تبرز منارة الإسكندرية كواحدةٍ من عجائب الدنيا السبع القديمة المعروفة. استمرّت هذه المنارة العظيمة في جذب السيّاح طوال العصور الوسطى. وزار المنارةَ عددٌ كبيرٌ من الرحالة الذين أبهرتهم ضخامتها وعظمتها.
من، وأين، ومتى
بُنِيَ المنار في القرن الثالث قبل الميلاد. وكانت تطورت الإسكندرية إلى مدينة عظيمة في عهد بطليموس الأول (سوتر ٣٦٧-٢٨٣ قبل الميلاد) وابنه بطليموس الثاني فيلادلفوس (٢٨٥-٢٤٦ قبل الميلاد).
أبهر ارتفاع المنار وشكله ووظائفه المتعدّدة زوّاره على الدوام، فقد شُيِّد على جزيرة فاروس الصغيرة قبالة ساحل المدينة. وأعجب المسلمون بالمنار خصوصاً وزاروه ووصفوه كثيراً، ربّما بسبب حجمه الهائل، وربّما أيضاً لاهتمامهم بتقنيّته المتمثّلة في عمل مراياه.
نَدَرَت الأوصاف الأدبية للمنار قبل الإسلام، لكن الكتّاب المسلمين قدّموا – مع روايات متنوّعة – معلومات قيّمة عن تكوينه طوال العصور الوسطى. ترك عدد من الرحّالة الأندلسيّين في القرن الثاني عشر أوصافاً متميّزة للمنار، منهم ابن جُبير وأبو حامد الغرناطي ويوسف بن الشيخ البَلَوي، وذلك قبل تدميره بسلسلة من الزلازل بين عامي ٩٥٦ و ١٣٢٣.
وفقاً لكتاب {الإسكندرية: مدينة العقل الغربي} لثيودور فريتوس: “واجه منار الفاروس على الأرجح نهايته في زلزال عام ١٣٦٥ ميلادية. سقطت كتل الگرانيت والرخام الرائعة في الميناء وأعاقت الملاحة لما يقرب من مئة عام قبل تنظيف القناة من أكبر القطع. واستمرّ جذع البرج بارزاً من الهپتاستاديون حتى عام ١٤٨٠ ميلادية. بعد ذلك بوقت قصير بنى سلطان مصر قايتباي قلعة وحصناً هناك، مستخدماً قاعدة المنار المتهدّمة الرخامية للجدران”.

الارتفاع والوصف
تختلف الآراء جداً في ارتفاع المنار (انظر الشكل السابق مثلاً). اختلفت أبعاده بشكل كبير بسبب اختلاف الآراء، فتراوح الرقم تقريباً بين ١٠٠ و٢٠٠ متر ارتفاعاً. استندت حسابات الحجم في معظمها على سجلات شهود عيان من رحّالة العالم الإسلامي.
على سبيل المثال، ذكر الرحّالة الإدريسي ويوسف بن الشيخ في القرن العاشر أنّ “ارتفاع المبنى بلغ ٣٠٠ ذراع. لكن بسبب اختلاف قياس الذراع من مكان لآخر، صار هذا يعني أن فاروس [منار الإسكندرية] ارتفع ما بين ٤٥٠ (١٤٠م) إلى ٦٠٠ (١٨٣م) قدماً…”.
مثال آخر:
“تتوافق أوصاف العرب للمنار بشكل ملحوظ، برغم ترميمه عدة مرات خاصة بعد أضرار الزلازل. يختلف الارتفاع الذي يعطونه بنسبة ١٥٪ فقط من حوالي ١٠٣ إلى ١١٨ متراً [٣٣٨ إلى ٣٨٧ قدماً]، على قاعدة مربعة حوالي ٣٠ في ٣٠ متراً [٩٨ في ٩٨ قدماً]… أشار المؤلّفون العرب إلى برج بثلاثة طوابق متناقصة، وصفوها بأنّها مربّعة وثمانية الأضلاع ودائرية، مع منحدر كبير”
ظهر المنار هائلاً في أعين رحّالة تلك العصور. شهد ابن جبير:
“… ينافس السماوات ارتفاعاً…”
المصادر العربية
توجد تفسيرات أخرى لوصفه من العالم الإسلامي مثل:
- ذكر المسعودي (القرن ٩-١٠) إضافات مؤسّس الدولة الطولونية أحمد بن طولون للمنار (القرن ٩).
- وصف عربي كامل للمنار كتبه أبو حجاج يوسف بن محمد البلوي الأندلسي في القرن ١٢.
- ذكر محمد بن إياس (القرن ١٥) زلزالاً أضرّ بالمنار في عهد الخليفة هارون الرشيد (القرن ٩).
- كتب أيضاً البكري وناصر خسرو في القرن ١١؛ والمقدسي في أواخر القرن ١٠ وغيرهم كثير…
تضرر المنار بشدة بعدد من الكوارث الطبيعية، وانهار بالكامل في النهاية، واستُخدمت آخر بقاياه في بناء قلعة قايتباي العائدة إلى أواخر القرن ١٥ [٢٠]، [٢١]. عاش طويلاً كأحد عجائب الدنيا القديمة، جنباً إلى جنب مع ضريح هاليكارناسوس وهرم الجيزة الأكبر الموجود حالياً.


