انهيار نظام الأسد في كانون الأول ٢٠٢٤ كشف ظاهرة مثيرة للجدل: استغاثة بعض الأقلّيات السورية بإسرائيل طلباً للحماية. تكثّفت طلبات قوّات سوريا الديمقراطية “قَسَد” للدعم الإسرائيلي بعد فقدان حليفها نظام الأسد، ووصلت رسائل استغاثة علوية إلى الصحافة الإسرائيلية تطلب التدخّل العسكري مع رفع العلم الإسرائيلي تحت مسمّى “الحماية الدولية”، ورُفع العلم الإسرائيلي في ساحة السويداء الدرزية عدّة مرّات مع استدعاء مباشر للجيش الإسرائيلي ودعوته لاحتلال الأراضي السورية.
تطرح هذه الأحداث الموثّقة تساؤلات عميقة حول جذور هذه الظاهرة ودوافعها، وتستدعي تحليلاً شاملاً للعوامل التاريخية والنفسية والاجتماعية التي تقف وراء سعي بعض الأقلّيات السورية للتحالف مع القوى الخارجية المعادية. المفارقة هنا أنّ هذه الأقلّيّات حكمت سوريا وقمعت شعبها ست عقود بحجّة الدفاع عن استقلالها ضدّ هذا العدوّ التقليدي.
براگماتية القوّة فوق الخطاب الأيديولوجي
ميل بعض الأقلّيات السورية للاستعانة بإسرائيل خلال الحرب السورية وبعد سقوط نظام الأسد ظاهرة براگماتية للحفاظ على النفوذ والامتيازات تحكمها حسابات القوّة وليس تفضيلات أيديولوجية ولا خوف من الأغلبية. هو طلب الحفاظ على التفوّق على الأغلبية. هذا السلوك، الذي يبدو صادماً للمراقبين، ينبع من خلل هيكلي في بناء الدولة السورية طوال القرن العشرين التي أسّست نظاماً طائفيّاً منح الأقلّيّات امتيازات سياسية وعسكرية وأمنية على حساب الأغلبية.
لا تختار هذه الأقلّيات “العدوّ التقليدي” بناء على القناعة، بل تحسب أنّ الحفاظ على المكتسبات أهمّ من الاتّساق الأيديولوجي، خاصّة عندما تواجه فقدان السيطرة التي مارستها ستّ عقود. وجذور هذه الظاهرة ضاربة في التاريخ، بدءاً من الحرب الأهلية الشامية (١٨٣٤-١٨٦١) مروراً بسياسات الانتداب الفرنسي “فرّق تسُد” وصولاً إلى عقود الحكم البعثي.

الجذور التاريخية: الحرب الأهلية الشامية والدرس المنسي
إرهاصات المأساة وولادة النزاع الطائفي
نبحث عن جذور ظاهرة استعانة الأقلّيات السورية بالقوى الخارجية المعادية، نجد أنفسنا أمام تاريخ مديد من التلاعب الأجنبي والاستغلال البراگماتي للتناقضات المحلّية. الشام التي عاشت أكثر من اثني عشر قرناً دون نزاعات طائفية مدمّرة، شهدت في منتصف القرن التاسع عشر انهياراً مأساويّاً حوّل أبناء الوطن الواحد إلى أعداء يتناحرون، والجيران إلى قتلة يتربّصون ببعضهم.
انفجر هذا النزاع الأهلي نتيجة التسابق الاستعماري الأوروپي الشرس على النفوذ في المشرق العربي. فرنسا وبريطانيا وروسيا، كلٌّ منها سعت لترسيخ موطئ قدم لها عبر استمالة طائفة معيّنة وتسليحها ضدّ الأخرى. احتضنت فرنسا الكاثوليك واللّاتين، ومدّت بريطانيا نفوذها إلى اليهود والدروز، وادّعت روسيا حماية الأرثوذكس.
اندلعت شرارة الأحداث مع ثورة الفلّاحين السوريّين عام ١٨٣٤ ضدّ الحكم المصري الطارئ، لكن سرعان ما تحوّلت هذه الثورة الشعبية إلى مذابح طائفية متبادلة. مذبحة يهود دمشق عام ١٨٤٠ وقعت بتحريض مباشر من القنصل الفرنسي، تلتها مذبحة مسيحيّي حلب عام ١٨٥٠، وتصاعدت الأحداث بوتيرة متسارعة حتّى بلغت ذروتها الدموية في جبل لبنان ودمشق عام ١٨٦٠.
النمط واضح: وعدت بريطانيا الدروز بإمارة جبل لبنان مقابل تحالفهم معها ضدّ النفوذ الفرنسي والمصري. صدّق الدروز الوعود البريطانية وانتصروا في المعارك الأولى انتصاراً ساحقاً مصحوباً بمجازر وحشية. لكن فرنسا ردّت بإرسال ستة آلاف جندي فرضوا سيطرة المسيحيّين على الجبل وطردوا الدروز منه نهائيّاً. دفعت الهزيمة المذلّة بريطانيا لنقل “أدواتها” الدرزية إلى جبل حوران، محاولةً تأسيس إمارة بديلة على مرمى حجر من دمشق.
الحصيلة الكارثية وتأسيس نمط التبعية
تحكي الأرقام حجم المأساة: بين سبعة عشر ألفاً وعشرين ألف مسيحي قُتلوا على يد الدروز في جبل لبنان والمناطق المجاورة. خلّفت المذابح خمسة آلاف أرملة وستة عشر ألف يتيم، دُمّرت ثلاثمائة وثمانون قرية بالكامل، حُطّمت خمسمائة وستون كنيسة، أُحرق اثنان وأربعون ديراً. دمشق وحدها خسرت خمسة وأربعين بالمائة من سكّانها بين قتيل ونازح ومهاجر إلى الأمريكيتين.
لكن الأهمّ من الأرقام المرعبة هو النمط الذي أرسته هذه الأحداث: الاعتماد على الحماة الخارجيّين والتحالف مع الأعداء التقليديّين طلباً للنفوذ والهيمنة. اكتشف الدروز أنّ الوعود البريطانية خدعة، وأنّ انتصاراتهم العسكرية الساحقة لم تمنع خسارتهم لجبل لبنان نهائيّاً، بل جعلتهم منبوذين من جيرانهم المسيحيّين والمسلمين ومكروهين من الرأي العام العربي والدولي.
هكذا وُلد نظام المحاصّصة الطائفية في الشام، وترسّخت عقلية اللّجوء للخارج عوضاً عن بناء الوطن المشترك. كل طائفة باتت تبحث عن حامٍ أجنبي يضمن لها التفوّق على الطوائف الأخرى، وكل قوّة خارجية وجدت في هذا التشرذم فرصة ذهبية لتعميق نفوذها وإضعاف المنطقة.

سياسات الانتداب: ترسيخ إرث التفتيت والهيمنة
أُسُس التقسيم الإداري وخدمة المصالح الاستعمارية
انطلقت عملية تفكيك الوحدة الإدارية للشام من سنة ١٨٦٠، عندما بدأت القوى الأوروپية تحويل الإيالات العثمانية إلى متصرّفيات تخضع لإدارة الشركات الفرنسية والبريطانية. تسارعت العملية سنة ١٨٦٤ عندما مارست بريطانيا ضغوطاً شديدة على الدولة العثمانية لإصدار قانون الولايات المركزي، قانون ألغى صلاحيّات الإيالات وامتيازاتها الذاتية وحوّلها إلى ولايات تابعة مباشرة للسلطان (المحكوم من بريطانيا وفرنسا).
مهّد التفتيت الإداري الطريق أمام المشروع الاستعماري الأكبر: تقسيم الشام إلى كيانات متناحرة تسهل السيطرة عليها. أدركت القوى الأوروپية أنّ الشام الموحّدة قوّة لا يُستهان بها، بسبب موقعها الاستراتيجي، أمّا الشام المقسّمة فغنيمة سهلة للتحكّم وفقدان السيطرة.
إرساء نظام الكيانات الطائفية المنفصلة
أرست سياسات الانتداب الفرنسي بين عامي ١٩٢٠ و١٩٤٦ الأساس الهيكلي لمعضلة الأقلّيات السورية المعاصرة. أسّست فرنسا دولاً منفصلة للعلويّين والدروز، فنشأت الدولة العلوية بين عامي ١٩٢٠ و١٩٣٦، ودولة جبل الدروز التي جاءت إرضاءً للمكاسب البريطانية في المنطقة. منح هذا التقسيم الأقلّيّات ستّة عشر عاماً كاملة من الحكم الذاتي والاستقلال عن سوريا (خالطها التهجير والتركيز الطائفي)، قبل أن تُجبر فرنسا على دمجها قسريّاً في الدولة السورية الموحّدة.
غرست التجربة في ذاكرة هذه الأقلّيّات الجماعية حنيناً عميقاً للاستقلال الذاتي والهيمنة على أراضيها و«تطهريها» الطائفي، وعزّزت اعتقادها بأنّ أمانها وازدهارها مرهونان بالاعتماد على حماة خارجيّين وليس بالاندماج في النسيج الوطني السوري. الأخطر أنّ هذه التجربة علّمت الأقلّيّات أنّ القوى الخارجية مستعدّة دائماً لاستخدامها أدوات في صراعاتها الجيوسياسية، وأنّ التحالف مع هذه القوى – مهما كان مؤقّتاً – يحقّق مكاسب فورية ملموسة.
