يمتلك الفنّانون مجموعةً واسعةً من الألوان، وتتميّز بعض الدرجات اللّونية بجاذبية خالدة تأسر العين والخيال معاً. ويندرج اللّون الأحمر القرمزي تحت هذه الفئة. ويتميّز هذا اللّون بدرجاته الحمراء العميقة وتاريخه العريق، ويحتلّ مكانةً مهمّةً في عالم الفن.
قدّم العرب خمس من أشهر وأهمّ أنواع اللّون الأحمر القرمزي:
- القرمز الصرف أو الصافي، ويستخلص من حشرة القرمز.
- الأحمر الملكي أو الملوكي أو السلطاني، وهو هوية الفينيقيّين القومية.
- القرمز المُخفّف أو المُمَوّه. واستُعمل في الأقمشة والرسومات التراثية.
- الأحمر القاتم أو الداكن أو المُدَهم. واستُعمل الزخارف الهندسية.
- الأحمر النابض أو الوهّاج أو المُتلألئ واستُخدم كثيراً في الفنون الإسلامية.
وفي هذه التدوينة أخصّص الحديث عن اللّون الرابع؛ المُدَهم. الذي عرفه الناس كذلك باسم زهري الفوّة وآلاجهری وآلازهري وعنها في الفرنسية alizarine التي صارت في الإنگليزية Alizarin crimson. وشكراً لمصر على إبداع هذا اللّون وإدخاله في عالم الإبداع الإنساني.
الشفرة السداسية العشرية Hex E32636#
ISCC–NBS برتقالي أحمر زاهٍ.

التراث التاريخي
بدأت قصّة اللّون القرمزي في مصر القديمة، فزرع المصريون نبات الفوّة لاستخراج الصبغة الحمراء منه. استخدم المصريّون جذور الفوّة لصناعة مجموعة من الأصباغ الحمراء، ومنها السلف الأول للّون القرمزي. وأطلق المصريّون على هذا اللّون اسم {دِشرت} 𓂧𓈙𓂋𓏏 بمعنى أحمر. في حين عرفه أهل الأگّدية باسم {سامتُ} و {سامطُ} و {سَعتُ} و {ساندُ} و {سانتُ} 𒊬𒀭𒌑.

ارتفعت قيمة الصبغة المستخرجة من نبات الفوة، واستُخدمت في المنسوجات واللّوحات. والفوّة المقصودة هنا هي فوّة الصباغين أو الفُوَّة الصَّبْغِيَّة أو فُوَّة الصَّبْغ أو فُوَّة الصَّبَّاغ أو Rubia tinctorum وهو نوع نبات من جنس الفُوَّة، ذي أزهار مصفرة.
أقدم الدلائل على استخدام صبغة زهري الفوّة تعود إلى حوالي 3500 سنة، وعُثر عليها في مقابر في جبّانة مدينة طيبة (الأقصر حاليّاً) في مصر. عُثر على قماش مصبوغ بهذه الصبغة ضمن أكفان بعض المومياوات، ويعتقد اليوم أنّ ذلك كان جزء من الشعائر الجنائزية حيث كانت الألوان الزاهية كالأحمر {دشرت} تُستخدم للتعبير عن القوّة والحياة الأبدية. واستعمل الفنّان المصري صبغة {دشرت} بكرم وإبداع. فدُهنت بها جدران المعابد والقصور من الداخل، ورُسمت بها لوحات توابيت دفن الموتى حتّى العصر الروماني.

وبسرعة انتشرت في الشرق الأوسط منتجات مصر المصبوغة بزهري الفوّة حتّى عُثر عليها في العراق والأناضول بعمر يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد. ثمّ في القرن السابع قبل الميلاد انتشر استخدام نبات الفوّة لصناعة صبغة حمراء إلى الحضارات الأخرى، كاليونانيين ثمّ الرومان. وازدهرت زراعة نبات الفوّة في العصور الوسطى، وخاصّةً في مناطق مثل فلاندرز وإيطاليا، فأصبح سلعةً تجاريةً مهمّة.

