غالباً ما يسخر منّي معارفي ويصفونني بأنّني أعاني اضطراب نفسي من صنف الوسواس القهري، لأنّني أحتاج دوماً للتأكّد من نظافة اليدين وجفافها تماماً قبل لمس أي شيء في المطبخ، حتى في أثناء الطبخ. ولأنّني أخاف من تلويث الأدوات والأواني بأصابعي، حتّى لو كان التلوث بسيطاً. ولأنّني أحتاج لغسل اليدين وتجفيفهما بشكل كامل قبل كل خطوة في الطبخ. يقولون أنّني أعاني حساسيّة شديدة من تلويث الأشياء واهتماماً زائداً بالنظافة في أثناء الطبخ. وهي، حسب وصفهم، من أعراض “الوسواس القهري” OCD وسواس النظافة والتلوث.
من جهتي، تزعجني جداً عاداتهم، حين يفتحون علبة مسحوق الفليفلة بأصابع ملوّثة بالزبدة، أو حين يمسكون بالمملحة بأصابع ملوّثة بعصير اللّحم، ثمّ يعيدونها إلى الرف! هذه كلّها في نظري تصرّفات تشكّل خطراً على الصحّة ولا تحترم آداب المطبخ… فأولى آداب المطبخ هي الحرص على نظافة أجزائه والأشياء فيه. واليوم، برهنت دراسة جديدة على أنّ هذه الأوعية تُشكّل أكثر العناصر تلوّثاً في مطابخنا.
لو طُلب مني أن أخمّن أكثر مكان متّسخ في مطبخي، سأختار على الأرجح القاعدة تحت علبة النفايات المخيفة. تلك التي تُنسى أشهراً دون تنظيف. لكن تخميني سيكون خاطئاً. إذ أظهرت دراسة نُشرت في نهاية العام الماضي أنّ أكثر ما يجذب الجراثيم في مطبخك هو أوعية التوابل.

تُعدّ البيئة المنزلية إحدى البيئات المعقّدة التي تحتضن مجموعة واسعة من الأنشطة، وبخاصّة المطبخ، حيث يجتمع العمل مع الاهتمام بالصحّة والنظافة. ورغم الجهود المتزايدة لضمان سلامة الغذاء داخل المنازل، تتسبّب العديد من السلوكيّات اليومية في ارتفاع احتمالية نقل الميكروبات المسبّبة للأمراض.
ويُشكّل التعامل مع أدوات المطبخ عنصراً حسّاساً ضمن هذه المعادلة؛ فقد بيّنت الدراسات أنّ ممارسات إعداد الطعام، خاصّةً المتعلّقة باستخدام أوعية التوابل، تسهم بشكل كبير في انتقال البكتيريا. ومع ما يحظى به المطبخ من أهمّية، تتطلّب معالجة هذه المشكلات ليس فقط إدراك المخاطر بل استيعاب العوامل التي تجعل بعض الأسطح، مثل أوعية التوابل، مركزاً لنقل العدوى. وفي ضوء هذه الاكتشافات، تبدو إعادة تقييم ممارسات النظافة في المطبخ ضرورية للحدّ من التلوّث والحفاظ على صحّة أفراد الأسرة.
فاجأت النتائج الباحثين أيضاً. صرّح دونالد شافنر Donald Schaffner، الدكتور في علوم الأغذية في كلية راتجرز للعلوم البيئية والبيولوجية RSEBS، لمجلّة “أخبار سلامة الأغذية”: “أذهلتنا النتائج لأنّنا لم نشهد سابقاً أدلّة على تلوّث أوعية التوابل. ركّزت معظم البحوث عن انتقال التلوّث على أسطح المطبخ بسبب تداول اللّحوم أو الدواجن النيّئة على ألواح التقطيع أو مقابض الحنفيات، وأغفلت أسطحاً مثل أوعية التوابل وأغطية سلال المهملات وأدوات المطبخ الأخرى.”
بتكليف من وزارة الزراعة الأميركية لفهم كيفيّة انتقال التلوّث، راقب فريق من الباحثين ٣٧١ شخصاً في أثناء طبخهم وصفات برگر ديك رومي متطابقة في مطابخ مختلفة الأحجام، تراوحت بين الشقق الصغيرة والمنشآت الصناعية الكبيرة. وتضمّنت الوصفة تتبيل فطائر الديك الرومي المفروم النيّء؛ المُلقّح مسبقاً بفيروس متعقّب غير ضار يُعرف باسم MS2، وتطبيق (تركيب) سلطة معلّبة محضّرة مسبقاً.