تضارب المشاريع الوطنية وتعميق الانقسام
شهدت الفترة بين الاستقلال عام ١٩٤٦ وصعود نظام الأسد عام ١٩٧٠ تنافساً محتدماً بين رؤيتين متناقضتين للهوية الوطنية السورية. القومية السورية الجغرافية، التي روّج لها أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي (بدعم ألماني)، طرحت رؤية شاملة وعلمانية تضمّ جميع سكّان سوريا الطبيعية مواطنين متساوين بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية. هدّدت هذه الرؤية امتيازات الأقلّيّات التي اعتادت الحكم الذاتي تحت الانتداب. كما هدّد مشروع سعادة مصالح «الحلفاء» أعداء دول «المحور» فزال معهم.
تمثّل المشروع المنافس في القومية العربية البعثية التي هيمنت على المشهد السياسي تدريجيّاً. البعث العربي، برغم شعاراته العلمانية، مارس تمييزاً واضحاً ضدّ الأقلّيّات غير العربية، خاصّة التركمان والأكراد والآشوريّين. دفع هذا التمييز هذه الأقلّيّات للبحث عن حلفاء خارجيّين يحمون مصالحها ويضمنون بقاءها. كما أنّ المشروع البعثي صار أداة لكبت الهوية الوطنية تحت دعايات الهوية العربية الجامعة بصفات متغرّبة لا تمتّ للتراث العربي بأيّ صلة. فصارت مقاومة التغريب معارضة للهوية العربية القومية المفروضة، وصار الحزب القومي العربي هكذاً معاد للهوية العربية.
خلق التناقض بين المشروعين من جهة، وبين الشروعين والهوية العربية من جهة، فراغاً استراتيجيّاً استغلّته القوى الخارجية لتعميق نفوذها. كل مشروع وطني وجد نفسه مضطرّاً للاستعانة بحلفاء أجانب لمواجهة المشروع المنافس، وتحوّلت هكذا سوريا إلى ساحة صراع بالوكالة بدلاً من أن تكون وطناً موحّداً لجميع أبنائها.

انقلاب نظام الأسد: من دولة المواطنة إلى حكم الأقلّية المسلحة
جاء صعود حافظ الأسد عام ١٩٧٠ ليحوّل سوريا جذريّاً من دولة تسعى للمواطنة المتساوية إلى نظام تهيمن عليه أقلّية علوية مسلّحة. وضع الأسد العلويّين في مناصب أمنية وعسكرية رئيسة (٩٠٪ من ضبّاط النخبة)، ممّا خلق نظام حماية متبادلة بين النظام والطائفة العلوية.
لكن هذا النجاح قصير المدى خلق واقعاً مختلفاً: ربط مصير الطائفة بمصير النظام، وأسّس لحكم أقلّية مسلحة على أغلبية مقموعة. الأغلبية السنّية لم تشكّل تهديداً حقيقيّاً للأقلّيّات في سوريا، بل كانت الأقلّية العلوية المسلّحة هي التي مارست القمع الممنهج ضدّ الأغلبية السنّية طوال خمس عقود.
استخدم النظام العلوي الطيران الحربي لقصف المدن السورية وقتل مئات الآلاف من المدنيّين، وأسّس شبكة سجون ومعتقلات أباد فيها أكثر من ٢٥٠ ألف معتقل سوري. وعندما اندلعت الثورة السورية عام ٢٠١١، كانت الاحتجاجات سلمية في البداية ولم تحمل أي طابع طائفي أو تهديد للأقليات.
الأمثلة المعاصرة: من الطلبات المباشرة إلى التدخل العسكري

استغاثات الأكراد بالحلف الإسرائيلي
وثّقت مصادر إسرائيلية رسمية طلباً مباشراً من وحدات حماية الشعب الكردية YPG للحكومة الإسرائيلية في كانون أوّل ٢٠٢٤ للمساعدة في الحفاظ على قاعدة قوّتهم في شمال شرق سوريا. جاء هذا الطلب وسط مخاوف من انسحاب أمريكي محتمل وتهديدات تركية متزايدة.
أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في تشرين ثاني ٢٠٢٤ أن إسرائيل يجب أن تشكّل “تحالفاً طبيعيّاً” مع الأمّة الكردية، واصفاً الأكراد بأنّهم “حليفنا الطبيعي”. لكنّ هذا التحالف يواجه تعقيدات داخلية وخارجية. داخليّاً، ينقسم الأكراد السوريّون بين فصائل مؤيّدة ومعارضة للتعاون الإسرائيلي.
رسائل العلويّين بعد سقوط الأسد
شهدت الأشهر التي تلت سقوط نظام الأسد حوادث فردية ضدّ بعض العلويّين، لكن الأمر لم يرتق إلى مستوى المذابح المنهجية كما يُروّج. وصلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية رسائل مباشرة من بعض السكّان العلويّين: “أتواصل معكم باسم ملايين من أفراد الأقلّية العلوية. نحتاج مساعدتكم ونعلم أنّكم أملنا. تعالوا إلينا، سيكون هناك ملايين ينتظرونكم ويقفون إلى جانبكم.”
هرب حوالي ٩٠٠٠ علوي إلى القاعدة الروسية في حميميم قرب جبلة طلباً للحماية الدولية، ممّا يُظهر نمطاً تاريخيّاً للّجوء إلى القوى الخارجية عندما تفقد الأقلّية المسلحة سيطرتها على الدولة.
حاولت بعض فصائل العلويّين ارتكاب مجازر بحقّ جيرانهم السنّة، فتدخّلت القوّات الحكومية وفرضت التهدئية بالقوّة … اتّهمت زعامات العلويّين واللّيبراليّين السوريّين هذه التهدئة بأنّها مجازر بحقّ العلويّين، تبيّن زيف ادّعاءاتها لاحقاً.

انقسامات الدروز حول الحماية الإسرائيلية
شهدت محافظة السويداء انقسامات حادّة حول طلب الحماية الإسرائيلية. في تمّوز ٢٠٢٥، شنّت إسرائيل غارات جوية على دمشق قصفت فيها قيادة أركان الجيش السوري بحجّة حماية الأقلية الدرزية، لكن ردود الفعل الدرزية كانت متباينة. رُفع العلم الإسرائيلي في ساحة السويداء الرئيسة، سرعان ما مُزق وأُحرق من قبل دروز آخرين فأعادت فصائل درزية مسلّحة رفع العلم الإسرائيلي من جديد.
اثنان من الزعماء الروحيّين الثلاثة الرئيسين (الشيخان حمّود الحنّاوي ويوسف جربوع) أكّدا على الهوية السورية ورفضا الوصاية الإسرائيلية، في حين دعا الشيخ حكمت الهجري وحده للحماية الإسرائيلية مستعيناً بفصائله المسلّحة المسيطرة على أغلب محافظة السويداء. رفض ليث البلعوس، قائد ميليشيا “رجال الكرامة”، الحماية الإسرائيلية قائلاً: “نحن أهالي محافظة السويداء نرفضها ولا نقبل بها.”
استعانت فصائل الهجري بالحماية الإسرائيلية لتهجير جميع المسلمين عن مدينة السويداء وارتكاب مجازر فظيعة بحقّ رافضي التهجير، وتدخّلت القوّات الحكومية لإنقاذ المحاصَرين ونقلهم إلى محافظة درعا المجاورة.

التحليل النظري:
معضلة فقدان السيطرة والبراگماتية السياسية
نظرية فقدان هيمنة الأقلّيّات الحاكمة
تطبّق نظرية انهيار أنظمة الأقليات الحاكمة تفسيراً مقنعاً لسلوك بعض الأقليات السورية. عندما تنهار سلطة النظام الذي منحها الامتيازات، تواجه الأقلّيّات الحاكمة سابقاً معضلات البقاء السياسي الحادّة حيث يؤدّي فشل الحفاظ على القوّة إلى افتراضات فقدان المكتسبات، في حين تجعل مشاكل إعادة الاندماج من المستحيل ضمان قبول الأغلبية بها شريك متساو.
في هذه الظروف، تحسب الأقلّيّات أنّ الحماية الخارجية – حتّى من الأعداء التقليديّين – تقدّم احتمالات حفظ امتيازات أفضل من الاعتماد على المصالحة الوطنية الحقيقية. هذا السلوك لا يختلف عمّا فعله الدروز عام ١٨٦٠ عندما تحالفوا مع البريطانيّين ضدّ الموارنة المدعومين فرنسيّاً.
نظرية هورويتز المُعدَّلة للصراع العرقي
يقدّم عمل دونالد هورويتز الأساسي “الجماعات العرقية في الصراع” رؤى حاسمة حول حسابات الأقلّيات الاستراتيجية، لكن مع تعديل مهم: السياق السوري مختلف لأنّ الأقلّية كانت هي المهيمنة والأغلبية كانت هي المقموعة. ينبع هذا الصراع من ديناميكيّات فقدان الهيمنة ومخاوف المساءلة، في حين تخلق الروابط الطائفية روابط جماعية قوية تجعل الأقلّية تفضّل الحماية الخارجية على العدالة الانتقالية.
عندما تتوقّع الجماعات فقدان قوّتها المطلقة، تتصرّف بشكل استباقي. لذلك ستسعى الأقلّيّات الحاكمة سابقاً لأي تحالف متاح – بما في ذلك بالأعداء السابقين – عندما تواجه احتمالات المساءلة والعدالة الانتقالية.
براگماتية الحفاظ على المكتسبات والمرونة التحالفية
أظهر البحث النفسي والاجتماعي أنّ تهديدات فقدان الامتيازات تعيد تنظيم الأولويّات الجماعية بحيث يصبح الحفاظ على المكتسبات أهمّ من الاتّساق الأيديولوجي. تُطوّر الأقلّيّات الحاكمة سابقاً استراتيجيّات تحالف مرنة تحافظ على علاقات متعدّدة وتغيّر الولاءات بناء على تغيّر موازين القوى. هذا ليس انتهازية بل آلية متطوّرة للحفاظ على المكاسب تمكّن النخب من التكيّف مع الظروف السياسية الجديدة.

العوامل النفسية والاجتماعية:
من فقدان الهيمنة إلى التكيّف
الاستجابات النفسية لفقدان السيطرة
يُظهر البحث في نظرية فقدان الهيمنة كيف أنّ التحوّل المفاجئ من موقع السيطرة إلى موقع المساءلة يخلق نقاط ضعف نفسية خاصّة في تجمّعات الأقلّيات الحاكمة سابقاً. تؤدّي الضغوطات الخارجية (فقدان النفوذ، المطالبة بالمساءلة، تغيّر موازين القوى) إلى ضغوطات داخلية (القلق من المستقبل، توقّع الانتقام، فرط اليقظة).
تخلق هذه الضغوطات ظروفاً نفسية تجعل قرارات التحالف التي كانت تبدو مستحيلة سابقاً ممكنة التنفيذ. تحت الضغط الشديد، تنتقل الجماعات من أنماط صنع القرار الفردية إلى الجماعية، مع تقاسم المسؤولية ممّا يقلّل العبء النفسي الفردي.
مرونة الهوية الاجتماعية
يُظهر البحث أنّ الهويّات الاجتماعية تصبح أكثر مرونة تحت ضغط فقدان السيطرة، ممّا يسمح بإعادة تصنيف سريعة لحدود الجماعة الداخلية/الخارجية. يمكن لسياقات فقدان الهيمنة أن تخلق هويّات فوقية جديدة (“المُهدّدون” مقابل “الحماة الجدد”) تتجاوز الانقسامات العرقية أو الدينية أو السياسية التقليدية.
مقارنات إقليمية:
أنماط فقدان الهيمنة المتكرّرة

العراق: ديناميكيّات التحالفات الخارجية بعد ٢٠٠٣
سقوط نظام صدام حسين عام 2003 أعاد تشكيل التحالفات في العراق بطريقة معقّدة تختلف جذرياً عن الحالة السورية. برغم أنّ السنة العراقيين (29-42% من السكّان) فقدوا هيمنتهم السياسية التي مارسوها بصفة أقلية حاكمة، غير أنّ النمط الأبرز للتحالفات الخارجية جاء من الأغلبية الشيعية الصاعدة، وليس من الأقلية المهزومة.
التحالف الشيعي-الإيراني المؤسّسي
تشكّل قوّات الحشد الشعبي PMF النموذج الأوضح للتحالف مع قوّة خارجية، حيث تضمّ 67 فصيلاً شيعيّاً مسلّحاً، معظمها يتلقّى الدعم الإيراني المباشر ويعلن الولاء لخامنئي. منظّمة بدر، أقوى هذه الميلشيات، تأسّست في إيران عام 1982 ولا تزال تتلقّى التمويل والتدريب من الحرس الثوري الإيراني. عصائب أهل الحق نفّذت أكثر من 6000 هجوم على القوّات الأمريكية بين 2006-2011 بدعم إيراني صريح.
هذا التحالف لا يمثّل براغماتية فقدان السيطرة، بل استراتيجية توسّع نفوذ من موقع القوّة الصاعدة، مدعومة بروابط طائفية ومصالح جيوسياسية مشتركة مع طهران.
الانقسامات الكردية
انقسم الأكراد العراقيّون في تحالفاتهم الخارجية: يحافظ الحزب الديمقراطي الكردستاني على علاقات قوية بالولايات المتّحدة وإسرائيل (تاريخياً منذ الستينيات)، في حين تقارب الاتّحاد الوطني الكردستاني مع إيران والميلشيات الشيعية في بغداد، ممّا يفضح تنافساً داخلياً كردياً أكثر من خوف وجودي من الأغلبية.
الدور السعودي والسنّة العراقيّون
السعودية، التي دعمت العراق بـ25 مليار دولار ضدّ إيران في الثمانينيات، رفضت التعامل مع الحكومة الشيعية من 2003-2015، ممّا دفع العراق نحو إيران أكثر. هذا العزل السعودي للعراق، وليس التحالف معه، ساهم في تعميق النفوذ الإيراني.
تحالفت بعض النخب السنّية فعلاً مع تنظيم القاعدة، لكن هذا جاء في سياق مقاومة الاحتلال الأمريكي والتهميش السياسي، وليس نمط براگماتي للاستعانة بقوى خارجية للحفاظ على امتيازات تاريخية كما في الحالة السورية.
تُظهر الحالة العراقية أنّ التحالفات الخارجية لا تقتصر على الأقليات الخائفة، بل قد تكون استراتيجية توسّع نفوذ من الأغلبية الصاعدة (الشيعة مع إيران)، أو تنافساً إقليميّاً (الأكراد)، أو مقاومة تهميش (بعض السنّة). يجعل هذا التعقيد المقارنة المباشرة مع الحالة السورية مضلّلة ومبسطة.

لبنان: التحالف الثلاثي ضدّ الفلسطينيّين
يقدّم التحالف الماروني-الإسرائيلي-السوري (١٩٧٦-١٩٨٢) أوضح مثال على ديناميكية التحالفات البراگماتية للأقلّيات الحاكمة. دخل الجيش السوري لبنان عام ١٩٧٦ أساساً لحماية الموارنة من الضغط الفلسطيني-اليساري، وتطوّر هذا لتحالف ثلاثي بين سوريا والموارنة وإسرائيل ضدّ الوجود الفلسطيني. بلغ هذا التحالف ذروته في مجازر صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢ التي نفّذتها الميلشيات المارونية بالتعاون مع إسرائيل والتواطؤ السوري. لكنّ هذا التحالف “نزع الشرعية عن المجتمع الماروني بِرُمَّته” في عيون الرأي العام العربي والعالمي، في عيون المسلمين اللّبنانيّين والسوريّين وبقيّة العالم العربي.
البلقان: التحالفات العرقية الخارجية
كشفت الحروب اليوغوسلافية عن نمط متكرّر من السعي للحماية الخارجية بين الأقلّيات التي فقدت مواقعها المهيمنة. سعى الصرب للدعم الروسي، وقبل الكروات الدعم الألماني برغم التاريخ المعقّد، ورحّب ألبان كوسوڤو بتدخّل الناتو برغم الخطاب الألباني المعادي للغرب سابقاً.

ردود الفعل والتفسيرات المختلفة
التفسير الواقعي Political Realism
يُفسّر المحلّلون الواقعيّون هذه الظاهرة بأنّها حساباتٌ عقلانيةٌ للقوّة. فالأقلّيات التي خسرت هيمنتها تبحث عن قوىً خارجيةٍ لتعديل موازين القوى المحلّية لمصلحتها. إسرائيل، بوصفها قوّةً إقليميةً، تستطيع توفير الحماية العسكرية والدعم الدولي لاستعادة الهيمنة على الأغلبية. أمّا الحكومة السورية الجديدة فقد تسعى إلى تحقيق المساءلة والعدالة الانتقالية.
التفسير البنائي Constructivist Theory
يُشدّد البنائيّون على أنّ الهويّات قابلةٌ للتغيير والتشكيل اجتماعيّاً. فعندما تواجه الأقلّيّات تهديداً لمكتسباتها، تُعيد صياغة السرديّات التاريخية لتبرير تحالفاتها الجديدة. تُبرز هذه الأقلّيّات جوانب مختلفة من هويّتها حَسَبَ الحاجة، وذلك للاستعانة بحلفاء خارجيّين متنوّعين يخدمون مصالحها. هنا، ترى الأقلّيّات في سوريا أنّ اليهود في فلسطين أقلّية مسيطرة، قد يعيد حلفها تمكين السيطرة على الأغلبية المسلمة في سوريا وفلسطين.
النقد من منظور العدالة الانتقالية
ينتقد دعاة العدالة الانتقالية هذه التحالفات بصفتها محاولة للإفلات من المساءلة ودليل على رفض الأقلّيّات الحاكمة سابقاً قبول المساواة مع باقي المواطنين. يرون فيها تأكيداً على “عقدة التفوّق” وعدم استعدادها للاندماج في مشروع وطني حقيقي قائم على المواطنة المتساوية والمواطنة العادلة.
المنظور اللّيبرالي
يؤكّد اللّيبراليّون أنّ المشكلة تكمن في ضرورة بناء المؤسّسات الديمقراطية في سوريا. لو كانت هناك مؤسّسات شاملة وحماية دستورية موثوقة لجميع المواطنين مع ضمانات عدم الانتقام، لما احتاجت هذه الجماعات للّجوء للحماة الخارجيّين. الحلّ يكمن في بناء دولة مدنية تضمن المواطنة المتساوية والعدالة الانتقالية المنضبطة.

