تنتصب في جنوب سوريا المعاصرة كتلة جبلية بركانية، شاهدة على آلاف السنين من التاريخ والحضارة، حملت أسماء متعدّدة أظهرت التحوّلات السياسية والديموغرافية عبر العصور. جبل حوران، الاسم الأصلي الذي صاغته الحضارات العربية القديمة، تحوّل عبر قرون إلى تسميات متنوّعة: جبل العرب، جبل بني هلال، جبل الدروز، وأسماء أخرى، كل منها يحكي فصلاً من تاريخ هذه المنطقة الاستراتيجية.
أهمّية هذا الجبل التاريخية تتجاوز مجرّد كونه معلماً جغرافيّاً – إذ أدّى دوراً محوريّاً في شبكة الطرق التجارية القديمة، وشهد تعاقب حضارات وقبائل متنوعة، من الآشوريين والرومان إلى العرب والدروز. تتبّع تطوّر أسمائه يكشف لنا التحوّلات الجذرية في التركيبة السكّانية والولاءات السياسية والهويّات الثقافية عبر أكثر من ألفي عام.

الجذور العميقة: الاسم الأصلي وبداية التاريخ
يمتدّ تاريخ تسمية “حوران” إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، ذُكر الجبل لأوّل مرة في النقوش الآشورية للملك شلمنصر الثالث عام 841 ق.م باسم حَوْرَانُ 𒄩𒌷𒊏𒉡 Haurānu خلال حملته ضد حزائيل חזאל ملك أرام دمشق. هذا الاسم مشتق من اللّغة الآرامية القديمة حوران 𐡇𐡅𐡓𐡍 Ḥawrān، والتفسير الأكثر قبولاً بين علماء اللّسانيات يربطه بمعنى “أرض الكهوف” أو “البلاد الكهفية”، وهو تفسير يساير الطبيعة البركانية للمنطقة التي تحتوي على كهوف طبيعية ومواقع جوفية عديدة.
التفسيرات اللّغوية الأخرى تشمل معنى “الأرض الجوفاء” أو “التجويف”، وفي بعض المصادر “الأرض السوداء” نسبة إلى التربة البركانية الغنية التي تميّز المنطقة. اعتمدت الحضارات الإغريقية والرومانية تسمية أورانيتس Αὐρανῖτις Auranîtis ترجمة لاسم حوران ولفظها بعض العرب عُرانطس، واستمر هذا الاسم في الاستخدام طوال العصرين الروماني والبيزنطي.
كانت المنطقة معروفة أيضاً بأسماء بابلية توراتية مثل باشان בשנא Bāšān، وذُكرت في سفر حزقيال جزء من وصف حدود الأراضي المقدّسة. هذا التنوّع في التسميات القديمة يظهر الأهمية الاستراتيجية للمنطقة نقطة التقاء بين الحضارات والطرق التجارية، حتّى أطلق عليها الرومان “مخزن روما” لأهمّيّتها في إنتاج الحبوب والنبيذ.

الأصل اللّغوي والتطوّر الدلالي
التفسير اللّغوي لـ”حوران” بمعنى “أرض الكهوف” يعتمد على الجذر العروبي (السامي) ح.و.ر أو ח.ו.ר الذي يدلّ على التجويف والحفر:
- في الآرامية البابلية: حور חוּר ḥûr = كهف، حفرة
- في الآرامية الحديثة: حوراء חוּרָא ḥûrā = كهف، تجويف
- النسبة الجغرافية: حَوران חַוְרָן Ḥawrān = المكان ذو الكهوف
المسار التاريخي للتفسير
- المرحلة الآرامية القديمة (القرن 9-8 ق.م): عندما أطلق الآراميّون القدماء اسم “حوران” على هذه المنطقة، كانوا يصفون سمة جغرافية بارزة. لذا فالاسم حَوران hawrân مشتقّ من عدد الكهوف חור، חוּר في تلك المنطقة.
- التفسير يكتسب قوته من الواقع الجغرافي: الطبيعة البركانية للمنطقة التي تحتوي على كهوف طبيعية ومواقع جوفيّة عديدة، وكثير منها استُعمل قديماً للعبادة وكذلك مستودعات مياه. هذا ليس مجرّد تأويل لغوي، بل وصف دقيق لخصائص المنطقة الطبيعية.
آلية التكوين اللّغوي
الصيغة المورفولوجية: الجذر: ح.و.ر ח-ו-ר = كهف/حفر + النسبة المكانية: ـان (-ān) = حَوران חַוְרָן أي المكان الكهفي. هذه الصيغة شائعة في اللّغات العروبية (السامية) لتكوين أسماء الأماكن بناءً على خصائصها الجغرافية.

