شهدت السّنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذريّاً في طبيعة التّواصل الإنسانيّ عبر المنصّات الرّقميّة، وفي مقدّمتها منصّة فيٓسبوك. فما بدأ بصفة فضاء افتراضيّ لتبادل الأفكار وبناء الشّبكات الاجتماعيّة، تحوّل تدريجيّاً إلى بيئة طاردة للنّقاش الهادئ، تطغى عليها لغة هجوميّة تفتقر إلى التّعاطف، وتتسيّدها الشّتائم والاتّهامات المتبادلة بدل التّفاهم الإيجابيّ.

اقتصاد الانتباه وخوارزميّات الغضب
لا يمكن فصل هذا التّردّي اللّفظيّ عن البنية التّقنيّة للمنصّات نفسها. إذ تعمل خوارزميّات التّوصية الحديثة وفق مبدأ «اقتصاد الانتباه»، حسب وصف عالم النّفس والاقتصاد هيربرت سيمون، حيث يكون الهدف الأسمى هو إبقاء المستخدم متّصلاً بالشّاشة لأطول فترة ممكنة لزيادة عوائد الإعلانات.
وقد أثبتت التّجارب أنّ المحتوى المثير للاشمئزاز، أو الغضب، أو الجدل الحادّ، يحقّق تفاعلاً أكبر بكثير من المحتوى الإيجابيّ أو المعتدل. وبالتّالي، تقوم الخوارزميّات بمكافأة التّسمّم اللّفظيّ من طريق منحه انتشاراً أوسع، ممّا يخلق مناخاً عامّاً يحفّز على الصّدام المستمرّ.
وكان صاغ العالِم هيربرت سيمون Herbert Alexander Simon مصطلح «اقتصاد الانتباه» Attention Economy ليصف تحوّل الانتباه البشريّ إلى مورد نادر وقيّم في عصر التّدفّق المعلوماتيّ الهائل. إذ رأى سيمون أنّ وفرة المعلومات تولّد ندرة في الانتباه، فالمعلومات تستهلك انتباه متلقّيها، ممّا يفرض ضرورة تخصيص هذا الانتباه بكفاءة عالية.
بيّن هذا المبدأ كيف تتنافس الجهات المختلفة للاستحواذ على تركيز الأفراد، فالنّدرة لم تعد في مصادر المعرفة، بل في القدرة العقليّة على استيعابها وتصفيتها. وتبرز أهمّيّة هذه النّظرة اليوم، فالمنصّات الرّقميّة مثل فيٓسبوك تبني خوارزميّاتها خصّيصاً لاصطياد هذا التّركيز واحتجازه أطول مدّة ممكنة، سعياً لجني الأرباح الإعلانيّة.

الاستقطاب العاطفيّ وصراع الهويّات
في منتصف عام 2025، نشر معهد أوكسفورد للإنترنت دراسة شاملة حلّلت ملايين التّعليقات في المجموعات السّياسيّة والاجتماعيّة على فيٓسبوك. وكشفت النّتائج عن اتّساع غير مسبوق في فجوة «الاستقطاب العاطفيّ». فقد تبيّن أنّ المستخدمين يميلون إلى مهاجمة الخصوم شخصيّاً بكلمات قاسية بدل تفنيد حججهم بالمنطق.
أصبح استخدام اللّغة الهجوميّة أداة لتعزيز الانتماء إلى المجموعة الضّيّقة وإثبات الولاء للأصدقاء الافتراضيّين. يضاف إلى ذلك أثر التّخفّي خلف الشّاشات؛ فغياب التّواصل البصريّ ونبرة الصّوت المباشرة يضعف التّعاطف الإنسانيّ التّلقائيّ، ممّا يجعل الشّتائم واتّهامات النّوايا تبدو وسيلة سهلة ومقبولة للتّعبير.
صاغ باحثو علم النّفس السّياسيّ مفهوم «الاستقطاب العاطفيّ» (الوجداني) Affective Polarization لوصف تنامي مشاعر الكراهية وانعدام الثّقة تجاه الأفراد المنتمين إلى تيّارات أو مجموعات مختلفة. ويركّز هذا النّوع من الاستقطاب على العاطفة والهويّة بدلاً من النّقاش العقلانيّ للأفكار، فالشّخص يرفض الآخر بسبب انتمائه لجهة منافسة وحسب، ممّا يغذّي الصّراعات الحادّة الّتي تظهر بوضوح في نقاشات المنصّات الرّقميّة في الوقت الحاليّ.

