أبدع المصريون القدماء قبل خمسة آلاف عام لوناً أزرق ساحراً لم يسبقهم إليه أحد في الطبيعة. وتنوّعت أسماء هذا اللون الفريد مع الزمن، فعرفناه بالأزرق الشامي والمصري والنيلي والسيرولين وأزرق دمشق، لكن جذوره تعود إلى مدينة ثينيس المصرية العريقة.
نجح الفنانون المصريون الأوائل في صنع هذه الصبغة الرائعة المعروفة باسم “الأزرق المصري” وأبدعوا في استخدامها بمهارة فائقة في آثارهم ولوحاتهم الفنية. تألقت هذه الصبغة كأول الأصبغة الاصطناعية في تاريخ البشرية، وتميزت بخصائصها الفريدة التي أضاءت فنون العالم القديم وحضاراته.
أطلق المصريون القدماء على هذا اللون الساحر اسم {خِصْبَذْ إِرْتُ} 𓎟𓌈𓎘𓎅𓎡، وهو اسم مركب من كلمتين جميلتين: {خِصْبَذْ} أي “تزريق” مشتقة من {خَص} 𓎟 التي تعني اللون الأزرق، و{إِرْتُ} أي “اصطناعي” مشتقة من {إر} 𓎘 بمعنى “يصنع”.
برز جمال هذا اللون الأزرق المصري الأصيل في صورة رمسيس الثالث التي تعود إلى عام 1170 قبل الميلاد، ليشهد على عبقرية المصريين في ابتكار الألوان وإبداعهم في استخدامها.

طوّر المصريون القدماء صبغة الأزرق المصري المعروفة علمياً بسيليكات الكلسيوم والنحاس، لتصبح أولى الأصباغ الاصطناعية في تاريخ البشرية. يعود أقدم اكتشاف لهذه الصبغة الفريدة إلى خمسة آلاف عام في لوحة جدارية مدهشة تنتمي لعصر كَسين، آخر فراعنة الأسرة الأولى. ويرى بعض المؤرخين أن جذور استخدام اللون ترجع إلى الأسرة الرابعة والدولة الوسطى، قبل 4500 عام.
ازدهر استخدام هذا اللون الأزرق الساحر في عصر الدولة الحديثة، فزيّن التماثيل ولوحات المقابر والتوابيت بلمساته السماوية. وامتد تألق هذا اللون ليدخل في صناعة الخزف المصري البديع بطلائه المميز.
يستمد هذا اللون الأزرق جماله من النحاس، فيتدرج بين الفاتح والداكن حسب طريقة تصنيعه وتركيبته. يمنحنا جرش الصبغة بخشونة لوناً أزرق داكناً غنياً، في حين ينتج طحنها بنعومة لوناً أزرق شاحباً أثيرياً.
تنشأ هذه الصبغة الرائعة عندما تسخن مكوناتها من كربونات الكلسيوم والنحاس ورمل السيليكا والصودا أو البوتاس في درجة حرارة تتراوح بين 850 و950 درجة مئوية، لتتحول إلى هذا اللون السماوي البديع.

يرمز اللّون الأزرق في المعتقد المصري القديم إلى السماوات والكون، فيرتبط ارتباطاً عميقاً بالماء والنيل، ليتجلّى رمزاً للحياة والخصوبة والميلاد المتجدّد. اكتشف المصريّون في الطبيعة حجر اللازورد الأزرق العميق شبه الكريم، فطحنوه ليصبح مسحوقاً ساحراً يقبل التصبيغ. لكن فخامة هذا الحجر وضرورة استيراده من أفغانستان وأوزبكستان دفعتهم لابتكار صبغة اصطناعية بديلة تحمل نفس الجمال.
انتشر تصنيع الأزرق المصري خارج حدود مصر، ليزيّن حضارات البحر الأبيض المتوسط. إذ ظهر هذا اللّون الساحر في العديد من الآثار العراقية واليونانية والرومانية، فزين مدينة بابل القديمة وتماثيل أكروبوليس في أثينا واللّوحات الجدارية في بومبي.
توقّف إنتاج هذا اللّون في منطقة المتوسّط بالطريقة المصرية الأصلية في الحقبة الرومانية، غير أنّه استمرّ في مدينة الرقّة السورية التي حافظت على طريقة إنتاجه، حتى جاءت كارثة القرن الثالث عشر فغابت هذه الطريقة عن العالم كله.
تألّق الأزرق المصري مجدّداً في القرن التاسع عشر، عندما كشفت التنقيبات في بومبي عن لوحات جدارية تزدان بألوانه الساحرة. ودفع هذا الاكتشاف العلماء للتحقيق في التركيب الدقيق لهذه الصبغة الفريدة، فعمّقوا فهمهم لخصائصها المميزة منذ ذلك الحين.

تبرز الخصائص العجيبة للأزرق المصري في تجارب العلماء، فيشع هذا اللون الساحر ضوءاً تحت أحمر عند تعرضه للضوء الأحمر. يستمر هذا الإشعاع القوي طويلاً، لكنه يبقى خافياً عن العين البشرية التي تعجز عن رؤية الطيف تحت الأحمر. اكتشف العلماء بدهشة خاصية أخرى مذهلة، فيتحول الأزرق المصري إلى “أوراق نانوية” رقيقة تفوق رقتها الشعرة البشرية بألف مرة، عندما يتحرّك في ماء دافئ.
يفتح العلماء آفاقاً جديدة للأزرق المصري في عالم التقنيات الحديثة. يشبه شعاع هذا اللون الفريد الأشعة المستخدمة في أجهزة التحكم عن بُعد والاتصالات، مما يفتح المجال أمامه في عالم التواصل المستقبلي. يمتاز الإشعاع تحت الأحمر القريب بقدرته على اختراق الأنسجة بكفاءة تفوق الأطوال الموجية الأخرى، فتتجلى إمكاناته في مجال التصوير الطبي المتقدم.
تتوسّع آفاق استخدام الأزرق المصري كحبر للطباعة ليدخل عالم الأجهزة العصرية، فيساهم في تطوير أحبار أمنية جديدة، وربما يدخل مجال الطب الحيوي كصبغة مميزة. يبشر مستقبل هذا اللون العريق بإمكانات واعدة في عالم التقنية العالية، برغم خطواته الأولى في هذا المجال.
مراجع:
- Boddy-Evans, A., 2014. Blue Colors in Ancient Egypt.
- Choi, C. Q., 2013. Ancient Egyptian Pigment’s Future Now Even Brighter.
- Gayle, D., 2013. Talk like an Egyptian: Ancient paint used to decorate Pharoahs’ tombs is set to be the basis of telecommunication devices.
- Hill, J., 2010. Meaning of Blue in Ancient Egypt.
- McCouat, P., 2014. ‘Egyptian Blue: The Colour of Technology’, in Journal of Art in Society.
- Pigments through the Ages, 2014. Egyptian Blue.





اترك رد