التأكيدات الأثرية والجغرافية
- الدلائل المادية: المساكن والمعابد تحت الأرض الموجودة في أجزاء مختلفة من المنطقة قد تكون قديمة جداً، والمنطقة تزخر بأطلال المدن، كثير منها له أبواب حجرية وجدران ضخمة
- الطبيعة الجيولوجية: توجد علامات عديدة على النشاط البركاني في المنطقة، والبراكين الخامدة الكثيرة على الجانبين الشرقي والغربي من الهضبة تعطي دليلاً على النشاط البركاني الواسع في عصور ما قبل التاريخ. هذا النشاط البركاني خلق التكوينات الكهفية الطبيعية.
تحدّيات التفسير
يعترض فيتزشتاين بأنّ المساكن في الكهوف ليست شائعة جدّاً في تلك المنطقة باستثناء شرق وجنوب شرق حوران، لكن هذا لا ينفي التفسير لأنّ الاسم نشأ في المنطقة الشرقية حيث تكثر الكهوف، ثمّ امتد الاسم ليشمل المنطقة الأوسع، كما أنّ التكوينات الجيولوجية البركانية تخلق تجاويف طبيعية.
التفسيرات البديلة والمكمّلة
- “الأرض المجوّفة”: اسم شوران يعني على الأرجح “الأرض المجوّفة” – وهو تفسير يكمل فكرة الكهوف ولا يعارضها، بل يوحي بأنّ الناس عدّت أن الأرض مجوّفة لكثرة من تُخرج من حمم البراكين والغازات السامّة.
- “الأرض السوداء”: في بعض المصادر ورد اسم الجبل والسهل “الأرض السوداء” نسبة إلى التربة البركانية – وهذا تفسير ثانوي يظهر لون التربة البركانية.
التفسير “أرض الكهوف” يستند إلى:
- جذر لغوي صحيح: ح.و.ر ח.ו.ר في اللّغات العروبية (السامية)
- واقع جغرافي: الطبيعة البركانية تخلق تجاويف وكهوف
- تأكيد أثري: وجود مساكن ومعابد تحت أرضية قديمة
- استمرارية تاريخية: الاسم محفوظ عبر حضارات مختلفة
هذا المسار اللّغوي يُظهر كيف تطوّر اسم جغرافي من وصف دقيق لخصائص المكان الطبيعية إلى اسم إقليمي ثابت عبر التاريخ.
من الآشوريين إلى الرومان (841 ق.م – 106 م)

العصر البابلي الجديد (605-539 ق.م)
بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عام 612 ق.م، انتقلت السيطرة على حوران إلى الإمبراطورية البابلية الجديدة تحت حكم نبوخذنصر الثاني (نَبو قُدُرّي أُصُر) 𒀭𒀝𒆪𒁺𒌨𒊏. خلال هذه الفترة، استمرّت المنطقة في الازدهار منطقة زراعية مهمّة، واستمرّ استخدام الاسم الآرامي “حوران” 𐡇𐡅𐡓𐡍 Ḥawrān في النقوش والوثائق الإدارية البابلية.
نظّم البابليون المنطقة جزء من ولاية “عبر النهر” עבר נהרא، وشهدت حوران في هذا العصر تطوّراً في أنظمة الري والزراعة، خاصّة زراعة القمح والشعير والكروم. تشير النقوش البابلية إلى وجود مراكز إدارية في المنطقة، وازدهار التجارة مع بابل عبر طريق الفرات.

