رسمة أمس السبت لثمرة رمّان مكسورة، فلا شيء أجمل في الوجود من بعد انفراط حبّ الرمّان.

تقريباً، جميع الأديان الكبرى في العالم القديم قدّست الرمّان وصاغت حول وجوده الكثير من التأويلات. وكان قد شاع استعمال الرمّان في المشرق وحول المتوسّط قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، وذكرته النصوص القديمة كأحد الثمار الطبّية. في الآداب الهيلينية مثلاً ورد ذكر الرمّان كرمز للحياة والزواج والانبعاث بعد الموت.
عموماً، يعتقد المعهد الوطني لدراسة إدمان الكحول في مريلاند الأميركية أنّ للرمّان قدرة على مقاومة الحرقة المعديّة وإصابات الكبد الناتجة عن الإكثار من شرب الخمور. كذلك تعتقد كلّية ومشفى الأسنان في باپُچي الهندية بأنّ لعصير الرمّان تأثير قوي في قتل البكتيريا التي تؤدي إلى العديد من آفات الأسنان. أمّا جامعة حلوان المصرية فتعتقد بوجود مواد مضادّة للأكسدة في قشور الرمّان قادرة على قتل الديدان المعويّة. وهكذا ثبتت بعض ظنون القدماء في مكانة الرمّان الطبّية. (جميع التقارير في المذيّلة).
يُفترض أنّ زراعة ثمار الرمان بدأت في إيران وأفغانستان قبل 8000 سنة، لكنّ النوع القديم من الرمّان مختلف تماماً عن الأنواع التي نعرفها في أيّامنا، أصغر حجماً، وغير موجودة اليوم إلا على جزيرة سقطرى في بحر العرب. كما عثر منقّبوا الآثار على بذور ثمار رمّان في قبور النساء في مونگوليا مدفونة قبل نحو 2200 سنة، في فترة أسرة هان الملكية. وكانت بذور الرمّان تحيط رؤوس النساء كالوسادة.
استُخدمت ثمرة الرمّان كرمز مقدّس ونالت مكانتها في العبادات والشعائر الزرادشتية. حيث يرمز الرمان إلى خلود الروح وكمال الطبيعة للزرادشتيين. في الواقع كان الرمّان منصّة للكثير من الأساطير الإيرانية المستمدّة من ميراث بابلي، كالأسطورة التي تحكي عن أسفنديار الذي أصبح بطلاً لا يُقهر بعد أن أكل الرمّان.
نبات الرمان الأصلي دائم الخضرة طوال العام، ما دفع العقل لاعتباره رمز للخلود. وتذكر العديد من النصوص المقدّسة بذرة الرمّان، خصوصاً في الأدبيات الأكادية التي تُشيد بجمال الرمان المتفتّح وطعم ثماره، ما جعلها رمز للازدهار والخصوبة. فصارت زهرة الرمّان رمز لإننّة-عشتار ودلالة على مزاجها وبداية انطلاقها صوب الحبّ والإخصاب.
قصور ملوك اليهود كانت كذلك تتزيّن بالكثير من ثمار الرمّان وزهراته في زخارفها، والبوذية كذلك ترفع مكانة مقدّسة للرمّان، جنبا إلى جنب مع بعض الفواكه الأخرى، حيث نعثر على وصف للرمّان في الكثير من الأدبيات الهندية كثمرة الجنّة، وغذاء الخالدين فيها. وحتّى في المسيحية نرى الكثير من تماثيل العذراء مريم مع يسوع محاطة بالرمّان كرمز للحياة الأبدية.
وضع الفكر الإسلامي أشجار الرمّان في حدائق جنّة عدن ما دفع المسلمين للغرام بالرمّان ومنتجاته، وخاصّة في وسط آسيا، حيث لم يزل للرمّان دلالات جميلة في أعراس الترك تعبّر عن البركة بنسل كثير، من قرغيزستان حتى الأناضول والشرق الأوسط.
بالنسبة للمسلمين في أنحاء العالم، الرمّان رمز للجمال، ويقال أنّ محمّد قد نصح نساءه الحوامل بأكل الرمّان إن أردن أطفالاً جميلين، ما جعل من الرمّان وسيلة للتجميل وزيادة نضرة البشرة. وجنباً إلى جنب مع الزيتون والتين والتمر، فإنّ شجرة الرمّان هي واحدة من الأشجار المقدّسة الأربعة للإسلام.
يقدّس تصوّف القباله اليهودي الرمّان في العديد من شعائره. حيث يتمّ تفزير ثمّار الرمان في المنزل وفي أماكن العمل في الأيام الدينية للدعوة إلى الخصوبة والأعمال المربحة. تماماً كما تفعل العديد من العائلات في تركيا المعاصرة، برمي الرمّان على الأرض وكسرها عشيّة رأس السنة الميلادية للحصول على سنة جديدة وفيرة.
وبينما تتغنّى أشعار غزل الترك غالباً بعصير الرمّان وزهر الرمّان فإن أشعار العرب كثيراً ما وصفت رضاب الحبيبة بطعم حبّ الرمّان، ووصفت النهود بفرط الرمّان. إذ نقرأ لزياد بن معاوية الذبياني (النابغة الذبياني) مثلاً قوله من القرن السادس:
يُخَطِّطنَ بِالعيدانِ في كُلِّ مَقعَدٍ، وَيَخبَأنَ رُمّانَ الثُّدِيِّ النَواهِدِ.
وكذلك نقرأ عن الشاعر المبدع أبو العبّاس بن المعتزّ بن الرشيد من القرن الثامن:
لا ورمّانِ النهودِ، فوقَ أغصانِ القدودِ.
وعَناقِيدَ منَ الصُّدغِ، ووردٍ من خدودِ.
ونَعِيمٍ في وِصالٍ حلّ من طولِ الصدودِ.
هامش
Effect of Pomegranate Juice on Dental Plaque Microorganisms (Streptococci and Lactobacilli)
نبات الرمّان الأصلي، غير الموجود حالياً بالمشرق.
https://en.wikipedia.org/wiki/Punica_protopunica





اترك رد