من أزقّة القاهرة القديمة إلى موائد الأسر في مختلف أنحاء المنطقة العربية، شقّ الفول المدمّس طريقه ليصبح جزءاً أساسيّاً من العادات الغذائية لملايّين الناس. في هذا المقال، نستكشف أصول هذه الوجبة الشهيرة، ونتعرّف على تنوّعاتها المختلفة، ونسلّط الضوء على مكانتها في المطابخ المحلّية المتنوّعة.
اليوم أحدّثك عن الفول المدمّس، هذه الأكلة العظيمة المنتشرة في جميع أنحاء القسم العربي من الشرق الأوسط كأكلة شعبيّة مهمّة، ومن تقاليد مائدة يوم الجمعة في البيوت الشامية.

ونبدأ بمعنى كلمة “فول مدمّس” الذي يعني “فول مسلوق بالتدميس. وفقاً لمعجم اللّغة العربية المعاصرة، كلمة “تدميس” تعني إنضاج الفول بواسطة طبخه في وعاء مغلق مدفون في الفحم. معجم اللّغة العربية المعاصرة هو من إنتاج القرن العشرين.
وفقاً لمعجم لسان العرب لابن منظور الصادر في القاهرة في القرن الثالث عشر لمصلحة حكومة المماليك، “دمْس الشيء” يعني إغلاق الوعاء عليه. مثلاً، “دمس الخمر” يعني أغلق عليها البرميل، و”دمس القهوة” يعني خمّرها. وعلى هذا، “دمس الفول” يعني إغلاق القدر عليه حتى ينضج ويستوي… وهي كلمة ترتبط في الأصل مع صفة دامس للظلام، ودامس للّون الداكن بشدّة.
في دمشق، كان جدي أبو زياد – رحمه الله – لا يقول إلّا “فول مدمس بزيت” ولا يغفل كلمة زيت. وفي طفولتي ظننت أنّ معنى التدميس هو إضافة الزيت، لكنّني اكتشفت لاحقاً أنّ التدميس هو السلق، في حين أنّنا نقول عنه “بزيت” بمعنى أنّه فول مسلوق أضيف إليه الزيت.
تسمية “فول مدمّس” أتتنا أصلاً من مصر، أمّا الكلمة الشامية المقابلة لها فهي “فول نابت” (نابذ)، وتعني فول متروك (منبوذ) حتّى تفتّح من السلق. وهي التسمية التي يستخدمها الشاميّون حتّى اليوم للفول المسلوق دون إضافات.
خلال العصر المملوكي انتشرت أكلة الفول المدمّس في مصر كوجبة للعمّال والحرفيّين. وبما أنّ سوريا المعاصرة كانت جزءاً من سلطنة المماليك، وصلها الفوّالون المصريّون الذين افتتحوا فيها محلّات لتدميس الفول وتقديمه لزبائنهم، سواء من العمال أو الموظّفين.
اليوم نجد وجبة الفول المدمّس معروفة كوجبة من المطبخ المحلّي في كامل المنطقة من سوريا شمالاً إلى اليمن والصومال وإثيوپيا جنوباً، ومن العراق شرقاً إلى ليبيا غرباً. باختصار، كلّ المنطقة التي استطاع الفوّال المصري الوصول إليها أيام سلطنة المماليك.
من المهمّ أن نعرف أنّ المطبخ المصري الشمالي مطبخ نباتي بطبيعته، تماماً مثل الساحل السوري والشامي، وأكثر ما يمكن أن يكرهه ابن هذا المطبخ هو إضافة شيء حيواني لوجبة نباتية في أصلها. لذلك، وجبة الفول المدمّس بزيت يجب أن تكون خالية من اللّحم ومن أي منتج حيواني.
العناصر الرئيسية للفول المدمّس بزيت هي: فول مسلوق وزيت زيتون وكمّون. هذه هي المكوّنات الأساسية الموجودة في جميع وصفات الفول المدمّس. غير أنّ كل منطقة من مناطق شرق المتوسّط عدّلت الوصفة بإضافة مواد من مطبخها المحلّي، لتناسب أذواق الزبائن.
القيمة الغذائية للفول المسلوق
الفول الأخضر المسلوق غنيّ بالعديد من العناصر الغذائية المهمّة. والقيمة الغذائية التقريبية لكوب واحد (حوالي 170 غرام) من الفول المسلوق تعادل: بروتين بيضتين. ألياف ثلاث تفّاحات بقشرها. حديد 85 غ لحم أحمر مطبوخ. نصف كوب من السبانخ المطبوخة.
الفول غني بالألياف والبوتاسيوم، مما يساعد في تقليل مستويات الكوليسترول وضغط الدم. والألياف الغذائية في الفول تساعد على تحسين الهضم ومنع الإمساك. والفولات والحديد مهمّان لإنتاج الطاقة وصحّة الدم.
ميلاد الفول المدمّس
نعرف اليوم وصفات مختلفة للفول المدمّس، لكن هناك قصة طريفة وراء اختراع وجبة الفول المدمّس وتاريخها الجميل. وهي في ذاتها قصّة من مظاهر حسن إدارة المصريّين للطاقة والامتناع عن هدرها.
الأستاذة الأمريكية من أصل فلسطيني جانيت أبو لغد Janet Lippman Abu-Lughod بحثت حتى توصّلت إلى حكاية أصل الفول المدمّس. والأستاذة أبو لغد عالمة اجتماع متخصّصة بالمجتمع المدني. نشرت عن طريق جامعة پرنستون كتاباً مهمّاً عن تاريخ القاهرة.
تقول الأستاذة جانيت أنّه خلال القرون الوسطى شاع في مدينة القاهرة استعمال حمّامات السوق، التي كان الناس يسمّونها حمّامات الأميرات. وعندما كانت مواقد تدفئة مياه الحمّامات تبقى مشتعلة بالحطب على مدار اليوم، أراد أهل القاهرة الاستفادة من حرارتها في استخدامات أخرى بدل الهدر.

