في هذا المقال أكشف الخلفية الفكرية التي مهّدت الطريق أمام الشعب التركي للقبول بزعيم مثل {مصطفى كمال} “أتاترك”. لا أؤيّد {مصطفى كمال}، ولا أيّ من الأطراف المذكورة في هذا البحث، ولا أدافع عن أيّ منها، فكلّها أحداث سياسية ينبغي أن تُسرد بموضوعية لفهم وقائعها ونتائجها.
أجد نفسي ملزماً بهذا التنويه قبل أن تنطلق في القراءة، فهنا تجد معلومات مُغيّبة من التاريخ العثماني، تعمّدت الكثير من الأنظمة السياسية إخفاءها وتشويهها، لما فيها من توضيح لجميع الأحداث التي قادت إلى نتائج الحرب العالمية الأولى على العثمانية وشعوبها. إذ يبدو أنّ الثورة الفرنسية قد بدأت في القسطنطينية.
في هذا المقال نفي وتصحيح لعشر خرافات دأبت الصحافة العربية على نشرها طوال القرن المنصرم:
- خرافة الأصل التركي لحركة “تركيا الفتاة”، ليس في المؤسّسين تركي واحد.
- خرافة الطابع الديني للمعارضة العثمانية، جميع المؤسّسين كانوا لادينيّين متأثّرين بالفكر المادي الغربي.
- خرافة التلقائية في نشوء الحركات الإصلاحية، كانت الحركات مرتبطة بالمحافل الماسونية والتنظيمات الأوروپية السرية.
- خرافة تفاهة قضية “صراع الشروال”، كان رمزاً لصراع حضاري عميق بين نموذجين متناقضين.
- خرافة الحرب الأهلية العثمانية صراع داخلي، كانت صراعاً بالوكالة بين القوى الأوروپية (فرنسا، بريطانيا، روسيا).
- خرافة “الحملة الفرنسية على مصر” عدوان خارجي، ربّما كانت بطلب من السلطان سليم الثالث نفسه.
- خرافة عفوية انقلاب 1908، كان نتيجة تخطيط طويل المدى بدأ في المدارس العسكرية.
- خرافة وحدة جمعية الاتحاد والترقي، كانت ائتلافاً هشّاً من حركات قومية متنافسة.
- خرافة أتاترك قاطع مع التاريخ العثماني، كان مكمّلاً لمسار إصلاحي بدأ قبل قرن من الزمان.
- خرافة براءة التدخلات الأوروپية، كانت جزءاً من استراتيجية ممنهجة لإعادة تشكيل الإمبراطورية وإنهاء وجودها.

جذور الصراع: نشأة الحركات الإصلاحية
كثيراً ما نُحمّل جمعية الاتحاد والترقّي مسؤولية دمار الخلافة العثمانية وتفكّك السلطنة العثمانية نفسها. فما هي هذه الجمعية وما تاريخها السياسي؟ وما حكاية مذبحة الوزراء وانتشار الفكر السلفي في عاصمة الخلافة العثمانية القسطنطينية؟
الاتّحاد والترقّي جمعية وليست حزباً سياسيّاً. الجمعية بالمفهوم العثماني هي اللّوبي والنادي السياسي، تجمّع منظّم يهدف إلى التأثير على السياسات العامّة للدولة بواسطة أذرع يستخدمها داخل الإعلام والجيش والأحزاب السياسية. نشأت جمعية الاتّحاد والترقّي ائتلاف لحركات عسكرية، أهمّها حركة تركيا الفتاة، والحركة القحطانية، وحركة سوريا الفتاة، والعربية الفتاة وغيرها، وكلّها حركات عسكرية قومية نشأت داخل الجيش العثماني.
يكشف هذا التنوّع في الحركات المؤسّسة لجمعية الاتّحاد والترقي عن طبيعة الأزمة الهويّاتية التي كانت تعصف بالإمبراطورية العثمانية. فبدلاً من أن تكون هذه الحركات تعبيراً عن وحدة عثمانية، كانت في الواقع تجسيداً لتشظّي الهويّة الإمبراطورية إلى قوميّات متنافسة تسعى كلّ منها لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيتها الخاصة. سيصبح هذا التناقض الجوهري بذرة الانشقاقات اللّاحقة التي ستمزّق الجمعية من الداخل.
