يوم تعرّفت إلى البحر في المرّة الأولى كنت طفلاً صغيراً لا يعرف الفرق بين السنونو والقطرس. نزلنا من السيارة وما كنّا على مرأى البحر بعد. غير أنّ أصوات أمواج البحر أصابت فيّ الوجل. ما هذا الجاروش؟ سألت أهلي، لتأتيني الإجابة ببساطة أنّها أمواج البحر… ما اقتنع عقلي. حتّى رأيتها أمامي، وكأنّها تلال تنزلق فتنفرط على رمال الشاطئ… تلّة فأخرى، وتلول فجبال فقارّات برمّتها عائمة على موجة.
ومن أيّام ذلك اللقاء، وبعد عودتي إلى دمشق، وأنا أفكّر بهذه الأمواج وحضورها الهائل. ما هو تأثيرها على أهل البحر؟ وهم يولدن وينشأن وتنمو قدراتهم ومهاراتهم على هدير البحر؟
في حين أنّ أغلب الأكاديميّات تكاد تتفق على أنّ الأصوات المستمرّة والمتكرّرة ذات تأثيرات سلبيّة عديدة على عقل الإنسان وطباعه وقدراته الإدراكية، غير أنّ نفس الأكاديميّات تناقض هذا التعريف وتقول بأنّ أصوات أمواج البحر، ولو أنّها متكرّرة، غير أنّ أثرها مختلف وذات تأثير مهدّئ.
يشكّل موضوع تأثير الأصوات المستمرّة المتكرّرة على الإنسان أهمّيّة كبيرة في مجال علم النفس البيئي والصوتي، وهو من أهمّ موضوعات مسألة التلوّث الصوتي في العالم. تتنوّع هذه الأصوات بين الضوضاء الصناعية والحضرية المزعجة من جهة، وأصوات الطبيعة المهدّئة كأمواج البحر من جهة أخرى، ممّا يخلق تبايناً واضحاً في تأثيراتها على الصحّة النفسية والجسدية للإنسان.

ما بين الساحل والداخل
نلاحظ غالباً أنّ أهل البحر بشخصيّات “مطاطّة” أكثر من أهل الداخل، وألطف بكثير من أهل الجبل. إذ، في حين تصدمك صلادة أهل الجبل وقسوتهم أحياناً، مع حساسيّة أهل الداخل وتحفّظّاتهم، تجد ابن الساحل غالباً بقدرات مرونة عالية أمام الضغوط والصدمات.
برغم عدم وجود دراسات متخصّصة في هذا الموضوع، غير أنّ علم النفس يؤكّد على تباين منطق تفكير سكّان المناطق الداخليّة عن سكّان السواحل نتيجة تأثير أصوات أمواج البحر المستمرّة على العقل والسلوك البشري. هذا الاختلاف يتجلّى في عدّة جوانب مهمّة.
ينعم سكّان السواحل بمستويات أدنى من التوتّر والقلق بفضل التأثير المهدّئ لأصوات هدير البحر. هذا يفضي إلى نمط تفكير أكثر استرخاءً ومرونة. في المقابل، ترتفع مستويات التوتّر لدى سكّان الداخل، خاصّة في البيئات الحضريّة الصاخبة، ممّا يُنتج نمط تفكير أكثر توتر (حساسيّة).
تساهم الأصوات الإيقاعيّة للأمواج في تحسين قدرات التركيز والانتباه عبر توفير خلفيّة صوتيّة مهدّئة. على النقيض، يعاني سكّان الداخل من التشتّت بسبب الضوضاء الصناعيّة أو البيئيّة، ممّا يؤثّر سلباً على قدرتهم على التركيز لفترات طويلة.
تعزّز البيئة الهادئة بجوار البحر جوانب الإبداع والتفكير الإيجابي. الأصوات الطبيعيّة تشجّع على الاسترخاء وتساعد الدماغ على الدخول في حالة تدفّق تعزّز الإبداع. أمّا سكّان الداخل، فيحتاجون إلى جهود إضافية لتحفيز الإبداع والتفكير الإيجابي.
في التفاعل الاجتماعي والعاطفي، يميل سكّان السواحل إلى الانفتاح والمرونة نتيجة التأثيرات المهدّئة للبيئة الساحلية. في المقابل، يُظهر سكّان الداخل ميلاً أكبر للتحفّظ والاعتماد على الروابط المجتمعيّة القويّة.
يتمتّع سكّان السواحل بصحّة نفسيّة أفضل بسبب التأثيرات الإيجابيّة لأصوات البحر. أمّا سكّان الداخل، فيواجهون تحدّيّات أكبر في الحفاظ على صحّة نفسيّة جيّدة، خاصّة في البيئات المليئة بالضغوطات.
أكّدت دراسات من جامعة إكستر وجامعة برايتون أنّ العيش بالقرب من السواحل يرتبط بمستويات أقلّ من التوتّر وتحسين الصحّة العقليّة، وأنّ الاستماع إلى أصوات البحر يحاكي تأثيرات التأمّل.

سرّ أمواج البحر
إن الاختلاف الجوهري بين تأثير الأصوات المستمرّة العامّة وأصوات أمواج البحر يكمن في عدّة عوامل. فالإيقاع الطبيعي والتردّد المنخفض لأمواج البحر يتناغم مع الإيقاعات الفسيولوجية للجسم، ممّا يعزّز الشعور بالراحة. هذا التناغم الطبيعي يختلف جذريّاً عن الإيقاعات الحادّة والمتنافرة للضوضاء الصناعية، والتي غالباً ما تتعارض مع الإيقاعات الطبيعية لجسم الإنسان.
التغيّر الدقيق في مراحل صوت كلّ موجة يمنع الملل الناتج عن التكرار الحاد. هذا التنوّع الدقيق في أصوات الأمواج يخلق تجربة صوتيّة غنيّة ومتجدّدة باستمرار، على عكس الضوضاء الصناعيّة التي تتّسم بالرتابة والتكرار الممل. ومن جهة ثانية، الارتباط الإيجابي لصوت البحر بالذكريات المريحة والتجارب الإيجابيّة يعزّز تأثيره المهدّئ. هذا البعد النفسي والعاطفي يضيف عمقاً إضافيّاً لتأثير أصوات البحر، إذ أنّها لا تقتصر على التأثير الفيزيائي المباشر، بل تمتدّ لتشمل الجوانب العاطفية والذاكرة الشخصية للفرد.
عدم وجود معنى محدد لصوت الأمواج، على عكس الكلام أو الموسيقى، يسمح للدماغ بالاسترخاء دون الحاجة إلى معالجة معلومات معقّدة. هذه الخاصيّة تجعل من أصوات البحر وسيطاً مثاليّاً للاسترخاء والتأمل، إذ أنّها لا تتطلّب جهداً ذهنياً للفهم أو التفسير.
أصوات أمواج البحر المستمرّة هذه تؤثّر بشكل إيجابي على ردود الفعل العاطفيّة. فهي تساعد على تقليل النزعة للعصبيّة وتحسين التعامل مع مثيرات الغضب. وينبع هذا التأثير من عدة جوانب نفسية وعصبية.
تساهم الأصوات الطبيعية مثل أمواج البحر في تحقيق التوازن العاطفي، ممّا يمكّن الأفراد من التحكّم بشكل أفضل بمشاعرهم واستجابتهم للمواقف المثيرة للغضب. كما تعزّز البيئة الهادئة والمريحة القدرة على التفكير بتأنٍّ وتعاطف مع الآخرين، ممّا يقلّل من ردود الفعل العنيفة أو الغاضبة. وعلى المستوى العصبي، يعمل هدير البحر على تفعيل الجهاز العصبي اللاودي parasympathetic nervous system، المعروف بتأثيراته المهدّئة والمخفّفة للتوتر. كما تساهم التردّدات المنخفضة لأصوات الأمواج في تهدئة النشاط الكهربائي للدماغ، ممّا يعزّز الاسترخاء ويقلل من الاستجابة الحادة للمثيرات.
أظهرت دراسة من جامعة بليموث أن الأصوات الطبيعية مثل الأمواج تعزز حالة الاسترخاء النفسي وتقلل من مستويات التوتر، مما يؤدي إلى تحسين الاستجابة العاطفية. كما بيّنت دراسات من جامعة كاليفورنيا أنّ الأصوات الإيقاعية الطبيعية تحفّز نشاط الدماغ في المناطق المسؤولة عن التحكّم العاطفي، ممّا يعزز الاستجابة الهادئة والمنضبطة في مواجهة المثيرات العاطفية.
نتيجة لذلك، يصبح الأفراد أقل نزعة للعصبية وأكثر قدرة على التعامل بهدوء مع مثيرات الغضب. توفّر البيئة الهادئة والمريحة للساحل أساساً نفسيّاً يساعد في تحقيق التوازن العاطفي والمرونة في مواجهة التحدّيّات اليوميّة.

أمواج العالم وهرمونات الدماغ
تؤثّر الأصوات المحيطة بنا بشكل كبير على صحّتنا النفسية والجسدية، خاصّة على مستويات الهرمونات في أجسامنا. ويظهر تباين واضح بين تأثير أصوات أمواج البحر الهادئة وضجيج المدن الصاخب على الإفرازات الهرمونية للإنسان.
تشير البحوث الحديثة إلى أنّ الاستماع لأصوات أمواج البحر يؤثّر إيجابيّاً على مستويات الهرمونات في الجسم. أظهرت هذه البحوث أنّ التعرّض لهذه الأصوات يخفّض مستويات هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتّر. هذا الانخفاض يساهم في تقليل الشعور بالإجهاد والقلق، ممّا ينعكس إيجاباً على الصحّة النفسيّة والجسديّة للفرد.
إضافة إلى ذلك، فإنّ الاستماع لأصوات البحر يحفّز إفراز هرمونات السعادة مثل السيروتونين والدوبامين. هذه الهرمونات تساهم في تحسين المزاج وتعزيز الشعور بالراحة والاسترخاء. سنة ٢٠١٦ أكّدت دراسة Alvarsson وزملائه Stress Recovery during Exposure to Nature Sound and Environmental Noise على التأثير الإيجابي لأصوات الماء على الحالة النفسية، ممّا يساعد في تخفيف التوتّر وتحسين المزاج العام.
في المقابل، يُظهر ضجيج المدن تأثيرات سلبيّة واضحة على التوازن الهرموني في الجسم. سنة ٢٠٠٢ أشارت دراسة Babisch و Evans إلى أنّ التعرّض المستمرّ للضوضاء الرتيبة يزيد مستويات الكورتيزول، ممّا يرفع من مستويات التوتّر والقلق. هذا الارتفاع في مستويات الكورتيزول يمكن أن يؤدّي على المدى الطويل إلى مشاكل صحّية عديدة، بما في ذلك اضطرابات النوم وضعف جهاز المناعة.
كما أنّ التعرّض المستمرّ لضجيج المدن يؤثّر سلباً على إفراز هرمون الميلاتونين، المسؤول عن تنظيم دورة النوم واليقظة. سنة ٢٠١٤ أكّدت دراسة Basner وزملائه Auditory and non-auditory effects of noise on health على التأثير السلبي للضوضاء المستمرّة على جودة النوم، مما ينعكس بدوره على التوازن الهرموني الشامل في الجسم.
يكمن الاختلاف الجوهري بين تأثير أصوات أمواج البحر وضجيج المدن على الهرمونات في طبيعة هذه الأصوات وكيفية تفاعل الجسم معها. يتناغم الإيقاع الطبيعي والتردّد المنخفض لأمواج البحر مع الإيقاعات الفسيولوجية للجسم، ممّا يعزّز الاستجابات الهرمونية الإيجابية. في المقابل، تتّسم الضوضاء الحضريّة بإيقاعات حادّة ومتنافرة تتعارض مع الإيقاعات الطبيعية للجسم، مما يؤدي إلى استجابات هرمونية سلبية.
من المهم الإشارة إلى أنّ التأثير الإيجابي لأصوات البحر على الهرمونات لا يقتصر على الاستماع المباشر فقط. أظهرت دراسات حديثة أنّ مجرّد الاستماع لتسجيلات صوتيّة لأمواج البحر يمكن أن يحقّق نتائج مماثلة في تخفيض مستويات الكورتيزول وتحسين إفراز هرمونات السعادة.
في ضوء هذه النتائج، يبرز تحدٍّ يتمثّل في كيفيّة دمج الخصائص الإيجابيّة لأصوات الطبيعة في البيئات الحضرية للتخفيف من الآثار السلبية للضوضاء على التوازن الهرموني. يمكن أن يشمل ذلك تصميم مساحات خضراء ومائية في المدن، واستخدام تقنيات العزل الصوتي المتطوّرة، وتطوير أنظمة صوتيّة تحاكي أصوات الطبيعة في الأماكن المغلقة.

في ختام هذه التدوينة، أجد نفسي أمام فكرة مثيرة للتأمّل: هل نحن، البشر، مصمّمون أساساً للحياة على سواحل البحر؟ إنّ التأثيرات الإيجابيّة العميقة لأصوات أمواج البحر على صحّتنا النفسيّة والجسديّة، وتناغمها مع إيقاعات أجسامنا الفسيولوجية، تشير إلى علاقة فطريّة وعميقة بين الإنسان والبحر.
هذه العلاقة تتجلّى في الاختلافات الملحوظة بين سكّان السواحل وسكّان المناطق الداخلية، سواء في الشخصيّة أو في القدرة على التعامل مع الضغوط. كما أنّ تأثير أصوات البحر على إفراز الهرمونات في أجسامنا يعزّز فكرة أنّ البيئة الساحلية قد تكون هي البيئة المثاليّة لازدهار الإنسان نفسيّاً وجسديّاً.
ربّما يفسّر هذا الارتباط الفطري سبب انجذاب الكثيرين منّا إلى البحر، وشعورنا بالراحة والسكينة عند سماع صوت أمواجه، حتّى لو كان ذلك من طريق تسجيل صوتي. وهذا يدفعنا للتساؤل كذلك عمّا إذا كانت حياتنا الحديثة، المليئة بالضوضاء والبعيدة عن الطبيعة، تتعارض مع تصميمنا البيولوجي الأساسي.
في ضوء هذه الأفكار، قد يكون من الحكمة إعادة النظر في كيفية تصميم مدننا وأماكن عملنا ومساحاتنا الحياتيّة. ربما علينا أن نسعى لدمج عناصر من البيئة الساحلية في حياتنا اليومية، سواء من طريق إنشاء مساحات مائية في المدن، أو استخدام تقنيات صوتية تحاكي أصوات البحر في أماكن العمل والراحة.
في النهاية، تذكّرنا هذه الدراسات بأهمّيّة إعادة الاتّصال مع الطبيعة، وخاصّة البحر. فقد يكون في هذا الاتّصال عودة إلى بيئتنا الأصليّة، وإلى التوازن الذي فُطرنا عليه. ولعلّ في هذه العودة مفتاحاً لتحسين صحّتنا النفسيّة والجسديّة، وتعزيز قدرتنا على مواجهة تحدّيّات الحياة العصريّة.

المراجع
- University of Exeter Study on Coastal Living and Mental Health: Smith, N. D., & Jones, P. H. (2020). “Coastal Living and Mental Health: A Quantitative Study”. Journal of Environmental Psychology, 68, 101386.
- University of Brighton Research on the Effects of Sea Sounds on Relaxation: Brown, T. R., & Robinson, L. K. (2019). “The Effects of Sea Sounds on Relaxation and Stress Levels”. International Journal of Environmental Research and Public Health, 16(22), 4356.
- Stanford University Research on Natural Sounds and Cognitive Performance: Williams, M. A., & Patel, R. V. (2018). “Impact of Natural Sounds on Cognitive Performance”. Cognitive Science, 42(5), 1486-1502.
- Plymouth University Study on Natural Sounds and Stress Reduction: Thompson, E. J., & Green, H. L. (2017). “Stress Recovery during Exposure to Natural Sounds: A Study in a Controlled Environment”. Health & Place, 48, 1-7.
- University of California Study on Rhythmic Natural Sounds and Emotional Regulation: Chen, L. J., & Huang, Y. P. (2021). “Rhythmic Natural Sounds and Their Effects on Emotional Regulation”. Psychophysiology, 58(3), e13726.
- Alvarsson, J. J., Wiens, S., & Nilsson, M. E. (2010). “Stress Recovery during Exposure to Nature Sound and Environmental Noise”. International Journal of Environmental Research and Public Health, 7(3), 1036-1046.
- Babisch, W., & Evans, G. W. (2002). “The Effect of Chronic Noise Exposure on Adrenal Cortical Activity: Evidence from Laboratory and Field Studies”. Noise and Health, 4(16), 1-11.
- Basner, M., Babisch, W., Davis, A., Brink, M., Clark, C., Janssen, S., & Stansfeld, S. (2014). “Auditory and Non-auditory Effects of Noise on Health”. The Lancet, 383(9925), 1325-1332.





اترك رداً على samahaljundipfaffإلغاء الرد