خسارة الحرّية: تأمّل في مآلات اللّيبرالية الأوروپية ومواجهتها للاستبداد المشرقي

المعركة الخاسرة على جبهتين
حينما تُفرض المواجهة بين اللّيبرالية الأوروپية والتعصّب المشرقي، لا تكون الخسارة في ميدان السلطة، بل في تراجع مساحة الحرّيات التي تتمتّع بها الشعوب الأوروپية ذاتها. فالمشرقي الذي سُلبت منه حرّيّته لن يخسر شيئاً جديداً تحت وطأة الضغوط الغربية، أمّا الأوروپي فسيشهد تآكلاً تدريجيّاً في منظومة الحرّيات التي اكتسبها عبر قرون، ليقترب واقعه شيئاً فشيئاً من واقع نظيره المشرقي. وهذه نتيجة لا تستاء منها السلطات في أيّ مكان على وجه الأرض، حتّى في قلب أوروپا نفسها.
غير أنّ الإشكالية الحقيقية تكمن في موضع آخر: في سوء تحديد العدوّ وفي الخلط الفادح بين المفاهيم السياسية الأساسية. فالكثيرون يضعون اللّيبراليّين في خندق يُناقض المحافظين، ويصوّرون المعركة وكأنّها محتومة بين هذين المعسكرين. لكنّ هذا التصوير يخفي حقيقة أعمق: أنّ نجاة اللّيبرالية لا تستدعي معركة من هذا النوع أصلاً، بل تستوجب انتشاراً أوسع لمبادئها، وتحديداً دقيقاً لأعدائها الحقيقيّين.
تنطلق هذه التدوينة من فرضية مركزية: أنّ التناقض المُتوهَّم بين اللّيبرالية والمحافظة ليس تناقضاً حقيقياً، وأنّ العدوّ الفعلي للحرّية لا يقبع في معسكر المحافظين، بل في معسكر الاستبداد والشمولية. سنحاول هنا تفكيك هذا الخلط المفاهيمي بالعودة إلى الجذور اللّغوية والفلسفية لهذه المصطلحات، ثمّ نعيد رسم خارطة التحالفات والعداوات السياسية على أساس أكثر دقّة وانسجاماً مع المعاني الأصلية لهذه المذاهب الفكرية.

في أصل المحافظة ومعناها الحقيقي
يألف الناس في أوروپا والبلدان العربية على السواء ربط المحافظ بصفات معيّنة: الرأسمالية، والتديّن، والقومية. لكنّ هذا الربط ليس ضروريّاً، ولا ينبع من طبيعة المحافظة ذاتها. فإذا رجعنا إلى الأصل اللّغوي، نجد أنّ كلمة “محافظ” – التي نقلناها إلى العربية في القرن التاسع عشر عن اللّفظة الفرنسية “كونسِرڤاتور” Conservateur – مشتقّة من الكلمة اللّاتينية “كونسِرڤاره” Conservare، وتعني “الحفاظ على الحالة الأصلية” أو “الصيانة” أو “الإبقاء على ما هو قائم”.
لا نجد في هذا المعنى اللّغوي ما يُحيل إلى الرأسمالية أو الدين أو القومية. المحافظ، ببساطة، هو من يسعى للإبقاء على الأمور كما هي، للحفاظ على العادات والأعراف المستقرّة. هذا التعريف منطقي وواضح، وينبغي أن يكون منطلقاً لفهم المحافظة بعيداً عن الإسقاطات الأيديولوجية اللّاحقة.
في جوهر اللّيبرالية وحقيقة مبادئها
أمّا اللّيبرالية فهي الأيديولوجية التي انبثقت من رحم عصر التنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقامت في جوهرها على التأكيد على حرّية الفرد. هذا هو المبدأ المحوري الذي صاغه مؤسّسو المذهب التحرّري: أنّ الإنسان يُولد حرّاً، وأنّ حريّته في التفكير والتعبير والاختيار حقّ أصيل لا ينبغي المساس به.
إذا تأمّلنا هذين التعريفين – تعريف المحافظة وتعريف اللّيبرالية – لن نعثر على أيّ تناقض حتمي بينهما. فإذا كنت تعيش اليوم في مجتمع متحرّر، مجتمع يُعلي من شأن حرّية الفرد ويصونها، وأردت الحفاظ على هذا النظام الاجتماعي كما هو، فأنت عندئذ ليبرالي ومحافظ في آن واحد، دون أن يكون في هذا الوصف المزدوج أيّ تناقض منطقي.