اسمها الأصلي هو “جمعية الاتّحاد العثماني” وانطلقت سنة 1889 بالدعوة لتحويل السلطنة العثمانية إلى النظام الديمقراطي الاتّحادي بديلاً عن نظام الإدارة الإمبريالي المركزي، وإلى الملكية الدستورية بديلاً عن السلطنة. اجتمع المؤتمر التأسيسي لجمعية الاتّحاد العثماني يوم السادس من شباط عام 1889 في الكلية الطبّية العسكرية (طِب خانة عامرة) في المدرسة العسكرية العثمانية في مدينة القسطنطينية. ثمّ، على إثر تخطيطها لانقلاب سنة 1896 حُظر نشاط الجمعية فتحوّلت إلى العمل السرّي.

المؤسّسون وخلفيّاتهم المتنوعة
كان جميع الأعضاء المؤسّسين من طلّاب كلّية الطبّ، وتنوّعت خلفيّاتهم الإثنية والجغرافية بشكل لافت.
{إبراهيم تمّو (ستاروڤا)} Ibrahim Temo كان ألبانيّاً من شمال مقدونيا، ولد في ستروغا عام 1865 لعائلة من أصول من ستاروڤا (الآن بوتشيماس)، ألبانيا. كان متزوجاً من شقيقة الأخوة فراشري (عبد الباقي ونعيم وشمس الدين). وقبل تأسيسه جمعية الاتّحاد العثماني بعشر سنوات أسّس سنة 1879 في القسطنطينية جمعية نشر الرسائل الألبانية، جمعية للنخبة المثقّفة بتمويل من اللّجنة المركزية للدفاع عن حقوق الألبان، التي قادها {عبد الدومي بك فراشوري}، مؤسّس أيديولوجية القومية الألبانية.
{عبدالله جودت} Abdullah Cevdet مؤسّس أيديولوجية حركة تركيا الفتاة. ولد في 9 أيلول 1869 في عربگير، ملاطيا من عائلة كردية. والده هو عمر وصفي أفندي، ضابط اتّصالات في الجيش العثماني. وكان يصف نفسه دائماً بأنّه “تركي من أصل كردي” ويستخدم اسم المستعار “بير كورد” (كردي واحد). شارك في تأسيس الحزب الديمقراطي العثماني سنة 1908، الذي اندمج في حزب الحرية والائتلاف القومي سنة 1911.
{إسحاق سوكوتي} İshak Sükuti كان كرديّاً ولد في ديار بكر عام 1868 من عائلة كردية فقيرة. انضمّ إلى إبراهيم تمّو ومحمّد رشيد وزميله الكردي عبد الله جودت، نُفي سنة 1896 إلى طرابلس ليبيا فهرب منها إلى جنيڤ في سويسرا ليؤسّس فيها نسخة المعارضة من صحيفة المراقب العثماني بالتعاون مع المثقّف الأرمني {تيگران زاڤين}. قُتل {إسحاق سوكوتي} في سانريمو الإيطالية سنة 1903 ويُعتقد أنّ {أحمد رضى بك} مسؤول عن اغتياله، و{أحمد رضى بك إنگليز} هو زعيم التيار المعادي للقوميّين في جمعية الاتحاد العثماني ومؤسّس جمعية الاتحاد والترقّي الجديدة.
{محمّد رشيد} Mehmed Reşid كان لاجئاً شركسيّاً إلى العثمانية ومن داعمي التيّار الألماني في الجيش العثماني. ولد في 8 شباط 1873 في شركيسيا، ونزح مع عائلته إلى الإمبراطورية العثمانية عام 1874 بسبب الاضّطهاد الروسي المتزايد. نُفي إلى ليبيا سنة 1897 ثمّ عاد إلى القسطنطينية بعد انقلاب سنة 1908، ثمّ صار حاكماً على ولاية ديار بكر سنة 1915 فنظّم حملات ترويع السكّان المسيحيّين بغرض دفعهم إلى النزوح صوب الجنوب، وتعزيز الوجود الكردي في الولاية. {محمّد رشيد} من روّاد التنادي بانتساب الشركس إلى القومية التركية الجديدة.
وعلى هذا نرى أنّ مؤسّسي الاتّحاد والترقّي:
- إبراهيم تمو – ألباني
- عبد الله جودت – كردي
- إسحاق سوكوتي – كردي
- محمد رشيد – شركسي
جميعهم وُلدوا مسلمين غير أنّهم لادينيّين، ينكرون قدسية الإسلام وإله الإسلام، متأثّرون بالفكر اللّائيكي والمادي الغربي، ومعارضون للدين المؤسّسي التقليدي.
انضمّ إليهم لاحقاً: حسين زاده علي بك، كونيالي حكمت أمين بك، جودت عثمان، كريم سباتي، مكلي صبري بك، سلانيكلي دكتور ناظم بك، شرف الدين ماموني، وجيريتلي شفيق. وبرغم تسميتها “الأتراك الشباب”، كانت المجموعة متنوّعة إثنيّاً؛ وشملت أعضاء أكراد وألبان وأرومانيّين وعرب وأرمن وأذربايجانيّين وشركس ويونانيّين ويهود أندلسيّين.
كان عبد الله جودت في البداية مسلماً متديّناً وتلقّى تعليماً دينيّاً، لكنّه تأثّر بالفلسفات المادّية الغربية التي جعلته ضدّ الدين المؤسّسي. اعتقد أنّ “إله المسلمين لا فائدة منه في العصر الحديث، لكن المجتمع الإسلامي يجب أن يحافظ على المبادئ الإسلامية”. تأثّر إبراهيم تمّو بالحركات الداروينية والمادّية البيولوجية والتيارات المناهضة للإدارة
أُعجب “الأتراك الشباب” بشدّة بالثورة الفرنسية والنوادي والجمعيّات السياسية الراديكالية التي تأسّست خلالها، خاصّة نادي اليعاقبة. ووفقاً لتقرير جورج كيدستون من وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 21 كانون أوّل 1918: “إن لهذا الهيكل السرّي علاقة وثيقة جدّاً بكاراسكو الذي جلب الماسونية من إيطاليا وكان المؤسّس الرئيس لمحفل سالونيك”.
الربط بين هذه الحركات الإصلاحية والمحافل الماسونية لم يكن مجرّد تفصيل تنظيمي، بل يكشف عن استراتيجية واعية لاستيراد النماذج التنظيمية الأوروپية السرية. هذا الاقتباس المؤسّسي يطرح تساؤلاً عميقاً حول مدى أصالة هذه الحركات وارتباطها بالسياق العثماني، أم أنّها كانت محاولة لزرع بنى سياسية غريبة في تربة مختلفة ثقافياً وسياسياً. وبرغم تنظيمها السرّي المنمذج على الكربوناري الإيطالية، اكتشفت شرطة السلطان {عبد الحميد} الجمعية وقمعتها عندما انتشرت خلاياها بين المدارس العليا. وكان العديد من الشركس في مناصب رئيسية في صفوف جمعية الاتّحاد والترقي، مثل أشرف بك كوشتش باشي ومحمّد رشيد شاهين كيراي.

الأصول التعليمية والتأثير الأوروپي
الكلّية الطبّية العسكرية (طِب خانة عامرة) التي احتضنت هذا التجمّع التأسيسي تأسّست سنة 1827 ضمن كليّات المدرسة العسكرية العثمانية. أسّسها السلطان {محمود الثاني آل عثمان} لمصلحة التيّار الفرنسي البوناپرتي في العثمانية، فكان مدرّسوا الكلّية من الفرنسيّين والألمان ولغة التدريس فيها هي الفرنسية. تأسّست الكلّية لإعداد أطبّاء عسكريّين للعمل في القوّات المسلّحة العثمانية.