عصر التّزييف العاطفيّ والصّمت القسريّ
مع دخول عام 2026، رصد تقرير {مؤشّر الصّحّة الرّقميّة} Digital Health Index تعقيداً جديداً أُطلق عليه «عصر التّزييف العاطفيّ» The Era of Affective Deception (The Age of Emotional Deepfakes). فقد بدأت مجموعات منظّمة باستغلال أدوات التّوليد الآليّ للنّصوص (الذّكاء الاصطناعيّ) لصناعة تعليقات هجوميّة تبدو بشريّة تماماً، بهدف إثارة الفوضى وتعميق الانقسام.
أدّى هذا التّصعيد، إلى جانب عجز أدوات الرّقابة الآليّة عن فهم السّياقات المحلّيّة والسّخريّة المبطّنة، إلى ظهور ظاهرة «الصّمت القسريّ» Coerced Silencing. إذ تراجعت رغبة الأفراد العقلانيّين في طرح آراء متّزنة خوفاً من التّنكيل اللّفظيّ الجماعيّ وحملات التّشويه الّتي تستخدم الصّور السّاخِرة والمقاطع المتلاعب بها، ممّا جعل المنصّة تبدو ساحة يفوز فيها الأكثر حدّة وقدرة على الإهانة.

المسؤوليّة المشتركة: المنصّة أم المستخدم؟
أمام هذا الواقع، يبرز تساؤل مهمّ: هل يكمن الحلّ في تطوير الرّقابة التّقنيّة أم في تغيير سلوك المستخدمين؟
لا شكّ أنّ المنصّات تتحمّل مسؤوليّة أخلاقيّة وقانونيّة لضبط خوارزميّاتها، وقد اقترح بعض الباحثين ربط الحسابات بالهويّات الحقيقيّة للحدّ من التّجاوزات. لكنّ الاعتماد على التّقنية وحدها أثبت فشله. إذ إنّ الحلّ الحقيقيّ والمستدام يكمن في «الوعي الفرديّ»؛ فحصانة الفرد النّفسيّة وقدرته على التّفكير النّقديّ هي خطّ الدّفاع الأوّل.
هذا يعني أنّ استراتيجيّات الغوغاء وحملات «الإخراس القسريّ» تزدهر وتعمل بكفاءة ممتازة في البيئات الّتي يضعف فيها الوعي الفرديّ، وتغيب عنها منهجيّة الشّكّ العلميّ، وتتلاشى فيها القدرة على تمحيص المعلومات. ويتطلّب التّصدّي لهذه الظّاهرة تبنّي عقلانيّة صارمة ترفض الانجرار وراء الانفعالات العابرة، وتفرز النّقاشات بموضوعيّة تسبق التّفاعل معها.
يسهم هذا النّهج التّحليليّ في تفكيك الرّسائل الموجّهة، ويخلق مسافة آمنة تفصل المتلقّي عن دوّامة الاستقطاب العاطفيّ. ويغادر المستخدم هكذا موقع المتلقّي السّلبيّ ليشكّل سدّاً منيعاً يوقف امتداد التّسمّم اللّفظيّ على منصّات مثل فيٓسبوك، ويعيد تشكيل الفضاء الرّقميّ ليغدو بيئة حاضنة للحوار الهادف والبنّاء.

