من المشاريب التي كانت تحضّر يومياً في صيف قصور البيت العثماني مشروب {ليمون بوزه سى} Limon Bozası وهو أب مشروب اللّيمونادة.
وأتخيّل السلطان العثماني عائداً إلى قصره في ساعات القيظ في صيف القسطنطينية، هاتفاً بخدمه يطلب ليمون بوزه سى! ليشرب ويرتوي بعدها ببرودة المشروب.
في الواقع، كلمة بوزه أو بوظة Boza كلمة روميّة الأصل تعني مشروب مثلّج، وكانت تشير قبل إسلام القسطنطينية إلى مشروب البيرة المثلّجة… الأتراك استبدلوا البيرة باللّيمون، فصارت بوظة حلال.
تحضير بوظة اللّيمون
لتحضيره، يُمزج عصير اللّيمون الطازج مع دبس مربّى قشر اللّيمون، ويُخلط جيداً حتى يذوب الدبس تماماً. ثم يُضاف الماء والثلج.
دبس مربّى قشر اللّيمون (ليمون قابوغى رچلى) Limon Kabuğu Reçeli؛ يحضّر بصناعة مربّى قشر اللّيمون والسكّر أولاً، ثمّ يصفّى ويُغلى الرُب تالياً إلى أن يتدبّس.
من آسيا إلى فرنسا
في القرن السابع عشر، وبحكم التحالف العثماني-الفرنسي، بدأت هذه اللّيمونادة تصبح مشروباً شهيراً في فرنسا وإيطاليا. أوّل ذكر للّيمونادة في أوروپا كان في فرنسا في عام 1630.
أقدم وصفة ليمونادة مكتوبة ظهرت عام 1676 عندما بدأت شركة Compagnie de Limonadiers في بيع نسخة مقلّدة عن اللّيمونادة في پاريس، تتكوّن من عصير اللّيمون واللّيمو والماء والسكّر.

البوظ قبل الكهرباء
كان البيزنطيون والعثمانيون في القسطنطينية يستخدمون عدّة طرق للحصول على الثلج للمشروبات الباردة، مثل الكثير من مدن المنطقة.
شكّل الحصول على الثلج في مناخ البحر المتوسط الدافئ تحدياً نوعاً ما، لكن سكّان القسطنطينية ابتكروا طرقاً للتغلّب على هذه المشكلة. كان المصدر الرئيس للثلج هو الجبال المحيطة بالمدينة، وخاصة جبل الأولمب في منطقة بورصة. خلال فصل الشتاء، كانت مجموعات من العمّال تصعد إلى هذه الجبال لقطع الثلج وجمعه. كانت هذه مهمة شاقة محفوف بالخطر، إذ واجه العمّال الظروف الجوية القاسية والتضاريس الوعرة.
بعد جمع الثلج، يُنقل إلى المدينة لتخزينه في منشآت خاصة تُعرف باسم “كارخانات البوز” Buz kârhanesi (مصانع الثلج). صُممت هذه المنشآت بعناية للحفاظ على الثلج لأطول فترة ممكنة. كان بناؤها عادة تحت الأرض أو في مناطق مظلّلة لتقليل تأثير حرارة الشمس. تميّزت الجدران بسماكتها وبُنيت من مواد عازلة للحرارة، مع وجود أنظمة تصريف دقيقة لإزالة الماء الذائب. كانت تغطية الثلج بطبقات من القش أو الأوراق تساعد في عزله.
إضافة إلى تخزين الثلج الطبيعي، استُخدمت هذه المنشآت أيضاً لتخزين الجليد المُنتج محلّياً خلال أشهر الشتاء الباردة. تم ذلك عن طريق ملء أحواض ضحلة بالماء وتركها تتجمّد خلال اللّيالي الباردة. ثمّ يُحصد هذا الجليد ويخزّن جنباً إلى جنب مع الثلج الطبيعي.
من الملفت أن بعض هذه المنشآت ما زالت موجودة في إيران حتى يومنا هذا، ممّا يدلّ على متانة تصميمها وأهميتها الثقافية. في إيران، تُعرف هذه المنشآت باسم “يخچال” وتمثّل جزءاً مهمّاً من التراث المعماري للبلاد.

بالإضافة إلى جلب الثلج من الجبال، طوّر سكان القسطنطينية تقنيات مبتكرة لإنتاج الثلج محلياً. إحدى هذه التقنيات تضمنت استخدام أوعية فخارية مزدوجة ومسامية. كانت تملأ هذه الأوعية بالماء وتوضع في الخارج خلال الليالي الباردة. سمحت الطبيعة المسامية للفخار بالتبخر السريع، مما أدى إلى انخفاض درجة حرارة الماء داخل الوعاء. في الظروف المثالية، أدى هذا إلى تكون طبقة رقيقة من الجليد على سطح الماء.
كان الثلج في القسطنطينية سلعة ثمينة ومظهراً من مظاهر الترف، خاصّة في القصور الإمبراطورية والمنازل الفخمة للنبلاء والأثرياء. استُخدم لتبريد المشروبات، خاصة في الحفلات والمناسبات الخاصة. كما استُخدم لحفظ الأطعمة، مما أتاح الاحتفاظ بالفواكه واللحوم لفترات أطول في المناخ الحار. في المجال الطبي، استُخدم الثلج لعلاج الإصابات وتخفيف الألم وخفض الحمى.
استمرت هذه الممارسات حتى العصر الحديث في العديد من مدن المنطقة. في دمشق، على سبيل المثال، استمرّ سوق البوظ حتى تسعينيات القرن العشرين. استخدم الباعة الجوالون الثلج لحفظ منتجاتهم باردة في غياب التبريد الكهربائي بالبطّارية.
مراجع
- Işın, P. M. (2014). Osmanlı Mutfak Sözlüğü. Kitap Yayınevi.
- Samancı, Ö. (2006). İmparatorluğun Son Döneminde İstanbul ve Osmanlı Saray Mutfak Kültürü. In A. Bilgin & Ö. Samancı (Eds.), Türk Mutfağı. T.C. Kültür ve Turizm Bakanlığı Yayınları.
- Ünsal, A. (2011). İstanbul’un Lezzet Tarihi. NTV Yayınları.
- Faroqhi, S. (2000). Subjects of the Sultan: Culture and Daily Life in the Ottoman Empire. I.B. Tauris.
- Mazower, M. (2004). Salonica, City of Ghosts: Christians, Muslims and Jews 1430-1950. HarperCollins.
- Genç, R. (1982). XI. Yüzyılda Türk Mutfağı. In Türk Mutfağı Sempozyumu Bildirileri. Kültür ve Turizm Bakanlığı Milli Folklor Araştırma Dairesi Yayınları.
- Yerasimos, M. (2002). 500 Years of Ottoman Cuisine. Boyut Yayın Grubu.
- Gürsoy, D. (2004). Tarihin Süzgecinde Mutfak Kültürümüz. Oğlak Yayınları.
- Bilgin, A. (2004). Osmanlı Saray Mutfağı. Kitabevi.
- Montanari, M. (2006). Food is Culture. Columbia University Press.





اترك رد