فهم منطق الحفاظ على المكتسبات
المفارقة المركزية
تكشف هذه الدراسة الشاملة أنّ ميل بعض الأقلّيّات السورية للاستعانة بإسرائيل ليس انحرافاً أخلاقيّاً أو خيانة قومية فحسب، بل نتيجة منطقية لعقود من حكم الأقلّية المسلّحة ورفض قبول الانتقال لدولة المواطنة المتساوية والعادلة. النمط التاريخي واضح: الأقلّيّات السورية سعت باستمرار للأمان عبر الرعاة الخارجيّين (الفرنسيّون، نظام الأسد، القوى الأجنبية) بدلاً من المصالحة الوطنية الحقيقية والعدالة الانتقالية. وما تطلبه هذه الأقلّيّات من أمان مختزل حتماً بالسيطرة على الأغلبية وعلى غيرها من الأقلّيّات، مع استبعاد تام لمفهوم الشراكة الوطنية والعيش المشترك.
المفارقة المركزية أنّ محاولات بعض الأقلّيّات لضمان حفظ امتيازاتها عبر التدخل الخارجي قد تؤدّي إلى تقويض شرعيّتها المحلّية وتعميق الانقسامات الطائفية. التحالف الماروني-الإسرائيلي في لبنان يقدّم تحذيراً: الحماية قصيرة المدى ستأتي بتكلفة خسارة الاندماج طويل المدى في النسيج الوطني.
دروس من التاريخ
أحداث ١٨٦٠ تقدّم دروساً مهمّة. كسب الدروز المعارك لكنّهم خسروا الحرب. انتصاراتهم العسكرية الساحقة لم تمنع خسارتهم لجبل لبنان نهائيّاً للمسيحيّين المدعومين فرنسيّاً. هذا التاريخ يحذّر الأقلّيّات السورية اليوم من أنّ الانتصارات التكتيكية قد لا تحقق الأمان الاستراتيجي.
الأهم أنّ الأغلبية السنّية في سوريا لم تُظهر عبر التاريخ ميولاً انتقامية ضدّ الأقلّيّات، برغم كل مزاعم الأقلّيّات، بل العكس – عانت هي نفسها من القمع الممنهج طوال عقود. بدأت الثورة السورية سلمية ولم تحمل شعارات طائفية، والحكومة الانتقالية الحالية أكّدت مراراً على حماية جميع المكوّنات السورية.

ضرورة المراجعة النقدية
تدفعنا الضرورة اليوم إلى مراجعة نقدية لسردية “الأقلّيّات المُهدّدة” التي استخدمها نظام الأسد لتبرير استمرار هيمنته. الحقيقة أنّ الأقلّية العلوية المسلّحة مارست القمع ضدّ الأغلبية السنّية وليس العكس. استخدام الطيران لقصف المدن السورية، وشبكة السجون التي أبادت عشرات الآلاف، والحصار المنهجي للمناطق الثائرة – كلّها ممارسات أقلّية مسلّحة ضدّ شعبها.
اليوم، عندما سقط النظام، لم تشهد سوريا مذابح طائفية منظّمة ضدّ الأقلّيات كما تروّج بعض الوسائل. بل شهدت حوادث فردية محدودة سرعان ما تدخّلت السلطات الجديدة لوقفها. يؤكّد الخطاب الرسمي للحكومة الانتقالية على المواطنة المتساوية وحماية جميع السوريّين.
الأهمّ فهم أنّ هذا السلوك يفضح رفضاً لقبول العدالة الانتقالية والمساءلة عن عقود القمع. بدلاً من تبرير سعي بعض الأقلّيّات للحماية الخارجية، يجب التركيز على بناء مؤسّسات ديمقراطية قوية تضمن العدالة والمساواة لجميع المواطنين، مع ضمانات واضحة ضدّ الانتقام الفردي.
سوريا تحتاج لعملية مصالحة وطنية حقيقية تعترف بمعاناة جميع السوريّين، لكن دون السماح للجناة بالإفلات من المساءلة عبر اللّجوء للحماة الخارجيّين (أعداء الشعب السوري). المطلوب توازن دقيق بين العدالة الانتقالية وضمانات عدم تكرار الانتهاكات.

الطريق إلى المستقبل
ظاهرة استعانة بعض الأقلّيّات السورية بإسرائيل تكشف حقيقة صادمة: رفض الأقلّيات الحاكمة سابقاً قبول المساواة مع بقية السوريّين والتخلّي عن عقدة التفوّق التي ترسّخت عبر عقود الهيمنة. لا ينبع هذا السلوك من خوف وجودي حقيقي، بل من حرص محموم على الحفاظ على الامتيازات والنفوذ بأيّ ثمن.
السؤال الجوهري هنا ليس كيف نُطمئِن هذه الأقلّيّات أو نحميها، بل كيف نمنعها من تدمير المشروع الوطني السوري مرّة أخرى. التاريخ يحذّرنا أنّ هذه الأقلّيّات ستسعى دائماً لاستعادة هيمنتها المفقودة، وستتحالف مع أي قوّة خارجية – مهما كانت معادية – لتحقيق هذا الهدف.
الدرس الأساسي من التجربة السورية أنّ منح الأقلّيات امتيازات خاصّة لا يحقّق الاستقرار، بل يؤسّس لدورات عنف متجدّدة. برهن نظام الأسد أنّ حكم الأقلّية المسلّحة يؤدّي حتماً إلى القمع والاستبداد. واليوم، بدلاً من قبول المساواة والمشاركة في بناء دولة ديمقراطية، تسعى هذه الأقلّيات لاستعادة موقعها المتفوّق عبر التحالف مع أعداء سوريا.
المطلوب هنا ليس مصالحة مع هذا المنطق، بل مواجهته بحزم. الدولة السورية الجديدة يجب أن تؤسّس على مبدأ راسخ: لا امتيازات لأيّ مجموعة على حساب أخرى، ولا مكان لمن يسعى لاستعادة النظام الطائفي القديم. المساواة الحقيقية تعني أنّ الأقلّيّات ستحصل على حقوقها مواطنين كاملين، لكن دون التفوّق والهيمنة التي اعتادوا عليها.
الحقيقة المرّة أنّ بعض هذه الأقلّيات لن تقبل هذه المساواة طوعاً، وستستمرّ في البحث عن حماة خارجيّين لاستعادة امتيازاتها. هنا تكمن مسؤولية الدولة الجديدة: منع أي تدخّل خارجي يهدف لإعادة النظام الطائفي، ومحاسبة من يتعاون مع القوى المعادية لتقسيم سوريا أو إضعافها.
سوريا المستقبل لا تحتاج لتكرار أخطاء الماضي بمنح امتيازات لأقلّيّات خائفة، بل تحتاج لدولة قوية تحمي جميع مواطنيها بالتساوي وترفض أي محاولة لإعادة النظام الطائفي المدمّر. الأمان الحقيقي للجميع لا يأتي من الحماة الخارجيّين، بل من دولة عادلة تحكم بالقانون وليس بالطائفة.
مصادر الأحداث والاقتباسات
- Middle East Sectarianism: A Symptom to a Cause
- The Irrelevance of the Security Dilemma for Civil Wars
- Alawites and the Fate of Syria
- Alawites Under Threat in Syria?
- The Emergence of Minorities in the Middle East: The Politics of Community in French Mandate Syria
- Religious Minorities in the Modern Middle East
- Ethnic Conflict and International Security: Theoretical Considerations
- The security dilemma and ethnic conflict
- Ethnic Fears and Global Engagement/
- The Balkans: Historical Origins and Present Dangers of Recurring Ethnic Conflict
- Ethnic Groups in Conflict, Updated Edition With a New Preface
- Ethnicity and civil war
- Minorities and the State in the Arab World: Chapter 6
- Beyond doubt in a dangerous world: The effect of existential threats on the certitude of societal discourse
- The Alliance Hypothesis for Human Friendship
- Minority Stress Model – an overview
- Minority stress
- Racial Trauma
- Psychology Issues: Group Survival in Extreme Situations
- Group decision-making
- Shared Responsibility in Collective Decisions
- Decision-Making During High-Risk Events: A Systematic Literature Review
- Syria’s Alawites are hoping for a lifeline from Israel following Assad’s toppling
- Israel’s men in Syria: Tel Aviv is exploiting the Kurds as proxies for its occupation
- Israel’s foreign minister calls for ties with Kurds and other minorities in Middle East
- Understanding the violence against Alawites and Druze in Syria after Assad
- The Existential Challenge for Syria’s Alawites
- Israeli flag filmed flying in Syrian square but Druze community conflicted over alliance with Israel
- Israel blindsides Trump in self-serving effort to break up Syria
- The History That Syria’s New Leaders Will Need to Overcome
- Syrian nationalism
- Alawites
- 2025 massacres of Syrian Alawites
- Yazidi genocide
- Balkans – Nation-Building, Ethnic Conflict, Yugoslavia
- Yezidis in Iraq
- How Iraq’s Minorities Can Secure a Future After ISIS
- Christianity in the Middle East
- World Directory of Minorities and Indigenous Peoples – Lebanon : Maronites
- Stabilization and Resilience in Iraq’s Minority Communities
- Iraq – Minority Rights Group
- Rwanda | Holocaust and Genocide Studies
- Surviving Genocide: How Rwanda and Bosnia Confront Their Painful Pasts
- Genocide In Bosnia
- Comparing the Bosnian and Rwandan Genocides
- Majority Rule, Minority Rights
- Majority Rule and Minority Rights





اترك رد