جهل المشاركون أنّهم يخضعون لاختبار سلامة الغذاء؛ أُخبروا أنّهم يجرّبون وصفة جديدة. بعد انتهائهم من تحضير الطعام، مسح الباحثون ١٢ سطحاً مختلفاً في المطبخ (عُقّمت جميعها بعناية قبل الطبخ)، شملت المناضد والأدوات وألواح التقطيع والمغاسل وأوعية التوابل. وتفاوتت درجة انتقال التلوّث بشكل كبير: اكتُشف المُمرض MS2 على معظم الأسطح بنسبة ١٠٪-٢٠٪ – لكن تلوّثت ٤٨٪ من أوعية التوابل.
أبرز المؤلّفون عدّة أسباب محتملة لارتفاع تركيز MS2 على أوعية التوابل. وذكرت الدراسة عدّة عوامل: “قربها من موقع تحضير فطائر الديك الرومي، وعدم غسل الأيدي بين تداول الديك الرومي المفروم وتتبيل الفطائر بالتوابل، وعدم تنظيف أو تعقيم أوعية التوابل بعد استعمالها، وكثرة مرّات استعمال الأوعية.”
أوضح بنجامين چاپمان Benjamin Chapman، أحد مؤلّفي الدراسة ورئيس قسم العلوم الزراعية والإنسانية في جامعة ولاية نورث كارولينا، لصحيفة “واشنطن بوست” أنّ الناس لا يحتاجون للذعر وتبخير أدراج التوابل. إذ تفقد المُمرضات قوّتها الضارّة على الأسطح، وصُمم لقاح الديك الرومي لمحاكاة “أسوأ سيناريو ممكن.”.
لكن نصح چاپمان الناس بغسل أيديهم أكثر، ليس قبل الطبخ وبعده فحسب، بل خلاله أيضاً. يستحسن تنظيف أوعية التوابل للاحتياط؛ خاصّة أنّ ٢٠٪ من أمراض الغذاء تنشأ في المنزل، ثمّ تنظيف الوعاء بعد استعماله مباشرة عند تداول اللّحم النيء أو البيض. أخبر چاپمان “الصحيفة” بضرورة مسح أوعية التوابل بقطعة قماش صابونية ثم رشّها برذاذ تعقيم المطبخ. ينبغي أيضاً التحقّق من تواريخ انتهاء الصلاحية: ربما فقدت التوابل في خزانتك نكهتها، فحان وقت تجديد المخزون.

في الواقع، ينصح جميع الطهاة بالاحتفاظ بالتوابل بشكل بزورات كاملة غير مطحونة ولا مسحوقة. ومن ثمّ طحن الكمّيّة اللازمة قُبيل الطبخ تماماً. ويحفظ الطهاة البهارات في شكلها الكامل لسببين رئيسين: تخرج النكهة الأقوى عند طحن البهارات فوراً وقت الطبخ، وتمتلك الحبوب الكاملة عمراً تخزينياً أطول، قد يمتدّ إلى سنوات. إذ، تُفقد الزيوت الطيّارة المسؤولة عن النكهة في البهارات المطحونة عند التخزين تدريجياً، ممّا يؤدّي إلى تراجع نكهتها ورائحتها. ويرجع هذا الضعف لتعرّض السطح المطحون المكشوف للأكسجين والضوء والرطوبة والحرارة.
تسبّب الأكسدة فساداً تدريجيّاً للتوابل المطحونة على عدّة مستويات. إذ يؤثّر تفاعل الأكسجين على الزيوت الطيارة في التوابل المطحونة، فيكسر جزيئاتها المعقّدة. ويتسبّب هذا التكسير في ضياع النكهات المميّزة والروائح العطرية للتوابل. وتغيّر الأكسدة لون التوابل المطحونة، فتصبح باهتة وتفقد درجات ألوانها الأصلية. ويظهر هذا التغيّر بوضوح في الكركم والفلفل الأحمر والزعفران.
تتحوّل بعض مركّبات التوابل المطحونة عند تعرّضها للأكسجين المستمرّ إلى مواد أخرى، ممّا يسبّب طعماً مرّاً أو حامضيّاً غير مرغوب. وتزيد سرعة الأكسدة في التوابل المطحونة مع ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة وتعرّضها للضوء. ويؤدّي الطحن إلى تفتيت التوابل، فتزداد مساحة سطحها المعرّض للأكسجين مئات المرات. ويستطيع المستهلك ملاحظة أثر الأكسدة على التوابل المطحونة من رائحتها الضعيفة ولونها الباهت وطعمها المختلف عن المعتاد.
