قبل خمسة وعشرين سنة اشتغلت مصمّماً للسراميك في مصنع في دمشق… مهنة لطيفة ومَخبَر ورداء أبيض وفنّ وصناعة ألوان وموظّفين أوروپيّين؛ وكنت شابّاً صغيراً تأخذني هذه الأشياء. لكنّ عزلة المكان عن المدينة وأجواء الموادّ السامّة في المصنع أرهقتني، فرغبت بتغيير جوّ العمل… وتأخذني المصادفة في تلك الفترة بزيارة إلى استوديوهات سپيستون في دمشق. أحببت أجواء العمل، ورغبت بوظيفة في هذه المؤسّسة، لطالما أنّها تؤثّر بالملايين عبر الحدود. وتجربتها لا تمنّع فيها.
أذكر أنّني سألت موظّفاً فيها عن فرصة عمل، فسألني إن كنت أعرف برامج المونتاج، وكنت لا أعرف شيئاً منها. فأجبت بما أعرفه من عالم الگرافيك، ليردّ عليّ بعبارة لم يزل وقعها على أذنيّ يتردّد إلى اليوم… ”الناس اللّي بتشتغل هون بتشتغل پريميير وأفترإفّكت. روح تعلّم پريميير وأفترإفّكت وارجاع لعندي“. هززت رأسي قبولاً للشرط، ووعدته بأن أعود لأراه في القريب.
وما كذّبت خبراً، بحثت بعدها مباشرة عن مدرسة لتعليم تحرير الڤيديو والأوديو، وانتقيت الأفضل سمعة في دمشق ودفعت قسط التسجيل. ثمّ وعدتني المدرسة بالاتّصال بي متى صار عدد الطلّاب كافياً لمباشرة الكورس… ”ليش ما نبدأ فوراً؟“… ”مافي عدد طلّاب كافي“… ”كام طالب مسجّل حالياً؟“… ”مافي غيرك، وما راح يجي الأستاذ كرمال طالب واحد!“… ”كام طالب لازم ليبدأ الكورس؟“… ”على الأقل أربعة“.
انتظرت أسبوعاً على جمر دون خبر من المدرسة، وعُدت إليهم لأكتشف أنّ عدد الطلّاب في الكورس قد ازداد واحداً غيري… ”إذا دفعت لطالب تاني غيري، بيبدأ الكورس؟“… ”لا صعب، لازم أربعة على الأقل. جاهز الطالب يبدأ فوراً؟“… ”مافي طالب غيري، بس مستعد ادفع عن شخصين ليبدأ الكورس“… وكانت مصادفة في ذلك الموقف؛ وقد اتّسعت عينا الموظفة متفاجئة بإجابتي، خرج الطالب الثاني من كورس آخر وسألها عن الموعد الذي ننتظره معاً.
خطفت الفرصة وعرضتُ عليه الفكرة، وأن ندفع معاً رسوم أربعة طلاب لكي يبدأ الكورس فننتهي منه بسرعة… والدراسة كلّها ثلاث أشهر. بعد تردّد، وافق الطالب الثاني على الفكرة، وبدأنا مع بداية الأسبوع التالي. ومضت الأشهر الثلاث كالسيل في مسيل. ما إن بدأت حتّى انتهت!
بسبب بُعد موقع عملي عن بيتي في تلك الفترة، صار يومي أن أستيقظ في الخامسة صباحاً متوجّهاً إلى عملي، لتعبر نهاري عروسة فلافل، ثمّ أخرج من عملي لأصل إلى المدرسة بعد ساعتين ونصف. وأنهي الدرس ثمّ أبقى في المدرسة لمراجعة الدرس والتمرين، فأخرج ليلاً في قلب أسواق دمشق مصاحباً ربّما عروسة شاورما على الطريق. ثمّ أعود إلى بيتي ليلاً لأصل بعد ساعة ونصف من التراكم حول وفي سرڤيس؛ متهاوياً في السرير… وهكذا.
انتهت الأشهر الثلاث، وقابلت ذات الموظّف في سپيستون من جديد، وأخبرته بسعادة أنّني تعلّمت پريميير وأفترإفّكت كما طلب، بالإضافة إلى برنامج لتحرير الصوت نعرفه اليوم باسم أودِشن… استصعب الموظّف تصديق ادّعائي، وقال أنّني ما غبت إلاً وقتاً قصير. فطلب البرهان، فطلبت عملاً تجربة بلا مقابل… ونجحت، فوعدني بالعمل وقابلت المدير، لأذهب صباح اليوم التالي إلى مصنع السيراميك سعيداً بتقديم الاستقالة.
في سپيستون اشتغلت في المونتاج والمكساج، وتطوّرت خبرتي السالفة مع برامج الگرافيك، ثمّ احتاجت ظروف العمل أن أتعلّم برنامجاً؛ كان جديداً آنذاك وانقرض اليوم وما عاد ينفع، هو مايكروميديا فلاش. لكنّني ما قصّرت، وتعلّمته في البيت من كتاب؛ فانتقلت من قسم إلى آخر… ومضت سنوات العمل في سپيستون بتطوّر، من مهارة إلى غيرها.
اليوم، لا أستخدم في عملي أيّاً من المهارات التي اكتسبتها في تلك الفترة. لكنّني أتواصل مع مصمّمين ومحرّرين باستمرار، وتعينني هذه الخبرة في نقاش العمل معهم وتيسير الإنجاز… وعلى الرغم من عدم اشتغالي ببرامج الگرافيك اليوم، إلّا أنّها تخدم تدويناتي، وتعينني على رسم خرائطي ودراستها بنفسي. وأحرّر موقعي وأطوّره بنفسي. تعلّمت برامج الگرافيك في الأساس لأسترزق منها، فصرت اليوم وبعد ٢٥ سنة من دخول عالم الگرافيك أستعمل مهاراتي لتقديم معلوماتٍ بالمجّان.
يبدو أنّني دخلت هذا العالم من الأساس فاتحاً باب استرزاق علم ومعرفة، لي ولمن يقرؤون اليوم نتائج بحوثي، فشكراً للظروف التي دفعتني في هذا المسلك.





اترك رد