سجّل الجغرافيّون والرحّالة العرب في كتاباتهم أهمّية تجارة الفوّة. ووصف البكري والإدريسي وابن بطّوطة مزارع الفوّة ومراكز صناعة الصبغة في مدن عديدة. واستخدم الحرفيّون العرب صبغة الفوّة في صناعة السجّاد والمنسوجات الفاخرة. وتميّزت المنسوجات العربية المصبوغة بالفوّة بجودتها العالية وجماليّتها الدافئة، فراجت في الأسواق المحلية والعالمية. وطوّر العلماء العرب معارف كيميائية متقدّمة في استخلاص الصبغة وتثبيتها. وشرح جابر بن حيان والرازي في كتبهم طرق تحضير الصبغة ومزجها مع مواد أخرى لتحسين ثباتها.
وُجد زهري الفوّة الطبيعي، وهو مركّب، في جذور أنواع مختلفة من نبات الفوّة، منها الفوّة الشائعة والفوّة الشامية، وجذر الشاي، الذي نشأ في الهند وجنوب شرق آسيا. واستخدم الناس هذه النباتات في صباغة المنسوجات منذ عام 3000 قبل الميلاد، قبل اكتشاف المصريّين طريقة زراعته.

البدائل الاصطناعية
في القرون الوسطى شرع العرب البحث عن مصادر بديلة لإنتاج صباغ زهري الفوّة وجرّب العلماء والفنّانون العرب ثمار مختلفة، فتمكّنوا من صناعة صبغة جديدة من ثمار نبات الجَلْهَم أو الجُلْهُم وهو صنف من أصناف التوت الأصفر يسمّى النبق المُسهل. ومن أسمائه كذلك نبات النَّبْق أو السُّوَيِّد أو السدر أو التوت الأصفر. وانتشرت زراعة هذه الأشجار خصّصياً لمصلحة صناعة الصبغات وتصديرها.


ارتفع الطلب على الأصباغ الحمراء الزاهية في عصر النهضة الأوروپية، فبدأ البحث عن مصادر بديلة لتخفيف استيرادها من البلاد العربية. وجرّب العلماء والفنّانون الأوروپيّون في أواخر القرن 17 طرقاً جديدةً لاستخراج اللّون من جذور الفوّة. وأحرز الكيميائيّان پيير-جان روبيكيه Pierre-Jean Robiquet وكولين-جان-باتيست شوفرول Colin-Jean-Baptiste Chevreul تقدّماً في القرن الثامن عشر، فنجحا في عزل الصبغة الرئيسة في الفوّة وتحديد هويّتها. وأطلقا عليها اسم {أليزارين} alizarine، المشتقّ من الكلمة العربية الجزائرية {آلازهري}.
الكلمة الجزائرية {آلازهري} مشتقّة بدورها من الكلمة العثمانية {آلاجهری} بإبدال الجيم زاي. والكلمة العثمانية منحوتة من دمج (آلا + جهری) حيث:
- آلا (ئالا) = برّاق، مرقّط
- جهری = صبغة من نبات النَّبْق أو السُّوَيِّد أو السدر أو التوت الأصفر. من العربية: جَلْهَم أو جُلْهُم وهي اسم لصنف من أصناف التوت الأصفر يسمّى النبق المُسهل.

طوّر اللّون القرمزي عالم الفنّ في منتصف القرن التاسع عشر. حين اكتشف في عام 1868 الكيميائيان الإنگليزيان وليام هنري بيركن William Henry Perkin والسير أوگست ڤيلهلم فون هوفمان Sir August Wilhelm von Hofmann طريقةً اصطناعيةً لإنتاج الأليزارين. اكتشف بيركن هذا الاختراع صدفةً في أثناء محاولته تصنيع الكينين، علاج الملاريا.
تميّز الأليزارين الاصطناعي بزهوّه وانخفاض تكلفته وسهولة إنتاجه مقارنةً بنظيره الطبيعي. وأتاحت قدرة هذه الصبغة على إنتاج مجموعة من الظلال، من الوردي الرقيق إلى الكستنائي العميق، مكانةً مرموقةً في عالم الفن. وساعد اللّون القرمزي الفنّانين في التقاط دقائق الضوء والظل والمشاعر في أعمالهم.

المرونة والعمق والثبات
يتميّز اللّون الآلازهري بمرونته الفائقة. وأتاحت قدرته الفريدة على الامتزاج بسلاسة مع الألوان الأخرى مكانةً لا غنى عنها للفنّانين في مختلف الوسائط. إذ يضفي دفئاً وحيويةً عند مزجه مع الألوان الدافئة كالأصفر والبرتقالي. ويخلق مزج اللّون القرمزي مع الألوان الباردة كالأزرق والأخضر تبايناً لافتاً يزيد اللّوحة عمقاً وشدّةً. يمتلك اللّون الآلازهري قدرةً فطريةً على إثارة المشاعر والتقاط جوهر الحياة.
صمد هذا اللّون الأحمر في عالم الأصباغ أمام اختبار الزمن. وتعرّضت الصبغة الأصلية المستخرجة من جذور الفوّة للتلاشي من الأسواق، فغيّر تطوير اللّون الآلازهري الاصطناعي في أواخر القرن التاسع عشر عالم الفن. واستمتع الفنّانون بنسخة من هذا اللّون الأخاذ أكثر استقراراً وثباتاً. وأصبح اللّون الآلازهري الاصطناعي عنصراً أساسيّاً في أدوات الفنّان، فضمن احتفاظ إبداعاتهم بحيويتها وجمالها لسنوات طويلة.

تذوب الأصباغ في الماء، فلا تصلح لصناعة الطلاء، لكن يُمكِن تثبيتها على مادّة مثبّتة، في عملية تُعرف باللك، لإنتاج صِبغ غير ذائب. استخدم الفنانون صِبغ الآلازهري اللاكي في أنحاء العالم، من لوحات المومياوات المصرية قبل 3500 سنة إلى جداريّات البوذية في القرن 14. وتتميّز أصباغ اللك بالشفافية وتناسب تقنيّات الطلاء الزيتي، لكنّها تبهت عند تعرّضها للضوء، خاصّة في الطبقات الرقيقة.
اكتشف الكيميائيّون في القرن 19 طريقة تصنيع الأليزارين الاصطناعي، واستخدموه في إنتاج الصِبغ المعروف باسم القرمزي الآلازهري. وصمد هذا اللّون للضوء أفضل من نظيره الطبيعي، لكنّه ظلّ أقل ثباتاً من الأصباغ الحمراء الشفّافة الحديثة، مثل الكريناكريدون والبيرول والبيريلين الأحمر. برغم ذلك ظلّ القرمزي الآلازهري مفضّلاً للكثيرين. وربّما ترجع جاذبيّته إلى لونه الدخّاني الفريد، الذي عجزت الأصباغ الحديثة عن محاكاته تماماً، أو ربّما لارتباطه بفن صناعة الألوان القديم.


الآلازهري في الفنّ الإسلامي
شغل اللّون الزهري الأحمر المستخرج من جذور نبات الفوّة خيال الفنّانين العرب والمسلمين على مرّ العصور. فتألّّق هذا اللّون في المنمنمات الإسلامية منذ القرن الثامن الميلادي، فأضفى عليها سحراً خاصّاً ورونقاً مميزاً. وأدخل صانعو المخطوطات هذا اللّون البديع في رسم الأزهار والملابس والخلفيات، فأنتجوا أعمالاً فنّية رائعة تناقلتها الأجيال. وبرع الفنّانون في مزج لون الآلازهري مع الألوان الأخرى، فابتكروا درجات متنوّعة تراوحت بين الوردي الفاتح والأحمر العميق.

سطع الآلازهري في لوحات المدرسة العربية، فرسم يحيى الواسطي شخصيّاته في مقامات الحريري بملابس زهريّة تميّزت بنصاعتها وتألّقها. وأبدع أحمد بن الوحيد في توظيف هذا اللّون في تزيين جدران قصر الحمراء بغرناطة، فجمع بين الزخرفة والتناغم اللّوني.
برع الفنّانون في بغداد في توزيع درجات الآلازهري على صفحات المخطوطات العربية، فأنتجوا أعمالاً متميّزة في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديّين. وطوّر المزوّقون في دمشق والقاهرة طرقاً خاصّة لمزج هذا اللّون مع الألوان الأخرى، فظهر جليّاً في رسوم المصاحف والكتب العلمية.

زيّن المعماريّون العرب مساجد القاهرة التاريخية بأروع درجات الآلازهري، فتجّلى في زخارف جامع ابن طولون على هيئة أشرطة هندسية متناغمة. وصبغ الحرفيّون القباب الداخلية في الجامع الأموي بدمشق بهذا اللّون الزهري، فأضافوا إليه تطعيمات ذهبية أبرزت جماله. وبرزت روعة الآلازهري في محراب جامع القيروان الكبير، فزيّنت درجاته الزهرية المصقولة أعلى المحراب وجوانبه. وأبدع صنّاع البلاط في تونس في تطويع هذا اللّون على الخزف، فظهر متألّقاً في جامع عقبة بن نافع. وزخرف الحرفيّون في صقلية قباب جامع سان جوفاني الإسلامي بهذا اللّون، فأضفى عليها رونقاً خاصاً ما زال يبهر الزائرين.