استراتيجيّات النّجاة: منهجيّة الباحث العلميّ
لمواجهة هذا التّيّار الجارف من الانفعالات الرّقميّة، يبرز خيار تبنّي منهجيّة صارمة تعتمد على العقلانيّة والتّجرّد. وتبدأ هذه المنهجيّة بالتّحكّم بالانفعال، وتطبيق التّجرّد العاطفيّ، فالقاعدة الذّهبيّة تفرض عدم التّفاعل مع المنشورات استناداً إلى ردّ فعل عاطفيّ لحظيّ. يمثّل الغضب الّذي يثيره منشور ما نتيجة متعمّدة لتصميم المحتوى، لذلك يجهض أخذ مسافة نفسيّة، وفصل المشاعر عن المادّة المقروءة، هدف الخوارزميّة في استثارة المستخدم.
يضاف إلى ذلك أهمّيّة الشّكّ المنهجيّ والفرز النّقديّ، فكما يفعل الباحث في مختبره، يجب التّشكيك دائماً في صحّة المعلومات والأخبار قبل الإعجاب بها أو الرّدّ عليها أو مشاركتها. إذ يمنع البحث السّريع عن المصدر، والتّحقّق من مصداقيّة النّاشر، تحوّل المستخدم إلى أداة مجّانيّة لنشر الشّائعات أو تأجيج الصّراعات.
تتطلّب هذه المنهجيّة أيضاً تجويع الخوارزميّة واعتماد التّجاهل التّكتيكيّ، فالخوارزميّات تتغذّى على التّفاعل، وتحسب حتّى التّعليقات الغاضبة الرّافضة للمحتوى تفاعلاً إيجابيّاً للمنصّة. وتغدو استراتيجيّة التّجاهل التّامّ للمحتوى الاستفزازيّ الطّريقة الوحيدة لإخبار النّظام الآليّ برفض جذب الانتباه، ممّا يؤدّي تدريجيّاً إلى تنظيف الصّفحة الشّخصيّة من هذا التّلوّث.
يسبق كلّ ذلك تحديد الغاية من النّقاش، وقبل كتابة أيّ تعليق، يبرز تساؤل حول جدوى هذا التّعليق، وهل سيؤدّي إلى حوار بنّاء أم إلى جدل عقيم. إذ تصبح البيئة المحيطة بالمنشور مشحونة بالاستقطاب المسبق غالباً، لذلك يمثّل الانسحاب من النّقاش الخيار الأكثر عقلانيّة، وحفاظاً على الوقت والطّاقة الذّهنيّة.
تتكلّل هذه الجهود ببناء بيئة معرفيّة آمنة، واستخدام أدوات التّحكّم المتاحة بصرامة، مثل الحظر، وإلغاء المتابعة، وإخفاء الكلمات المفتاحيّة. تصيغ هذه الخطوات تجربة رقميّة تخدم الاهتمامات الحقيقيّة، وتدعم التّطوّر المعرفيّ والمهنيّ بعيداً عن ساحات العراك الافتراضيّ.

دور المؤسّسات الأكاديميّة في تشكيل الوعي الرّقميّ
لا يقتصر عبء مواجهة الاستقطاب الرّقميّ على الأفراد فحسب، بل يمتدّ ليشمل المؤسّسات الأكاديميّة والتّعليميّة. وبصفتها حواضن للفكر النّقديّ والبحث العلميّ، يقع على عاتق الجامعات ومراكز الأبحاث دور محوريّ في نشر الوعي الرّقميّ المنهجيّ.
يمكن لهذه المؤسّسات إدماج مساقات متخصّصة في «محو الأميّة الرّقميّة» ضمن مناهجها، لتدريب الطّلّاب على كيفيّة فهم الخوارزميّات، والتعرّف على الانحيازات المعرفيّة، وتفكيك المحتوى الموجّه والمزيّف.
علاوة على ذلك، يمكن للباحثين والأكاديميّين قيادة حملات توعية مجتمعيّة، ونقل أدوات الشّكّ المنهجيّ والتّفكير النّقديّ من أروقة المختبرات إلى الفضاء العامّ. هذا الجهد المؤسّساتيّ سيساهم بفعاليّة في بناء مجتمع محصّن، قادر على تحييد لغة الكراهية على منصّات مثل فيٓسبوك، وتحويلها إلى فضاءات أكثر أمناً وعقلانيّة.

