيّ والسّاديّ في أقبية استخبارات الحرس الثّوريّ في مدينة مشهد بحجّة “التّصهين” لمجرّد نشره مقاطع صوّرها لاحتجاجات سلميّة.
يضاف إلى ذلك، تعرية العنصريّة وسياسات التّطهير العرقيّ الممنهجة الممارسة ضدّ الأقلّيّات والمكوّنات غير الفارسيّة. ويتطلّب ذلك إعطاء منبر إعلاميّ وسياسيّ قويّ للصّوت العربيّ في إقليم الأهواز المحتلّ، وتسليط الضّوء المباشر على ما يعانيه هذا الإقليم الغنيّ بالثّروات النّفطيّة من سياسات “تفريس” قسريّة، وطمس متعمّد للّغة والهويّة العربيّة، وحرمان من عائدات الثّروات، وإعدام مستمرّ للشّباب، ممّا يعرّي تماماً الغطاء الأخلاقيّ والدّينيّ الّذي تتستّر به طهران، ويُسقط وهم الحضارة الفارسيّة المتسامحة.
خامساً: بناء خطّة تعليميّة شاملة لإدارة الاتّصال وتحصين الأجيال
الانتقال من الدّفاع الدّبلوماسيّ والصّمت إلى موقع الهجوم السّرديّ المنظّم يتطلّب بناء خطّة تعليميّة وإعلاميّة متكاملة. يجب تسليط الضّوء يوميّاً على الواقع الميدانيّ الموثّق لمسؤوليّة إيران المباشرة عن تدمير وإرجاع أربع حواضر عربيّة تاريخيّة (بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء) قروناً إلى الوراء، محيلةً دولها إلى دول فاشلة وممزّقة تنمويّاً.
وعلى الصّعيد التّعليميّ، تبرز الحاجة الماسّة للاقتداء بالشّجاعة الإداريّة والوطنيّة الّتي أظهرتها الإدارة السّوريّة الجديدة فور السّقوط المدوّي لنظام بشّار الأسد، بالشّروع الفوريّ بتنقيح المناهج المدرسيّة وتطهير مادّة “التّربية الوطنيّة” والمقرّرات الفلسفيّة والتّاريخيّة من كافّة التّعديلات والنّصوص المفبركة المُقحمة لتلميع المشروع التّوسّعيّ الفارسيّ ومفهوم “ولاية الفقيه”.
يرافق ذلك تفعيل دور النّخب، والأكاديميّين، وصنّاع الرّأي، والمؤسّسات التّعليميّة في تبصير الجماهير بخطورة الحركات “الشّعوبيّة” الجديدة، والعمل على بناء وعي تاريخيّ صحيح وحصيف لدى النّاشئة، يعيد الاعتبار للهويّة العربيّة إطاراً حضاريّاً، ولغويّاً، وجامعاً، يحتضن التّنوّع المذهبيّ دون السّماح بتذويبه لصالح ولاءات عابرة للحدود.
سادساً: تحفيز اقتصاديّات المناطق الحدوديّة، نقد الذّات، وهندسة التّحالفات
يتطلّب التّحصين الدّاخليّ تغييراً جذريّاً في التّعاطي مع الجغرافيا الدّيموغرافيّة؛ يجب تحسين الأوضاع المعيشيّة والاقتصاديّة والتّنمويّة في المناطق الحدوديّة. إذ إنّ تحويل هذه المجتمعات إلى جسور تواصل طبيعيّة تدعم التّبادل التّجاريّ والاجتماعيّ سيعزل الميلّشيات الطّائفيّة ويجفّف منابع تجنيدها. وفي المقابل، استمرار النّظرة الأمنيّة البحتة لهذه المناطق، وعسكرتها الدّائمة، وعزل سكّانها عن امتداداتهم العشائريّة والتّاريخيّة، يخنق أيّ فرصة للتّكامل الاقتصاديّ ويحيل هذه المجتمعات إلى بيئات هشّة يسهل اختراقها.
