الفريكة، الفريك، نوع من الحبوب يُستخرج من القمح الصلب الأخضر، ويُستخدم كثيراً في مطابخ بلاد الشام ومصر والمغرب العربي. هذه الحبوب قديمة جدّاً وأقدم توثيق لها في الكتاب المقدّس العبري باسم “قَالوي” קָלוּי و”كَرمِل” כַּרְמֶל، وظهر اسمها الحالي للمرّة الأولى في كتاب طبخ بغدادي يعود للقرن الثالث عشر.
في الواقع يعود أقدم توثيق للفريكة إلى العصور القديمة في منطقة الهلال الخصيب. بعض المصادر التاريخية تشير إلى أنّها ذُكرت في نصوص من العصر البابلي والآشوري، قبل حوالي 2300 سنة بوصف حبوب محمّصة بالنار دون تحديد تسمية واضحة لها. وهناك إشارات إلى استخدامها في مصر القديمة منذ حوالي 4000 سنة. دون أن يُعرف الاسم الدقيق للفريكة في النصوص المصرية القديمة. لكن هناك إشارات إلى طرق تحضير مشابهة للحبوب في البرديات والنقوش.
ورد ذكرها في كتب الطبخ العربية القديمة، خاصّة في العصر العباسي (750-1258 ميلادي) وهنا ظهرت بأسماء قريبة من المصطلح الحالي مثل “الفريك” أو “الفريكة”، كما وردت في كتاب “الطبيخ” لابن سيار الوراق (القرن العاشر الميلادي) وفي كتب الطبخ الأخرى من ذلك العصر.
تُصنع الفريكة بتجفيف وتحميص حبوب القمح الصلب الخضراء تحت أشعة الشمس، ثم دَرْسها أو “فركها” معاً (كلمة “فريك” تعني “مفروك”) حتى تُزال القشرة الخارجية وتكتسب الحبوب النكهة والقوام المطلوبين. تنتهي العملية بتكسير القمح إلى قطع أصغر، ولو أنّ بعض العرب تفضّل ترك حبوب الفريكة كاملة. وتحتوي الفريكة على نسبة عالية من البروتين وڤيتامينات ب والمعادن، وتُعدّ حبوباً شائعة في العديد من أطباق المطابخ المصرية والسورية والتركية والإيرانية والجزائرية والمغربية والتونسية والفلسطينية.
تمثل الفريكة جزءا مهما من المطبخ العربي العريق، ولها العديد من الاستخدامات المتنوعة في عالم الطبخ. استخدمت الفريكة منذ قرون كأساس لأطباق رئيسية متعددة في المطبخ العربي. إذ تضاف الفريكة كبديل للأرز عند تحضير الدجاج أو الحمام المحشو. وتطبخ مع لحم الضأن لإنتاج طبق “فريكة باللحم” الشهير. ويصنع الفلسطينيون “المفتول” التقليدي باستخدام الفريكة كمكون أساسي. وتضيف الفريكة للشُربات نكهة مدخنة مميزة وتعطيها قواما سميكا. كما تُعرف شُربة الفريكة بشعبيتها الكبيرة على موائد رمضان. وتدخل الفريكة أيضا في تحضير السلطات الباردة بعد طبخها وتبريدها، مثل طبق “تبولة الفريكة”. وتمزج مع الخضروات والأعشاب والزيتون والتوابل لإنتاج أطباق منعشة ومغذية.

تتميز الفريكة بقيمتها الغذائية العالية. إذ تحتوي على ألياف تفوق محتوى الأرز الأبيض بثلاثة أضعاف. وتساعد مرضى السكري بفضل مؤشرها الگلايسيمي المنخفض. كما توفر الفريكة مضادات أكسدة تحمي الجسم من الالتهابات. وتحمل نسبة عالية من البريبايوتكس الداعمة لصحة الأمعاء. كذلك تعد مصدرا غنيا بالحديد والزنك والمگنيسيوم.
تطورت طرق تحضير الفريكة مع مرور الزمن. واحتفظ الإنتاج التجاري الحديث بجودة المنتج برغم استبدال الطرق التقليدية بأساليب عصرية. وتتنوع أصناف الفريكة لتناسب استخدامات مختلفة. إذ تناسب الفريكة الخشنة الأطباق الرئيسية. وتفضل الفريكة الناعمة في الشُربات والأطباق الخفيفة. كما تختلف الفريكة عن البرغل اختلافا جوهريا. إذ تصنع الفريكة من القمح الأخضر وتتميز بنكهة مدخنة. في حين يصنع البرغل من القمح الناضج المطبوخ والمجفف.
انتشرت الفريكة في السنوات الأخيرة عالميا. ودخلت المطابخ العالمية والمطاعم الراقية كمكون صحي وفريد. كما أصبحت متوفرة في متاجر الأغذية الصحية في مختلف أنحاء العالم. تمثل الفريكة أكثر من مجرد طعام؛ فهي تجسد تراثا غذائيا عربيا أصيلا يعكس براعة السكان في استغلال الموارد الطبيعية المتاحة على مر العصور.




اترك رد