أمس طرحت سؤالاً أستطلع به أمنيات متابعي منشوراتي على فيٓسبوك، عن الشخصيّة التاريخيّة التي قد تعود بالزمن للقائها، وما كانت الإجابات بهذا التنوّع الواسع، وهذا غير جيّد. عموماً، قمت بتحليل الإجابات جميعاً وإليكم نتيجة التحليل.
تراوحت الاستجابات ما بين الشخصيّات الدينيّة مثل النبي محمّد وصحابته، وقادة سياسيّين وعلماء. وهذا يظهر الموضوعات التي تشغل عموماً أذهان العرب. وهذه أهمّ نِقَاط الاستطلاع:
- النبي محمّد وصحابته هم الخيارات الأكثر شيوعاً، ممّا يظهر أهمّيّتهم في الذهنيّة العربيّة المعاصرة، وعلى هذا أهميّة الإسلام في حياة عرب اليوم.
- تضمّنت الاستجابات شخصيّات دينيّة أخرى أمثال علي بن أبي طالب والخليفة عمر بن الخطاب وعائشة. وكلّهم شخصيّات إسلاميّة.
- اختار البعض قادة سياسيّين مثل صلاح الدين الأيوبي وجمال عبد الناصر وقاسم أمين وابن خلدون لأدوارهم في التاريخ، ولأسباب قوميّة (أيديولوجيّة).
- ذُكرت شخصيّات من التاريخ العربيّ ما قبل الإسلام والأندلسي أيضاً، مثل محمّد أبو عامر وابن رشد، بالإضافة لأشوربانيبال وعائلة برقا القرطاجيّة وغيرهم من القرطاجيّين.
- اختار البعض القليل علماء ومخترعين مثل ابن تيمية وابن بطّوطة ونقولا تسلا وداڤنشي للمعرفة والإطلاعات التي يمكن أن يشاركوها.
- عبّر القليل جدّاً عن رغبتهم في مقابلة شخصيات أكثر عاديّة مثل الأجداد أو آدم لفهم أصول الإنسان.
في المجمل، تُظهر الاستجابات مزيجاً من المصالح الدينيّة والتاريخيّة والفكريّة بين المعلّقين، مع تفضيل معظمهم للشخصيّات التي يرونها حكيمة أو ذات تأثير أو قدوة بطريقة ما. لكن، هذا يظهر انشغال الذهنيّة العربيّة بالبحث عن القدوة والهويّة، ما يعني أنّ العربي المعاصر يعاني أزمة هويّة ويبحث في الماضي عن قيادة مفقودة.
ومن الملاحظ غياب أي إشارة إلى الفلاسفة العرب، أو غير العرب، وكأنّ الفلسفة ليست ذات اهتمام في الذهنيّة العربية بالمطلق. مع أنّ الفلسفة تعزّز التفكير النقدي والتفكير العميق، وتوسّع فهم العالم، وتحفّز الابتكار والإبداع، وتطوّر التعامل مع التعقيد، وتوجّه القيم والأخلاق.
من جهة ثانية، افتقرت الإجابات إلى وجود أي ذِكر لشخصيّات علميّة عربيّة تاريخيّة، وهذا يظهر افتقار الفكر العربيّ المعاصر للتفكير العلمي والاهتمام بالعلوم. لو مٌكّنت أنا من آلة زمن لعدت للقاء ابن سينا وابن حيّان والجزري والورّاق وغيرهم من أهل الفيزياء والهندسة والطبّ والكيمياء لفهم العلوم العربيّة الضائعة، أو لاخترت لقاء لغويّين آباء مثل الفراهيدي والصغاني والأزهري لفهم الغامض من تاريخ اللّغة العربية الرائعة.
وهذا يأخذنا إلى مشكلة ضآلة حصّة التفكير العلمي من الذهنيّة العربيّة، انظر معي التجسيد البصري للمشكلة. فيمَا يلي النسب التقريبيّة بناءً على تحليلي للأسماء والموضوعات الرئيسية في المنشور:
الموضوعات التي تشغل عموماً أذهان العرب:

- شخصيات دينية – 60%
- قادة سياسيين – 15%
- علماء/مخترعين – 10%
- أسلاف/آدم- 8%
- شخصيّات عربية ما قبل الإسلام – 5%
- شخصيات أندلسية – 2%
أكثر من 85٪ من الذهن العربي منشغل بالتفكير بشخصيّات دينيّة ومسائل غيبيّة وهويّاتيّة، ما لا يترك مساحة كافية من الذهن للتفكير في مسائل علميّة. نسبة 10٪ فقط من الذهن العربي لا تكفي للتفكير بحلول للمشاكل الحياتية ولا لتقديم ما يفيد تطوّر الحياة ورفع الرفاهيّة الاجتماعيّة. الذهن العربي بحاجة إلى تحرير المزيد من المساحة لمصلحة التفكير العلمي والمسائل التقنية.
وهذا لا يعني إلغاء التفكير الديني، فالتفكير الإيماني ليس خطأ بحدّ ذاته، بل هو مطلوب وضروري. لكن، بنسبة معقولة لراحة الإنسان النفسيّة ولضبط العلاقات الإنسانيّة ما بين أعضاء المجتمع. لكنّ التفكير الديني لن يعلّم الإنسان مثلاً حلّ مشكلات نقص الكهرباء، ولا آلية حصد طاقة الرياح والشمس، ولا تقنيّة هندسة السدود… وغيره من المسائل شديدة الإلحاح في وقتنا الراهن.
شخصيّاً، أعتقد أنّ حصّة التفكير الديني يجب ألّا تتجاوز 25٪ من مساحة الذهن العربيّ. وهذه مساحة كافية، تتيح المزيد من المساحة لمسائل مختلفة ضروريّة لحياة الإنسان.
الآن لننظر في قائمة الأسماء ولنر انعكاس احتلال الهمّ الديني للذهن العربيّ:

- النبي محمد – 40%
- شعراء وأدباء 30٪
- أسلاف/أجداد – 11%
- علي بن أبي طالب – 5%
- عمر بن الخطاب – 4%
- صلاح الدين – 3%
- جمال عبد الناصر – 2%
- ابن خلدون – 2%
- قاسم أمين – 1%
- ابن رشد – 1%
- نقولا تسلا – 1%
هذه هي النسب التقريبيّة بناءً على عدد مرّات ظهور كلّ اسم أو موضوع في الاستجابات. النبيّ محمّد والشخصيّات الدينيّة والأدبيّة الأخرى هي الأكثر شهرة بكثير، ممّا يظهر وجهات النظر الإسلاميّة الغالبة للمعلّقين. تمثل حصّة القادة السياسيّين جزءًا أصغر لكنها ما زالت ذات أهمّيّة ملحوظة، وتمثّل حصّة العلماء والمخترعين حصّة أقل بكثير لا تنافسها بهذا الضعف سوى الشخصيّات من التاريخ العربي ما قبل الإسلام والأندلسي الأقل شهرة.
أكثر من 86٪ من الذهن العربي محجوز لشخصيّات مرتبطة بالمسائل الدينيّة والروحيّة، وحوالي 12٪ محجوز لمسائل الهويّة والانتماء، ما يترك 2٪ فقط من الذهن العربي للانشغال بشخصيّات قدّمت حلولاً تقنيّة، لتيسير الحياة وتمكين الفاعليّة فيها. وهكذا، فلا غرابة أنّ العربيّ لا ينتج في البلاد العربيّة، لكنّه ينتج وبفاعليّة متى انتقل إلى بلاد غير عربيّة، تتيح الذهنيّة فيها مساحة أكبر للتفكير بمسائل تقنيّة، وتسمح بتداول أكبر للتفكير العلمي، إلى جانب التفكير الإيماني.
هذا مع العلم أنّ أغلب متابعي منشوراتي على فيٓسبوك المشاركين في الاستطلاع هم من مصر، ثم ألمانيا، ثم سوريا، ثم المملكة المغربية، ثم الجزائر، ثم تركيا، ثم المملكة السُّعُودية، ثم العراق، ثم اليمن، ثم المملكة الأردنية، وغيرهم. والأغلبية (75٪) ذكور ومن الأعمار ما بين 25-44.






اترك رد