سنة 1897 تحوّل الاهتمام العثماني إلى برلين بديلاً عن پاريس، لهذا الغرض كُلّفت سفارة پروسيا باختيار الأطبّاء المناسبين. استجابت وزارة التعليم الپروسية بتقديم أستاذ جامعة بون الدكتور {روبرت ريدر}، وأحد مستشاري مستشفى هامبورگ إپيندورف الدكتور {گيورگ دييكه}.
المدرسة العسكرية العثمانية نفسها أسّسها السلطان {سليم الثالث} في سرايبُرنُص مع تولّيه العرش سنة 1789 باسم “نظام إجديد” أي الجيش النظامي الجديد، بسبب تخوّف السلطان {سليم الثالث} من قوّات الإنكشارية واستئثارها بالسلطة. عيّن السلطان باروناً فرنسياً هو {فرانسوا دي توت} وكلّفه بتأسيس الجيش العثماني الجديد. عُيّن البارون في الأساس سنة 1774 من قِبل السلطان {مصطفى الثالث} مستشاراً للإصلاحات العسكرية وكُلّف بإنشاء فرقة مدفعية سريعة الطلقات وساعدته السفارة الفرنسية في القسطنطينية بالمال والمدافع الخفيفة.
تكشف هذه السلسلة من التعيينات التعليمية والعسكرية عن نمط متكرّر في التاريخ العثماني المتأخّر: الاعتماد على الخبرات غرب الأوروپية لإصلاح مؤسّسات الدولة، ما خلق جيلاً من النخب العسكرية والمثقّفة المتشبّعة بالقيم والأفكار الأوروپية أكثر من انتمائها للتراث العثماني. سيصبح هذا الانفصال الثقافي بين النخبة الحاكمة والقاعدة الشعبية إحدى أهم عوامل عدم الاستقرار السياسي في العقود اللّاحقة.
الحرب الأهلية العثمانية الأولى
بالفعل أسّس البارون {توت} مدرسة عسكرية جديدة عارضتها قوّات الإنكشارية بشدّة وقادت انقلاباً على السلطان مدعومة من القوّات البريطانية والروسية في البلقان ومشايخ السلفية في القسطنطينية، ما أفضى إلى تحرّك القوّات الفرنسية نفسها سنة 1798 بقيادة {ناپليون بوناپرت} إلى العثمانية وتمركزها في مينائي مدينتي غزّة الفلسطينية ورشيد المصرية (الإسكندرية)، ربّما بطلب من السلطان سليم الثالث نفسه.
على إثر هذه الأزمة المشهورة تاريخيّاً باسم “الحملة الفرنسية على مصر” اندلعت حرب داخلية عثمانية تقاتل فيها من الطرف الأول “السلطان {سليم الثالث} والصدر الأعظم {يوسف ضياء الدين پاشا الأعمى}، والسفير {هوراس سيباستياني}، والجيش العثماني الجديد، وفرنسا”. ومن الطرف الثاني “قوّات الإنكشارية، وقوّات اليماق بقيادة الرقيب {مصطفى كبكچى}، والمماليك، وبريطانيا، وروسيا”.
السفير {هوراس سيباستياني} كان القنصل الفرنسي في المشرق العثماني في مقرّ القنصلية في صيدا. كان {سيباستياني} المهندس العسكري الذي صمّم الحملة الفرنسية سنة 1798، ثمّ انتقل ليصبح السفير الفرنسي في القسطنطينية على إثر اندلاع حرب 1806 وهجوم البحرية الروسية على العثمانية. في عام 1807 نظّم {سيباستياني} القوّات العثمانية التي دافعت عن القسطنطينية في وجه القوّات الروسية الغازية المتحالفة مع الإنكشارية وتيّار السلفية وبريطانيا.

