تأسرنا الألوان بسحرها العميق وتشدّنا إلى عوالم تتجاوز الحواس المجرّدة. إذ تفتح الصبغات أبواباً للتأمّل في علاقة الإنسان بالمواد الأولية التي وهبتها له الطبيعة وكيفية تحويل العناصر البسيطة إلى لغة تعبيرية فنّية خالدة. وتختزن كلّ صبغة قصصاً مدهشة عن الاكتشاف والتجربة والإبداع، وتربط بين حضارات متباعدة، وتجمع شعوباً مختلفة تشترك في شغفها بالجمال.
تحمل أسماء الصبغات في طيّاتها أصداء لغات متعدّدة ورحلات تجارية طويلة عبر القارّات والبحار. فهل فكّرت يوماً في الرحلة التي قطعتها ذرّات اللّون قبل أن تصل إلى الفرشاة أو القلم؟ تعال نستكشف معاً عالماً مليئاً بالأسرار، ونغوص في تاريخ المواد التي لوّنت حضارتنا وشكّلت تراثنا البصري عبر العصور.
تمتدّ ممارسة استخدام الصبغات إلى أعماق التاريخ البشري. اكتشف علماء الآثار معدّات لطحن الصبغات في زامبيا عمرها يتجاوز ٣٠٠ ألف عاماً، وهذا ما أكدّته دراسة نُشرت في مجلة Science عام ٢٠١٨ حول موقع البيمبا (اللوزي Twin Rivers) الأثري. توصّلت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة إلى أنّ استخدام الصبغات يرتبط بظهور السلوك الرمزي والتفكير المجرّد تشريحيّاً لدى الإنسان الحديث. وأظهرت التحليلات الطيفية للمواد المكتشفة وجود أكاسيد المنگنيز والحديد، ممّا يؤكّد استخدامها كصبغات وليس لأغراض أخرى.

صنع الإنسان الأوّل صبغاته البدائية بطرق بسيطة وفعّالة. حين طحن التراب وفحّم المواد العضوية لاستخراج الألوان التي أراد. واستمرّت هذه المصادر الطبيعية للصبغات حتى يومنا هذا. تتميّز المغرة الصفراء Yellow Ochre #E3B448 بلونها البنّي المصفرّ الرملي الجميل، وترجع خصائصها اللّونية أساساً لاحتوائها على أكاسيد الحديد المائية المتوفرة بكثرة في قشرة الأرض.
المُغْرة، الطين الأصفر، الصُفْرة
في التراث العربي، عُرفت المغرة الصفراء باسم {المُغْرة} أو {الطين الأصفر} أو {الصُفْرة}. تعدّ من أقدم الصبغات المعروفة في الحضارات العربية والإسلامية. إذ وصف العلماء العرب المغرة على أنّها تراب معدني يحتوي على أكاسيد الحديد، واستخرجوها من مناطق مختلفة في العالم العربي مثل مصر والمغرب واليمن. وتميّزت المغرة المستخرجة من كلّ منطقة بدرجة لونية مختلفة قليلاً تبعاً لنسبة ونوع أكاسيد الحديد الموجودة فيها.
استخدم الفنانون والخطّاطون العرب المغرة في صناعة الأصباغ للمخطوطات والرسومات، كما استُخدمت في الطبّ العربي القديم كمادّة علاجية. ذكرت في كتب الطب العربي مثل {القانون في الطب} لابن سينا، وكتب الصناعات مثل كتاب {عمدة الكتاب وعدّة ذوي الألباب} لابن باديس. واشتُهرت المغرة أيضاً في زخرفة المساجد والقصور في الحضارة الإسلامية، وكان لها دور مهم في صباغة الأقمشة والجلود.
كما أشار ابن خلدون في مقدّمته إلى استخدامات المغرة في الصناعات المختلفة، وعدّها من الموارد الطبيعية المهمّة في بلاد المغرب العربي. و تعدّ المغرة من الصبغات التي استمرّ استخدامها من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث في مختلف الحضارات، وحافظت على اسمها ومكانتها في التراث العربي عبر القرون.
شكّلت المعادن مصدراً غنيّاً للمركّبات غير العضوية الطبيعية التي أنتجت صبغات مميّزة عبر العصور. يمثّل الدَّهْنَج (المالاكيت) Malachite #0DB02B مثالاً رائعاً على هذه المعادن، فهو كربونات نحاس طبيعية استخدمها الفنّانون المصريّون القدماء في رسومات المقابر. اشتهر هذا المعدن أيضاً في إيطاليا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حيث استخدمه فنّانون عظماء مثل بوتيتشيلّي وپيروجينو وتينتوريتّو في إبداعاتهم الخالدة.
الدَّهْنَج
يُعرف معدن الملاكيت في التراث العربي باسم الدَّهْنَج (الدهناج). ووصفه العلماء والمؤرّخون العرب في كتب التراث والأحجار الكريمة كحجر أخضر زمرّدي اللّون. وورد ذكره في كتابات ابن سينا والبيروني والتيفاشي وغيرهم من علماء المعادن والأحجار في الحضارة الإسلامية. واستخدم العرب الدهنج في صناعة الأصباغ والأحبار ذات اللّون الأخضر، كما استُخدم في الطبّ القديم، وكان يُنسب إليه خصائص علاجية مختلفة.
عدّ بعض المؤلّفين العرب الدَّهْنَج نوعاً من الزبرجد أو الزمرّد الأقل جودة نظراً للتشابه في اللّون الأخضر. وعُرف هذا المعدن أيضاً في مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين قبل وصوله إلى الحضارة العربية المسلمة، حيث استخدمه المصريّون القدماء في صناعة الصبغات والتجميل، واستعمله أهل النهرين في العمارة والتزيينات العمرانية.
استخدم الإنسان القديم الصبغات السوداء المشتقّة من الكربون منذ آلاف السنين. فعرف اللّون الأسود العاجي Ivory Black #1D1E19 بهذا الاسم لأنّ مصدره الأصلي كان العاج، لكنّه يصنع الآن من العظام المتفحّمة. وتدلّ هذه الاستمرارية على أنّ أساسيّات صناعة الصبغات حافظت على جوهرها برغم مرور آلاف السنين.
سواد العاج، دُخَان العاج، الكُحْل
في التراث العربي، عُرف اللّون الأسود العاجي بعدة أسماء، أبرزها {سواد العاج} أو {دُخَان العاج} أو {الكُحْل}. استخدم العرب هذا اللّون بشكل واسع في الخط العربي والزخرفة الإسلامية وصناعة الأحبار. يصنع هذا اللّون تقليدياً من حرق العاج حتى يتفحّم، ثمّ طحنه وخلطه بمواد رابطة مثل الصمغ العربي. ونظراً للقيمة العالية للعاج، كان يُعدّ من الأصباغ الثمينة والمميّزة.
في المخطوطات العربية القديمة وكتب الكيمياء والصناعات، ورد ذكر طرق تحضير {سواد العاج} بدقّة، وكان يُفضّل لثباته وعمقه وشدّة سواده مقارنة بالأصباغ السوداء الأخرى مثل سواد الدُّخَان (من حرق الزيوت) أو الفحم النباتي. ومن بعد ندرة العاج وارتفاع قيمته، تحوّل صانعو الأصباغ العرب إلى استخدام عظام الحيوانات المحروقة كبديل، وسُمي أحياناً {سواد العظم}، وهو ما يتوافق مع الطريقة الحديثة لصناعة اللّون الأسود العاجي الذي يُصنع اليوم من العظام المتفحمة.
تطوّرت صناعة الصبغات عبر العصور، لكنّها احتفظت بارتباطها الوثيق بالطبيعة. فسحر الصبغات لا يكمن فقط في ألوانها المذهلة، بل في قدرتها على ربط الإنسان المعاصر بجذوره الأولى وبتاريخه الفنّي العريق. وتُظهر هذه المواد البسيطة قصّة تطوّر الفنّ البشري وتبرز إبداع الإنسان في تحويل مواد الأرض البسيطة إلى أدوات للتعبير الفني الخالد.

