في صميم تراث الطبيخ العربي، تبرز الأُدُم شاهد على عبقرية الطهاة القدماء في استنباط النكهات وحفظ الأطعمة. هذه المكوّنات، التي تتنوّع بين أُدُم مخمّرة وزيوت عطريّة ومخلّلات متنوّعة، شكّلت العمود الفقري للمذاق في المطبخ العربي التقليدي.
الأُدُم، في جوهرها، تجسيد لفنّ استعمال صُنوف الكائنات الدقيقة المختلفة لتحويل الموادّ الأوّلية البسيطة إلى عناصر ذات قيمة غذائية وذوقيّة عالية. فمن خلال عمليّات التخمير والتجفيف والتتبيل، استطاع الطهاة العرب قديماً تطوير مجموعة واسعة من الإضافات التي أثرت الأطباق وحافظت على الأغذية في ظلّ ظروف مناخية قاسية.
في هذا السياق، يبرز المُرّي مثالاً فريداً على تطور الأُدُم العربية. هذا الإدام المخمّر، الذي يعود أصله إلى بلاد ما بين النهرين، يمثّل ذروة فنّ التخمير في المنطقة. كان المرّي، بنكهته المعقّدة التي تجمع بين الحموضة والحلاوة والملوحة، تقوم مقام حجر الزاوية في العديد من الأطباق العباسية التقليدية، وبيع من العراق ليُصدّر إلى مختلف البلدان العربية.
إلى جانب المُرّي، عرف العرب العديد من الأُدُم القديمة التي كانت تشكّل جزءاً أساسيّاً من المطبخ العربي التقليدي. أبرزها:
- الكامخ: أدام مخمّر مصنوع من الحبوب والأعشاب، شبيه بالمُرّي لكنّه بنكهة أقلّ حدّة.
- الصِّناب: نوع من المخلّلات المصنوعة من الخردل والعنب.
- الزيتون المملح: معجون زيتون معالج بالملح، كان يستخدم إدام ومكوّن في الطبخ.
- دبس الرمّان: رُبّ عصير الرمّان المركز، استخدم لإضفاء نكهة حامضة حلوة على الأطباق. بالإضافة إلى دبس التمرهندي.
- دبس التمر: رُبّ عصير التمر، استخدم مُحلّي وإدام. بالإضافة إلى دبس التين ودبس العنب.
- المريس: معجون التمر الهندي مخلوط بالماء والملح، استخدم صلصة حامضة.
- الصير أو السير: معجون السمك الصغير المملّح بكثافة (غالباً سردين) ثمّ مخمّر عدّة أشهر. استخدم لإضافة نكهة مالحة أومامية.
- رُبّ الوشنة: عصير الكرز الحامض المركّز، استخدم أدام حامض.
- خلّ الوشنة: يصنع من تخمير عصير الكرز الحامض.
- الطحينة: معجون السمسم، استخدم إدام ومكوّن أساسي في العديد من الأطباق.
- الكشك: قمح مجفّف ومخمّر مع اللّبن الرائب، يطحن إلى مسحوق. اليوم حُذفت مرحلة التخمير من مراحل صناعته.
هذه الأُدُم كانت تختلف في أهميّتها وانتشارها حسب المنطقة والعصر، وكانت تعكس التنوّع الجغرافي والثقافي للعالم العربي. بعضها، مثل الزيتون والطحينة والدبوس، ما زال شائع الاستخدام حتى يومنا هذا، في حين أمست أخرى، مثل المرّي والكامخ، نادرة أو منسيّة تقريباً.
دراسة تطوّر الأُدُم وتراجعها عبر التاريخ تقدم نافذة فريدة على التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العالم العربي. فمن خلال تتبّع مسار المرّي، على سبيل المثال، يمكننا استقراء تأثير الأحداث التاريخية الكبرى – مثل الغزو المغولي لبغداد – على الممارسات الغذائية وتقاليد الطبيخ.
لنصنع المُرّي

المُرّي هو إدام من الأُدُم المخمّرة التي كانت تستخدم بكثرة في المطبخ العربي وشرق الأوسطي القديم. يعود في أصله إلى العصور القديمة، في العراق وجواره. واستمرّ استخدامه في العصر الإسلامي، وكان مكوّناً أساسيّاً في المطبخ العباسي. له طعم مالح وحامض.
يصنع عادة من الشعير، لكن يمكن استخدام حبوب أخرى مثل القمح. وتنقع الحبوب في الماء لعدّة أيام حتى تنبت. ثمّ تجفّف وتطحن وتخلط مع الدقيق والملح. ثمّ تترك هذه الخلطة لتتخمّر لعدّة أشهر، وأحياناً سنوات. كلّما تعتّق أكثر ارتفع ثمنه أكثر.
وهو شبيه بدبس السُمَلك (السمنک) الأوزبكي، ومن نفس المكوّنات، غير أنّ السُمَلك دبس حلو من شراب القمح المنبّت، لا يخمّر ويستهلك بعد طبخه مباشرة، أمّا المُرّي فهو نتيجة تخمير القمح المنبّت نفسه، معتّق لوقت طويل.