زار ابن جبير، الرحّالة والجغرافي من الحضارة الإسلامية، الإسكندرية في مصر في ربيع عام ١١٨٣، وكانت من أولى الأماكن التي شاهدها. تركت هذه الرحلة أثراً قوياً في نفسه، وخاصة منار الإسكندرية الشهير العملاق، فقال عنه:
ومن أعظم ما شدهاناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله عز وجل على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلاً. ومبناه نهاية العتاقة والوثاقة طولاً وعرضاً، يزاحم الجو سمواً وارتفاعاً، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع.
ذرعنا إحدى جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفاً وخمسين باعاً ويذكر أن في طوله أزيد من مئة وخمسين قامة. وأما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج ومداخل وكثرة مساكن، حتى أن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل. وبالجملة لا يحصلها القول، والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه.
وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه، وطلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المورخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور. وشاهدنا من شأن مبناه عجباً لا يستوفيه وصف واصف.
يوجد أيضاً الرسم الشهير لمنار الإسكندرية القديم الذي تركه أبو حامد الغرناطي، والذي رسمه بدقة مستنداً على مشاهداته الشخصية للمنار.

سأترجم النص للعربية مع الحفاظ على جميع الأفكار والمحتوى الأصلي:
الاتصال العربي
نقتبس فيما يلي مقتطفات مهمة من كتاب “علم المصريات: الألفية المفقودة: مصر القديمة في الكتابات العربية في العصور الوسطى” لعكاشة الدلي، دار نشر سايكولوجي پرس، 2005:
منارة الإسكندرية (الصفحة 53-54)