صراع الشروال: رمزية الملابس والهوية
اندلعت الحرب العثمانية في الأساس حين رفضت قوّات الإنكشارية قانون التجنيد الإجباري في البلاد، وكان قانون التجنيد يعترف لجميع مواطني العثمانية بحقّ الانضمام إلى القوّات العسكرية، ما يعني تراجع احتكار الإنكشارية للجيش والسلطات العسكرية في السلطنة. نتج عن الحرب العثمانية سلسلة انقلابات بدأها تمرّد قوّات اليماق على الحكومة العثمانية.
تتحدّث الأسطورة الشعبية عن رفض قوّات اليماق لارتداء الملابس العسكرية العثمانية الجديدة حين عدّتها مخالفة للشريعة الإسلامية ومخلّة بالآداب العامة. كانت الثياب العسكرية الجديدة مصمّمة باستيحاء من اللّباس العسكري الألماني. وقوّات اليماق هم في الأساس قوّات احتياط من المتطوّعين المدنيّين البُلغار واليونان المسلمين، مهمّتهم الدفاع عن مضيق البوسفور في وجه القراصنة القوزاق المهاجمين من أوكرانيا. تسمية يماق معناها الرديف، بما يعني أنّ الإنكشارية عدّت هذه الفصائل تقوم مقام قوّات رديفة غير نظامية.
صراع الشروال، برغم بساطته الظاهرية، يكشف عن عمق الهوّة بين مشروعين حضاريّين متناقضين. فاللّباس العسكري لم يكن مجرّد زيّ، بل رمز لنموذج حضاري كامل: النموذج غرب الأوروپي القائم على العقلانية والحداثة من وجهة نظر غربية مقابل النموذج التقليدي القائم على الشريعة والتراث من وجهة نظر إقطاعية عشائرية تقليدية. سيتكرّر هذا الصراع الرمزي في أشكال مختلفة عبر التاريخ التركي الحديث، من إلغاء الخلافة إلى منع الحجاب في الجامعات.

نهاية العهد القديم وبداية الإصلاحات
انتهت الحرب العثمانية سنة 1807 بانتصار الطرف الثاني المتمثّل بـ: قوّات الإنكشارية، وقوّات اليماق بقيادة الرقيب {مصطفى كبكچى}، والمماليك، وبريطانيا، وروسيا. أدّى ذلك إلى طرد القوّات الفرنسية عن العثمانية، وتعيين آغا الإنكشارية صدراً أعظم للبلاد، الذي أعدم جميع وزراء وسياسيّي وصحفيّي الإصلاحات باستخدام الغوغاء الشعبية، ثمّ عزل السلطان {سليم الثالث}، وحلّ قوّات الجيش الجديد، ثمّ في العام التالي؛ اغتيل السلطان {سليم الثالث} طعناً على يد قوّات الإنكشارية وجماعة السلطان {مصطفى الرابع}. فهرب {محمود الثاني آل عثمان} والتجأ إلى البيرقدار (العلمدار) {مصطفى پاشا}.
في تلك الأثناء كانت خرجت ثورة مضادّة فعلاً باتّجاه القسطنطينية بقيادة حاكم “روسه” البلغارية؛ البيرقدار {مصطفى پاشا}، الذي حاول إعادة السلطان {سليم الثالث} إلى السلطة، ولمّا علم الپاشا البيرقدار بمقتل السلطان {سليم الثالث} أمر باعتقال السلطان {مصطفى الرابع} وأعدمه كما أعدم معه الرقيب {مصطفى كبكچى} وحلّ قوّات اليماق. ثمّ نصّب السلطان {محمود الثاني} في السلطة، الذي نصّب بدوره البيرقدار {مصطفى پاشا} صدراً أعظم للدولة.
عشرون سنة من الحرب الأهلية
تحوّلت الحالة السياسية إلى عداء شديد مع الإمبراطورية الروسية التي باتت في نظر الشعب سبباً بإعدام سلطان الإصلاحات الشهيد {سليم الثالث}. هذه الأحداث هي ما مهّدت للسلطان {محمود الثاني} قيادة مرحلة الإصلاحات الثانية فصار على إثرها يحمل لقب “إنقلابچى سُلطان”.
