لواء إسكندرون، الذي يُعرف اليوم بمحافظة هطاي في تركيا، منطقة غنيّة بتاريخ لا يمكن فصله عن التنافس الجيوسياسي والهويّات المتعدّدة التي تشكّلت عبر العصور. وشهدت هذه المنطقة على مرّ الزمان تحوّلات كبيرة في السيادة والهويّة، وتركت هذه التحوّلات بصماتها على النسيج الاجتماعي والثقافي للسكان.
في هذه التدوينة، سنغوص في تفاصيل تاريخ لواء إسكندرون، بدءًا من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وتأثير معاهدة سيفر واتّفاقية أنقرة، وصولاً إلى النقاشات الدولية والإقليمية التي شكّلت مصير هذه المنطقة. سنستعرض البنية الديموغرافية المعقّدة التي تضّم العرب والأتراك والأرمن والتركمان وغيرهم، وكيف انعكس هذه الخليط الثقافي في الحياة السياسية والاجتماعية للّواء.
سنسلّط الضوء أيضاً على دور الانتداب الفرنسي واستراتيجيّاته الإدارية التي سعت لتنظيم العلاقات بين المجتمعات المحلّية والسلطة الاستعمارية، وكيف أثّرت هذه السياسات على الهُوِيَّة الجماعية والمطالب الوطنية للمنطقة. من طريق دراسة السياق التاريخي والحوادث السياسية، سنحصّل فهماً أعمق للتحدّيات التي ما تزال تواجه هذه المنطقة حتى يومنا هذا.
بدأت جمهورية سوريا المطالبة بمحافظة إسكندرون عقب جلاء القوّات الفرنسية فورًا، إذ في خطاب له أمام مجلس النواب السوري عام 1946، قال القوّتلي: “إنّ لواء الإسكندرون كان ولا يزال جزءًا لا يتجزّأ من سوريا، ولن نعترف أبدًا بشرعيّة احتلاله من قبل تركيا”. ولطالما كانت هذه القضيّة في خدمة استراتيجية الحرب الباردة للحفاظ على حالة تعادي وقطيعة ما بين الجارتين سوريا وتركيا.
هطاي المعاصرة هي وحدة إدارية مكوّنة من منطقتين كانتا تنتميان لولايتين عثمانيتيّن مختلفتين، هما:
• ولاية حلب من الجَنُوب، وفيها مدينة إسكندرون.
• ولاية “عثمانية” من الشمال وفيها مدينة أضنة.

جميع مدن ما يُعرف بلواء إسكندرون كانت مختلطة ما بين عرب وأرمن وترك وتركمان وروم ونورمان وغيرهم. علمًا أنّ لواء (سنجق) إسكندرون هو القسم الجنوبي فقط من ما هو اليوم هطاي.
كانت تتركّز الأغلبية العربية في الجَنُوب، وجلّها من الطائفتين العلوية واليونانية، في حين تتركّز الأغلبية التركية في الشمال وجلّها من السنة مع أقلية جعفرية تركمانية.
انتمى أغلب شباب العرب العلوية إلى حزب البعث العربي (جناح زكي الأرسوزي)، في حين انتمت الأقلّية العربية السنّيّة والمسيحيّة في أضنة إلى جمعية العربية الفتاة. أما شباب الترك السنّة فانتموا بأغلبهم إلى جمعية تركيا الفتاة؛ وموطنها أضنة.
سنة 1920 كانت النيّة الفرنسية إنشاء دولة عربية مستقلّة في منطقتي الإسكندرون وقيليقية (أضنة ومرسين) تحت اسم إسكندرونة Alexandrette تكون تحت الحماية الفرنسية والنفوذ الفرنسي المطلق (المادة 27 من معاهدة سيفر Traité de Sèvres).

سنة 1921 وقّعت فرنسا وجمهورية أنقرة اتفاق أنقرة Traité d’Ankara الذي نصّت المادة السابعة منه على “نظام إداري خاص سيتم إنشاؤه لمنطقة الإسكندرونة. سيتمتّع السكّان الأتراك في هذه المنطقة بتسهيلات لتنميتهم الثقافية. ستحظى اللّغة التركية بالاعتراف الرسمي.”
سنة 1923 وبعد تقسيم حلب، ربطت فرنسا إدارة منطقة إسكندرونة بإدارتها الانتدابية على حلب بشكل اتّحادي، بشكل يسمح باستمرار تواجد القوّات التركية واللّغة التركية في إسكندرونة وفق اتّفاق أنقرة.
سنة 1925 ربطت فرنسا إدارة ما تبقّى من حلب بإدارتها الانتدابية على ما صار يُعرف باسم دولة سوريا État de Syrie في دمشق. مع نوع من الوضع الإداري الفيدرالي سمّته فرنسا النظام الخاص régime spécial.
خريطة التقسيم الفرنسي قبل سنة 1937، لحصّة فرنسا من الدولة العثمانية البائدة، وكما كانت تسمّيها فرنسا “خريطة مناطق الحكم الذاتي تحت الإدارة الانتدابية لسوريا ولبنان”