إعادة تحديد الأضّداد والتحالفات الطبيعية
ينبع الخلط المفاهيمي السائد من خطأ في تحديد الأضداد. فالضدّ الحقيقي للمحافظ ليس اللّيبرالي، بل هو “المجدّد” – ذلك الساعي لتغيير الوضع القائم وتجديد البنى الاجتماعية والسياسية. قد نستعمل أيضاً وصف “الإصلاحي” أو “التقدّمي”، برغم أنّ هذه الألفاظ لا تُصيب المعنى المقصود تماماً. المجدّد هو من يرفض الرضا بالحال، ويدفع باستمرار نحو التغيير والتحوّل.
وبالمِثل، فإنّ الضدّ الحقيقي للّيبرالي ليس المحافظ، بل هو الشمولي أو المستبدّ – ذلك الذي يرفض مبادئ الحرّية الفردية ويسعى لإخضاع الأفراد لسلطة مركزية قاهرة. وهنا تتعدّد الصور والمذاهب: المَلكية المطلقة، والفاشية، والشيوعية الشمولية، وغيرها من الأنظمة التي تضع الجماعة أو الدولة أو الحزب فوق حرّية الفرد.
وعليه، فإنّ المعادلة الصحيحة تُرسم كالآتي:
العدوّ الطبيعي للمحافظ هو المجدّد، لأنّ المحافظة تقوم على الإبقاء والثبات. والتجديد يقوم على التغيير والحركة.
العدوّ الطبيعي للّيبرالي هو المستبدّ الشمولي، لأنّ اللّيبرالية تقوم على الحرّية الفردية. والاستبداد يقوم على القهر والإخضاع.
ومن هنا نفهم أنّ اللّيبراليّين والمحافظين يمكن أن يقفوا جنباً إلى جنب في خندق واحد، لأنّ كليهما قد يكون قوميّاً، وكليهما ينتمي إلى اليمين السياسي. أمّا اليسار المجدّد، فهو الذي يصارع المحافظين حقّاً، إذ يسعى لتغيير وتجديد ما يحاول المحافظون الإبقاء عليه. ولا يكون اليسار التجديدي تحرّرياً دائماً، بل كثيراً ما تكون أدواته شمولية تُقيّد حرّية الفرد باسم المصلحة الجماعية أو التقدّم الاجتماعي.

عدوّ اللّيبرالية الحقيقي: الاستبداد المشرقي وجذوره
لمّا اتّضحت لنا خطوط التمايز الصحيحة، أصبح بالإمكان تحديد التهديد الفعلي للّيبرالية الأوروپية بدقّة أكبر. العدوّ ليس التوجّه المحافظ داخل المجتمعات الغربية، بل هو الاستبداد المشرقي الذي تغذّى وترعرع بدعم – مباشر أو غير مباشر – من القوى الأوروپية نفسها عبر عقود طويلة.
تُرك هذا الاستبداد ينمو على جثث المشرقيّين وأرواحهم وأفكارهم، حتّى صار التعصّب السمة الأبرز للفكر المشرقي، وصار ضيق الأفق منهجه المُعتاد. والخطورة تكمن في أنّ هذا الواقع القاهر لا يبقى محصوراً في حدود المشرق الجغرافية، بل يمتدّ أثره ليصل إلى قلب أوروپا عبر الهجرات والأزمات المُصطنعة التي تدفع الحكومات الغربية نحو تقييد الحرّيات باسم الأمن والحماية. الحماية من المهاجر المشرقي الذي أفسدت عليه هذه الحكومات نفسها حياته.