يتزامن ذلك مع ضرورة المراجعة المعمّقة ونقد الذّات العربيّ؛ فالاعتراف بهشاشة البنى السّياسيّة، وغياب التّنمية المتوازنة، وسوء إدارة التّنوّع الدّاخليّ، يبرز ثغرات هيكليّة استغلّتها الآلة الدّعائيّة الإيرانيّة للنّفاد إلى الدّاخليّ العربيّ. من هنا، يصبح الإصلاح العربيّ الدّاخليّ، الّذي يقدّم نموذجاً تنمويّا ناجحاً ويقضي على مظالم الأقلّيّات استباقيّاً، سلاحاً يسحب ذرائع التّهميش من يد التّدخّلات الخارجيّة.
وعلى الصّعيد الجيوسياسيّ، تتويج هذه الاستراتيجيّة يتطلّب بناء سياسة إقليميّة عربيّة متماسكة، قادرة على ملء الفراغ الإقليميّ وتنسيق المواقف الصّارمة. يدعم هذا التّوجّه الانفتاح الپراگماتيّ وبناء شراكات متوازنة مع قوى دوليّة صاعدة (مثل الصّين السّاعية لحماية أمن الطّاقة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والقوى الأوروپيّة)، بما يضمن استقلاليّة القرار العربيّ، ويمنع ارتهان المنطقة لثنائيّة الصّراع التّدميريّ بين طهران من جهة، والتّحالف الغربيّ-الإسرائيليّ من جهة أخرى.

الخاتمة
تختتم هذه الدّراسة الاستقصائيّة مساراً تحليليّاً معمّقاً لآليّات الدّعاية السّياسيّة الإيرانيّة في المشرق العربيّ وتداعياتها الجيوسياسيّة. إذ تتجلّى حقيقة هذا المشروع الپراگماتيّ التّوسّعيّ، الممتدّ من صدمات القرن الماضي وصولاً إلى المواجهة الإقليميّة المباشرة عاميّ 2025 و 2026، كونه غزواً إدراكيّاً يستهدف النّسيج المجتمعيّ العربيّ.
تتجاوز هذه المنهجيّة حدود العمليّات العسكريّة التّقليديّة، لتؤسّس “حرب زعران” غير متكافئة، وتوظّف ثنائيّات استقطابيّة حادّة وشعارات تضليليّة بغرض اختطاف الوجدان الشّعبيّ وتوجيهه لخدمة أجندات ولاية الفقيه، محوّلةً تهمة “التّصهين” إلى أداة إبادة سياسيّة تقمع الأصوات الوطنيّة المناهضة للهيمنة.
تؤكّد الشّواهد الميدانيّة الموثّقة خطورة اختراق الأمن الإدراكيّ، فالدّول تتداعى من الدّاخل متى سُلبت عقول أبنائها ودُفعت الجماهير للتّصفيق لمن يدمّر حواضرها ويهشّم بناها التّحتيّة. ويفرض الخلاص العربيّ، في ظلّ التّحوّلات الجيوسياسيّة النّاشئة وصعود المحاور شرق الآسيويّة لتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر، إرادةً سياسيّةً صارمةً، ومظلّةً إعلاميّةً عربيّةً موحّدةً، وتكنولوجيا سيبرانيّةً متقدّمةً.
يمثّل تفكيك شفرات التّضليل، واسترداد السّيادة المعرفيّة، وتحصين الأجيال القادمة، الطّريق الأوحد لحماية الهويّة العربيّة من الاستلاب، ورفض ارتهان مصير المنطقة ومصالحها العُليا لأسواق المساومات الإقليميّة أو الدّوليّة.