العصر الآري الأخميني (539-332 ق.م)
مع فتح قورش الثاني 𐎤𐎢𐎽𐎢𐏁 لبابل عام 539 ق.م، أصبحت حوران جزءاً من الإمبراطورية الآرية الأخمينية. أبقى الأخمينيّون على النظام الإداري السابق إلى حد بعيد، ودُمجت المنطقة في الساتراپية الخامسة (عبر النهر) 𐎠𐎲𐎼 𐎴𐎵𐎼 (عبَر نَهار) التي شملت شرق المتوسّط وقبرص.
في هذا العصر، شهدت حوران ازدهاراً تجارياً كبيراً بفضل موقعها على طريق البخور والتوابل الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بدمشق وقنّسرين. تؤكّد النقوش الآرامية من هذه الفترة استمرار استخدام اسم “حوران” محلّياً، في حين تشير الوثائق الآرية إليها أحياناً باسم هَورنه 𐏃𐎠𐎢𐎼𐎴.
شهدت هذه الفترة وصول مجتمعات يهودية عربية طائية إلى المنطقة، خاصّة بعد مرسوم قورش بتحرير اليهود. واستقرّت بعض العائلات من عرب طيء في المدن الحورانية، ممّا أضاف بُعداً دينيّاً وثقافياً جديداً للمنطقة.

العصر الهلنستي: بين السلوقيّين والأنباط (332-64 ق.م)
فتحت استيلاء الإسكندر المقدوني Ἀλέξανδρος ὁ Μέγας عام 332 ق.م على الإمبراطورية الأخمينية صفحة جديدة في تاريخ حوران. إذ بعد وفاة الإسكندر وتقسيم إمبراطوريّته، وقعت المنطقة تحت سيطرة السلوقيّين، ورثة الإسكندر في آسيا.
أسّس السلوقيون مدناً هلنستية جديدة في المنطقة وأعادوا تنظيمها إدارياً. وأطلقوا على المنطقة اسم “أورانيتس” Αὐρανῖτις ترجمة إغريقية للاسم الآرامي الأصلي، وهو الاسم الذي استمرّ في الاستخدام الرسمي حتى العصر الروماني.
شهدت هذه الفترة ازدهاراً حضارياً مميّزاً، امتزجت فيه الثقافة الهلنستية مع التقاليد المحلّية العربية الآرامية والطائية. فبُنيت معابد جديدة على الطراز الإغريقي، وتطوّرت الفنون والعمارة، كما ازدادت أهمّية المنطقة التجارية.
من الجنوب، بدأ النفوذ النبطي يمتدّ تدريجيّاً نحو حوران. سيطر الأنباط، الذين أسّسوا مملكة قوية عاصمتها البتراء، على أجزاء من جنوب حوران وأقاموا محطّات تجارية مهمّة. أضاف هذا التداخل النبطي عنصراً عربيّاً جديداً إلى المنطقة، وظهرت نقوش نبطية باللّغة العربية جنباً إلى جنب مع النقوش الآرامية والإغريقية.
جعلت الصراعات بين السلوقيّين والأنباط والممالك المحلّية حوران منطقة حدودية متنازع عليها، لكنّها حافظت على ازدهارها الاقتصادي بفضل موقعها الاستراتيجي. نهاية هذه الحقبة جاءت مع وصول القائد الروماني پومپيوس Gnaeus Pompeius Magnus عام 64 ق.م، الذي ضمّ المنطقة نهائيّاً إلى الإمبراطورية الرومانية.
شهدت هذه القرون السبعة تحوّلات جذرية في الهوية الثقافية للمنطقة: من الهيمنة الآرامية في العصر البابلي، إلى التأثير الآري والتنوّع الديني، وصولاً إلى الهلينة والتأثير العربي النبطي. كل هذه التأثيرات تراكمت لتشكل الهوية المركّبة للمنطقة التي ورثها الرومان، وهي هوية ستستمر في التطوّر عبر العصور اللّاحقة.
عصر القبائل جنوب العربية: من الغساسنة إلى بني هلال
شهدت العصور الوسطى تحوّلاً جذرياً في هوية المنطقة مع وصول قبائل عربية جنوبية متتالية. استقرّ الغساسنة، قبيلة الأزد اليمنية القحطانية، في حوران عام 220 م تقريباً بعد هجرتهم من اليمن إثر صراع سياسي. أسّسوا مملكة إميّة ثمّ مسيحيّة قوية بعاصمتهم في الجابية، وأدّوا دوراً مهمّاً حلفاء للبيزنطيّين حتى الفتح الإسلامي عام 636 م.
الفترة الانتقالية: من الفتح الإسلامي إلى الاستقرار (636-1050 م)

