سطّرت الحضارات القديمة تاريخها على ضفاف نهري دجلة والفرات، فأنشأت مدناً عظيمة ازدهرت بالعلوم والفنون والتجارة. تضرب جذور هذه المنطقة في عمق التاريخ البشري، فقد شهدت ولادة أولى المدن وأقدم النظم الكتابية والقانونية في العالم.
تمتدّ أراضي ما بين النهرين على مساحات شاسعة من جبال طوروس شمالاً حتى مياه الخليج العربي جنوباً، وتشكّل وحدة جغرافية متكاملة ربطت شعوباً متنوّعة عبر آلاف السنين. وتميّزت المنطقة بتنوّع تضاريسها وثراء مواردها الطبيعية، ممّا جعلها مركزاً للتبادل التجاري والثقافي بين مختلف الحضارات.
تاريخياً انقسمت منطقة النهرين إلى منطقتين جغرافيّتين:
الشمالية هي منطقة الإمبراطوريات الحديثة التي استمرّت من نشوء الإمبراطورية الأسورية الحديثة حتّى بداية القرون الوسطى ونهاية الخلافة العبّاسية في بغداد. وتسمّى المنطقة الشمالية اليوم الجزيرة (العليا) بسبب إحاطتها بدجلة والفرات مثل جفنيّ العين. كما كانت تسمّيها المراجع المصرية القديمة منطقة النهرين، وتسمّيها المراجع الأوروپية القديمة منطقة أسوريا، في حين تسمّيها المراجع المونگولية والتركية القديمة بلاد التوأمين؛ أي النهرين.
الجنوبية هي منطقة الإمبراطوريات القديمة التي استمرّت من نشوء الإمبراطورية الأگّدية إلى تأسيس الإمبراطورية الأسورية حديثة، بالرغم من استمرار المنطقة الجنوبية حاضنة للإمبراطوريات الكبرى من بابل ومحيطها. وتسمّى المنطقة الجنوبية اليوم بالأرض العِراق بسبب كثرة الأنهار فيها كالعروق. كما كانت تسمّيها المراجع المصرية القديمة بلاد سِنگر وشِنگر، تحريف عن التسمية السومرية الأصلية كينگِر أو كينگي 𒆠𒂗𒄀 التي تعني بلد الأشراف (السادات والأنبياء). وتسمّيها المراجع التركية القديمة شَنّاره وشَنغار.
المنطقتين معاً، الشمالية والجنوبية، سمّاهنّ الإغريق ميٓزوپوتاميّه (بين الأنهر) Μεσοποταμία بصيغة صفة جمع مؤنّثة؛ من دمج كلمتين هنّ: ميٓزوس μέσος أي ما بين (مزيج). وكلمة پوتَموس ποταμός أي نهر. فنشأت كلمة ميٓزوپوتاميوس التي انتقلت إلى اللاتينية وصارت فيها بصيغة اسمٍ ذكر: مِزوپوتَميا Mesopotamia وصيغتها المؤنّثة مِزوپوتَميِّه Mesopotamiae.
النهرين هما نهري دجلة والفرات. وتقتسم بلاد النهرين اليوم أربع دول هي تركيا والعراق وسوريا وإيران. وتُظهر الخارطة؛ إضافة إلى التقسيمات الجغرافية، كذلك المدن الاستراتيجية على حوض النهرين، وهي المدن التي تتحكّم باقتصاد المنطقة ككل.

اليوم أكبر مدن منطقة النهرين هي مدينة بغداد وهي المدينة الأهمّ على المستوى الإستراتيجي للمنطقة كليّاً، حتّى مع تقطيع منطقة النهرين إلى عدّة دول. ونلاحظ على الخارطة أثر بتر بغداد عن مجالها الحيويّ، إذ تختفي المدن الكبرى من منطقة الجزيرة وتكاد تنعدم في المنطقة ما بين كربلاء وحلب… وهي ذاتها المنطقة التي كانت مجالاً لمملكة ماري القديمة، وكانت مصدر الثروات الكبرى حتى نهاية الفترة العثمانية.
حين اختار الخليفة العبّاسي أبو جعفر المنصور موقع مدينة بغداد سنة 764 ما اختاره عن عبث، بل تقصّد اختيار موقع شديد الأهميّة على المستوى الاستراتيجي، ما بين سواد العراق والجزيرة العليا تماماً. ما جعل بغداد سوق تبادل لا تموت ما بين العراقَين من جهة وبلاد الجزيرة والأناضول من جهة ثانية… ويُعتقد أنّ موقع العاصمة القديمة أگّدة قريب من مدينة بغداد المعاصرة لكن غرب الفرات.
تلي مدينة بغداد بالأهمّية وبالحجم اليوم على حوض النهرين المدن الثلاث البصرة والموصل وحلب. وعلى مرّ التاريخ ومنذ تأسّست البصرة في الفترة الأموية، دائماً ما يكون ناتج تواصل هذه المدن الثلاث ثراء اقتصاديّ ينعكس عليهنّ معاً وعلى منطقة كلّ منهنّ، فثراء البصرة هو ثراء جنوب العراق، وثراء الموصل هو ثراء جبال طوروس، وثراء حلب هو ثراء منطقة حلب الجغرافية كلّها (إسَوريّة) ما بين الفرات والمتوسّط.
عقب الحرب العالمية الأولى جرى تقطيع منطقة الجزيرة بين دول ثلاث متعادية، فأتى هذا التقطيع كارثة اقتصادية على المنطقة ككل، نرى آثارها اليوم بوضوح مع اضمحلال عدد السكّان في المنطقة وغياب المدن التي يصل عدد السكّان فيها إلى نصف مليون. فهذه المدن الظاهرة على هذه الخارطة هي جميع المدن التي يفيض فيها عدد السكّان عن النصف مليون؛ من حوض النهرين.
بعد المدن الأربع الكبرى في منطقة النهرين تليها المدن التي تعتاش من الدورة الاقتصادية لمنطقة النهرين وتحرّكها، وهي على ترتيب الحجم: عينتاب، دياربكر، أربيل، كركوك، الأحواز، كرمانشاه. أمّا بقيّة المدن على الخارطة فأصغر على مستوى عدد السكّان، وتأخذ أكثر ممّا تعطي بسبب الوضع السياسي في المنطقة.
قبل 7500 سنة كان موقع مدينة البصرة مغموراً عميقاً تحت مياه الخليج. وكانت مدن الموانئ الساحلية آنذاك هي أور (أُر – يُر)، أوروك (أُرُك – يُرُك)، لَگَش، والأحواز المعاصرة. ثمّ وحتى 2200 سنة مضت وكان لم يزل موقع البصرة تحت البحر، استعملت الدولة السلوقية بديلاً عنها ميناء خاركَس شْپَسينو Σπασίνου Χάραξ. آخر البرّ جنوباً. وموقعه اليوم عند التقاء الفرات بدجلة تماماً، على الخطّ الأحمر الجنوبي في الخارطة.
إعادة إحياء المنطقة الوسطى ونهضة الجزيرة العليا كليّاً ترتبط باستعادة السلام على أطراف منطقة النهرين، ولا تتمّ إلا بتمكين تواصل غير محدود ما بين مدن المنطقتين الجنوبية والشمالية، في شراكة اقتصادية تمتدّ من أرضروم شمالاً حتّى عبادان جنوباً.
تكشف دراسة تاريخ منطقة ما بين النهرين عن أهمية الترابط الجغرافي والاقتصادي في نهضة المجتمعات وازدهارها. وتبرز التجربة التاريخية للمنطقة ضرورة التكامل الاقتصادي والتواصل الحر بين المدن والأقاليم لتحقيق النمو المستدام.
تستدعي إعادة إحياء المنطقة اليوم رؤية تنموية شاملة تتجاوز الحدود السياسية المعاصرة وتستلهم الدروس التاريخية في التعاون والتكامل. وتفتح الدراسات الجغرافية والأثرية المعاصرة آفاقاً جديدة لفهم ديناميكيّات المنطقة وتطوّرها عبر العصور، وتؤكّد على أهمّية استعادة دورها الحضاري في العالم المعاصر.
المراجع:
- Adams, Robert McCormick. (1981). Heartland of Cities: Surveys of Ancient Settlement and Land Use on the Central Floodplain of the Euphrates. University of Chicago Press.
- Algaze, Guillermo. (2008). Ancient Mesopotamia at the Dawn of Civilization: The Evolution of an Urban Landscape. University of Chicago Press.
- العلي، صالح أحمد. (1985). خطط بغداد في العصور العباسية الأولى. المجمع العلمي العراقي.
- Postgate, J. Nicholas. (1994). Early Mesopotamia: Society and Economy at the Dawn of History. Routledge.
- Steinkeller, Piotr. (2007). City and Countryside in Third Millennium Southern Babylonia. Cambridge University Press.
- الدوري، عبد العزيز. (1995). تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري. مركز دراسات الوحدة العربية.
- Van De Mieroop, Marc. (2007). A History of the Ancient Near East: 3000-323 BC. Blackwell Publishing.
- Wilkinson, Tony J. (2003). Archaeological Landscapes of the Near East. University of Arizona Press.





اترك رد