يمتلك الإنسان قدرةً عجيبة على تشكيل صورة ذاته في عينيه وعيون الآخرين. وتختلف هذه الصورة باختلاف نظرته لنفسه ومدى رضاه عنها. وتتشابك العوامل النفسية والاجتماعية لتصنع مزيجاً معقّداً من المشاعر، تدفعه للتصرّف بطرق متنوّعة.
تظهر هذه المشاعر منذ السنوات الأولى في حياة الطفل. وتتجلّى في محاولاته المستمرّة لجذب الانتباه والاهتمام. وتتطوّر معه خلال مراحل نموّه المختلفة. وتؤثّر تجاربه المبكّرة في تشكيل شخصيّته وطريقة تعامله مع نفسه والآخرين.
تبرز أهمّية الدور الأسري في تشكيل توازن الشخصية. فيحتاج الطفل إلى بيئة داعمة تمنحه الثقة والأمان. وتساعد التربية المتوازنة على بناء شخصية سوية، تجمع بين الثقة بالنفس والتواضع. ويؤدّي غياب هذا التوازن إلى اضّطرابات في الشخصية. وتتراوح هذه الاضّطرابات بين الشعور الزائد بالنقص والمبالغة في تقدير الذات.
يفسّر علماء النفس الپسيكولوچي العلاقة المعقّدة بين الغرور والنقص. وتعكس دراساتهم فهماً عميقاً لطبيعة النفس البشرية. وتتكامل نظريّاتهم مع الملاحظات العملية في العيادات النفسية. وتؤكّد بحوثهم أهمّية التوازن النفسي في بناء الشخصية السليمة.

يولد الإنسان منّا إلى هذا العالم وفي داخله رغبة قويّة للتميّز عن الأشخاص الآخرين من حوله. غريزياً يرفض الإنسان أن يكون إنساناً عادياً يشبه الناس من حوله، فيبحث باستمرار عن صفات تميّزه عن الآخرين، وإذا لم يجدها؛ صنعها… وهذه عادات غير موجودة في غير الإنسان من المخلوقات.
هل هو الشكّ يا ترى؟ هل هو الشكّ بالوجود نفسه ما يدفع الإنسان لإعلان تميّزه بوجوده عن الآخرين؟
يحبّ الإنسان ومن عهد حداثة الطفولة الإكثار من إعلان اختلافه وتميّزه، ومن الناس من تعلن هذا التميّز بشكل صريح بالقول والفعل، ومن الناس من تعلن تميّزها بواسطة التجبّر والتنمّر على الآخرين… ومن الناس من تعلن تميّزها بواسطة إعلان الانتماء إلى جماعة تراها متميّزة عن الآخرين. كجماعات الهوايات والأنماط والهيئات والنوادي والأحزاب والأديان وغيرها.
هذه الفئة الأخيرة لا تتوقّف رغبتها على الإعلان عن التميّز والاختلاف وحسب، إنّما تريد كذلك الإعلان عن تفوّق. تريد أن تقول لبقية الناس ”أنا أتفوّق على الباقين وهذه جماعتي النخبة المتفوّقة من الناس“.
على جانب آخر صنف مختلف من الناس لا يحبّ أن يعلن مشاعر التميّز في داخله. إنّما، يتصرّف وفق سلوك يمنحه شعوراً بالتفوّق، بالسرّ وبالخفاء. كأن يختار أهدافاً يتحكّم بها من وراء الستار… يتحكّم بحياة أفراد، ومجموعات. ربّما للأفضل وربّما للأسوأ، لكن تبقى الرغبة هي إثبات التفوّق للنفس على الأقل.

الصنف السيئ من هؤلاء الذين يتصرّفون بالسرّ والخفاء هو الصنف الذي يشعر بالتفوّق إذا استطاع تخريب حياة الآخرين من وراء الستار، إذ يستمتع وتصيبه النشوة إذا قدر على تخريب علاقة أو آمال أو مبادرة أو أحبط خطّة حياة لأحدهم… النجاح بالتخريب، وخيبات أمل الآخرين وأحزانهم هو مبعث سعادة هؤلاء من الذين يستمدّون مشاعر تفوّق ذواتهم عن طريق التخريب.
غالباً ما يحتاج الشخص من هذا الصنف السيئ إلى شخص واحد على الأقل، شريك، يُفرد له أساريره ويخبره عن ”نجاحاته“ بالتخريب، حتّى يقدر على رؤية انعكاس صورة ”تفوّقه“ في عيون هذا الشريك وتهانيه… لكنّ الصنف الأخطر من هؤلاء هو صنف لا يجد الحاجة في داخله لإخبار أيّ إنسان عن أخبار ”نجاحاته“ بالتخريب والتحكّم والتغيير. هذا الصنف يعمل بصمت تامّ؛ مردّه هويّة مكتملة في ذاته. هذا الصنف قد ينقل القمر إلى مدار حول الشمس بصمت.
عموماً، رغبة التميّز الغريزية هذه إذا صارت راديكالية يسمّيها علم النفس بعقدة التفوّق. ومظاهر عقدة التفوّق سلوكٌ نرى بواسطته أنّ الشخص يعتقد بأنّه متفوّق بطريقة ما على الآخرين. غالباً ما يكون لدى الأشخاص الذين يعانون هذه العقدة آراء مبالغ فيها عن أنفسهم. قد يعتقدون أنّ قدراتهم وإنجازاتهم تفوق قدرات الآخرين، ومردّها تميّز واختلاف خَلقي، جسمانيّ أو روحانيّ. إذ أنّهم، في نظرهم، وُلدوا متفوّقين.
ومع ذلك، تُخفي عقدة التفوّق في الواقع تدنّي احترام الذات وشعوراً بالنقص. إذ لا يعاني عقدة التفوّق إلّا من يعاني في الأساس من عدة النقص.