لذلك، صمّم أهل القاهرة قدراً خاصّاً لسلق الفول وصاروا يدفننها داخل حطب موقد الحمّام، ويتركنها طوال اللّيل بعد إغلاقها بإحكام. في الصباح، يبيعون من فولها المسلوق لروّاد وزبائن الحمام، مع الزيت والملح والكمّون. وهكذا انتشرت الوصفة الأولى للفول المدمّس التي سمّاها الناس “فول الحمّام”. وبعد ما ذاعت شهرة أكلة الفول المدمّس، صارت المطاعم ترسل صنايعيّتها ليأخذوا فول مسلوق من مواقد الحمّام، لكي يبيعوا في مطاعمهم صحن فول مدمّس بزيت. وبقيت الناس على هذه العادة إلى أن تطوّرت طريقة لسلق الفول بمواقد النفط والغاز بدال الحطب، وصارت الناس تسلق في محلّاتها.
الأستاذة جانيت تحدّد مكان أوّل حمّام باع فول الحمّام في مدينة القاهرة الذي عُرف باسم “حمّام المؤيّد شيخ”، وتقول أنّه كان في موقع “نافورة محمّد علي باشا” المعاصرة وبالقرب من “مسجد السلطان المؤيّد”. هذا كان مكان ولادة وجبة الفول المدمس الشهيرة.

لاحقاً، بدأ الناس يعدّونها بأنواع مختلفة من الفول، وأصبحت مدينة القاهرة تعرف عدّة وصفات لعدّة أنواع من الفول المدمّس وهي:
- فول الحمّام، المعروف في سوريا باسم الفول المصري، وهو فول صغير الحجم وينضج كثيراً عند السلق.
- فول رومي، وهو الفول الأوروپي العريض المعروف في سوريا باسم الفول البلدي أو الإفرنجي.
- فول بلدي، وهو الفول الشائع في مصر وغير معروف في سوريا. حبّته من الحجم المتوسّط.
- فول نابت (نابد)، وهو الفول البلدي المبرعم. وتختلف تماماً عن وصفة الفول النابت (النابذ) في سوريا، وفولها غير فول الفول النابت الشامية.
- فول الأخضر، وهو الفول البلدي لكن غير مجفّف.
- فول مدشوش، ويعني الفول المهروس، وكان الغالب استخدام فول الحمام الصغير فيه.
اليوم، محل “العاصي” للفول المدمّس في دمنهور، الذي تأسّس عام 1919، يعدّ من أشهر وأقدم مَحَالّ الفول في مصر. اشتهر المحل بتقديم الفول للعائلة الملكية المصرية، إذ كان يرسل “قِدرة” فول يوميّاً عبر السكّة الحديد إلى قصور الملك فاروق بعد فحصها من قبل طبيب بيطري. تعرّف الحاج علي العاصي على الملك فاروق في إيطاليا عام 1936، وعند ولادة الأمير أحمد فؤاد، أهداه قِدرة فول ذهبية تزن 460 غراماً، وهي الآن معروضة في متحف قصر المنتزه. يُعزى سرّ تميّز فول العاصي إلى انتقاء أجود أنواع الفول البلدي وطريقة تحضيره الفريدة. لا يزال المحل يحافظ على نمطه التقليدي، ويعمل من بعد صلاة الفجر حتى الثانية ظهراً يوميّاً، ممّا جعله وجهة مفضّلة للزوّار من جميع أنحاء مصر.


وصفات الفول المدمّس
تتنوّع وصفات وجبة الفول المدمّس اليوم بشكل واسع في كلّ مدينة يحبّ أهلها هذه الوجبة. وكما ذكرت سابقاً، المكوّنات الرئيسية هي الفول والزيت والكمّون. بات الناس يضيفون حَسَبَ الأذواق: البقدونس والثوم والبصل واللّيمون والشطّة والحليب واللّبن الرائب والبسطرمة والبيض المسلوق ودبس الرمّان ودبس الطماطم والطماطم والطحينة والفلفل الحلو. كما يغيّرون أنواع الزيت بين زيت الزيتون وزيت عباد الشمس وزيت الذرة، أو يستغنون عن الزيت تماماً ويستعملون الزبدة أو السمنة وكذلك حليب الجاموس، وصلصة البشاميل.
أشهر وصفات الفول المدمّس في سوريا هي:
- الطريقة الشاميّة.
- الطريقة الحلبيّة.
- الطريقة اللّبنانيّة.
- الطريقة الفلسطينيّة.
- الطريقة الفلسطينيّة الغزّاوية.
- الطريقة المصريّة.
- فول مدمّس بلبن (غالباً هي طريقة حمصية).
في مصر، وخطوات التحديث
كما أسلفنا، كلمة “مدمّس” في مصر تعني تغطية القدر بكيس خيش مبلّل بالماء ثم دفن القدر داخل جمر موقد النار. يُستخدم الفول البلدي والماء فقط. في البيوت القديمة، يوضع في محمى الفرن الفلاحي في التراب تحت الحطب لما لا يقل عن ستّ ساعات.

تطوّرت الطرق وصار الفول يُنقع ليلة ثمّ في اليوم التالي يوضع في القدر على نار هادئة لينضج على موقد الغاز، لكنّه لا يخرج مطلقاً مثل فول الموقد ولا مثل فول المحلّات. اليوم، يمكن الحصور على نفس النتيجة القديمة بسلق الفول في أجهزة الطهي البطيء.
في بيتي قمت بتقليد الطريقة المصرية القديمة بتطبيقات حديثة. ولسلق الفول في جهاز الطبخ البطيء نبدأ بغسل الفول ونقعه في الماء لمدّة 8 ساعات، ثمّ نشغّل جهاز الطبخ البطيء على وضع Low أو نضبطه إلى حرارة 80 درجة مئوية ونتركه مغطّى لمدّة 8 إلى 10 ساعات. بعض أنواع الفول لا تحتاج إلى فترة نقع. ويمكن استعمال فول معلّب، آنذاك يُطبخ بطيئاً لمدّة 2 إلى 4 ساعات… يجب أن يكون الفول مغموراً تماماً بالماء.

الفول النابت مختلف تماماً عن المدمّس. يُنظّف وينقع في الماء حوالي 3 أيّام، ونغيّر عليه الماء من مرّتين إلى ثلاث مرّات في اليوم حتى تظهر النبتة. يقلى مع قليل من زيت الذرة والبصل والثوم والكمّون ويقدّم شوربة فول نابت، وهي شوربة صحّيّة تُقدّم لمن يحتاج وجبة خفيفة أو يطبخ بالطماطم.
الفول المدمّس المصري اليوم خال من زيت الزيتون في مكوّناته، يُضاف إليه أي زيت نباتي آخر مع اللّيمون. وهناك فول بالطحينة وفول بالخلطة وفول بالزبدة وفول بالبيض وفول بالأوطة وفول بالثوم، وبعض الناس طوّرنه وصنعنه بالبسطرمة أو طاجن (مُطجّن) في الفرن.
في سوريا
كلّ الوصفات السوريّة لا تتضمّن طبخاً غير سلق الفول، في حين تضاف بقيّة المكوّنات للوصفة بدون طبخ. بعكس الوصفات المصرية.
تتبيلة الطريقة الشامية الشائعة تتضمّن طماطم مفرومة مكعّبات صغيرة، مع بقدونس مفروم ناعم، وثوم مهروس مع ملح وقليل من الكمّون، وزيت زيتون. بعض الدمشقيّين يضيفون للوصفة خلّ تفّاح أو خلّ عنب. وتقدّم مع بصل حلو.

الطريقة الحلبية الشائعة تتضمّن إضافة الملح للفول في آخر مراحل السلق، وليس في أثناء التحضير. مكوّنات التتبيلة تشمل صلصة مصنوعة من ماء سلق الفول مع طحينة وعصير ليمون وزيت زيتون، بالإضافة إلى البقدونس المفروم والطماطم وحبّ الرمان. وتقدّم مع بصل أخضر.
هناك أيضاً طريقة حلبية مشهورة خارج حلب. هذه الوصفة تحتوي في تتبيلتها على الفليفلة الحلبيّة الحارّة، وبدون طحينة أو كمّون، مع بقيّة مكوّنات الوصفة الشامية.
الطريقة اللّبنانية تتميّز بأنّها تقدّم ساخنة، وتحتوي على بصل مفروم مع الطماطم والبقدونس وزيت الزيتون وعصير اللّيمون وملح وكمّون وسمّاق. وتقدّم مع المخلّل.
الطريقة الفلسطينية هي أبسط الطرق الشائعة في سوريا. تتبيلتها تتكوّن من زيت زيتون وعصير ليمون وثوم وفلفل حلو وملح. في الطريقة الفلسطينيّة يهرس الفول أو يُضرب في الخلّاط قبل خلطه مع التتبيلة.
الطريقة الفلسطينية الغزّاوية تحتوي تتبيلتها على ثوم وفلفل حار مهروسين مع الفول، وزيت زيتون. بعض عائلات غزّة تقدّم بيضاً مسلوقاً مع الفول المدمّس. والبعض الآخر يضيف طحينة للتتبيلة.
الطريقة المصرية الشائعة في سوريا هي واحدة من مئات الوصفات الشائعة في مصر. تتبيلتها تطبخ، وتحتوي على: بصل مقلي بزيت الزيتون لعشر دقائق مع معجون الطماطم وملح وفلفل أسود وكمّون وكزبرة جافة. وصلصتها تحتوي على لبن رائب مع طحينة وخل.
هناك أيضاً طريقة مصرية شائعة في مطاعم حلب، يقلى فيها البصل مع الفول لمدّة سبع دقائق بزيت الزيتون مع ثوم ومعجون الطماطم وفلفل أسود وكزبرة جافّة. ويضاف إليها صلصة من الطحينة وماء سلق الفول مع عصير ليمون وكمّون.
تتبيلة الفول باللّبن السورية تحتوي على لبن رائب وطحينة وثوم وزيت زيتون وعصير ليمون وكمّون وفلفل حار قليل وملح، ولا يطبخ أي شيء منها، وتزيّن بالطماطم المفرومة ناعمة.

هناك طريقة فول الغلابة، يعتقد أنّها من اليمن. يضرب الفول المسلوق في الخلّاط، وفي قدر يقلى بصل وثوم وطماطم مقطّعة مع ملعقة صغيرة من معجون الطماطم وملح وفلفل وفليفلة حلبيّة وكأسين ماء. عندما ينضج الخليط، يضاف الفول المطحون فوقهم ويخلط جيّداً مع المكوّنات. عندما يَسبك ويتجانس، يُسكب في صحن عميق قليلاً وتضاف طحينة على الوجه. يجب ألا يكون القوام سميكاً ولا رقيقاً، بل متوسّط. يؤكل مع التميس، الذي نسميه في سوريا “فرّاني”، وهو عبارة عن رغيف خبز سميك مع حبّة البركة.

بالطبع، ما زالت هناك وصفات كثيرة للفول المدمّس في أغلب البلاد العربية. لكنني قصرت الحديث هنا عن الوصفات الأشهر في مصر وسوريا فقط. وأنا أحبّ أن أضيف للتتبيلة عسلاً وفليفلة أورفليّة ودبس رمان، لكنّني لا أستعمل اللّبن الرائب. يبقى أن نتحدّث في تاريخ نبتة الفول نفسها.
سيرة تاريخ الفول
الفول Vicia faba له سيرة طويلة وتاريخ عريق في الزراعة والاستهلاك البشري. ويُعتقد أنّ الموطن الأصلي للفول هو منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في المنطقة الممتدّة من البحر المتوسّط إلى آسيا الوسطى. بعض الدراسات تشير إلى أنّ سوريا (المعاصرة) قد تكون المنطقة الأصليّة لنشأة هذه النبتة.
يُعدّ الفول من أقدم المحاصيل المزروعة في العالم. وتشير الأدلّة الأثرية إلى أنّ زراعة الفول بدأت في العصر الحجري الحديث، حوالي 6000 قبل الميلاد. وانتشرت تدريجياً من الشرق الأوسط إلى أوروپا وشمال أفريقيا وأجزاء من آسيا.

من الصعب تحديد من زرع الفول أو أكله لأوّل مرّة، نظراً لقدم تاريخه. ومع ذلك، يمكننا القول أنّ من المرجّح أنّ المجتمعات الزراعية الأولى في منطقة الهلال الخصيب (التي تشمل اليوم أجزاء من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر) كانت أوّل من زرع الفول. وربّما كان المستقرّون في الشرق الأوسط هم أوّل من استهلك الفول البرّي قبل بدء زراعته.
من المهمّ ملاحظة أنّ هذه المعلومات تستند إلى الأدلّة الأثرية والدراسات التاريخية المتاحة، ولكن قد تتغيّر مع اكتشافات جديدة. ونخوض هنا في عمق التفاصيل. أقدم الأدلّة على زراعة واستهلاك الفول تعود إلى عدّة آلاف من السنين، وتتوزّع في مناطق متعدّدة من العالم القديم، لا سيما في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.
عُثر على بذور الفول في مواقع أثرية تعود إلى العصر الحجري الحديث (حوالي 6800-6500 قبل الميلاد) في مناطق مختلفة مثل فلسطين. تعدّ هذه الاكتشافات من أقدم الأدلّة على زراعة الفول واستهلاكه.
- تل أريحا: واحد من أقدم المواقع التي عُثر فيه على بذور الفول، حيث وُجدت في طبقات أثرية تعود إلى العصر الحجري الحديث (حوالي 6800-6500 قبل الميلاد).
- وادي النطوف: عُثر على بقايا الفول في مواقع أثرية تعود إلى ما يسمّى بالحضارة النطوفية (حوالي 10,000-8,000 قبل الميلاد) في منطقة فلسطين الحديثة.
تظهر الأدلّة الأثرية أنّ الفول كان يزرع ويستهلك في مصر القديمة حوالي 2500 قبل الميلاد. عُثر على بذور الفول في مقابر المصريّين القدماء، ممّا يشير إلى أهمّيته الغذائية. عُثر كذلك على رسومات ونقوش تصوّر زراعة وحصاد الفول على جدران المقابر والمعابد. وتعود هذه النقوش إلى المملكة القديمة (حوالي 2500 قبل الميلاد) وما بعدها.
كان الفول غذاءً أساسيّاً في الحضارات الأوروپية الكلاسيكية مثل اليونان القديمة وروما. كان يزرع ويستهلك بكثرة، واستُخدم أيضاً في الشعائر الدينية. في روما القديمة، هناك نقوش وتماثيل تصوّر عمليّات زراعة الفول واستهلاكه في الحفلات والولائم. العديد من النصوص الأدبية والتاريخية من العصر الكلاسيكي (مثل كتابات هيرودوت وثيوفراستوس) تذكر الفول كغذاء أساسي.
هناك أدلّة على زراعة الفول في أوروپا خلال العصر البرونزي، حيث عُثر على بذوره في مواقع أثرية في اليونان وإيطاليا وإسپانيا. عُثر كذلك على أدوات زراعية مثل المحاريث وأدوات الحصاد في مواقع أثرية مختلفة، وهي تشير إلى الزراعة المنظّمة التي تشمل زراعة الفول كأحد المحاصيل الأساسيّة.
في اللّغات القديمة أسماء عديدة للفول في موطنه.
- في المصرية القديمة اسمه “إوف” 𓇋𓃀𓆑
- في عربية العهد الأگّدي اسمه “پولُ” 𒄑𒍑𒋢 للفول العريض والفاصولياء واللّوبياء
- في عربية العهد الآرامي اسمه “پوله” פולא ثم “پولاء”
- في الإغريقية القديمة اسمه “كيكوس” κύαμος
- في اللاتينية “فابا” Faba
إنّ تنوّع وصفات الفول المدمس وانتشارها الواسع في العالم العربي يعكس غنى الثقافة الغذائية في المنطقة وقدرتها على التكيف والابتكار. من الوصفة البسيطة التي نشأت في حمّامات القاهرة القديمة، إلى التنويعات المعاصرة التي تضم مكونات متنوعة، يظل الفول المدمس شاهدًا على التراث الغذائي المشترك وعنصراً موحّداً في المائدة العربية. وبينما تستمر هذه الوجبة في التطور والتكيّف مع الأذواق المحلّية، فإنّها تبقى رمزاً للبساطة والتغذية والتقاليد الراسخة في المجتمعات العربية.
مراجع
- أبو لغد، جانيت ليبمان. (1971). القاهرة: 1001 سنة من المدينة المنتصرة. برينستون: مطبعة جامعة برينستون.
- ابن منظور. (1300/1883). لسان العرب. القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية.
- عمر، أحمد مختار. (2008). معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب.
- زهران، محمد. (2010). موسوعة المطبخ المصري. القاهرة: دار الشروق.
- الخطيب، لبنى. (2015). المطبخ الشامي: تاريخ وتراث. دمشق: دار الفكر.
- الشهابي، قتيبة. (2018). تاريخ الطعام في بلاد الشام. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- عبد الوهاب، ليلى. (2019). الفول المدمس: رحلة طبق شعبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.





اترك رد