في دمشق مكانان كثيراً ما بحثت عن مواضعهم الحقيقية ولم أعثر عليهم، والمكانين هم قرية اسمها “رواية أهل صنعاء” وقرية ثانية قريبة منها اسمها “أهل الحِمريّين”.
وقرية رواية أهل صنعاء نالت اسمها لأنّها منطقة مروية بالقنوات الصنعية، سكنها في دمشق مهاجرون من مدينة صنعاء في اليمن. أمّا قرية أهل الحِمريّين فنالت اسمها لأنّ أهلها من حِميَر، حكّام اليمن قُبيل الإسلام.
وردت أسماء هذه القرى في كتاب أبو القاسم علي بن عساكر الدمشقي في تاريخ دمشق، كما أوردها أبو عبد الله شمس الدين محمّد بن قايماز الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء. أمّا القرية الثانية “أهل الحِمريّين” فقد ورد ذكرها في معجم الأدباء لياقوت الحموي الرومي وقال أنّ اسمها الحِمريّة، وأنّ أهلها يقال لهم الحِميريّون. ووصفها بأنّها “محلّة بظاهر دمشق على القنوات” وقال أنّه قرأ عنها مذكورة في كتابين هنّ: كتاب هدية العارفين وكتاب فضل الجمرتين.
القنوات حيّ دمشقيّ كنت لخّصت حكايته في تدوينة سالفة أترك رابطاً لها في التعليقات. وباختصار فإنّ حيّ القنوات هو وزن مدينة دمشق القديمة فعلاً ونال في العهدين المملوكي والعثماني لقب “حارة البكَوَات والباشاوات”، فقد كان مع الشاغور يمثّلان قلب دمشق القديمة ما بين القرنين الخامس والثامن عشر. كل الأحداث والمنشآت المركزية في دمشق تقع في حيّ القنوات؛ وكذلك كلّ المنشآت الحكوميّة والمباني الأميريّة، مع تعاقب الدول على دمشق.
وعليه فإنّ هذين الحيّين أو القريتين اليمنيّتين اللاتي أبحث عنهنّ هنّ في قلب دمشق المعاصرة، في حدود أهمّ أحيائها على المستويين الاجتماعي والإداري. وقد يعني هذا أنّ عرب قلب دمشق القديمة هم يمنيّون صنعانيّون حميريّون بالقلب والمعنى. وعليه فقد تكون كلّ العوائل القنواتيّة العريقة الموجودة من قبل الحكم التركي، هي عوائل يمانيّة، أمثال العقّاد والقبّاني والبارودي والذهبي وغيرهم.
وكان قد بدأ التغيير في حيّ القنوات في العهد المملوكي حين رمّم ووسّع الظاهر بيبرس القصر الأبلق واتّخذه سكناً لأهله وداراً لحكمه في السنة الثامنة من حكمه. ومذّاك تغيّر تنظيم حيّ القنوات وتغيّرت أسماء الأماكن فيه وتغيّر كذلك تخطيط شوارعه وترتيبها. وصار محيط القصر الأبلق هو حيّ سكنيّ من القصور للطبقة الأرستقراطيّة في دمشق. كذلك ساهم التدمير الذي ابتليت به دمشق سنة 1401 على يد تيمور لنگ السفّاح بالتغيير الديموغرافي في الحيّ، ولربّما ساهم كذلك بتغيير أسماء المواضع والأماكن.
مع ذلك، يبقى اهتمامي أن أعثر على مواضع هذه القرى في دمشق، بسبب حساسيّة موضعها، ومكانة أهلها ودورهم في تكوين شخصيّة الدمشقيّ. ولا بدّ أنّها بقيت على سكّانها الأصليّين المهاجرين من اليمن حتّى القرن 15، على الأقل.
وأكثر ما يهمّني من الموضوع هو كشف فترة غامضة من حياة المدينة، قليلة المعلومات عنها بسبب ما أصابها من دمار مطلع القرن 15. إذ قليلة جدّاً الأخبار التي وصلتنا عن مجتمعات دمشق خلال الفترة ما بين العهدين الروماني والمملوكي. وما نعرفه إلى اليوم أنّ حيّ الشاغور (وهذا ثلث دمشق القديمة) هو في الأساس حيّ لطيئ منذ ما قبل العهد الروماني، أي منذ العهد السلوقي ربّما ومن عهد الإمارات اليطوريّة Ἰτουραῖοι (יטור) العربية التي نشأت جنوب الشام في القرن الثاني قبل الميلاد على إثر انحلال المملكة السلوقيّة.
وطالما أنّ حيّ القنوات هو في الأساس توسّع حيّ الشاغور صوب الغرب، فهل اختار اليمنيّون النزول والإقامة فيه مجاورين أهلهم من طيئ؟ بدلاً عن جوار الرومان والأخلاط على الشرق؟ أم هل من سبب آخر؟ ومتى استقرّ اليمنيّون في القنوات من الأساس فأسّسوا قريتي “رواية أهل صنعاء” و”أهل الحِمريين”؟ هل حدث هذا بعد تأسيس الدولة الإسلامية في القرن السابع؟ أم في فترة مبكّرة تعود إلى العهدين البيزنطي والروماني؟ هل هم من أهل نجران؟
بكلّ حال، هذه رسمة أمس السبت، رسمت فيها مشهداً لمحطّة الحجاز الواقعة على مشارف حيّ القنوات، والتي بُنيت في الأساس سنة 1911 لتكون محطّة مركزيّة لجميع الخطوط الحديديّة الدمشقيّة، ولتكون محطّة دوليّة تتقاطع فيها الخطوط الوافدة من الأناضول والعراق والحجاز ومصر، وهذا سبب تسميتها بمحطّة الحجاز.






اترك رد