أضاف السلطان محمّد التبريزي الآلازهري على أردية الأمراء والحاشية في منمنماته الفارسية، فمنحها طابعاً ملكياً فريداً. ورسم بهزاد الأزهار والخلفيّات في لوحاته بدرجات الآلازهري، فأبدع مشاهد متناغمة جمعت بين السحر والجمال. ونقل رضا عباسي هذا اللّون في رسومه لمجالس الشعراء والموسيقيّين، فظهرت ملابسهم بدرجات زهرية دافئة ومتألّقة.
وأبدع محمود سياه قلم سنة 1330 في استخدام الآلازهري لرسم الطيور والأزهار في هوامش المخطوطات، فأظهر براعته في توزيع اللّون وتدرّجاته. وابتكر رسّامو المدرسة المغولية-الهندية مزيجاً فريداً من هذا اللّون مع الذهب، فزيّنوا به صفحات المخطوطات الملكية في عهد أكبر شاه وجهانگير.

أهمّية اللّون الآلازهري للفنّ الحديث
يمكن صنع مجموعة واسعة من درجات البنفسجي والبنّي الثابتة من القرمزي الأليزاريني. وبرز استخدام اللّون الآلازهري في لوحة جان-ميشيل باسكيا Jean-Michel Basquiat “بدون عنوان (رأس الدم)” بشكل هادف لنقل موضوعات محدّدة وإثارة استجابات عاطفية. وبحث باسكيا في أعماله الفنية موضوعات الفناء والعنف والقضايا المجتمعية. أدخل استخدام درجة الأحمر القرمزي العميقة المذكرة بالدم إحساساً بالشدة والإلحاح والتأثير العميق.
ساعد اللّون الآلازهري في نقل المشاعر الخام والأحاسيس المكثّفة. وخلقت درجة الأحمر الزاهية نقطة محوريّة بصرية وجذبت انتباه المشاهد. وأضافت إحساساً بالعاطفة والاضّطراب والطاقة إلى العمل الفني، فضاعفت التأثير العاطفي للموضوع. وأشار باسكيا في فنّه إلى تاريخ الأمريكيّين من أصل أفريقي والرموز الاجتماعية والقضايا المجتمعية. ففسّر استخدامه للّون الآلازهري في هذا السياق الإشارة إلى تاريخ العنف والقمع والنضالات المستمرّة من أجل العدالة والمساواة.

استخدم هنري ماتيس Henri Matisse اللّون الآلازهري في لوحته “الاستوديو الأحمر” لخلق تكوين ديناميكي ولافت بصرياً. ومثّلت هذه اللوحة استكشافاً للّون نفسه، فاستخدم ماتيس درجات زاهية لتمثيل مساحة الاستوديو. وبرز اللّون الآلازهري، بدرجته الحمراء القوية والمكثّفة، في مركز اللّوحة وشكّل عنصراً أساسيّاً في نظام الألوان عند ماتيس. وساهم في خلق جو نابض بالحياة ومكثّف في العمل الفني. وخلقت درجات الأحمر العميقة والغنيّة خلفية جاذبة بصريّاً وحيوية تشدّ انتباه المشاهد.
أبرز التاريخ الغني للّون الآلازهري افتتان البشر الدائم بالألوان واستكشافهم لها. وترك اللّون الآلازهري بصمة لا تُمحى في عالم الفن، منذ أصوله القديمة كصبغة طبيعية إلى تحوّله التركيبي كدهان. وأثبتت قدرته على إثارة المشاعر ونقل العمق وإلهام الإبداع قوّة اللّون في التعبير الإنساني.

مراجع
- Balfour-Paul, J. (2006). Indigo in the Arab World. Routledge.
- Brunello, F. (1973). The Art of Dyeing in the History of Mankind. Phoenix Dye Works.
- Cardon, D. (2007). Natural Dyes: Sources, Tradition, Technology and Science. Archetype Publications.
- Chenciner, R. (2000). Madder Red: A History of Luxury and Trade. Curzon Press.
- Gabr, Y. G. (1992). “The Role of Chemistry in the History of Islamic Painting.” Studies in History of Medicine and Science, 11(3-4), 93-101.
- Kirby, J., van Bommel, M., & Verhecken, A. (2014). Natural Colorants for Dyeing and Lake Pigments: Practical Recipes and their Historical Sources. Archetype Publications.
- Lombard, M. (2009). Les textiles dans le monde musulman du VIIe au XIIe siècle. École des hautes études en sciences sociales.
- Thompson, D. V. (1956). The Materials and Techniques of Medieval Painting. Dover Publications.







اترك رد