السبيل الوحيد لحماية اللّيبرالية الغربية
الحلّ لا يكمن في مزيد من القيود على الحرّيات في الغرب، ولا في افتعال معارك وهمية بين اللّيبراليّين والمحافظين. الحلّ الحقيقي الوحيد يتمثّل في تحرير المشرقيّين من الأنظمة الاستبدادية التي تحكمهم، وتمكين ليبرالية مشرقية حقيقية تُوازي نظيرتها الغربية في احترام حرّية الفرد وصيانة كرامته.
فتحرير المشرق من الاستبداد هو حماية لأوروپا من تآكل حريّاتها. أمّا الاستمرار في دعم الأنظمة القمعية أو السكوت عنها، ثمّ افتعال أزمات داخلية تُبرّر تقليص الحرّيات في الداخل الأوروپي، فلن يسير بشعوب هذه البلدان إلّا في اتّجاه واحد: التشبّه التدريجي بواقع شعوب المشرق المُستعبَدة.
ليست المعركة بين المحافظ واللّيبرالي، بل بين الحرّية والاستبداد. وليس العدوّ في الداخل بل في الخارج، في ذلك النظام الشمولي الذي يسحق الأرواح ويُعمي العقول. فإذا أراد الغرب حماية ليبراليته، فليسعَ لنشرها لا لحصارها، وليُدرك أنّ حريّة المشرقي ضمانة لحريّة الأوروپي، وأنّ تقييد الحرّيات في أيّ مكان هو تهديد للحرّية في كلّ مكان.
استوحيت أفكار هذا المقال من فصل بعنوان “لماذا لست محافظاً” من كتاب “دستور الحرية” للفيلسوف النمساوي فريدريش هايِيك Friedrich August von Hayek المتوفّى سنة 1992 في ألمانيا.
المراجع والمصادر
- Hayek, Friedrich August von (1960). The Constitution of Liberty. Chicago: University of Chicago Press.
- الطبعة الكاملة: https://press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/C/bo9253956.html
- فصل “لماذا لست محافظاً”: https://press.uchicago.edu/books/excerpt/2011/hayek_constitution.html
- النص الكامل PDF من معهد كاتو: https://www.cato.org/sites/cato.org/files/articles/hayek-why-i-am-not-conservative.pdf
- Locke, John (1689). Two Treatises of Government. London. مصدر رقمي: https://plato.stanford.edu/entries/locke-political/
- Locke, John (1689). An Essay Concerning Human Understanding. London.
- Zuckert, Michael P. (1994). Natural Rights and the New Republicanism. Princeton: Princeton University Press.
- Dunn, John (1969). The Political Thought of John Locke: An Historical Account of the Argument of the ‘Two Treatises of Government’. Cambridge: Cambridge University Press.
- Tully, James (1980). A Discourse on Property: John Locke and His Adversaries. Cambridge: Cambridge University Press.
- Ashcraft, Richard (1986). Revolutionary Politics and Locke’s Two Treatises of Government. Princeton: Princeton University Press.
- Friedrich, Carl J. and Brzezinski, Zbigniew K. (1956). Totalitarian Dictatorship and Autocracy. Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Linz, Juan José (1964). “An Authoritarian Regime: The Case of Spain.” In Erik Allardt and Yrjö Littunen (eds.), Cleavages, Ideologies, and Party Systems: Contributions to Comparative Political Sociology. Helsinki: Academic Bookstore, pp. 291-341.
- Cecil, Lord Hugh (1912). Conservatism. London: Home University Library.
- Macmillan, Harold (1938). The Middle Way: A Study of the Problem of Economic and Social Progress in a Free and Democratic Society. London: Macmillan.
- Arendt, Hannah (1951). The Origins of Totalitarianism. New York: Harcourt Brace Jovanovich.
- Linz, Juan José (2000). Totalitarian and Authoritarian Regimes. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers.
- Friedrich, Carl Joachim (1969). “The Evolving Theory and Practice of Totalitarian Regimes.” In Carl J. Friedrich, Michael Curtis, and Benjamin R. Barber (eds.), Totalitarianism in Perspective: Three Views. New York: Praeger, pp. 123-164.
- Palous, Martin (2008). “Totalitarianism and Authoritarianism.” In Lester Kurtz (ed.), Encyclopedia of Violence, Peace, & Conflict, Vol. 3, 2nd edition. Oxford: Academic Press, pp. 2069-2078. مصدر رقمي: https://havel.fiu.edu/about-us/publications-and-resources/15-totalitarianism-and-authoritarianism-1.pdf
- Harper, Douglas (n.d.). “Conservative.” Online Etymology Dictionary. الرابط: https://www.etymonline.com/word/conservative
- Harper, Douglas (n.d.). “Conservatism.” Online Etymology Dictionary. الرابط: https://www.etymonline.com/word/conservatism
- Mill, John Stuart (1859). On Liberty. Edited by R.B. McCallum (1946). Oxford: Oxford University Press.
- Acton, John Emerich Edward Dalberg (1907). The History of Freedom and Other Essays. Edited by John Neville Figgis and Reginald Vere Laurence. London: Macmillan.
- Burke, Edmund (1790). Reflections on the Revolution in France. London: J. Dodsley.
- Simmons, A. John (1992). The Lockean Theory of Rights. Princeton: Princeton University Press.
- Slater, Dan (2010). Ordering Power: Contentious Politics and Authoritarian Leviathans in Southeast Asia. Cambridge: Cambridge University Press.
- Przeworski, Adam (2019). Crises of Democracy. Cambridge: Cambridge University Press.
- Economist Intelligence Unit (2023). Democracy Index 2023: Age of Conflict. London: The Economist Group.





اترك رد