مراجع ومصادر
- الباروميتر العربيّ. “كيف يقيّم مواطنو الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا سياسات خامنئي الخارجيّة؟”. منشورات النّبض العربيّ، 2026. https://www.arabbarometer.org/ar
- وزارة الخزانة الأمريكيّة. “United States Seizes Websites Used by the Iranian Islamic Radio and Television Union”. مكتب مراقبة الأصول الأجنبيّة (OFAC)، 2020. https://home.treasury.gov
- شركة ميتا. “Meta’s Adversarial Threat Report”. تقرير الاستخبارات حول السّلوك الزّائف المنسّق، 2022. https://about.fb.com
- شركة ميتا. “Meta’s Adversarial Threat Report”. تقرير التّهديدات الرّبعي، 2023. https://about.fb.com
- شركة مايكروسوفت. “Microsoft Digital Defense Report”. تقرير الدّفاع الرّقميّ، 2024. https://www.microsoft.com/en-us/security
- شركة مايكروسوفت. “Microsoft Digital Defense Report: Extortion and ransomware drive cyberattacks”. 2025. https://news.microsoft.com
- الفردوسي، أبو القاسم. “الشّاهنامة”. ترجمة سمير المالطي، دار العلم للملايين، بيروت.
- خسرو، ناصر. “سفر نامة”. ترجمة يحيى الخشّاب، دار الكتاب الجديد، بيروت.
- الكبيسي، محمّد عيّاش. “مساجد في وجه النّار: دراسة توثيقيّة لانتهاكات الميليشيات في العراق”.
- منظّمة متّحدون ضدّ إيران النّوويّة (UANI). “The Islamic Radio and Television Union (IRTVU)”. https://www.unitedagainstnucleariran.com
- مشروع مكافحة التّطرّف (Counter Extremism Project). “IRGC (Islamic Revolutionary Guard Corps)”. https://www.counterextremism.com
- أُستوڤار، أفشون (Ostovar, Afshon). “Vanguard of the Imam: Religion, Politics, and Iran’s Revolutionary Guards”. مطبعة جامعة أوكسفورد، 2016.
- ألفونه، علي (Alfoneh, Ali). “Iran Unveiled: How the Revolutionary Guards Is Transforming Iran”. مطبعة أيه إي آي (AEI Press)، 2013.
- بلانفورد، نيكولاس (Blanford, Nicholas). “Warriors of God: Inside Hezbollah’s Thirty-Year Struggle”. راندوم هاوس، 2011.
- ليڤيت، ماثيو (Levitt, Matthew). “Hezbollah: The Global Footprint of Lebanon’s Party of God”. مطبعة جامعة جورجتاون، 2013.
- نايتس، مايكل (Knights, Michael). “The Evolution of Iran’s Special Groups in Iraq”. مركز مكافحة التّطرّف في ويست پوينت (CTC Sentinel).
- داغر، سام (Dagher, Sam). “Assad or We Burn the Country: How One Family’s Lust for Power Destroyed Syria”. ليتل براون، 2019.
- ليستر، چارلز (Lister, Charles). “The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgency”. مطبعة جامعة أوكسفورد، 2015.
- حدّاد، فنر (Haddad, Fanar). “Sectarianism in Iraq: Antagonistic Visions of Unity”. مطبعة جامعة إدنبرة، 2011.
- منصور، ريناد (Mansour, Renad). “Networks of Power: The Popular Mobilization Forces and the State in Iraq”. معهد چاتام هاوس، 2021.
- موراي، ويليامسون ووودز، كيڤن (Murray & Woods). “The Iran-Iraq War: A Military and Strategic History”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2014.
- كارش، إفرايم (Karsh, Efraim). “The Iran-Iraq War 1980-1988”. أوسپري پبلشنگ، 2002.
- تاكيه، راي (Takeyh, Ray). “Hidden Iran: Paradox and Power in the Islamic Republic”. تايمز بوكس، 2006.
- ميلاني، عبّاس (Milani, Abbas). “The Shah”. پالگريڤ ماكميلان، 2011.