رسم أبو حامد الغرناطي، الرحالة الأندلسي، منارة الإسكندرية رسماً دقيقاً استند فيه على مشاهداته الشخصية. زار الإسكندرية أولاً في 1110 ثم عاد إليها في 1117. وصف المنارة بأنها تتألف من ثلاثة طوابق:
“يتربع الطابق الأول على منصة. ويأخذ الطابق الثاني شكلاً ثمانياً، أما الطابق الثالث فيمتد بشكل دائري. بُنيت كلها من الحجر المنحوت. وضعت على القمة مرآة من الحديد الصيني عرضها سبع أذرع (364 سم) تستخدم لمراقبة حركة السفن على الجانب الآخر من البحر المتوسط. عندما تقترب سفن الأعداء من الإسكندرية، ينتظر الحراس في المنارة حتى تغرب الشمس، ثم يحركون المرآة لتواجه الشمس ويوجهونها نحو سفن العدو لإحراقها في البحر. يوجد في الجزء السفلي من المنارة باب يرتفع حوالي 20 ذراعاً عن مستوى الأرض، يصعد إليه المرء عبر منحدر مقوس من الحجر المنحوت”.
أشار الغرناطي للقارئ إلى رسم أعده [الشكل أعلاه]. أثبتت البحوث الحديثة دقة هذا الرسم.
أعجب العرب بالمنارة خاصةً وزاروها ووصفوها أكثر من أسلافهم اليونانيين والرومان، ربما بسبب حجمها الضخم وربما أيضاً لاهتمامهم بتقنياتها كما يظهر في وظيفة مراياها. يُذكر استخدام مرآة من الحديد الصيني، ولم يكن ذلك خيالاً بل عكس معرفة المؤلفين العرب في العصور الوسطى بالعلوم الصينية وشعبية المنتجات الصينية، خاصة ما يسمى بالعربية “خارصيني” أي “الحديد الصيني” أو ربما “الفولاذ” الذي صُنعت منه المرايا. أما عن الاستخدام العسكري لهذه المرايا لحرق الأعداء المهاجمين، فعُرفت قصص مماثلة في الأدب ما قبل الإسلام وربما أثرت في تصورات العرب لوظيفة مرآة المنارة.
استخدم طوسون عدداً من المصادر العربية في دراسته لفروع النيل ومنارة الإسكندرية.
عرض المسعودي والسيوطي والمقريزي تغطية شاملة لمصر منذ “ما قبل الطوفان” حتى عصرهم. أظهرت كتاباتهم اهتماماً واسعاً بجميع المباني والآثار التي شاهدوها حولهم من مصر القديمة. طابقت أوصافهم لمنارة الإسكندرية، التي يعرف علماء الآثار المعاصرون القليل منها، إعادة البناء الحديثة. تركوا مجلداً ضخماً عن المعابد، يقدم بعضها صورة واضحة معاصرة لمبانٍ تهدمت الآن كلياً أو جزئياً. تجاوز اهتمام العرب في العصور الوسطى بالتاريخ وعلم الآثار مصر ليشمل الحضارات القديمة الأخرى، مما يمكن التحقق من صحة كثير من أدلته.
[من الفصل الثامن، العلوم] الصفحة 117
وضعت المرآة المحرقة على قمة منارة الإسكندرية، وأدت إضافة لإرشاد السفن إلى الميناء وظيفتين: الأولى نظام إنذار مبكر مكّن المراقبين من رؤية السفن قبل وصولها للساحل المصري بوقت طويل؛ والثانية في حالات السفن المعادية – بتوجيه المرآة بزاوية معينة لعكس وتركيز أشعة الشمس على سفن العدو القادمة، فتشتعل فيها النيران في البحر. خالف ابن حوقل هذه الوظائف للمرآة، واعتقد أن المبنى بِرُمَّته مرصد لدراسة علم الفلك.
بُنيت منارة في المدينة تعلوها قبة طُليت بمادة كيميائية خاصة، أضاءت معظم المدينة عند غروب الشمس. لم يؤثر الريح ولا المطر على هذا الضوء، الذي خفت فقط عند شروق الشمس.
الصفحة 118
أضاءت منارة المدينة بلون مختلف كل يوم من أيام الأسبوع. وقفت المنارة في وسط بركة تسبح فيها أسماك ملونة. حمت المدينة طلاسم بأجساد بشرية ورؤوس قردة. بُنيت بالقرب منها مدينة جديدة خاصة توسطتها قبة، علتها سحابة دائمة تمطر برفق. نُصبت عند بوابات هذه المدينة تماثيل لكهنة يحملون لفائف الأعمال العلمية، فمن أراد تعلم علم ما ذهب إلى تمثاله المخصص، ومسح يده عليه ثم مسح صدره، فانتقلت إليه معرفة ذلك العلم. سُميت هاتان المدينتان باسم هرمس. وصف هذا بوضوح ما تبقى من الأشمونين، مركز توت/هرمس، ومحاولة لتفسير الآثار المتبقية استناداً إلى شهرة هذا المركز القديمة.
[الصلة بكليوپاترا] الصفحة 133
ورد أول ذكر معروف لكليوپاترا عند مؤرخ عربي في كتاب ابن عبد الحكم، الذي كتب تاريخ ضم المسلمين لمصر في أوائل القرن التاسع الميلادي. ذكر عن منارة الإسكندرية:
“بنتها دلوكة… ويُقال أيضاً أن باني منارة الإسكندرية قلپاترا، الملكة التي حفرت القناة/الخليج إلى الإسكندرية ورصفت قاعه.”
نواجه في هذه الكلمات خلطاً مبكراً محتملاً بين ملكتين: دلوكة (المسماة أيضاً زليخة) وكليوپاترا. نجهل الحقيقة التاريخية للملكة دلوكة، لكن استُخدم اسمها دائماً مرادفاً لاسم كليوپاترا. نُسب لكلتيهما بناء منارة الإسكندرية وسور ضخم حول مصر كلها لحمايتها من الغزو، وقيل أن دلوكة بنت مقياساً للنيل في منف. برغم أن كليوپاترا لم تبنِ المنارة، أدت شهرتها كبانية آثار عظيمة إلى ظهور مثل هذه الادعاءات في المصادر العربية في العصور الوسطى.

