يكثر الحديث عن “الشعوب العاطفية” في الثقافة الشعبية، لا سيما في وصف العرب والشرقيين عموماً. لكن هل هذا التوصيف دقيق علميّاً؟ وهل يتعارض مع مفهوم العقلانية؟ دراسة جديدة أجرتها إحدى أكبر شركات البحوث النفسية في العالم تفكّ اللّبس حول هذا الموضوع وتسلّط الضوء على الفروق الدقيقة بين مصطلحات مثل الأحاسيس والمشاعر والتفكير العقلاني. فلنبحر في رحلة شيّقة عبر نفسيّة الشعوب بالاعتماد على الأدلّة العلمية والتحليل الموضوعي.
دائماً ما تكرّر عليك نشرات الأخبار ووسائل الإعلام العربيّة أنّنا العرب شعوب عاطفيّة… ولطالما استنكرت هذا التعميم. ثمّ انتقلت إلى ألمانيا لتوضح لي ورشة مع شركة فيٓسبوك الخطأ العملي في تعريف “الشعوب العاطفية” وأنّ الألمان وغرب الأوروپيّين هم أحد أكثر الشعوب عاطفيّة في العالم.
أخيراً وطوال ثلاث سنوات، جمعت إحدى أكبر شركات الدراسات النفسية في العالم ملايين الاستقصاءات المباشرة من كل أرجاء العالم وبـ45 لغة مختلفة، وأظهرت بوضوح أنّنا لسنا شعوباً عاطفية.
– الشعوب العاطفية هي التي تخيفها وتستعطفها لتقنعها بتغيير آرائها.
– الشعوب العقلانية هي التي تخاطب مصالحها لتقنعها بتغيير مواقفها.

أكثر الشعوب عقلانية في العالم (اللّون الأزرق)
- 1. جورجيا (+4.6% عقلانية)
- 2. روسيا (+3.03% عقلانية)
- 3. روسيا البيضاء (+2.38% عقلانية)
- 4. سوريا (+2.38% عقلانية)
- 5. أوكرانيا (+2.19% عقلانية)
- 6. إيران (+2.06% عقلانية)
- 7. مولدوڤا (+1.84% عقلانية)
- 8. صربيا (+1.74% عقلانية)
- 9. أفغانستان (+1.7% عقلانية)
- 10. الجزائر (+1.65% عقلانية)
أكثر الشعوب عاطفية في العالم (اللّون البنفسجي)
- 1. سينگافورة (+21.8% عاطفية)
- 2. بروناي (+20.77% عاطفية)
- 3. نيوزيلاد (+19.78% عاطفية)
- 4. جزائر مريانا الشِّمالية (+19.7% عاطفية)
- 5. أستراليَا (+19.14% عاطفية)
- 6. جيرسي (+19.01% عاطفية)
- 7. فيجي (+18.83% عاطفية)
- 8. ماليزيا (+18.52% عاطفية)
- 9. پاپوا غينيا الجديدة (+18.01% عاطفية)
- 10. گيرنسي (+17.98% عاطفية)