- علاء الدّين، رنج (Alaaldin, Ranj). “The Origins and Ascendancy of Iraq’s Shiite Militias”. معهد بروكينگز. https://www.brookings.edu
- حكيّم، إميل (Hokayem, Emile). “Syria’s Uprising and the Fracturing of the Levant”. المعهد الدّوليّ للدّراسات الاستراتيجيّة (IISS)، 2013.
- طباطبائي، أريان (Tabatabai, Ariane). “No Conquest, No Defeat: Iran’s National Security Strategy”. مطبعة جامعة جورجتاون، 2020.
- جونو، توماس (Juneau, Thomas). “Iran’s policy towards the Houthis in Yemen: a limited return on a modest investment”. إنترناشونال أفيرز، 2016.
- ويري، فريدريك (Wehrey, Frederic). “Dangerous But Not Omnipotent: Exploring the Reach and Limitations of Iranian Power”. مؤسّسة راند (RAND)، 2009. https://www.rand.org
- بايمان، دانيال (Byman, Daniel). “Deadly Connections: States that Sponsor Terrorism”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2005.
- نصر، ڤالي (Nasr, Vali). “The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future”. دبليو دبليو نورتون، 2006.
- پارسي، تريتا (Parsi, Trita). “Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States”. مطبعة جامعة ييل، 2007.
- پولاك، كينيث (Pollack, Kenneth). “The Persian Puzzle: The Conflict Between Iran and America”. راندوم هاوس، 2004.
- أبراهاميان، إرڤاند (Abrahamian, Ervand). “A History of Modern Iran”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2008.
- مالوني، سوزان (Maloney, Suzanne). “Iran’s Political Economy since the Revolution”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2015.
- أنصاري، علي (Ansari, Ali). “Iran, Islam and Democracy: The Politics of Managing Change”. چاتام هاوس، 2006.
- معين، باقر (Moin, Baqer). “Khomeini: Life of the Ayatollah”. توماس دان بوكس، 1999.
- كريست، ديڤيد (Crist, David). “The Twilight War: The Secret History of America’s Thirty-Year Conflict with Iran”. الپينگوين، 2012.
- كلارك، كولين (Clarke, Colin). “Terrorism, Inc.: The Financing of Terrorism, Insurgency, and Irregular Warfare”. پِرَيگر، 2015.
- دودج، توبي (Dodge, Toby). “Iraq: From War to a New Authoritarianism”. المعهد الدّوليّ للدّراسات الاستراتيجيّة، 2012.
- سليم، رندا (Slim, Randa). “Hezbollah’s Roles in the Syrian Conflict”. معهد الشّرق الأوسط، 2014.
- بالانش، فابريس (Balanche, Fabrice). “Sectarianism in Syria’s Civil War”. معهد واشنطن لسياسة الشّرق الأدنى، 2018. https://www.washingtoninstitute.org
- هاشمي، نادر (Hashemi, Nader). “Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East”. مطبعة جامعة أوكسفورد، 2017.
- لينش، مارك (Lynch, Marc). “The New Arab Wars: Uprising and Anarchy in the Middle East”. پاپليك أفيرز، 2016.
- گاوس، گريگوري (Gause, Gregory). “The International Relations of the Persian Gulf”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2010.
- منظّمة العفو الدّوليّة (Amnesty International). “Iran: Trampling Humanity – Mass Arrests, Disappearances and Torture”. 2020. https://www.amnesty.org
- هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch). “We are a Tomb: Abuses by Iran’s Revolutionary Guards”. 2023. https://www.hrw.org
- مركز كارنيگي للشّرق الأوسط. “Militias in Iraq: The Invisible Threat”. 2021. https://carnegie-mec.org
- معهد واشنطن لسياسة الشّرق الأدنى. “IRGC’s Cyber Capabilities and Asymmetric Warfare”. 2022.
