رسمة أمس السبت منظر تخيّلي لواحدة من زقّورات النهرين اعتمدت فيها على تصميم ثلاثيّ الأبعاد للمصمّم البرازيلي أليكساندر جُبران. قد تبدو الرسمة من جو الألعاب الاستراتيجية، لكن، في الواقع، هكذا كان جوّ ونمط مدن العراق المعماري، أكّد وأور وبابل وكلّ الأسماء التي قد تخطر في بالك، هذا كان مفهوم الإنساني العراقي للمدينة، وكان الجمال في ذوقه المعماريّ مبنيّ على الخطوط المستقيمة وعظمة نظافة التنفيذ.

وعلى سيرة العراق أجد أحد أغرب وأعجب الكلمات في اللّغة الأكّدية كلمة ”طوبُ“ وهي صيغة اسم من الكلمات الوجدانية الأكّدية ومن أجمل وأعمق الكلمات. والعجبة في الاسم ”طوبُ“ تأتي من كثرة المعاني المتعلّقة بها. إذ وبينما اعتادت الأكّدية على تبسيط معاني الكلمات ودقّة التفصيل، نجد في ثنيّات ”طوبُ“ بحراً من الكلمات. الأكّدية عادة لغة تفصيلية، دقيقة لدرجة استعمال الناس مثلاً عشرات الكلمات لمعنى ”امرأة“ تصف حالتها العمرية والاجتماعية بدقّة، كلّ كلمة منها تعني ببساطة امرأة، لكن، لا يعرف الأكّدي أن يقول ”امرأة“ هكذا بشكل عام. يجب أن يحدّد منزلتها بدقّة وبمعنى واحد للكلمة. مع ذلك استطابت اللغة الأكّدية كلمة ”طوبُ“ وحملتها مع واسع المعاني فيها، فصارت تتغيّر بحسب موقع ورودها في الكلام.
لكلمة ”طوبُ“ الأكّدية شقيقة هي ”طِيابُ“ وهي وجهها بصيغة الفعل. وفي معانيها نشعر بـ: لتكون بخير، ولتكون ودوداً، ولتكون نافعاً، ولتكون لطيفاً… وعن هذا الفعل الجميل وُلدت الكلمة العربية ”طابَ“ بكلّ معانيها. وكذلك الكلمة السورية ”طيبو“ والكلمة المصرية ”طيبه“.
تحمل كلمة ”طوبُ“ في قلبها بحراً من المعاني التي ترتبط معاً في مكانة غير متوقّعة، وهذا هو الغريب في هذه الكلمة التي نجد في طيّاتها من المعاني: فن… كتذوّق الفن وممارسة الفن وإبداعة، ومنح الفنّ كقطعة من الفكر، واسم صفة الفنّان، الصانع. ولا تتوقّف معاني كلمة ”طوبُ“ على الفنّ ففيها أكثر. ففي معانيها كذلك: إرادة حرّة، وسعادة، ورفاهية، وازدهار، وأوقات الخير، والنجاح، والسلام، والرضا، والقناعة، والعزاء، وتعني كذلك السلامة العقلية، وراحة البال، والصحة النفسية (بمعنى مادّي)… تربط كلمة ”طوبُ“ الإرادة الحرّة والسلامة العقلية والذائقة الجميلة والخير كلّها في كلمة واحدة من ثلاثة أحرف. فلن تكون سليم العقل والفكر ولن تكون بخير دون الحرية.
المعاني العميقة لا تتوقّف هنا فتتوسّع جمالاً بمصاحبتها برفقاء:
فإذا ركّبنا ”طوبُ لِبِّ“ صار المعنى رفاه القلب، ليصبح معنى التركيب هو البهجة.
وإذا ركّبنا ”طوبُ كَبَتِّ“ صار المعنى رفاه الكبد، ليصبح معنى التركيب هو الأمان.
وإذا ركّبنا ”طوبُ شيرِ“ صار المعنى رفاه النفس ليصبح معنى التركيب هو السكينة والصفاء.
أعتقد أنّ هذه الكلمة الجميلة هي مصدر كلمة ”طوبى“ ذات الاستعمالات الدينية في العديد من الأديان الإبراهيمية. وهي المقصودة حرفياً في اليهودية والمسيحية والإسلام كما تكرّرت في الصلوات البابلية والأسورية وما سبقها وتلاها من أديان على السواء، لما فيها من معانٍ ملائمة.
لكلمة ”طوبُ“ شقيقة ثانية هي ”طابُ“ وهي وجهها الآخر بصيغة الصفة. وفي معانيها نلمس: خير جيّد، وذوق جيّد، ولذيذ، وطيّب المذاق، وحلو المذاق، وطيّب الرائحة، وعطريّ، وطازج. كما تعني كذلك: ممتع، وسارّ، ومُرض، ولائق، ومريح. ونلمس في معاني هذه الصفة كذلك: لطيف، وطيّب القلب، وودود، ومطبوع على حبّ الخير، وسعيد، وراض، وقنوع، ورؤوف، وصاحب نيّة سليمة. قائمة المعاني لا تنتهي هنا، فهذه الصفة تعني كذلك: ميمون، وملائم، ومناسب، ومفيد، ونافع، وسهل.
المعاني الحلوة لا تتوقّف هنا، إذ أنّ للصفة ”طابُ“ رفقاء كذلك:
فإذا ركّبنا ”شَمنُ طابُ“ صار المعنى: زيت حلو، وزيت عطري. كلمة ”شمنُ“ الأكّدية تعني الزيت بالعربية.
وإذا قلنا ”شَ أنَ إپاشِ طابونِ“ صار معنى الصفة: عمليّ، وقابل للتطبيق. فطابونِ هو الشيء عمليّ الاستخدام. لذا فاستخدام الطابون (الطوب) في بناء الجدران عمليّ وقابل للتطبيق.
ولقلب معاني ”طابُ“ وعكسها؛ كل ما علينا فعله بالأكّدية هو إسباقها بكلمة ”لا“ فتنقلب كلّ المعاني إلى ضدّها.
وعن صفة ”طابُ“ الأكّدية وُلدت الصفة العربية ”طيّب“، وهي ”طابا“ السريانية، و”طوب“ العبرية، و”طب“ الأوگاريتية. ومصدر الصفات هذه كلّها هو الكلمة العربية الجنوبية والشرق أفريقية ”طاب“.
فطاب يومك، وطابت لك أعمالك، وطوبى لأفكارك ولخواطرك الطيّبة.





اترك رد