بدأ عهد التقاتل ما بين الإنكشارية ومشايخ السلفية من جهة، والسلطان {محمود الثاني} من جهة ثانية، فأفتى مشايخ السلفية بتكفير أي سلطان عثماني يُدخل الملابس الغربية إلى البلاد، فأضرمت قوّات الإنكشارية النار في السرايا الحكومية وقتلوا الصدر الأعظم {مصطفى پاشا} حرقاً داخل السرايا سنة 1808، ثمّ أشعلوا العاصمة القسطنطينية فأحرقوا أغلبها، واشتعلت الحرب في معظم أيالات العثمانية واستمرّت عشرين سنة!
انتهت الحرب على مرحلتين، كانت الأولى بمذبحة القلعة في مصر سنة 1811 لإيقاف دعم المماليك للإنكشارية، ثمّ بالقضاء على الإنكشارية تماماً سنة 1826، وإخراس مشايخ السلفية. لم تنته الحرب فعلاً إلا بالتراضي مع بريطانيا والموافقة على طرد كلّ القوّات الفرنسية عن جميع الموانئ العثمانية.
هذه الحروب الأهلية المتتالية لم تكن مجرّد صراعات داخلية، بل كانت تعبيراً عن صراع جيوسياسي أوسع بين القوى الأوروپية على النفوذ في الإمبراطورية العثمانية. كل طرف محلّي ارتبط بقوّة أوروپية تدعمه، ممّا يعني أنّ الصراع على الهوية العثمانية كان في الواقع صراعاً بالوكالة بين فرنسا وبريطانيا وروسيا. سيستمرّ هذا النمط من التدخّل الخارجي في تشكيل مسار الأحداث حتى سقوط الإمبراطورية. وحتّى بعد سقوطها إلى مئة سنة أخرى.

تطوّر الحركات القومية
لم تقتصر التطوّرات الثورية على البلقان العثماني فحسب، بل امتدّت إلى حلب والشام والجزيرة العليا أيضاً. عندما كان {مصطفى كمال} ضابطاً عسكرياً شابّاً في دمشق، أسّس جمعية سرّية عُرفت باسم «ڤطن جمعيّتي» أي جمعيّة الوطن. انطلاقاً من دمشق، سعى لتوسيع فروعها في مناطق مثل يافا والقدس التي كانت آنذاك تحت الإدارة العثمانية.
رغب {مصطفى كمال} بالانتقال من هذه المناطق إلى شبه جزيرة البلقان العثمانية. وبعد فترة، توجه إلى مسقط رأسه سالونيك وأمضى فيها أربع أشهر كرّسها كلّها لتنظيم فرع للجمعية التي أسّسها في دمشق. وفي في أثناء زيارته لسالونيك، عقد {مصطفى كمال} اجتماعات مع ممثّل ضبّاط الجيش الثالث الثوري. وفي نهاية هذا الاجتماع، يبدو أنّ المنظمة وسّعت اسمها من «وطن» إلى «وطن و حريّت» أي جمعيّة الوطن والحرية.
التحوّل نحو التتريك
سنة 1906 استولى الضبّاط أعضاء حركة تركيا الفتاة على مقاليد السلطة داخل «جمعية الاتّحاد العثماني» وتحوّلت إلى «جمعية الاتّحاد والترقّي». ونتيجة لهذا الانقلاب الداخلي انفصلت حركة الضبّاط القحطانية وأنشؤوا جمعية العهد للقوميّين العرب، وكانت بأغلبها من الضبّاط العراقيّين في الجيش العثماني. في حين انفصلت جمعيّات سوريا الفتاة والعربية الفتاة لتسير في تيارات مختلفة.
أعقب هذا التفكّك والتحوّل إلى التركية انقلاب 1908 الذي بدأ حركة التتريك سنة 1909. كل واحدة من هذه الخطوات دعمتها قوى دولية وعادتها قوى دولية. ثم جاء “أتاترك” بدعم أميركي وأعدم قادة جمعية الاتّحاد والترقّي وأنهى وجودها.