- شركة فاير آي (FireEye). “Advanced Persistent Threat 33: Iranian Cyber Espionage”. 2019. https://www.mandiant.com
- كراود سترايك (CrowdStrike). “Global Threat Report: Adversary Tradecraft”. 2024. https://www.crowdstrike.com
- مؤسّسة راند (RAND). “Iran’s Cyber Threat: An Evaluation of Capabilities”. 2020. https://www.rand.org
- بيلينگكات (Bellingcat). “Tracking Iranian Disinformation Networks in the Arab World”. 2021. https://www.bellingcat.com
- المجلس الأطلسيّ (Atlantic Council). “Iran’s Digital Repression and Cyber Influence Operations”. 2022. https://www.atlanticcouncil.org
- مجموعة الأزمات الدّوليّة (Crisis Group). “Iran’s Networks of Influence in the Middle East”. 2020. https://www.crisisgroup.org
- سميث، فيليب (Smyth, Phillip). “The Shiite Jihad in Syria and Its Regional Effects”. معهد واشنطن، 2015.
- زيلين، آرون (Zelin, Aaron). “Your Sons Are at Your Service: Tunisia’s Missionaries of Jihad”. مطبعة جامعة كولومبيا، 2020.
- حسن، حسن (Hassan, Hassan). “ISIS: Inside the Army of Terror”. ريگان آرتس، 2015.
- جرجس، فوّاز (Gerges, Fawaz). “ISIS: A History”. مطبعة جامعة پرينستون، 2016.
- فيليپس، كريستوفر (Phillips, Christopher). “The Battle for Syria: International Rivalry in the New Middle East”. مطبعة جامعة ييل، 2016.
- دالاكورا، كاترينا (Dalacoura, Katerina). “Islamist Terrorism and Democracy in the Middle East”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2011.
- احتشامي، أنوش (Ehteshami, Anoush). “Iran and the Middle East: Foreign Policy and Domestic Priorities”. روتليدج، 2018.
- هنتر، شيرين (Hunter, Shireen). “Iran’s Foreign Policy in the Post-Soviet Era”. پِرَيگر، 2010.
- بدوي، تامر (Badawi, Tamer). “Iran’s Economic Influence in Iraq”. مركز كارنيگي، 2019.
- عابدين، ماهان (Abedin, Mahan). “Iran’s Resurgent Empire: The New Geopolitics of the Middle East”. هيرست للإصدارات، 2019.
- لوتواك، إدوارد (Luttwak, Edward). “Strategy: The Logic of War and Peace”. مطبعة جامعة هارڤارد، 2001.
- ميرشايمر، جون (Mearsheimer, John). “The Tragedy of Great Power Politics”. دبليو دبليو نورتون، 2001.
- والت، ستيفن (Walt, Stephen). “The Origins of Alliances”. مطبعة جامعة كورنيل، 1987.
- لويزار، پيير-جان (Luizard, Pierre-Jean). “Le Piège Daech: L’État islamique ou le retour de l’Histoire”. لادي كوڤيرت، 2015.
- كيپيل، جيل (Kepel, Gilles). “Sortir du Chaos: Les crises en Méditerranée et au Moyen-Orient”. گاليمار، 2018.
- روجييه، برنارد (Rougier, Bernard). “The Sunni Tragedy in the Middle East”. مطبعة جامعة پرينستون، 2015.
- ليفيڤر، رافائيل (Lefèvre, Raphaël). “Ashes of Hama: The Muslim Brotherhood in Syria”. مطبعة جامعة أوكسفورد، 2013.
- صايغ، يزيد (Sayigh, Yezid). “Republic in Command: The Armed Forces and State Building in Syria”. مركز كارنيگي، 2017.
- شحادة، نديم (Shehadi, Nadim). “The Syrian Crisis and the Future of the Levant”. چاتام هاوس، 2018.
- خطيب، لينا (Khatib, Lina). “Iran’s Proxies in the Middle East”. معهد چاتام هاوس، 2021.