الفرق بين “Feeling” و “Emotion”
قد يخلط البعض بين مفهوم الشخص “العاطفي” Passionate الذي يقوده الإحساس feeling، ومفهوم الشخص “الشاعري” Emotional الذي تقوده المشاعر Emotions. المفهوم الأوّل “العاطفي” يتعارض مع مفهوم “العقلاني” Rational الذي يقوده التفكير thinking. لكنّ الثاني “الشاعري” لا يتعارض مع العقلاني بالضرورة.
الأحاسيس feelings والمشاعر emotions مصطلحات غالباً ما تُستخدم بالتبادل، لكن هناك فرق دقيق بينهما في السياقات الأكاديمية واللّغوية:
الأحاسيس Feelings: هي ما يختبره الإنسان آنيّاً نتيجة لتفاعل الجسم مع المحفّزات الخارجية أو الداخلية. تشمل الأحاسيس مجموعة واسعة من الخبرات مثل الإحساس بالحرارة، البرودة، الألم، والراحة. وطبيعة الأحاسيس يمكن أن تكون جسديّة (مثل الشعور بالبرد) أو عاطفية (مثل الشعور بالحبّ). مثلاً عندما تلمس سطحاً ساخناً، تشعر بإحساس الألم. عندما ترى منظراً جميلاً، تشعر بإحساس الراحة أو الجمال.
المشاعر Emotions: هي استجابات نفسية معقّدة تتضمّن أحاسيس وعواطف وتفاعلات معرفية. المشاعر غالباً ما تكون مرتبطة بحدث معيّن أو ذكرى، وتشمل جوانب معرفية وتقييمية. وطبيعة المشاعر أكثر تعقيداً من الأحاسيس وتستمر فترة أطول. وتتضمّن تقييم الموقف وتؤثّر على السلوك والتفاعل الاجتماعي. مثلاً الشعور بالحزن بعد فقدان شخص عزيز، الشعور بالفرح عند الحصول على خبر سار، الشعور بالغضب عند التعرّض للظلم.
الفرق الأساسي بين المفهومين:
- الأحاسيس هي خبرة أولّية وفوريّة يمكن أن تكون جسدية أو عاطفية.
- المشاعر هي استجابات معقّدة تشمل الأحاسيس والعواطف والجوانب المعرفية والتقييميّة.
بمعنى آخر، يمكن أن تكون الأحاسيس جزءاً من المشاعر. على سبيل المثال، الشعور بالخوف قد يشمل أحاسيس جسدية مثل تسارع ضربات القلب (إحساس جسدي) والمشاعر المعقّدة مثل القلق (استجابة عاطفية ومعرفية).
فهم هذا الفرق يساعد في تحليل الخبرات الإنسانية بشكل أكثر دقّة، خصوصاً في المجالات الأكاديمية مثل علم النفس وعلم الاجتماع.

التعارض بين “Feeling” و “Thinking”
الآن، لنناقش سبب تعارض مفهوميّ الشخص “العاطفي” Passionate الذي يقوده الإحساس feeling ومفهوم الشخص “العقلاني” Rational الذي يقوده التفكير thinking.
اللّغة الأكاديمية الإنگليزية تميّز بين مصطلحي “feeling” و “thinking” بناءً على عدّة جوانب تتعلّق بالطبيعة النفسية والمعرفية لكلّ منهما.
مفهوم Feeling: يشير إلى الأحاسيس والعواطف والانفعالات التي يشعر بها الفرد. يمكن أن تكون هذه الأحاسيس جسدية أو عاطفية، وتتميز بأنها غالباً ما تكون آنيّة وعفوية. وهي ذات طبيعة ذاتية وشخصية للغاية. الأحاسيس تعتمد على التجارِب الشخصية والحالة العاطفية. ويلعب هذا المفهوم دوراً كبيراً في التفاعل مع البيئة والتفاعل الاجتماعي، كما يساهم في تكوين التجارِب الشخصية والذكريات. ويُدرس في مجالات مثل علم النفس، علم الاجتماع، والفلسفة، حيث يجري تحليل دور العواطف في سلوك الإنسان وتفاعلاته. مثلاً: الحزن، الفرح، الغضب، الحب، الخوف.
مفهوم Thinking: يشير إلى عملية التفكير العقلانية والمنطقية التي تتضمن تحليل المعلومات، الاستدلال، واتخاذ القرارات. التفكير يمكن أن يكون واعياً أو غير واعي، ولكنه عادة ما يكون أكثر تنظيماً وتوجهاً نحو حل المشكلات. طبيعته ذات طبيعة موضوعية ومنطقية. يعتمد التفكير على البيانات والأدلة والتحليل العقلي. ويساعد في فهم العالم من حولنا، حل المشكلات، واتخاذ القرارات بناءً على تحليل المعلومات المتاحة. ويُدرس في الفلسفة، علم النفس المعرفي، والذكاء الاصطناعي، حيث يتم التركيز على كيفية معالجة المعلومات واتخاذ القرارات.مثلاً: الاستدلال، التحليل النقدي، التخطيط، حل المشكلات.
في النهاية، تعبّر feeling عن الجانب العاطفي والانفعالي من التجربة الإنسانية، في حين تعبّر thinking عن الجانب العقلي والتحليلي. فهم هذا الفرق يمكن أن يساعد في تطوير مهارات التواصل وتحليل السلوك البشري بشكل أكثر دقة.

