القهوة المشهورة بين العرب والعالم باسم القهوة التركية، هي في الواقع وصفة القهوة العربية الشامية، بنت منطقة الشام، وهي تطوير لقهوة البدو الشماليّة التي يسمّيها أهل مدن الشام {قهوة عربيّة} أو {قهوة مرّة}، في حين يسمّيها بدو الشام بـ{القهوة الساده} (أي الساذجة)، لذا وبينما يخطئ العالم في حقّنَا، من حقّها علينا نحن العرب أن نسمّيها بالقهوة الشامية، وليس القهوة التركية.
وبالمناسبة، الأتراك لم يسرقوا القهوة، ولا يدّعون أنّ هذه القهوة لهم، وفي تركيا اسمها قهوة عربيّة. إنّما نحن العرب من نسمّيها قهوة تركيّة ونحن العرب من علّمنا العالم أنّ يسمّيها قهوة تركيّة، لأنّ كلمة “تركية” جذّابة أكثر من كلمة شاميّة، ولتمييزها عن قهوة نجد الشقراء: القهوة العربية الذهبية. شركاتنا الحلبيّة واليمنيّة في القرون ١٦-١٧ هي التي صدّرت القهوة أوّلاً إلى العالم، وليست شركات تركية.
من جهة ثانية، السبب الذي يجعل العالم جميعًا يشير إليها على أنّها “قهوة تركية” هو أنّ القهوة أصبحت ظاهرة عالمية خلال حياة الإمبراطورية العثمانية، المعروفة في غرب العالم باسم تركيا، عندما انتشرت إلى العديد من مناطق أوروپا وآسيا.

قال الأستاذ مالك بهاء الدين من تدمر: “لم أستسغ يومًا وصفها بالقهوة التركية. نسمّيها قهوة عربية. والبدويّة نسمّيها مرّة لأنّها تُطبخ على النار فترة طويلة نسبيًّا حتى تصبح ثقيلة ويتم تقديمها عادة يوميًا عند البدو القاطنين بالبادية السوريّة وبطريقة تحضير على الحطب ممّا يعطيها نكهة رائعة. وطريقة تقديمها لها أصول، إذ يُسكب القليل منها بالفنجان وتقدّم باليد اليمنى. وفي حال وضع الضيف الفنجان على الأرض أو أمامه على الطاولة فذلك يعني أنّ له طلب عندك المضيف، والمضيف يردّ أشرب قهوتك (كهوتك) وطلبك نافذ. وعند شرب الفنجان وعدم الرغبة بفنجان ثاني يرفع الضيف الفنجان قليلًا بيده مع تحريكه.”
القهوة الشامية:
- يشربها العرب في نسخة صغيرة من فناجين demitasse سعتها ٢ أونصة. والديميطاسة عادة ٣-٤ أونصة.
- تقليديًا، كلّ فنجان قهوة شامية فيه مقدار ملعقة شاي من الطحين الناعم من تحميصة ٥٠٪ هال + ٥٠٪ بن عربي داكن.
- يعني، كلّ فنجان قهوة شاميّة فيه حوالي ٣ غرام بن وهيل، هم: ٢ غرام بن + ١ غرام هيل.
- فنجان القهوة الشامية حوالي ٧٥ غرام، ٦٠ ملل، ٢ أونصة سائل. وفي حال صببنا كامل القهوة في الفنجان مع كلّ الطحل، تكون النتيجة حوالي ٧٣ غرام قهوة + ٢ غرام طحل. على افتراض ١ غرام زيوت حلّت من البن والهيل المطحون بالماء.
ما يجلب لعروقك متعة القهوة العربية الشامية هو غرام واحد فقط من زيوت القهوة مع الهال، تشربها محلولة بالماء.

من بين ٨٠٠ مركّب طيّار في حبّة البن، تشرب في فنجان القهوة وفي ذلك الغرام الواحد حوالي ٣٠ منها، أهمّها:
- دهون ثلاثية Triglycerides حوالي ٦٠٪ من مساهمة البن في القهوة، مسؤولة عن ملمس وقوام القهوة في الفنجان.
- تربينات ثنائية الحلقة Diterpenes تشمل هذه الكافستول والكاهويل، مسؤولة عن النكهة المرّة في فنجان القهوة.
- استرات البن Esters مسؤولة عن الرائحة المغرية في فنجان القهوة.
- فورانونز Furanones مسؤولة عن النكهة التي تشبه الشوكولا في قهوتك.

ومن الهال ينحلّ في فنجان قهوتك:
- أحادي التيربين Monoterpenes حوالي ٨٠٪ من مساهمة الهال في القهوة، وتتغيّر نكهته حَسَبَ نوع الهال في البلاد العربية، ومنها limonene (الحمضي)، alphapinene (صنوبري)، وbetapinene (صنوبري أيضًا مع لمسة من النعناع).
- إسترات الهال: أشهرها صنفين geranyl acetate (وردي) وmethyl cinnamate (فلفلي مع لمسات من القرفة).
- سينول Cineole، موجود بكمّيّة صغيرة جدّاً ونكهته كنكهة الكينا، لكنّه يمنح شعور الخدر الخفيف بعد فنجان القهوة. وهو مادّة مثيرة للإدمان.
- ألدهيدات Aldehydes، تعطي الرائحة الخضراء المميّزة لقهوة الهال.
كل هذه المواد سابقة الذكر تتقاسم حصّة لها من الغرام الواحد فقط من زيت القهوة الذي تشربه في ماء فنجان قهوة شامية واحد.

قال الأستاذ منير طلال من صنعاء: “نزرع عُلى البنّ ونعتني بأشجارها وثمارها نتابعها باستمرار وعندما تظهر زهرة البن إلى الوجود نحلّق معها وكأنّ أرواحنا خُلقت من جديد. تتساقط زهور البنّ وتظهر الثمار الخضراء وندور في فلكها وهي تتلوّن ونقطفها عندما تصبح حمراء. لها طعم كالسكّر نجفّفها على أسطح البيوت وفي شوالات تحملها القوافل. نرسلها بعد أن نحتفظ بقشورها لنا لأنّ قهوتنا في اليمن الحبيب من القشور، وهي قهوة لذيذة الطعم لا نضيف إليها السكّر، فهي تتمتّع بالتحلية الطبيعية. وبالنسبة للحبوب فنشربها في أوقات معينة. أرسلنا القهوة عبر ميناء المخاء إلى العالم عندما كانت أوروپا تعيش في العصور المظلمة. وبفضل قهوتنا صحّ العالم من سباته منتعشًا بمذاق القهوة اليمنيّة. نقل الهولانديّين والبريطانيّين والإسپان ثمار القهوة وزرعوها في مستعمراتهم. لكن، تظلّ قهوتنا هي الأفضل. وكم هو تعيس ذلك الإنسان الذي لم يتذوّق البنّ اليمني”

في الختام، القهوة الشاميّة أو القهوة العربيّة هي جزء لا يتجزّأ من الهُوِيَّة العربيّة والتراث الحضاري للمنطقة. تاريخها العريق وشعائرها المتأصّلة تجعلها أكثر من مجرّد مشروب منعش، بل هي رمز للكرم العربيّ والترحيب بالضيوف. من طريق احترام أصولها وإحياء تقاليدها، نحافظ على هذا الإرث الثقافيّ الغنيّ ونتشارك فيه مع الأجيال القادمة. فلنفتخر بالقهوة الشاميّة ونحتفي بها واحدة من الروائع التي قدمتها الحضارة العربية للعالم.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد