قبل أسبوع بدأت تجربة إخفاء عدد الإعجابات “اللايكات” عن منشوراتي على إنستگرام. التجربة نجحت وقدّمت لي راحة نفسيّة دفعتني لإخفاء الإعجابات كلّها وبشكل نهائي، حتى تلك التي أراها عادة على منشورات غيري التي أتصفّحها. لم يعد إعجابي بصورة مجرّد رقم في عدد من الإعجابات، ولم يعد عدد الإجابات تحت منشورات غيري معياراً يساهم في تقييمي للجمال فيها.
لدينا حاجة ملحّة لا يمكن إنكارها للنشر على إنستگرام. ننشر ما نقوم به وما نشعر به وما نرتديه ومن نحن. وليس ذلك فحسب، بل لدينا رغبة في مشاركة أفضل أجزاء حياتنا وهويّتنا. لكن لماذا؟ لماذا نمتلك هذه الرغبة الغريزيّة لمشاركة أصدقائنا ومعارفنا الأجزاء الأكثر تسلية والأكثر إثارة للاهتمام من أنفسنا، بدلاً عن مشاركة كلّ ما يعبّر عنّا فعلاً؟
قد يكون السبب الأكثر احتمالاً هو الإعجابات (اللايكات). فبعد نشر كلّ منشور من منشورات إنستگرام مثلاً، نقوم باستمرار بمراجعة التطبيق لمدة 48 ساعة على الأقل بعد النشر بحثاً عن أيّ إعجابات جديدة. تغرس منصّات الإعلام الاجتماعي (السوشلميديا) ثقافة ”الاتّكال على الغير“ في مجتمعنا. نحن نعتمد على عدد الإعجابات كتمثيل أكيد لاعتبارنا الذاتي. وبالرغم من أنّنا كأطفال نُلقَّن باستمرار أن نكون أنفسنا وأن نقول ما نشعر به بغضّ النظر عن آراء الآخرين، منصّات الإعلام الاجتماعي تتحدّى هذا المفهوم. نحن نستخدم منصّات الإعلام الاجتماعي كوسيلة للاطمئنان بأنّ ما نحن عليه وما نفعله مقبولٌ عموماً.
هناك مفارقة ساخرة بالوجود على منصّات الإعلام الاجتماعي، حيث نراقب باستمرار كم إعجاب ننال على صورة پروفايل أو تغريدة ذكية أو سيلفي مفلترة مع الأصدقاء على إنستگرام. نحن نسعى لنيل اعتراف الآخرين بأنّ ما نفعله وما نحن عليه مقبول ومرغوب. وبناء عليه، فنحن سجناء آراء الآخرين بنا. ومع ذلك، فقبل كلّ منشور؛ نحن من نختار هويّاتنا وشخصيّاتنا. لدينا القدرة على أن نكون، أو على الأقل أن ننقل، أجزاء من أنفسنا التي نريد مشاركتها مع العالم، وإخفاء أجزاء من أنفسنا التي نريد سترها.
أعتقد أنّ زر “لايك” على منصّات الإعلام الاجتماعي هو أخطر اختراع قدّمته فيٓسبوك “علينا”. فمن سنة 2009 ونحن نستبدل التعليق الإيجابي والكلمة اللّطيفة بلايك، تدفعنا دائماً لاعتياد كسل المجاملات والتصرّف، بدون أن نشعر، مثل طفلة صغيرة مدلّلة تحكم على الحياة بقرارين: عاجبني وغير عاجبني. كتِندر تماماً؛ عالم متمايز بحدّة من أبيض وأسود خالي من التفاصيل.
ومع غياب زر دِسلايك على فيٓسبوك مثلاً صار المجال مفتوح تلقائيّاً لتعليقات الانتقاد التي لا نقدر على تعويضها بضغطة زر كسولة، لأن الزرّ غير موجود، وصرنا تلقائيّاً راضين عن ممارسة اللايك كمديح وقبول وإعجاب وتضامن، ومنطلقين بالتعبير عن عدم الإعجاب بكلماتنا. وهكذا صار أغلب حضورنا الملحوظ على فيٓسبوك سلبيّ، نتضامن بلايك بدل الكلمات ونتبارى بأسوأ الشتائم والسُبّات بلحظة اختلاف ومعارضة.
صارت خبرتنا عالية بممارسة الانتقاد، وضعيفة بممارسة التوافق.

لغة وفيزيائيّاً، التفاعل السلبي هو أنّك ما تعطي رأي، والتفاعل الإيجابي هو أنّك تبدي رأي وتقدّمه للطرف الثاني حتى يستفيد منه بتطوير نفسه. ومن جهة ثانية: التفاعل السالب هو أن تنتقد وتسخر، والتفاعل الموجب هو أن تمدح وترفع المعنويّات.
اللايك، وفق هذا التعريف هو تفاعل سلبيّ طالما أنّه غير مقترن بتعليق موجب يعبّر عن الإعجاب وعن الجانب الذي أعجبنا من المنشور. تفاعل كسول ولا مبالي، وأحياناً فوقيّ، يدفعنا للشعور بمنح صاحب المنشور الموافقة والرضى، بدون التنازل والمبادرة بكلمة لطيفة تُظهر إعجابنا الحقيقي، الغير موجود. وهذه حالة نسمّيها في الشام “الكولكة”.
يقول كوري بيرد Corey Byrd “الإعجابات هي طريقة خاطئة لقياس التفاعل. هناك خدمات على الإنترنت التي يمكن لمستخدمي إنستگرام من خلالها شراء الآراء أو “الإعجابات”. وهكذا، أشخاص حقيقيّون قاموا بتحويل اهتماماتهم الخاصّة إلى روبوتات لاستثمار وجني فوائد المشاركة المتبادلة.”
هذا الهوس القاسي من السعي وراء تجميع الإعجابات على إنستگرام تحوّل بالتطبيق من أداة للترفيه إلى أداة لتعزيز حالات الاكتئاب واهتزاز تقييم الذات الداخلي. هكذا صار إنستگرام أداة لهاث وراء الكم، بدل السعي على خطى النوعية. ولهذا تماماً قمت بإخفاء عدّاد الإعجابات وبشكل تام في إنستگرام. هكذا، لن أعتبر عدد الإعجابات على أعمالي الفنّية تقييماً من المجتمع لآرائي الإبداعية. وهكذا، لن أكترث لغير التعليقات، التي يكون أحياناً واحد منها سبباً لإشراقة يومي كلّه. وخاصّة، إن جاء هذا التعليق الموجب من مدرّس أستاذ عتيق في تخصّص الهندسة المعمارية مثلاً، أو أستاذي في الفوتوگرافي.





اترك رد