العلاقة بين “Thinking” و “Emotion”
الآن، لنأت على نقاش قولي السابق أنّ مفهوم “الشاعري” Emotional لا يتعارض مع العقلاني ومفهوم التفكير Thinking بالضرورة.
الأفكار في عملية التفكير Thinking يمكن أن تُبنى على المشاعر Emotions، وهذه العلاقة تعتبر جزءاً من التفاعل المعقد بين العقل والعاطفة. غير أنّ الإحساس لا يبنى على المشاعر، لأنّه إحساس يبنى على بيانات الحواسّ وإحساساتها. مثلاً:
التأثير العاطفي على التفكير مبرمج عبر توجيه الانتباه والتقييم والتحليل والذاكرة.
المشاعر يمكن أن توجّه انتباه الفرد نحو مواضيع معينة دون غيرها. على سبيل المثال، الشخص الذي يشعر بالخوف قد يركّز انتباهه على مصادر التهديد المحتملة مع تجاهل بقيّة المؤثّرات في المكان. كما أنّ المشاعر تؤثّر على كيفية تقييم وتحليل المواقف. إذ أنّ الشخص الذي يشعر بالغضب قد يكون نقدي أكثر تجاه موقف معيّن مقارنة بشخص يشعر بالسعادة. وتؤدّي المشاعر دوراً في تكوين واسترجاع الذكريات. الذكريات المرتبطة بمشاعر قوية (مثل الفرح الشديد أو الحزن العميق) تكون أكثر وضوحاً وتفصيلاً، مما يؤثّر على التفكير عند استرجاع هذه الذكريات.
التأثير المتبادل بين التفكير والمشاعر مجسّد بإعادة تفسير المشاعر واتخاذ القرارات والتفكير الإبداعي.
الأفكار يمكن أن تعيد تفسير المشاعر. على سبيل المثال، التفكير العقلاني يمكن أن يخفّف من مشاعر القلق أو الخوف من طريق إعادة تقييم المخاطر والمواقف. وغالباً ما تُؤدّي المشاعر دوراً حاسماً في اتّخاذ القرارات. فرضية العقلانية المحدودة تشير إلى أنّ القرارات لا تُتّخذ فقط بناءً على المنطق والتحليل، بل أيضاً بناءً على المشاعر والحدس. يمكن أن تحفّز المشاعر الإبداع. فالأشخاص الذين يشعرون بالحماس أو الفضول يكونون أكثر قدرة على توليد أفكار إبداعية.
من الفرضيّات النفسية في هذا الموضوع فرضية التقييم وفرضية الحالة العاطفية.
فرضية التقييم Appraisal Theory تشير إلى أنّ المشاعر تنشأ نتيجة لتقييمات معرفية للأحداث. بالتالي، الأفكار والتقييمات المعرفية تؤدّي دوراً كبيراً في تشكيل المشاعر.
فرضية الحالة العاطفية Affective State Theory تشير إلى أنّ الحالة العاطفية تؤثّر على كيفية معالجة المعلومات واتّخاذ القرارات. الأشخاص في حالة مزاجية إيجابية يميلون إلى التفكير بشكل أكثر تفاؤلاً، والعكس صحيح.
إجمالاً، العلاقة بين التفكير والمشاعر معقّدة ومتداخلة. الأفكار يمكن أن تُبنى على المشاعر والعكس صحيح، ممّا يعكس التفاعل الديناميكي بين العقل والعاطفة في السلوك البشري.
في الختام، تبيّن لنا أنّ العلاقة بين التفكير والمشاعر أكثر تعقيداً ممّا يُظنّ، وأنّ الشعوب التي توصف بأنها “عاطفية” ليست بالضرورة أقلّ عقلانية. فالأفكار يمكن أن تُبنى على المشاعر والعواطف، لكن الأحاسيس التي تتعارض مع العقلانية لا تُبنى على المشاعر، بل على ردود الفعل الآنية والبيانات الحسيّة. إنّ فهم هذه الاختلافات الدقيقة أمر بالغ الأهمية لتطوير مهارات التواصل وتحليل السلوك البشري بموضوعية وعلمية، بعيداً عن التعميمات المضلّلة والصور النمطية. فالعقل والعاطفة وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يؤدّي دوراً محوريّاً في تشكيل تفكيرنا وسلوكياتنا كبشر، بغض النظر عن انتماءاتنا الجغرافية أو الثقافية.





اترك رد