سلسلة الأحداث المصيرية
سنة 1906 تأسّس الجناح المسلّح لجمعية تركيا الفتاة (شباب الترك) في الجيش العثماني الثالث في مدينة سالانيك بتنظيم من جمعية الحريّة العثمانية (جماعة النصرة) بقيادة {محمّد طلعت} والرائد {إسماعيل أنور بك}. كانت جماعة النصرة اندمجت لاحقاً بجماعة {أحمد رضى إنگليز} (ريزه بك) الموجودة في پاريس لتأسيس حزب الاتّحاد والترقّي.
سنة 1908 وقع انقلاب عسكري في السلطنة العثمانية استولت فيه حركة تركيا الفتاة على السلطة المطلقة ومنحت الدولة للحكم العسكري، وأعلنت الملكية الدستورية في البلاد. سنة 1909 ارتكبت جماعة مسلّحة باسم “أضنه تركيّة” منشقّة عن حركة تركيا الفتاة، مذبحة في ولاية أضنة أودت بحياة نحو عشرين ألفاً من الأرمن. واستعملت الجماعة أسلحة فرنسية.
سنة 1913 حدث انقلاب داخل حركة تركيا الفتاة سيطرت فيه فصائل الاتّحاد والترقّي على الحركة، وعُدّ الانقلاب آنذاك بمنزلة حركة تصحيحية انسحبت بموجبه العثمانية من مؤتمر لندن للسلام (مفاوضات البلقان) وانحازت إلى ألمانيا ومساعيها لإشعال الحرب. في العام نفسه سلّحت فرنسا فصائل تتبع الاتّحاد والترقّي، وارتكبت هذه الأخيرة مذبحة في تراكيا (البلقان التركي) راح ضحيّتها حوالي خمسين ألفاً من المسيحيّين البُلغار وطُرد الباقي عن تراكيا.
هكذا نرى كيف أنّ الصراع حول الشروال والملابس العسكرية كان مجرد رمز لصراع أعمق حول هوية الدولة العثمانية ومستقبلها، وكيف أنّ هذا الصراع مهّد الطريق أمام التطورات اللاحقة التي أدت في النهاية إلى صعود أتاترك وتأسيس تركيا الحديثة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية.
في ضوء هذا السرد التاريخي، يمكن فهم صعود {مصطفى كمال} “أتاترك” حدث غير مفاجئ، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من التفكّك الداخلي والصراعات الهويّاتية. فالرجل الذي ألغى الخلافة وأسّس تركيا اللّائيكية لم يكن يقطع مع التاريخ العثماني، بل كان يكمل مساراً بدأ قبل قرن من الزمان مع أوّل محاولة لإدخال الزي العسكري غرب الأوروپي. الفارق الوحيد أن “أتاترك” نجح مدعوماً من الولايات المتّحدة الأميركية حيث فشل أسلافه: في حسم الصراع نهائيّاً لمصلحة النموذج غرب الأوروپي، ولكن بثمن قدره تفكيك الإمبراطورية ذاتها.
المراجع والمصادر
- أرشيف الجزيرة للموسوعة التاريخية – “الدرر السنية – الموسوعة التاريخية – قيام جمعية الاتحاد والترقي بعقد مؤتمر بعنوان مؤتمر أحرار العثمانية” https://dorar.net/history/event/4789
- الوثائق العثمانية – “الإصلاحات العثمانية بين تجربتي السلطان محمود الثاني و والي مصر محمد علي باشا”. دليلة عماري وسميرة دحام، أرشيف الإنترنت https://archive.org/details/20200216_20200216_1422
- Hanioğlu, M. Şükrü (2001). Preparation for Revolution: The Young Turks, 1902–1908. Oxford University Press.
- Hanioğlu, M. Şükrü (1995). The Young Turks in Opposition. Oxford University Press.
- Zürcher, Erik Jan (1984). The Unionist Factor: The Role of the Committee of Union and Progress in the Turkish National Movement 1905–1926. Brill, Leiden.
