تستحقّ نازك العابد أن تكون قدوة لنساء سوريا في العصر الحالي. إذ سطّرت هذه المرأة الاستثنائية صفحات مشرقة في تاريخ سوريا، وتركت بصمات واضحة على المستويات الأدبية والسياسية والاجتماعية. ومنحت حياتها للدفاع عن وطنها وعن حقوق المرأة في وقت واحد.
تمثّل نازك العابد نموذجاً فريداً للمرأة السورية المناضلة التي تجاوزت حدود عصرها. كسرت الأدوار النمطية المفروضة على النساء في زمانها، وفتحت أبواباً واسعة للمرأة السورية في مجالات متعددة. وتستوقف سيرتها نساء اليوم لشجاعتها الفائقة في مواجهة السلطات الظالمة. جابهت تحويل الحكم العثماني إلى قومي، ثم وقفت بصلابة ضدّ الاحتلال الفرنسي. ورفضت الصمت والخضوع في أحلك الظروف السياسية، ودافعت عن وطنها بكل ما تملك من قوة وعزيمة.

جمعت في شخصيّتها صفات متكاملة ظهرت في أعمالها المختلفة. حملت السلاح في معركة ميسلون، وعالجت الجرحى بمهارة الطبيبة المتمرسة، وكتبت المقالات النارية في الصحف والمجلات. وحافظت على هويتها الأنثوية دون تفريط، وأثبتت أن الأنوثة مصدر قوة وليست نقطة ضعف. وأسّست منظّمات نسائية رائدة غيرت واقع المرأة السورية. طبّقت أفكارها التحرّرية عمليّاً في الميدان، ولم تقتصر على الخطابات الرنانة أو الشعارات البراقة. وآمنت بقدرة المرأة على المشاركة في بناء المجتمع، وعملت جاهدة لتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع.
توفّر سيرة نازك العابد دروساً ثمينة لنساء سوريا اليوم في كيفية الربط بين الهمّ الوطني وقضايا المرأة. بادرت إلى الفعل المباشر دون انتظار التغيير. وصمدت في وجه المنفى والتهجير، واستمرّت في نشاطها النضالي رغم القيود المفروضة عليها. كما أسّست منابر إعلامية أعطت صوتاً قويّاً للمرأة. ورفضت الانكسار أمام العقبات المجتمعية والسياسية، وفرضت وجودها كقوة مؤثّرة في المشهد العام.
تؤكّد قصة نازك للأجيال الحالية أنّ المرأة السورية صنعت تاريخها بيديها. ضحت براحتها وأمنها الشخصي، واختارت مواجهة المخاطر بدلاً من السلامة والعزلة. وأثبتت أنّ للمرأة دوراً محورياً في الدفاع عن الوطن وبنائه، دون التخلي عن استقلاليتها أو التفريط في هويتها الخاصة.
تستمدّ سيرة نازك العابد قيمتها الإلهامية من حقيقة أنّها عاشت في ظروف أشدّ قسوة وتعقيداً ممّا تعيشه نساء اليوم. لكنّها تغلبت على تحدّيات تبدو مستحيلة، وحقّقت إنجازات تفوق ما كان متوقّعاً من المرأة في عصرها. وتبقى قصتها شاهداً حياً على قدرة المرأة السورية على تجاوز المستحيل وتغيير الواقع، مهما بلغت صعوبة الظروف المحيطة.