الفتح الإسلامي وإعادة التنظيم الإداري (636-661 م)
خلال الجزء الأكبر من عصر الإسلام (636-1918) حتى الحكم العثماني (1517-1917)، قُسّمت حوران إلى منطقتي البطانية (عن Βατάναια) وطوران (أي الجبال)، التي تتوافق مع منطقتي باتانيا Βατάναια وأورانيتس Αὐρανῖτις. وصف الجغرافيّون المسلمون في العصور الوسطى هذه المناطق بأنّها مزدهرة وجيّدة المياه ومكتظّة بالسكّان.
احتفظت المنطقة في الأدبيات الجغرافية العربية باسمها التاريخي “حوران”، ممّا يؤكّد الاستمرارية الحضارية برغم التغيّرات السياسية. كما بقيت أهمّيّتها الاستراتيجية مخزن للحبوب. إذ تحت حكم الرومان، كانت حبوب باتانيا Batanaea ونبيذ أورانيتس Auranîtis تُهيمن على التجارة عبر الإمبراطورية، وطوال تاريخها، كانت حوران المصدر الرئيس لحبوب الشام وحلب.

العصر الأموي والقبائل الطائية (661-750 م)
شهدت هذه الفترة وصول قبائل عربية جديدة، أبرزها قبائل طائية وفروعها من الجزيرة العليا. آل ربيعة بطن من طيء وينسبون إلى جدّ لهم اسمه ربيعة وكان من نسله أمراء في أيام صلاح الدين. أدّت هذه القبائل الطائية الشمالية دوراً مهمّاً في ترسيخ الطابع الإسلامي للمنطقة بعد الفتح.
شهدت المنطقة أيضاً وصول الجوامسة الذين جاؤوا من مكّة المكرمة وهم من سلالة بن نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي أبناء عم عمر بن الخطّاب وشاركوا في معركة اليرموك.
العصر العبّاسي والتحوّلات القبلية (750-1050 م)
خلال هذه الفترة، شهدت حوران موجات هجرة متتالية من القبائل العربية من وسط الجزيرة العربية والعراق. دفع وصول عشائر الظعن من قبيلة بني ربيعة في القرن الرابع عشر إلى بعض عدم الاستقرار في المنطقة، لكنّهم أصبحوا في النهاية سكّاناً قارّيين.
سكن حوران عدد من القبائل العربية التي جاء اغلبها من وسط شبه الجزيرة العربية، وما لبثت حتى أصبحت من أقوى العشائر في حوران والمسيطرة على أراضي شاسعة منها، وهم عشائر عرب العمري وعشيرة المحاميد، وعشائر الزعبي والحريري والمسالمة والرفاعي والنعيم وغيرها من العشائر.