- يحيى، مها (Yahya, Maha). “Unheard Voices: What Syrian Refugees Need to Return Home”. مركز كارنيگي للشّرق الأوسط، 2018.
- باحوط، جوزيف (Bahout, Joseph). “The Syrian Crisis and Regional Destabilization”. معهد بروكينگز، 2016.
- سالم، پول (Salem, Paul). “Bitter Legacy: Ideology and Politics in the Arab World”. مطبعة جامعة سيراكيوز، 1994.
- الدّوسري، ندوى (Al-Dawsari, Nadwa). “The Houthis and the Limits of Diplomacy”. معهد الشّرق الأوسط، 2021.
- كيندال، إليزابيث (Kendall, Elisabeth). “Yemen’s Al-Qaeda: Beyond the Narrative”. مطبعة جامعة أوكسفورد، 2018.
- جونسن، گريگوري (Johnsen, Gregory). “The Last Refuge: Yemen, al-Qaeda, and America’s War in Arabia”. دبليو دبليو نورتون، 2012.
- سالزبوري، پيتر (Salisbury, Peter). “Yemen and the Saudi-Iranian Cold War”. چاتام هاوس، 2015.
- براندت، ماريكه (Brandt, Marieke). “Tribes and Politics in Yemen: A History of the Houthi Conflict”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2017.
- لاكنر، هيلين (Lackner, Helen). “Yemen in Crisis: Autocracy, Neo-Liberalism and the Mirage of Democracy”. ساكي بوكس، 2017.
- خليلي، لاله (Khalili, Laleh). “Sinews of War and Trade: Shipping and Capitalism in the Arabian Peninsula”. ڤيرسو بوكس، 2020.
- كشاورزيان، أرنگ (Keshavarzian, Arang). “Bazaar and State in Iran: The Politics of the Tehran Marketplace”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2007.
- كامراڤا، مهران (Kamrava, Mehran). “Inside the Arab State”. مطبعة جامعة أوكسفورد، 2018.
- بيات، آصف (Bayat, Asef). “Revolutionary Life: The Everyday of the Arab Spring”. مطبعة جامعة هارڤارد، 2021.
- دباشي، حميد (Dabashi, Hamid). “Iran: A People Interrupted”. النّيو پِرَس، 2007.
- أمانات، عبّاس (Amanat, Abbas). “Iran: A Modern History”. مطبعة جامعة ييل، 2017.
- أكسورثي، مايكل (Axworthy, Michael). “Revolutionary Iran: A History of the Islamic Republic”. مطبعة جامعة أوكسفورد، 2013.
- متّحدة، روي (Mottahedeh, Roy). “The Mantle of the Prophet: Religion and Politics in Iran”. سيمون وشوستر، 1985.
- ماتيسن، توبي (Matthiesen, Toby). “The Other Saudis: Shiism, Dissent and Sectarianism”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2015.
- لور، توماس (Pierret, Thomas). “Religion and State in Syria: The Sunni Ulama from Coup to Revolution”. مطبعة جامعة كامبريدج، 2013.
- پيترس، إيرين (Peters, Erin). “Disinformation and Cyber Operations in the Middle East”. مؤسّسة راند، 2022.
- مير، مارك (Meyer, Marc). “The Logic of Force in Irregular Warfare”. أوسپري پبلشنگ، 2014.
- كورديسمن، أنتوني (Cordesman, Anthony). “Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities”. مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والدّوليّة (CSIS)، 2007. https://www.csis.org
- زيدل، أندرياس (Zindel, Andreas). “The Economics of the Iran-Iraq War”. روتليدج، 2011.
- كوهين، رافائيل (Cohen, Raphael). “The Future of Asymmetric Warfare”. مؤسّسة راند، 2023.
- إسبوزيتو، جون (Esposito, John). “The Iranian Revolution: Its Global Impact”. مطبعة جامعة فلوريدا التّكنولوجيّة، 1990.





اترك رد