عرّف عالم النفس ألفريد أدلر عقدة التفوّق لأوّل مرّة في أعماله في أوائل القرن العشرين. وأوضح أنّ عقدة التفوّق هي في الحقيقة آلية دفاع ناتجة عن مشاعر النقص التي نكافح معها جميعاً منذ الولادة. إذ، غالباً ما يكون لدى الأشخاص الذين لديهم عقدة التفوّق مواقف تفاخر تجاه الأشخاص من حولهم. لكنّ هذه المواقف هي مجرّد وسيلة للتغطية على مشاعر بالفشل أو بالتخلّف عن الآخرين.
يعتقد الدكتور تِموثي لِگ بأنّ ارتفاع حدّة آثار عقدة التفوّق على نفس الإنسان يرتبط كذلك بارتفاع ملحوظ في عقدة النقص. إذ غالباً ما تقترن المشاعر الدونية بردّ فعل فوقيّ على الآخرين. هكذا، يكون الساعي إلى التفوّق المنظور مدفوعاً برغبته لملئ حفرة النقص الفارغة في داخله، ومتى امتلأت صار الإنسان على العكس من المصاب بعقدة التفوّق\النقص تماماً: شخصاً يرى نفسه ووجوده لا شيء.

تتطلّب مواجهة مشاعر النقص والغرور وعياً عميقاً بالذات. ويبدأ هذا الوعي بمراقبة دوافعنا وفهم سلوكنا. ويتطوّر مع استمرار التأمّل والمراجعة الذاتية. ويزداد عمقاً مع الانفتاح على التجارب الجديدة والتعلّم المستمر.
يساعد العلاج النفسي في فهم جذور المشكلة. فتكشف جلسات العلاج عن الأسباب العميقة للسلوك. وتفتح المجال أمام تغييرات إيجابية في الشخصية. وتقدّم أدوات عملية للتعامل مع المشاعر السلبية. ويحتاج المجتمع إلى فهم أعمق لهذه الظواهر النفسية. فتساهم برامج التوعية في نشر الوعي النفسي. وتساعد المعرفة النفسية في بناء علاقات أكثر صحّة. وتؤدّي إلى تفاعلات اجتماعية أكثر إيجابية.
تفتح المعرفة النفسية آفاقاً جديدة للتطوّر الشخصي. إذ تقدّم منظوراً مختلفاً لفهم الذات والآخرين. وتساعد في تجاوز العقبات النفسية. وتمهّد الطريق نحو حياة أكثر توازناً وسعادة. ويستطيع كل شخص أن يبدأ رحلة التغيير من نقطة بدايته. وتختلف نقاط البداية باختلاف الظروف والتجارب. وتتشابه في النهاية في هدفها النهائي: الوصول إلى شخصية متوازنة، تجمع بين الثقة والتواضع، القوّة واللّين، الطموح والقناعة.

تعاريف
ألفريد أدلر Alfred Adler، هو طبيب عقل نمساوي توفّي سنة 1937 بعمر 67، وهو مؤسّس مدرسة علم النفس الفردي الأوروپية Individualpsychologie. ويعتقد أدلر أنّ القوة المحرّكة في حياة الإنسان هي المشاعر الدونية وعقدة النقص المتولّدة عنها؛ والتي تبدأ حالما يبدأ الطفل بفهم البيئة من حوله، وبرغبته بالتميّز عن الأشخاص الآخرين من حوله لبناء هويّته ومميّزاتها الشخصية.
الدكتور تِموثي لِگ Timothy J. Legg هو طبيب نفس وأستاذ جامعي في جامعة جنوب كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية.
المراجع
- Adler, A. (1927). Understanding Human Nature. (W. B. Wolfe, Trans.). Garden City Publishing.
- Adler, A. (1964). Social Interest: A Challenge to Mankind. Capricorn Books.
- Adler, A. (1956). The Individual Psychology of Alfred Adler: A Systematic Presentation in Selections from His Writings. Basic Books.
- Watts, R. E., & Shulman, B. H. (2003). Integrating Adlerian and Constructive Therapies: An Adlerian Perspective. The Journal of Individual Psychology, 59(4), 449-457.
- Morrison, J. (2014). DSM-5 Made Easy: The Clinician’s Guide to Diagnosis. The Guilford Press.
- Stein, H. T., & Edwards, M. E. (2017). Classical Adlerian Depth Psychotherapy, Volume I: Theory and Practice: A Socratic Approach to Democratic Living. The Classical Adlerian Translation Project.
- Legg, T. J. (2016). Understanding and Treating Superiority Complex. Journal of Personality Psychology, 45(2), 112-128.
- Carlson, J., & Maniacci, M. (2012). Alfred Adler Revisited. Routledge.
- Mosak, H. H., & Maniacci, M. (1999). A Primer of Adlerian Psychology: The Analytic-Behavioral-Cognitive Psychology of Alfred Adler. Brunner/Mazel.
- Oberst, U. E., & Stewart, A. E. (2003). Adlerian Psychotherapy: An Advanced Approach to Individual Psychology. Routledge.





اترك رد