أظهرت الدراسات العلميّة أنّ البهارات المطحونة تبقى صالحة للاستهلاك في العلب محكمة الإغلاق لمدّة ستّة أشهر كحدّ أقصى في درجة حرارة الغرفة. وتستمرّ البهارات بعد هذه المدة في إعطاء نكهة ضعيفة للطعام لمدة ثلاث أشهر إضافية. وتختلف مدّة الصلاحية للبهارات المطحونة تبعاً لنوع البهار وطريقة تخزينه. إذ تحتفظ البهارات بقوّتها مدّة أطول في حال تخزينها في مكان بارد مظلم وفي علب محكمة الإغلاق. ويساعد وضع البهارات في الثلاجة على إطالة عمرها التخزيني لمدّة تصل إلى تسعة أشهر.
من جهتي، أحتفظ بالتوابل والبهارات كلّها بزورات كاملة، وأستعمل مطحنة مناسبة لكلّ صنف في موعد الاستخدام… وأستمتع بطحنها بالمناسبة. كما أنّني أترك دوماً قرب يدي في المطبخ علبة مناديل معقّمة مرطّبة بالكحول، وأستعمل هذه المناديل لمسح كلّ علب التوابل التي استعملتها في أثناء الطبخ. لا أعيدها مباشرة إلى الرف، بل أتركها على المنضدة إلى حين الانتهاء، ثمّ أعيدها إلى الرف بعد احترامها بالتنظيف. وهذه عندي من آداب المطبخ… وأتت هذه الدراسة لتثبت أنّ عاداتي (المثيرة لسخرية البعض) هي العادات الأسلم والأفضل في عالم الطبيخ.

تظهر النتائج التي توصّلت إليها البحوث الحديثة أنّ الأخطار المرتبطة بالتلوّث في المطبخ أكثر تعقيداً ممّا يُعتقد، وتتطلّب منّا النظر بعناية في ممارسات النظافة في أثناء تحضير الطعام. ويعكس تلوّث أوعية التوابل واقعاً يستوجب التركيز على غسل الأيدي بعد كلّ خطوة من خطوات إعداد الطعام، خاصّة عند التعامل مع اللّحوم النيئة. ويوضح هذا البحث أهمّية التوعية بأدقّ تفاصيل سلامة الغذاء، حيث تُعَدّ ممارسات التنظيف المتكرّرة واتّباع إرشادات حفظ التوابل بشكل صحيح من بين أكثر الإجراءات فعّالية للحفاظ على بيئة مطبخ آمنة وصحّية. وتبقى هذه المبادئ ضرورية في مواجهة خطر الأمراض المرتبطة بالغذاء، ممّا يبرز دور الممارسات السليمة في المطبخ كحائط صدّ يحمي من انتقال الجراثيم.
المصادر:
هدف هذا البحث إلى دراسة انتشار التلوث وكيفية انتقاله بين أسطح المطبخ المختلفة في أثناء تحضير الطعام. أجرى الباحثون تجربةً على ٣٧١ شخصاً، وطلبوا منهم طبخ برگر ديك رومي وسلطة خضراء. أضاف الباحثون فيروساً غير ضار MS2 إلى لحم الديك الرومي لتتبع مسار انتقال البكتيريا.
أظهرت النتائج الرئيسية:
- سجّلت أوعية التوابل أعلى نسبة تلوث بين جميع الأسطح، فبلغت ٤٨٪
- تلوّثت معظم الأسطح الأخرى بنسبة ١٠-٢٠٪
- بلغ متوسّط تركيز الفيروس على الأسطح بين ٥.٥ و٦.١ وحدة لوغاريتمية
- أظهرت الأدوات المخصّصة للغسل في غسّالة الصحون تلوّثاً أكثر من تلك المخصّصة للغسل اليدوي
- تنقّل التلوث في ٨١٪ من حالات تحضير الطعام إلى سطح واحد على الأقل
- سجّلت مقابض الثلاجة وأسطح المغاسل أقل نسبة تلوث (أقل من ١٠٪)
يسلّط هذا البحث الضوء على أهمّية توعية المستهلكين بمخاطر تلوّث أوعية التوابل خاصّةً، وضرورة تنظيفها بعد الاستخدام، إضافة إلى أهمّية غسل اليدين المتكرّر في أثناء تحضير الطعام لمنع انتقال البكتيريا بين الأسطح المختلفة.