نشأتها وتعليمها ونشاطها
ولدت نازك في دمشق عام ١٨٨٧ وسطعت شهرتها حتى أصبحت أديبة وناشطة سياسيّة من أبرز الرموز السوريّة في القرن التاسع عشر. رأت النور في أحضان عائلة متنوّرة غرست فيها بذور المعرفة والعلم منذ نعومة أظفارها. فبرعت نازك في إتقان اللّغة العربية إلى جانب اللّغة التركية والإنگليزية والفرنسية والألمانية. وتلقّت علومها في مختلف المدارس الدمشقية، ثم هُجّرت عائلتها إلى إزمير في غرب الأناضول، فواصلت تعليمها هناك بعزيمة لا تلين. أغنت دراستها بتعلّم فن التصوير والعزف على البيانو، مع تركيزها الكبير على علوم التمريض والإسعاف التي عكست حسها الإنساني العميق. تميّزت هذه المرأة الفاضلة بقدرتها الاستثنائية على نشر المعرفة والأدب في كل مكان حلّت به.
أسست جمعية نور الفيحاء عام ١٩٢٠ وأصدرت مجلة تحمل الاسم نفسه تهتم بقضايا المرأة وتطوير مستواها ورفع مكانتها وتعزيز تراثها. ثمّ أنشأت بعدها النادي النسائي الشامي الذي جمع تحت مظلته خيرة سيدات دمشق المرموقات.
عادت نازك من منفاها العثماني وبدأت بالكتابة في عدّة صحف مرموقة مثل “لسان العرب” و”العروس”. وناصرت بقلمها القوي حقّ المرأة في الانتخاب ودافعت عنه بشراسة، خصوصاً في فترة تاريخية حرجة عاشت فيها سوريا تحت وطأة انقلابات النظام العثماني الذي كبّل حريات الناس وطموحاتهم.
نالت السيدة نازك رتبة نقيب في جيش المملكة السورية أثناء عهد الملك فيصل، وانضمّت إلى الفرقة البطولية التي توجهت إلى ساحة الشرف في معركة ميسلون التاريخية بقيادة وزير الدفاع الشجاع يوسف العظمة. وتروي الحكايات الشعبية أنّه فارق الحياة بين يديها عندما حاولت بكل ما أوتيت من معرفة طبية إنقاذ حياته. وارتدت نازيك العابد زيها العسكري بكل فخر واعتزاز، وشقّت طريقها وسط الجنود المقاتلين، وأسّست المشفى الميداني لمعالجة الجرحى والمصابين. بثّت في صفوف الجيش روحاً معنوية قوية لا تخشى أحداً ولا تتردد أمام التحديات.

عيّن الملك “فيصل بن الحسين” نازيك رئيسة لجمعية النجمة الحمراء عام ١٩٢٠، فأطلقت بعدها أوّل مجلة أدبية اجتماعية تحت اسم “نور الفيحاء” التي أصبحت منبراً فكرياً مهمّاً للمرأة السورية، تنشر فيه أفكارها وتطلعاتها نحو مستقبل أفضل.
مقاومة الاحتلال الفرنسي
عادت البطلة نازيك حيّة من معركة ميسلون، وبدأت بتنظيم المظاهرات للفتيات السوريات احتجاجاً على الانتداب الفرنسي. جاهدت علناً وسراً ضد المحتل، فردت فرنسا بإغلاق مجلّتها وفرضت عليها قيوداً صارمة منعتها من إلقاء المحاضرات وعقد الندوات الفكرية. اتجهت نازيك بعزيمة لا تلين إلى المقاومة السرّية، فأصدر الفرنسيّون قراراً بنفيها إلى إستانبول، ومكثت فيها عامين كاملين قبل أن تعود عام ١٩٢٢ إلى دمشق الحبيبة.
رفضت نازيك البقاء متفرجة أمام ممارسات الاحتلال الفرنسي البغيضة، ومارست حقّها المشروع في مقاومة المحتل بكل الوسائل المتاحة. راقب الفرنسيّون نشاطها وتحرّكاتها بدقة لإدراكهم العميق لخطورة هذه المرأة الاستثنائية على مخططاتهم الاستعمارية. أعادوا نفيها مرة أخرى، فلجأت إلى الأردن، ليس للاستسلام والاعتزال، بل لتبدأ كفاحاً جديداً من نوع مختلف. نشرت أسباب الثورة السورية ومراحلها التاريخية، وتحدثت بشجاعة منقطعة النظير عن حق بلادها المقدس في الحرية والاستقلال.
رجعت إلى وطنها بعد فترة، ففرضت عليها سلطات الاحتلال الإقامة الجبرية في إحدى ضواحي دمشق في الغوطة الغربية. تظاهرت أمام المحتل باعتزالها العمل الثوري، واشتغلت بالزراعة كغطاء لنشاطاتها النضالية السرية.
شاركت نازيك العابد بفعالية في ثورة ١٩٢٥ الكبرى، متحدية كل المخاطر المحدقة بها. ترأست جمعية “نور الفيحاء” لمساعدة ضحايا الثورة السورية الكبرى، ونشطت سراً في دعم أنشطة الثورة وتوفير المساعدات للثوار.
انتقلت بعد زواجها إلى بيروت، وواصلت عملها التنويري هناك. أسست عدة جمعيات إنسانية مهمة مثل “ميتم أبناء شهداء لبنان” و”جمعية المرأة العاملة” التي ساهمت في تحسين أوضاع المرأة اللبنانية.
توفيت عام ١٩٥٩ عن عمر يناهز اثنتين وسبعين سنة، وتركت نازيك العابد إرثاً نضالياً وفكرياً عظيماً شكّل مفصلاً أساسياً في واحدة من أهم المراحل التاريخية في سوريا الحديثة.






اترك رد