اسمه مُرّي آت من اسم الملح القديم: مُرّ. فهو الملحيّ. له لون داكن ونكهة قويّة ومعقّدة. وطعمه مزيج من الحلاوة والحموضة والملوحة. وقوامه سائل، أشبه بالصلصة الكثيفة. وفي بعض الأحيان كان يستخدم بديل للملح.
وهو غني بالبروتينات والأحماض الأمينية بسبب عملية التخمير. ويحتوي على ڤيتامينات B المختلفة. ويشبه في بعض جوانبه الصلصات المخمّرة الآسيوية مثل صلصة الصويا اليابانية أو صلصة السمك الڤيتنامية.
لصناعة إدام المرّي في البيت، يمكنك اتّباع هذه الطريقة التقليدية. لكن يجب الانتباه أنّ هذه العملية تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب صبراً يُستحق.

المكوّنات: حبوب شعير أو قمح. ماء. ملح. دقيق.
الخطوات:
- ننقع الحبوب (الشعير أو القمح) في الماء عدّة أيام حتى تبدأ بالإنبات.
- نجفّف الحبوب المنبّتة جيّداً.
- نطحن الحبوب المجفّفة.
- نخلط الحبوب المطحونة مع كمّية مساوية من الدقيق ومن الملح (ثلث بثلث بثلث).
- نضع الخليط في وعاء زجاجي كبير أو جرّة فخارية.
- نضيف الماء حتى يصبح الخليط بقوام العجينة السميكة.
- نغطِّ الوعاء بقطعة قماش نظيفة ونتركه في مكان دافئ.
- نترك الخليط ليتخمّر عدّة أشهر، وقد تصل المدّة إلى سنة أو أكثر. كلّما طالت مدّة التخمير، كلّما تطوّر الطعم وصار أكثر تعقيداً.
- في فترة التخمير، نحرّك الخليط من وقت لآخر ونتحقّق من أنّه لا يجفّ.
- بعد انتهاء فترة التخمير، نصفّي السائل. هذا السائل هو إدام المرّي.

أين ذهب المُرّي من الطبيخ العربي؟
تراجع إنتاج ورواج المرّي في الشرق الأوسط عبر ثلاث قرون، بدءاً من العصر العباسي المتأخّر في القرن العاشر الميلادي وحتى العصر العثماني. خلال هذه الفترة، شهدت المنطقة تغيّرات كبيرة في الأذواق والعادات الغذائية، ممّا أدّى إلى انحسار تدريجي في استخدام هذا الإدام التقليدي.
بدأ هذا التراجع مع ظهور بدائل جديدة مثل دبس الرمان ورُبّ الوشنة. إضافة إلى ذلك، فإنّ عمليّة إنتاج المرّي المعقّدة والطويلة جعلت البدائل الأسهل في الصنع أقلّ كلفة وأكثر جاذبية للمستهلكين والمنتجين على حدّ سواء.
لكنّ حدثاً تاريخياً مفصليّاً أثّر بشكل كبير على مسار المرّي: الغزو المغولي للعراق في القرن 13. فكان لسقوط بغداد عام 1258 تأثير مدمّر على إنتاج المرّي. حين أدّى الغزو إلى تدمير مراكز الإنتاج الرئيسية، وفقدان المعرفة المتخصّصة مع قتل وتشريد الحرفيّين والصنّاع المهرة. كما تسبّب في تعطيل سلاسل التوريد وتدمير النظام الاقتصادي في العراق، ممّا أثّر سلباً على إنتاج وتوزيع المرّي.
هناك عوامل أخرى قد تكون ساهمت في تراجع المرّي، وإن كانت أقلّ وضوحاً في السجلّات التاريخية. فمن المحتمل أنّ بعض العائلات كانت احتكرت أسرار صناعة المرّي، ممّا أدّى إلى صعوبة انتشار المعرفة بطرق إنتاجه، وربّما ارتفاع أسعاره. هذا الاحتكار، إن وجد، ساهم في انقطاع سلسلة المعرفة إذا توقفت هذه العائلات عن الإنتاج لأي سبب.
كان للجانب الديني أيضاً تأثير، وإن كان محدوداً. فعلى الرغم من عدم وجود فتاوى عامّة بتحريم المرّي في الإسلام، غير أنّ القرن 15 عرف جدلاً فقهيّاً حول استخدامه، خاصّة أنّه كان مصنوعاً من الشعير، واحتمال تخمّره وإنتاج الكحول. بعض الفقهاء أجازوا استخدامه، في حين تحفّظ آخرون. هذا الجدل ربّما أثّر على استخدام المرّي في بعض المناطق أو الفترات التاريخية، لكنّه لم يكن سبباً رئيسيّاً في تراجعه الشامل.
في النهاية، يبدو أن تراجع المرّي كان نتيجة لمزيج معقّد من العوامل الثقافية والاقتصادية والتقنيّة والدينيّة والاجتماعية، مع الغزو المغولي للعراق كنقطة تحوّل رئيسية. ورغم هذا التراجع الكبير، ما زالت هناك بعض المناطق في الشرق الأوسط تحتفظ بمعرفة المرّي وتستخدمه في بعض الأطباق التقليدية، وإن كان ذلك على نطاق محدود جدّاً مقارنة بما كان عليه في العصور القديمة والوسطى.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد