عبر التاريخ، شكّلت منطقة خراسان محور صراع جيوسياسي بين القوى الإقليمية المختلفة. هذه المنطقة الاستراتيجية، التي تمتد عبر أجزاء من إيران الحديثة وأفغانستان وآسيا الوسطى، كانت موطناً لحضارات متعدّدة وشهدت تحوّلات ديموغرافية وثقافية عميقة. أبرز هذه الحضارات كانت الحضارة العربي، التي بقيت مظهراً بارزاً لوجه خراسان، من القرن الثامن قبل الميلاد (على الأقل) إلى القرن السادس عشر.
في هذه التدوينة، أسلّط الضوء على فترة حاسمة من تاريخ خراسان، حيث تعارضت مصالح الإمبراطوريّات الإيرانيّة التشييعيّة مع طموحات القوى المحلّيّة في خراسان، ممّا أدّى إلى عواقب وخيمة على السكّان العرب في المنطقة. بواسطة استعراض الأحداث التي وقعت بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، نكشف عن نمط متكرّر من الصراع والتهجير الذي يعكس الديناميكيات الجيوسياسية المعقّدة في المنطقة، ويلقي الضوء على الثمن الباهظ الذي دفعته المجتمعات المحلّيّة نتيجة لهذه الصراعات.
اليوم تفاوض إيران لمصالحها بدماء العرب في لبنان وفلسطين… فهم عندها مجرّد خسائر أقلّ من جانبيّة. وقبل قرون كرّرت إيران نفس اللّعبة، لكن على الجبهة الشرقية. وراح ضحيّتها مئات آلاف العرب. ومنهم أسلافي.

سنة ١٥٠١ وبتحالف مع العرب، ثار محمّد شيباني على حكم التيموريّين المغول في خراسان، واستقلّ بإمارة بخارا. وما هي ستّ سنوات حتّى تمكّن من السيطرة على العاصمة هرات منهياً حكم المغول في خراسان كلّها، وطردهم إلى الهند. ثمّ استعاد لقب أمارة بدلاً عن خانيّة، معلناً استعادة هوية إسلامية عربية-تركية لخراسان بدلاً عن المغولية. ومنح مدينة بخارى نفسها لأمراء يمانية يمسكون بتجارتها وبالتعليم فيها. وتأسّست آنذاك مدرسة ميرعرب (أمير العرب)، عاصمة الإسلام في وسط آسيا.
أحسّ الشاه إسماعيل صفوي بالتهديد، وهو صديق حليف للتيموريّين المغول. واندلع الصراع الصفوي-الأوزبكي على خراسان في سلسلة من معارك المدّ والجزر، منها بالمواجهة المباشرة، ومنها بالوكالة؛ تستهلك أهل البلاد وتبعثر النازحين. ومن المهمّ الانتباه هنا إلى العام ١٥٠١ ففي هذا العام، أسّس إسماعيل الصفوي الدولة الصفوية في إيران، وأعلن المذهب الشيعي الإثنيعشري مذهب رسمي وحيد للدولة.
بعد ١٥٠١ بدأ تحويل إيران إلى المذهب الشيعي في عمليّة قسرية وبشكل منهجي، واستغرق هذا التحوّل عدّة عقود. كان تبنّي التشيّع جزء من استراتيجيّة الصفويّين لتمييز دولتهم عن جيرانهم السنّة (العثمانيّين والأوزبك)، وساعد هذا في بناء هويّة وطنيّة متميّزة لإيران. هذا التحوّل غيّر بشكل جذري الخريطة الدينية والثقافية للمنطقة. وأصبح التشيّع منذ ذلك الحين جزءاً أساسياً من الهوية الإيرانية.
استغلّ الصفويّون التشيّع أداة “دعوة دينيّة” تبرّر غزو مناطق الجيران وتدميرها وتهجير أهلها عنها. ففي سنة ١٥١٠ وكجزء من حملة “تشييع خراسان” استولى شاه صفوي على مدينة مرو، عاصمة خراسان الاقتصادية وقلب العروبة فيها. فأجلى كلّ سكّانها وهجّرهم عنها، ووطّن فرساً مستوطنين من الشيعة في مكانهم.
كان عدد سكّان مرو آنذاك نحو ١٠٠ ألف نزحوا إلى ملاجئ جديدة في بخارى وسمرقند ووادي زرافشان. ثمّ صارت الدولة الصفويّة تستخدم مرو قاعدة لإطلاق غزواتها على بخارى وهرات نخراً في استقرار الشيبانيّين… ولطالما دعمت إيران الفتن وحرّضت على النزاعات الأهلية والطائفية في خراسان.
سنة ١٥٩٨ انتقل حكم خراسان البخارية من الأسرة الشيبانيّة إلى الجانيّة (وهم بني عمومة)، ثمّ سنة ١٧٥٣ صارت السلطة الفعلية للأسرة المنغيّة، ولو أنّ المملكة بقيت اسميّاً تحت عرش الجانيّين. ومع ذلك، طوال ٢٧٨ سنة، لا البخاريّين ولا عرب خراسان نسوا خسارة مرو، ولا الصفويّين توقّفوا عن إزعاجاتهم المتكرّرة بإطلاق الغزوات من مرو على بخارى وأرياف خراسان.