المراجع
- بايِر، ت. (٢٠١٨). “الصبغات في العصور الحجرية: اكتشافات موقع Twin Rivers في زامبيا”. مجلة Science، المجلد ٣٦٢، العدد ٦٤٢٠، ص. ٩٠-١١٥.
- المشهداني، محمد. (٢٠١٧). “المغرة وأسرار الحضارات القديمة: دراسة في تاريخ الصبغات الطبيعية”. دار الكتب العلمية، بيروت.
- ابن سينا، أبو علي الحسين. (١٠٢٥). “القانون في الطب”. طبعة جديدة محققة، دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠١٣.
- ابن باديس، المعز. (القرن الحادي عشر). “عمدة الكتّاب وعدة ذوي الألباب”. تحقيق نجيب مايل الهروي، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ٢٠١٤.
- التيفاشي، أحمد بن يُوسُف. (١٢٤٢). “أزهار الأفكار في جواهر الأحجار”. تحقيق محمود بسيوني خفاجي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ٢٠١٠.
- البيروني، أبو الرَّيْحَان. (١٠٥٠). “الجماهر في معرفة الجواهر”. مكتبة المثنى، بغداد، نسخة محققة ٢٠١٢.
- سالم، عبد العزيز. (٢٠١٩). “تكنولوجيا الأصباغ في الفن الإسلامي”. المركز العربي للأبحاث، القاهرة.
- كارتر، س. وهولت، ر. (٢٠٢٠). “المواد والأصباغ في الفن: دراسة في التطور التاريخي للصبغات”. تَرْجَمَة سمير الزهراني، دار الفكر، دمشق.
- الحسن، ياسر. (٢٠١٥). “الدهنج وتاريخه في الحضارة العربية الإسلامية”. مجلة دراسات في الآثار، العدد ٤٥، ص. ١٧٨-٢٠٣.
- الشهري، فاطمة. (٢٠٢١). “السواد العاجي في المخطوطات العربية: دراسة تحليلية”. المجلة العلمية للفنون التطبيقية، المجلد ٣٢، العدد ٢، ص. ٨٩-١١٠.
- العلي، محمود. (٢٠١٨). “أكاسيد المعادن في صناعة الصبغات: التراث والتقنية”. دار الأمان، الرياط.
- جونسون، ل. وأندرسون، إ. (٢٠١٦). “الصبغات عبر العصور: التحليل الطيفي للمواد الصباغية القديمة”. تَرْجَمَة سعد الغامدي، جامعة الملك سعود، الرياض.
- ابن خلدون، عبد الرحمن. (١٣٧٧). “المقدمة”. تحقيق علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة، ٢٠١٤.
- ماكدونيل، إ. (٢٠١٩). “الكيمياء القديمة: صناعة الألوان في الحضارات الكلاسيكية”. تَرْجَمَة نزار الحسن، المركز الوطني للترجمة، تونس.
- العبدلي، رشا. (٢٠٢٢). “التطور الأنثروبولوجي للصبغات: دراسة في السلوك الرمزي للإنسان الحديث”. مجلة الأنثروبولوجيا العربية، المجلد ٢٨، العدد ٣، ص. ٢٢١-٢٤٥.





اترك رد