مناطق الحكم الذاتي كانت، على الترتيب من الجَنُوب إلى الشمال:
- جبل الدروز
- دولة دمشق
- لبنان الكبير
- دولة العلويين
- دولة حلب
- سنجق إسكندرونة
لم يتبع “لواء إسكندرون” لسوريا الحديثة يومًا. بل كان دولة مستقلة باسم “دولة خطاي”. حاولت الكتلة الوطنية إقناع سكّان خطاي بالانضمام إلى الاتّحاد السوري سنة 1936 مع لبنان أسوة بجمهوريّات دمشق وحلب والزور، لكنّ حكومة خطاي، أسوة بلبنان، رفضت الانضمام إلى الاتّحاد السوري رغبة بالحفاظ على ثنائيّتها القومية.
سنة 1936 رعت فرنسا استفتاء شعبيًا قرّر ما إذا كان سنجق إسكندرون سيصبح سوريًا ضمن الدولة الجديدة، وفازت أصوات رافضي الاتحاد بأغلبية ضعيفة.
سنة 1937 انفصلت إدارة منطقة إسكندرونة عن جمهورية سوريا حديثة العهد، وبعد بضعة أشهر من تأسيسها. ورُبطت منطقة إسكندرونة عسكريًا بوزارية الدفاع التركية، إلى جانب فرنسا.
سنة 1938 استقلّت خطاي بنظام جمهوري برئاسة “طيفور عطا سوكمن” في عاصمتها أنطاكيا، وكانت لغتها الرسمية هي التركية وإلى جانبها الفرنسية. وكان اسمها بالفرنسية État du Hatay، التي أعلنت استقلالها عن فرنسا سنة 1938. وهذه صورة لرايتها.

سنة 1939 عرضت فرنسا على تركيا ابتلاع خطاي مقابل الامتناع عن دخول الحرب العالمية الثانية، فافتعلت مخابرات فرنسا انقلابًا عسكريًا في حكومة خطاي قاده القوميّون العرب، تحت شعارات الانضمام إلى سوريَا، ما فتح الطريق أمام الجيش التركي لاجتياح خطاي والوصول حتى جبل الزاوية، متذرّعًا بحماية الترك.
لاحقًا رعت الأمم المتحدة استفتاءً بين أهل خطاي؛ غلبت فيه أصوات الراغبين بالحماية التركية، فاكتسب الوجود العسكري التركي شرعية دولية وانتهى استقلال خطاي.
كانت نتيجة الانقلاب الفاشل هرب جميع أعضاء حزب الأرسوزي إلى دمشق، وفيهم زكي الأرسوزي نفسه، واشتغل مدرّسًا للغة العربية في مدارس دمشق طيلة حياته.
طلب أرمن خطاي من فرنسا عدم الالتحاق بتركيا، ففصلت السلطات الفرنسية مدينة كسب في الجَنُوب وضمّتها للاتحاد السوري، وكان الأرمن اشتروا انسحاب الجيش التركي عن مناطقهم بالذهب، وعوقب الضابط المرتشي من قِبل قادته بالموت بابتلاع الذهب.
ويُذكر أنّ بريطانيا فعلت فعلة فرنسا ذاتها حين عرضت على اليونان ابتلاع قبرص مقابل الامتناع عن المشاركة في الحرب العالمية الثانية، لكن اليونان رفضت السيادة على قبرص؛ بحجّة أنّ أغلب سكّانها من المسلمين.
مراجع ومصادر:
- Seale, Patrick. “The Struggle for Syria: A Study of Post-War Arab Politics, 1945-1958.” I.B.Tauris, 1986. ISBN: 978-0863560643.
- Tauber, Eliezer. “The Formation of Modern Syria and Iraq.” Frank Cass, 1995. ISBN: 978-0714646408.
- Khoury, Philip S. “Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920-1945.” Princeton University Press, 1987. ISBN: 978-0691101597.
- Longrigg, Stephen H. “Syria and Lebanon under French Mandate.” Oxford University Press, 1958. ASIN: B0000CK63S.
- Paris, Timothy J. “Britain, the Hashemites and Arab Rule: The Sherifian Solution.” Routledge, 2003. ISBN: 978-0714654519.
- Provence, Michael. “The Great Syrian Revolt and the Rise of Arab Nationalism.” University of Texas Press, 2005. ISBN: 978-0292706804.
- Cleveland, William L. “A History of the Modern Middle East.” Westview Press, 2016. ISBN: 978-0813349800.
- Meouchy, Nadine et al., eds. “The British and French Mandates in Comparative Perspectives/Les Mandats Francais Et Anglais Dans Une Perspective.” Brill, 2004. ISBN: 978-9004133136.
- Harris, William. “The Levant: A Fractured Mosaic.” Markus Wiener Publishers, 2003. ISBN: 978-1558762349.
- Quataert, Donald. “The Ottoman Empire, 1700-1922.” Cambridge University Press, 2005. ISBN: 978-0521839105.





اترك رد