من عاداتي طولة البال. في الواقع أكثر ما يثير استغراب أصدقائي منّي هو طول طولة بالي وصبري على المفاصل المملّة.
قبل أكثر من عشرين عام كنت أصنع الخزف، وصنعت الكثير من الجِرار والأواني التي زيّنت بيتي وبيوت معارفي… كانت تسليتي الأسبوعية، وهوايتي التي أنفق عليها وفيها في مقابل راحة نفسي.
في ذات الوقت، تبنّيت هرّة شامية صغيرة عثرت عليها شاردة في الطريق؛ وأسميتها ماكسين. كانت صغيرة بحجم الكفّ وكثيرة الحركة كإسمها مثل شهاب لهّاب. ولكثرة حركتها كانت كأنّها تجري كإعصار على جدران البيت.
المهم، من شدّة انفعال لعب هذه الهرّة؛ كثيراً ما أوقعت خزفيّاتي وكسّرتها. والخزف كما تعلم ينفرط… أعود وألملم تلك الشظايا، وأُمضي عطلة نهاية الأسبوع في تجميعها باللاصق من جديد. ثمّ أعيدها إلى مكانها ذاته.
تقريباً، تكرّر ذات الحادث كلّ أسبوع، وفي كلّ مرّة أعود إلى لصق الشظايا وإعادة القطعة إلى مكانها السابق وبدقّة.
لم يحدث أن زجرت تلك الهرّة مرّة، وكانت تلهو حواليّ وعلى أكتافي في حين أُلصق قطع الخزفية التي كسرتها… تسرق ماسورة اللاصق، أو تلعب بكمّي كأنّها تباطح فريسة.
لكن، كنت أعيد القطعة معالجة إلى مكانها أمام مرأى الهرّة ومتابعتها. وهي تعلم أنّها سبق وكسرتها. حتّى تعلّمت مع الزمن أنّ وجود هذه القطعة الخزفية في موضعها مهمّ بالنسبة لي، وأنّ كسرها لن يغيّر شيئاً من الواقع. فتركتها وصارت حريصة في أثناء اللّعب.

مع الوقت كبرت القطّة وما عادت تجري على الجدران، وتقلّص مقدار الوقت المنهوب منّي في صيانة القطع المتكسّرة وإعادة إلصاقها. وصارت مناظر هذه القطع المرمّمة في البيت روابط إلى ذكريات طفولة هذه القطة ولهوها.
اليوم تعالجني الحياة كهذه الهرّة، تكسّر منجزاتي الخزفية لاهية باستمرار؛ وأصرف وقت الراحة بإعادة تجميعها وإلصاقها… أوقن أنّ الحياة هريرة عنيفة لن تكبر، وأدرك أنّ خوفي على خزفيّاتي سيمنعها ويمنعني من معالجة الحياة.
لذا، أصنع من حياتي خزفيّات جديدة كلّ مرّة، أتركها وحيدة في الأركان دون حماية، ولا بأس. إن كسرتها هذي اللاهية أعيد لملمتها وتجميعها من جديد، وتبق عليها علامات الترميم ذكريات إشارة؛ إلى أنّني خبرت حياة تنمو باستمرار.
واليوم وقد كبرت في السن، لا تزال تلك العادة راسخة فيّ. فالحياة ما زالت تكسرني كل يوم، وأنا ما زلت أجمع شتات نفسي وأواصل المسير خطوة تلو الأخرى. لم يعد لديّ القدرة على صناعة الخزف كما في السابق. لكني ما زلت أجد هوايات أخرى تشغلني وتريح بالي.
وفي كلّ مرّة تتحطّم فيها أحلامي أو تنكسر آمالي، أستعيد توازني وأبدأ من جديد. فالألم جزء من الحياة، والفشل خطوة نحو النجاح. ما يهمّ هو النهوض بعد كلّ سقطة ومواصلة السعي وراء الهدف.
فلا شيء يدوم، والحياة مليئة بالتقلّبات. وسأواصل السير حتى آخر لحظة، متمسّكاً بصبري وطول بالي اللذان رافقاني طيلة هذه الرحلة.






اترك رد