في الختام
إنّ شبكات التّواصل الاجتماعيّ هي أدوات تظهر ما نغذّيها به. وفي حين تسعى الشّركات لتعظيم أرباحها عبر استغلال الغريزة البشريّة، يبقى العقل النّقديّ والوعي الذّاتيّ هما السّلاح الأقوى.
من طريق تبنّي عقليّة الباحث الممحّص، الّذي لا ينجرّ وراء العواطف ويقدّس الحقيقة، وبدعم من المؤسّسات الأكاديميّة، يمكننا استعادة السّيطرة على تجربتنا الرّقميّة، وربّما إجبار هذه المنصّات يوماً ما على تعديل مسارها.
مراجع ومصادر
- Designing Organizations for an Information-Rich World (Herbert A. Simon) https://digitalcollections.library.cmu.edu/awweb/awarchive?type=file&item=33748
- The spread of true and false news online (Vosoughi, Roy, & Aral) https://www.science.org/doi/10.1126/science.aap9559
- Affect Polarization in the American Public: How Partisans Despise Each Other (Iyengar, Sood, & Lelkes) https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/ajps.12015
- Exposure to opposing views on social media can increase political polarization (Bail et al.) https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1804840115
- Social Media and the Spiral of Silence (Hampton et al.) https://www.pewresearch.org/internet/2014/08/26/social-media-and-the-spiral-of-silence/
- Experimental evidence of massive-scale emotional contagion through social networks (Kramer, Guillory, & Hancock) https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1320040111
- Deepfakes and Disinformation: Exploring the Impact of Synthetic Political Video (Vaccari & Chadwick) https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/2056305120903408
- The Global Organization of Social Media Alienation and Manipulation (Bradshaw & Howard) https://demtech.oii.ox.ac.uk/wp-content/uploads/sites/93/2019/09/CyberTroop-Report19.pdf
- The Role of (Social) Media in Political Polarization: A Systematic Review (Kubin & von Sikorski) https://academic.oup.com/ct/article-abstract/31/3/471/6124584
- Social Media, News Consumption, and Polarization: Evidence from a Field Experiment (Levy) https://www.aeaweb.org/articles?id=10.1257/aer.20191777
- Emotion shapes the diffusion of moralized content in social networks (Brady et al.) https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1618923114
- The echo chamber effect on social media (Cinelli et al.) https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.2023301118
- Social Media and Political Polarization (Zhuravskaya, Makarin, & Weber) https://www.annualreviews.org/doi/abs/10.1146/annurev-economics-081919-050209
- The Psychology of Fake News (Pennycook & Rand) https://www.cell.com/trends/cognitive-sciences/fulltext/S1364-6613(21)00004-9
- The spreading of misinformation online (Del Vicario et al.) https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1517441113
- Social Media and Fake News in the 2016 Election (Allcott & Gentzkow) https://www.aeaweb.org/articles?id=10.1257/jep.31.2.211
- The Effects of Deepfakes on Political Attitudes (Dobber, Faro, & Vliegenthart) https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/1940161220912435
- Information Disorder: Toward an interdisciplinary framework for research and policy making (Wardle & Derakhshan) https://rm.coe.int/information-disorder-toward-an-interdisciplinary-framework-for-researc/168076277c
- Stewardship of global collective behavior (Bak-Coleman et al.) https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.2025764118
- Polarisation and the use of technology in political campaigns and communication (Neudert & Marchal) https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/STUD/2019/634414/EPRS_STU(2019)634414_EN.pdf
- Have American’s Social Attitudes Become More Polarized? (DiMaggio, Evans, & Bryson) https://www.journals.uchicago.edu/doi/10.1086/230971
- A picture paints a thousand lies? The effects and mechanisms of multimodal disinformation (Hameleers et al.) https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/10584609.2019.1674979
- #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media (Cass R. Sunstein) https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691175515/republic
- The Filter Bubble: How the New Personalized Web Is Changing What We Read and How We Think (Eli Pariser) https://www.penguinrandomhouse.com/books/308696/the-filter-bubble-by-eli-pariser/
- Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest (Zeynep Tufekci) https://yalebooks.yale.edu/book/9780300215120/twitter-and-tear-gas/
- Perspective-taking to Reduce Affective Polarization on Social Media (Saveski et al.) https://ojs.aaai.org/index.php/ICWSM/article/view/19342





اترك رد