قبائل السرحان والسردية (القرون 9-10 م)
قبل وصول بني هلال، كانت قبيلة السرحان وهي على رأس حلف قبائلي ضخم «العيسى الفحيلي الفضل» تبسط سيطرتها على حوران إلى نحو عام 1650م، إلى أن نازعت السردية السرحان وانتزعت منها رأسة الحلف، فانتقلت زعامة حوران إلى السردية وحلفها بقيادة محفوظ السردي.
خلال هذه القرون الأربعة، احتفظت المنطقة باسم “جبل حوران” التاريخي في المصادر الجغرافية والإدارية الإسلامية، ممّا يشير إلى استمرارية الهوية الجغرافية برغم التحوّلات السياسية والديموغرافية. لكن التحوّل الأكبر في تسمية الجبل جاء مع وصول قبيلة بني هلال في النصف الأوّل من القرن الحادي عشر الميلادي. هذه القبيلة العربية القوية، التي هاجرت من نجد بسبب الجفاف والمجاعة، استوطنت المنطقة وأطلقت اسمها على الجبل.
أصبح “جبل بني هلال” الاسم الرسمي المستخدم من قبل الجغرافيّين والمؤرّخين العرب حتى بعد عام 1052م، عندما هجرت القبيلة المنطقة نهائيّاً متّجهة إلى شمال أفريقيا جزء من الهجرات الهلالية الكبرى. برغم ترك الهلاليّين للمنطقة بقيت بعض المصادر الرسمية على تسمية المنطقة جبل بني هلال أو جبل الهلالية، في حين عادت مصادر غيرها (مثل العثمانية) إلى استعمال تسمية جبل حوران.
خلال الفترة العثمانية، احتفظت المنطقة بأهمّيّتها محطّة رئيسة على طريق الحجّ الشامي الذي امتدّ لـ 1307 كيلومتر من دمشق إلى المدينة المنورة. أكّد إنشاء سنجق حوران عام 1579م وحدة إدارية منفصلة بعاصمتها درعا على الاستمرارية التاريخية لاسم حوران، برغم التغيّرات السياسية والديموغرافية.

الفصل الدرزي: نحو هوية جديدة
التحوّل الأكبر في تاريخ الجبل وتسمياته بدأ مع الاستيطان الدرزي الأوّل عام 1685، عندما وصل الأمير علم الدين وعائلة الحمدان مع حوالي 200 عائلة من لبنان. لكن الموجة الحاسمة جاءت عام 1711 بعد معركة عين دارا بين الفصائل الدرزية اللّبنانية، هُزم الفصيل اليماني من الدروز وهاجروا جماعياً إلى حوران. شكّلت هذه الموجة النواة الأساسية للوجود الدرزي في الجبل.
الأسباب وراء هذه الهجرة كانت متعدّدة: الصراعات السياسية الداخلية في لبنان، البحث عن الاستقلالية من السلطة العثمانية المركزية. الطبيعة الجبلية الدفاعية وخصوبة الأراضي البركانية جعلت حوران ملاذاً مثالياً لهذه المجتمعات الطائفية.
وصلت موجة ثالثة مهمّة عام 1860 بعد الحرب الأهلية في جبل لبنان بين الدروز والموارنة، ممّا دعم الوجود الدرزي وزاد أعدادهم بشكل كبير. خصوصاً مع مساعي آل الأطرش لصناعة إمارة درزية في المنطقة، وزّعت ولاءها المطلق بين الإمبراطورية البريطانية وجماعة محمّد علي في القاهرة.
خلال قرن ونصف، تحوّلت التركيبة الديموغرافية جذرياً بالمجازر والتهجير: أصبح الدروز الأغلبية الساحقة (90%) وتقلّصت نسبة المسيحيّين والمسلمين الذين كانوا يشكّلون غالبية السكّان الأصليّين، واختفى اليهود. وانعكس هذا التحوّل الديموغرافي تدريجيّاً على التسميات.