Bibliography
1 Behrens, Doris “The Islamic History of the Lighthouse of Alexandria” Abouseif, Muqarnas, Vol. 23 (2006), pp. 1-14, Published by: Brill, Stable
URL: https://www.jstor.org/stable/25482435
2 El Daly, Okasha “Egyptology: The Missing Millennium : Ancient Egypt in Medieval Arabic Writings” Psychology Press, 2005
3 McKenzie, Judith “The Architecture of Alexandria and Egypt, C. 300 B.C. to A.D. 700” Volume 63, Yale University Press, 2007
4 Vrettos, Theodore “Alexandria: City of the Western Mind” Simon and Schuster, 15 Jun 2010

مراجع
[1] “Progressive Architecture” Volume 44 by Eugene Clute, Russell Fenimore Whitehead, Kenneth Reid and Elizabeth L. Cleaver Reinhold, 1963 , Page 262.
[2] The Islamic History of the Lighthouse of Alexandria” by Doris Behrens and Abouseif, Muqarnas, Vol. 23 (2006), pp. 1-14, Published by: Brill, Stable URL: https://www.jstor.org/stable/25482435
[3] “Seven Wonders of the Ancient World” by Michael Woods and Mary B. Woods, Lerner Books [UK], 2009, Page 33.
[4] “101 Wonders of the World” by Vikas Khatri, Pustak Mahal, Page xlviii.
[5] “Lighthouses big and small” by Eero Sorila, Xlibris (15 Mar. 2012), Page 8.
[6] “The Architecture of Alexandria and Egypt: 300 BC – AD 700” by Judith McKenzie, Yale University Press. Page 41.
[7] “Encyclopedia of Ancient Greece” by Nigel Wilson, Routledge, 31 Oct 2013, Page 36.
Also op. cit. Doris Behrens, Page 1 and op. cit. Judith McKenzie, Page 41.
[8] op. cit. Doris Behrens, Page 1.
[9] “Egypt” by Roberts Russ, Mitchell Lane Publishers, Inc.
[10] “Handbook of Research on Seismic Assessment and Rehabilitation of Historic Structures” by Asteris, Panagiotis G, Plevris, Vagelis, IGI Global, 13 Jul 2015, Page xxvi.
[11] “Alexandria: City of the Western Mind” by Theodore Vrettos, Simon and Schuster, 15 Jun 2010, Page 33.
[12] op. cit. by Theodore Vrettos, Page 33
[13] unmuseum.mus.pa.us: “The Great Lighthouse at Alexandria” – Copyright Lee Krystek 1998-2011 (Link)
[14] op. cit. Judith McKenzie, Page 42.
[15] “A Review of Muslim Geography” by Salah Zaimeche, Page 4. (PDF)
[16] Op. cit. Doris Behrens, Page 9
[17] “Harvard Studies in Classical Philology, Volume 78” by Harvard University, Harvard University Department of Classics, Harvard University Press, 1 Jan 1974, Page 258: “For such Arab writers as Aboul Haggag Youssef Ibn Mohammed el Balawi el Andaloussi, see Omar Toussoun in Bull. Soc. Arch. Alexandrie, 30 (1936), 49-53; Don Miguel de Asin, “Ibn Al-Say), the Duke of Alba,” in Proceedings of the British Academy, 19 (1933), 277 ; Van Berchem, Compte rend’: de I’Acadimie des Inscriptions (1898), p. 339; Mimoires de la mission arclretologique francaise du Caire, Vol. XIX; G. Reineckc, in Phil. Woch. 19, (1937), col. 1869; F. Adler, Der Pharos von Alexandria (Berlin, 1901); G. H. Rivoira, Architettura Musulmana (1914), P. 148.”
[18] The Cambridge History of Egypt, Volume 1 & Volume 2, by Carl F. Petry, Cambridge University Press, 10 Jul 2008, Page 167.
[19] Op. cit. Doris Behrens, Page 3
[20] “Seven Wonders of the Ancient World” by Michael Woods and Mary B. Woods, Lerner Books [UK], 2009, Page 32.
Also op. cit. Judith McKenzie, Page 41; op. cit. Nigel Wilson, Page 36; op. cit. by Theodore Vrettos, Page 33.⠀
[21] “The Citadel of Qaytbay in MAMLUK ART. The Splendour and Magic of the Sultans” by Mohamed Abdel Aziz and Tarek Torky, (eBook) “The Citadel of Qaytbay – In Islamic Art in the Mediterranean Exhibition Trails”
[22] “A Review of Muslim Geography” by Salah Zaimeche, Page 4. (PDF)
[23] .ibid
[24] The Arabic original is from ar.wikisource.org – (Archived)
[25] MuslimHeritage.com: “Deciphering Egyptian Hieroglyphs in Muslim Heritage” by Okasha El Daly (Link)
by Cem Nizamoglu Published on: 16th October 2015





اترك رد