- Study finds spice containers pose contamination risk during food preparation
- The Best Cutting Boards Reviewed by Our Experts
- The germiest spot in your kitchen? The spice jars, a new study found.
- The Best Kitchen Towels Cost Less Than $2 Each, So Stock Up
المراجع:
- Chapman, B., & Schaffner, D. W. (2023). Cross-Contamination to Surfaces in Consumer Kitchens with MS2 as a Tracer Organism in Ground Turkey Patties. Journal of Food Protection, 86(3), 531-542. Retrieved from ScienceDirect
- Henriques, L., & Correia, C. (2020). Preventing Cross-Contamination in Home Kitchens: A Review on Food Safety Knowledge and Practice. Food Control, 118, 107445. doi:10.1016/j.foodcont.2020.107445
- Liu, P., Yuen, Y., Hsiao, H. M., Jaykus, L. A., & Moe, C. (2010). Effectiveness of Liquid Soap and Hand Sanitizer against Norwalk Virus on Contaminated Hands. Applied and Environmental Microbiology, 76(2), 394-399. doi:10.1128/AEM.01729-09
- Griffith, C. J., & Redmond, E. C. (2003). Consumer Food Handling in the Home: A Review of Food Safety Studies. Journal of Food Protection, 66(1), 130-161. doi:10.4315/0362-028X-66.1.130
- Kusumaningrum, H. D., van Putten, M. M., & Riboldi, G. (2014). Risk Factors for Foodborne Illness in Home Kitchens: A Systematic Review. Journal of Food Safety, 34(3), 218-226. doi:10.1111/jfs.12111
- Soon, J. M., Baines, R., & Seaman, P. (2012). Meta-Analysis of Food Safety Training on Hand Hygiene Knowledge and Attitude among Food Handlers. Food Control, 25(2), 593-603. doi:10.1016/j.foodcont.2011.11.018
- Berardino, D., & Carucci, L. (2022). Food Contact Surfaces and Consumer Food Safety Practices in Domestic Kitchens. International Journal of Environmental Health Research, 32(6), 1193-1203. doi:10.1080/09603123.2022.2027935
- Bloomfield, S. F., & Scott, E. (2003). Cross-Contamination and Infection Transmission in the Domestic Setting. American Journal of Infection Control, 31(3), 201-205. doi:10.1067/mic.2003.44
- Kostyla, C., Margenat, A., & Mateo, R. (2018). Household Kitchen Hygiene Practices and Foodborne Illness Risk in the European Union: A Literature Review. Food Research International, 106, 75-84. doi:10.1016/j.foodres.2017.12.008
- Kosa, K. M., Cates, S. C., Bradley, S., Chambers, D., & Godwin, S. (2015). Consumer Handling of Raw Poultry Products at Home: Results from a National Survey. Journal of Food Protection, 78(1), 180-186. doi:10.4315/0362-028X.JFP-14-160
- Haysom, I., & Sharp, A. K. (2005). Bacterial Contamination of Domestic Kitchens Over a 24-Hour Period. British Food Journal, 107(7), 453-466. doi:10.1108/00070700510606882
- Scott, E., & Bloomfield, S. F. (1990). The Survival and Transfer of Microbial Contamination via Cloths, Hands and Utensils. Journal of Applied Bacteriology, 68(3), 271-278. doi:10.1111/j.1365-2672.1990.tb02581.x
- Møretrø, T., & Langsrud, S. (2017). Residential Kitchen and Consumer Practices: Sources and Prevention of Contamination and Foodborne Illness in Domestic Settings. Trends in Food Science & Technology, 63, 9-14. doi:10.1016/j.tifs.2017.02.001
- Jay, J. M., Loessner, M. J., & Golden, D. A. (2005). Modern Food Microbiology (7th ed.). Springer Science & Business Media.
- Kendall, P. A., Medeiros, L., Hillers, V., Chen, G., & DiMascola, S. (2003). Food Safety Practices of Home Cooks Preparing Turkey and Stuffing for Thanksgiving in the United States. Journal of Food Protection, 66(10), 1862-1867. doi:10.4315/0362-028X-66.10.1862





اترك رد