في حقبة الاحتلال المصري العلوي للشام وحلب بحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأ استخدام تسمية “جبل الدروز” وصف واقعي للهيمنة الدرزية على المنطقة. ترسّخت الزعامات الدرزية، أولاً عائلة الحمدان ثم آل الأطرش منذ 1876، قوّة سياسية مستقلّة فعلياً عن السلطة العثمانية المركزية.
الانتداب الفرنسي وولادة “جبل العرب”
وصول عساكر الفرنسيّين عام 1920 واتّباعهم لسياسة “فرِّق تسُد” خلق واقعاً جديداً. في 1 أيّار مايو 1921، تأسّست “دولة جبل الدروز” واحدة من ستّ دويلات منفصلة أنشأها الانتداب الفرنسي لتجزئة سوريا ومنع ظهور هوية وطنية موحّدة. هذا كان أوّل اعتراف رسمي دولي بتسمية “جبل الدروز” اسم لكيان سياسي.
لكن المفارقة أنّ هذا الاعتراف الرسمي بالتسمية الدرزية جاء في الوقت الذي بدأت فيه النخبة الدرزية ترفض الطابع الطائفي الانفصالي. رفع سلطان باشا الأطرش، الذي أصبح رمز المقاومة الدرزية، شعار “الدين لله والوطن للجميع” ورفض العروض الفرنسية بمنح “جبل الدروز” استقلالاً منفصلاً عن سوريا.

شكّلت ثورة 1925-1927، المعروفة بالثورة السورية الكبرى، نقطة تحوّل حاسمة. قادها سلطان الأطرش من جبل الدروز لكنّها امتدّت لتشمل كامل سوريا، مؤكّدة الطابع القومي وليس الطائفي للمقاومة. أثبتت انتصارات الثوّار في معارك الكفر والمزرعة وصلخد أنّ “جبل الدروز” أصبح معقلاً للمقاومة القومية العربية.
دفع هذا التطوّر الفرنسيّين لإعادة النظر في سياساتهم. وفي الثلاثينيات، بدأ استخدام تسمية “جبل العرب” رسميّاً بديل لـ”جبل الدروز”، وذلك لسببين رئيسين: تجنّب التأكيد على الطابع الطائفي، والاعتراف بالدور القومي العربي الذي لعبته المنطقة في الثورة. عام 1937، أصبح “جبل العرب” هو الاسم الرسمي الذي تبنّته السلطات الفرنسية واستمرّ بعد الاستقلال.
التحدّيات المعاصرة والتنوّع في التسميات
منذ استقلال سوريا عام 1946، اعتُمدت “محافظة السويداء” اسم إداري رسمي، في حين ظلّ “جبل العرب” هو الاسم الجغرافي المعتمد للجبل نفسه. هذا الثنائية في التسمية توضح محاولة توازن بين الواقع الديموغرافي والتطلّعات السياسية.
يُظهر الواقع المعاصر تنوّعاً في الاستخدام يعتمد على السياق: تستخدم الحكومة السورية رسميّاً “محافظة السويداء” و”جبل العرب”، ويميل الإعلام العربي لـ”جبل الدروز” أو “السويداء”، والسكّان يستخدمون تسميات متنوّعة حسب انتماءاتهم والسياق.
أثّرت الأحداث السياسية الحديثة على استخدام التسميات. خلال الثورة السورية (2011-2024)، برزت حساسيّات جديدة للتسميات الطائفية. أحيت النزاعات الأخيرة في تمّوز يوليو 2025 بين ميلشيات درزية وقبائل عربية الجدل حول الهوية والانتماء، مع عودة استخدام التسميات الطائفية في تغطية الأحداث.

ما وراء الأسماء: الدلالات العميقة
تطوّر تسميات جبل حوران يحكي قصّة أكبر من مجرّد تغيير أسماء – هي قصّة التحوّلات الحضارية والديموغرافية والسياسية في الشام. كل اسم حمل معه رؤية للهوية والانتماء: “حوران” الجغرافي القديم، “جبل بني هلال” القبلي العربي، “جبل الدروز” الطائفي، و”جبل العرب” القومي.
اليوم، يوضح استمرار التنوّع في التسميات التعقيدات المعاصرة في تحديد الهوية. تجعل التركيبة الديموغرافية (90% دروز، 7% مسيحيّون، 3% مسلمون) من الصعب إيجاد تسمية واحدة ترضي جميع الطوائف. تذكّر الحساسيّات الطائفية التي برزت خلال النزاعات الأخيرة بأنّ مسألة الأسماء ليست مجرّد قضية أكاديمية، بل تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية عميقة.

خلاصة رحلة عبر الزمن
جبل حوران – جبل العرب – جبل الدروز – السويداء: أربع أسماء لمنطقة واحدة، كل منها يحكي فصلاً من فصول التاريخ الطويل لهذه المنطقة الفريدة. من الحضارات القديمة التي صاغت اسم “حوران” الآرامي، مروراً بالقبائل العربية التي تركت بصمتها، وصولاً إلى الاستيطان الدرزي الذي غيّر وجه المنطقة نهائيّاً، والحقبة الاستعمارية التي أنتجت تسمية “جبل العرب” تعبير عن التطلّعات القومية.
الدرس الأعمق من هذه الرحلة التاريخية أنّ الأسماء ليست مجرد تسميات، بل نتيجة للهويّات والتطلّعات والصراعات. في عالم اليوم المتغيّر، تستمرّ منطقة جبل حوران في البحث عن توازن بين تراثها التاريخي الغني وواقعها المعاصر المعقّد، محتفظة بكل أسمائها شواهد على رحلة حضارية استمرت آلاف السنين.
تبقى المنطقة، تحت أي اسم تُعرف به، شاهداً على قدرة التاريخ على تشكيل الهويات وإعادة تشكيلها، وعلى أن الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة تتضافر لتخلق هويات معقدة متعددة الطبقات، تستحق الفهم والاحترام في تنوعها وعمقها التاريخي.
المراجع
- Grayson, A. Kirk (1996). The Royal Inscriptions of Mesopotamia: Assyrian Periods, Volume 3. Toronto: University of Toronto Press. يحتوي على نقوش شلمنصر الثالث التي تذكر حوران عام 841 ق.م
- Layard, Austen Henry (1850). Inscriptions in the Cuneiform Character from Assyrian Monuments. London: Harrison and Sons. المصدر الأصلي لاكتشاف النقوش الآشورية المتعلقة بحوران
- Burckhardt, Johann Ludwig (1822). Travels in Syria and the Holy Land. London: John Murray. رحلات بوركهارت في سوريا والأراضي المقدسة بين 1810-1816، مع خرائط ووصف مفصل لحوران
- de Vogüé, Charles-Jean-Melchior (1865-1877). Syrie centrale: Architecture civile et religieuse du Ier au VIIe siècle. 2 volumes. Paris: J. Baudry. العمل الأساسي في الآثار السورية، يوثق المسوحات الأثرية في حوران بين 1860-1862
- Butler, Howard Crosby (1907-1916). Syria: Publications of the Princeton University Archaeological Expeditions to Syria in 1904-5 and 1909. 4 volumes. Leiden: E.J. Brill. التوثيق الأكثر شمولية للآثار في حوران، قسم العمارة الجنوبية
- Butler, Howard Crosby; Littmann, Enno; Prentice, William Kelly (1909). Ancient Architecture in Syria: Section A, Southern Syria. Leiden: Brill. دراسة معمارية مفصلة لجنوب سوريا بما في ذلك حوران
- Prentice, William Kelly (1908). Greek and Latin Inscriptions: Section B, Northern Syria. Leiden: Brill. نقوش إغريقية ولاتينية من شمال سوريا ضمن بعثات پرنستون
- Littmann, Enno (1914). Semitic Inscriptions: Section A, Nabataean Inscriptions from Southern Haurân. Leiden: Brill. النقوش النبطية من جنوب حوران ضمن منشورات بعثات پرنستون
- Istakhri, Abu Ishaq al- (القرن العاشر الميلادي). كتاب المسالك والممالك. وصف جغرافي للمناطق الإسلامية في القرون الوسطى، يذكر حوران والبطانية
- Waddington, William Henry (1870). Inscriptions grecques et latines de la Syrie. Paris: Firmin-Didot. مجموعة شاملة للنقوش الإغريقية واللاتينية من سوريا
- Dussaud, René (1927). Topographie historique de la Syrie antique et médiévale. Paris: Paul Geuthner. دراسة طوپوگرافية تاريخية شاملة لسوريا القديمة والوسيطة
- Sartre, Maurice (1985). Bosra: Des origines à l’Islam. Paris: Paul Geuthner. دراسة تاريخية شاملة لبصرى، العاصمة التاريخية لحوران
- Dentzer, Jean-Marie (1986). Hauran I: Recherches archéologiques sur la Syrie du Sud à l’époque hellénistique et romaine. 2 volumes. Paris: Paul Geuthner. البحوث الأثرية الفرنسية الحديثة في جنوب سوريا
- Hartal, Moshe (1992). “The Settlement of the Hauran in the Islamic Period.” In Palestine in the Muslim Period. Jerusalem: Israel Antiquities Authority. دراسة الاستيطان في حوران خلال الفترة الإسلامية
- Encyclopedia Britannica (1998). “Shalmaneser III.” London: Encyclopedia Britannica Inc. مدخل موسوعي عن الملك الآشوري شلمنصر الثالث
- Encyclopaedia Judaica (2007). “Auranitis.” Jerusalem: Keter Publishing House. مدخل عن أورانيتس في الموسوعة اليهودية
- The Oxford Encyclopedia of Archaeology in the Near East (1997). “Hauran.” Oxford: Oxford University Press. مدخل أثري شامل عن حوران
- Josephus, Flavius (translated by William Whiston). Antiquities of the Jews and The Jewish War. المصدر الأساسي لتاريخ أورانيتس في العصر الروماني
- Strabo (translated by Horace Leonard Jones). Geography. الوصف الجغرافي الكلاسيكي لمنطقة حوران
- Ptolemy, Claudius (translated by J. Lennart Berggren). Geography. الجغرافيا البطلمية التي تذكر أورانيتس
- Betts, Robert Brenton (1988). The Druze. New Haven: Yale University Press. دراسة شاملة عن الدروز وتاريخهم في جبل العرب
- Firro, Kais M. (1992). A History of the Druzes. Leiden: E.J. Brill. تاريخ الدروز والهجرات الدرزية إلى حوران
- Oppenheimer, Aharon (1977). The ‘Am Ha-Aretz: A Study in the Social History of the Jewish People in the Hellenistic-Roman Period. Leiden: Brill. دراسة اجتماعية للفترة الهلنستية-الرومانية في المنطقة
- Archives Nationales de France, Fonds Vogüé (567 AP 215-229). Paris. أرشيف عائلة دو ڤوگه المحفوظ في الأرشيف الوطني الفرنسي
- Princeton University Archives: Howard Crosby Butler Papers. أوراق هوارد كروسبي بطلر المحفوظة في أرشيف جامعة پرنستون
- Conder, Claude Reignier (1889). Palestine Geological Map, showing Hauran. London: Palestine Exploration Fund. خريطة جيولوجية تظهر حوران من أعمال صندوق استكشاف فلسطين
- Smith, George Adam (1915). Historical Atlas of the Holy Land. London: Hodder and Stoughton. أطلس تاريخي يتضمن خرائط مفصلة لحوران
- JSTOR Digital Archive: مقالات من American Journal of Archaeology و Proceedings of the American Philosophical Society حول بعثات پرنستون في سوريا.
- British Museum Collections Online: النقوش الآشورية والمسلة السوداء لشلمنصر الثالث.
- Princeton University Digital Archives: مجموعة هوارد كروسبي بطلر الرقمية من البعثات السورية.





اترك رد