سنة ١٧٣٢ قاد نادر شاه أفشار انقلاباً على الصفويّين قضى عليهم وأعلن نفسه بعد أربع سنوات شاه إيران. وشرع يحيي أطماع إيران المجنونة؛ يتأمّل بفتح الهند والاستيلاء على عُمان وجزيرة العرب! لذلك، سنة ١٧٨٨ جمع شاه مراد بيگ البخاري المنغود جيشاً من العرب والأوزبك وتوجّه إلى مرو فدمّرها وأزالها من الوجود، ونقل سكّانها الفرس الشيعة هذه المرّة إلى داخل إمارته، ووطّنهم وادي زرافشان.
هزائم الأفشاريّين وجنونهم زلزل إيران. وما هو عام واحد على سقوط مرو حتّى بدأت الأسرة القاجارية بإزالة حكم الأفشاريّين، وسقطت إيران نفسها في لجّة حرب أهلية دامت ٨ سنوات. وبالمحصّلة، كانت نتيجة هذا الصراع الفارسي-الأوزبكي على خراسان طوال ثلاث قرون، خسارة العرب لواحدة من أهمّ حواضرهم في وسط آسيا، ودمار واحدة من أقدم وأعرق مدن العرب في خراسان، ونهاية حضورها في التاريخ. خسارة لم تحقّق ولا مكسب واحد لأيّ طرف من بلاد المنطقة.
كل منطقة تستخدمها إيران تستهلكها تماماً فتنتهي من الوجود، ولا يبقى من كيانها إلا الذكرى والحكايات.
قصّة الصراع على خراسان وما نتج عنها من مآسٍ للسكّان العرب تمثّل درساً قاسياً في كيفيّة استخدام القوى الكبرى للمجتمعات المحلّية كأدوات في لعبة النفوذ الإقليمي. فقدان مدينة مرو وتدميرها النهائي يمثّل رمزاً مؤلماً لتكلفة هذه الصراعات على المستوى الإنساني والثقافي. هذه الأحداث التاريخية تلقي بظلالها على الوضع الراهن في الشرق الأوسط، حيث لا تزال إيران تمارس سياسات مشابهة في استخدام المجتمعات العربية كأوراق تفاوض في صراعاتها الإقليميّة.
الدرس المستفاد من هذا التاريخ هو ضرورة الحذر من السياسات التي تستغلّ المجتمعات المحلّيّة لتحقيق مكاسب قصيرة المدى، إذ أنّ نتائجها على المدى الطويل قد تكون كارثية على جميع الأطراف. كما يسلّط الضوء على أهمّيّة الحفاظ على التراث الثقافي والهويّات المحلّيّة في وجه التحدّيات الجيوسياسيّة. إنّ فهم هذا التاريخ وتذكّره يساعد في تشكيل استراتيجيات أكثر استدامة للتعامل مع النزاعات الإقليمية في الحاضر والمستقبل، بما يحفظ حقوق وكرامة جميع الشعوب المعنية.
مراجع
- Alam, M. (1986). The Crisis of Empire in Mughal North India: Awadh and the Punjab, 1707-48. Delhi: Oxford University Press.
- Burton, A. (1997). The Bukharans: A Dynastic, Diplomatic and Commercial History, 1550-1702. Richmond: Curzon Press.
- Dale, S. F. (1998). The Garden of the Eight Paradises: Babur and the Culture of Empire in Central Asia, Afghanistan, and India (1483-1530). Leiden: Brill.
- Floor, W. (1998). The Afghan Occupation of Safavid Persia, 1721-1729. Paris: Peeters.
- Haneda, M. (1997). “The Character of the Urbanisation of Isfahan in the Later Safavid Period.” In Melville, C. (ed.), Safavid Persia: The History and Politics of an Islamic Society. London: I.B. Tauris, pp. 369-388.
- Levi, S. C. (2017). The Rise and Fall of Khoqand, 1709–1876: Central Asia in the Global Age. Pittsburgh: University of Pittsburgh Press.
- McChesney, R. D. (1996). Central Asia: Foundations of Change. Princeton: Darwin Press.
- Noelle-Karimi, C. (2014). The Pearl in Its Midst: Herat and the Mapping of Khurasan (15th-19th Centuries). Vienna: Austrian Academy of Sciences Press.
- Quiring-Zoche, R. (1986). “Āq Qoyunlu – Tīmūrid Relations (1466–1502) as Reflected in the Munsha’āt of Farīdūn Bey.” Turcica, 18, pp. 103-124.
- Subtelny, M. E. (2007). Timurids in Transition: Turko-Persian Politics and Acculturation in Medieval Iran. Leiden: Brill.
- Szuppe, M. (1992). Entre Timourides, Uzbeks et Safavides: Questions d’histoire politique et sociale de Hérat dans la première moitié du XVIe siècle. Paris: Association pour l’avancement des études iraniennes.
- Woods, J. E. (1999). The Aqquyunlu: Clan, Confederation, Empire. Salt Lake City: University of Utah Press.





اترك رد