- Zürcher, Erik Jan (2010). The Young Turk Legacy and Nation Building; From the Ottoman Empire to Ataturk’s Turkey. I.B.Tauris.
- ياسين، نادية (د.ت). الاتحاديون…دراسة تاريخية في جذورهم الاجتماعية وطروحهم الفكرية. أرشيف الإنترنت.
- https://archive.org/details/3_20200809_202008
- مقدادا، شريد (2018). جمعية الاتحاد والترقي ودورها في سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية 1908-1924م. https://repository.univ-msila.dz/items/3a197e31-280b-45b2-8d61-2d6951cadb58
- Kieser, Hans-Lukas (2002). “Dr. Mehmed Reshid (1873-1919): A Political Doctor”. Academia.edu. https://www.academia.edu/1421723/Dr_Mehmed_Reshid_1873_1919_A_Political_Doctor
- Altstadt, Audrey L. (1992). The Azerbaijani Turks: power and identity under Russian rule. Hoover Institution Press, Stanford University.
- Meyer, James H. (2014). Turks across empires: marketing Muslim identity in the Russian-Ottoman borderlands, 1856-1914. Oxford University Press.
- مقال أكاديمي: “Educating Masses: The Committee of Union and Progress Clubs and Schools in the Late Ottoman Empire”. Journal of Balkan and Near Eastern Studies, Vol 24, No 4. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/19448953.2022.2037858
- مقال أكاديمي: “The Committee of Union and Progress and the Iraqi Shiites”. Islam and Christian–Muslim Relations, Vol 35, No 1. https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/09596410.2024.2308454
- موسوعة تركيا الديانت الإسلامية – “ABDULLAH CEVDET”. https://islamansiklopedisi.org.tr/abdullah-cevdet
- Encyclopedia.com – “Committee for Union and Progress”. https://www.encyclopedia.com/humanities/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/committee-union-and-progress
- بايات، علي حيدر (1992). أذربيجان’ın يگيت إيڤلادي علي بك حسين زاده (پروف. د. حسين زاده علي توران) وه تركيه’ده ياينلاديغي إيسرلري. تور دونياسي آراشتيرمالار ڤقفي، إستانبول. https://archive.org/details/BayatAliHaydar.AzerbaycannYiitEvladAliBeyHseyinzadeProf.Dr.HseyinzadeAliTuranVeT
- تورك، ڤاهت (2023). حسين زاده علي توران بك: تركچولوغون وه هالكچيليغين مورشيدي. تورك كولتورونه هزمت ڤقفي ياينلاري.
- Wikipedia (English) – “Ibrahim Temo”. https://en.wikipedia.org/wiki/Ibrahim_Temo
- Wikipedia (English) – “Abdullah Cevdet”. https://en.wikipedia.org/wiki/Abdullah_Cevdet
- Wikipedia (English) – “Mehmed Reshid”. https://en.wikipedia.org/wiki/Mehmed_Reshid
- Wikipedia (English) – “İshak Sükuti”. https://en.wikipedia.org/wiki/%C4%B0shak_S%C3%BCkuti
- Wikipedia (English) – “Ali bey Huseynzade”. https://en.wikipedia.org/wiki/Ali_bey_Huseynzade
- ويكيبيديا (التركية) – “Hüseyinzade Ali Turan” . https://tr.wikipedia.org/wiki/H%C3%BCseyinzade_Ali_Turan
- دليل الأسماء التركية الأدبية – “Ali Hüseyin (Hüseyinzâde) Turan”. https://teis.yesevi.edu.tr/madde-detay/ali-huseyin-huseyinzade-turan
- موقع السيرة – “Hüseyinzade Ali”. https://www.biyografya.com/biyografi/14268
- الجزيرة للموسوعة (2023). “جمعية الاتحاد والترقي.. منظمة علمانية تركية أسقطت الخلافة العثمانية”. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2023/3/24/جمعية-الاتحاد-والترقي-منظمة-ثورية
- ويكيبيديا (العربية) – “جمعية الاتحاد والترقي”. https://ar.wikipedia.org/wiki/جمعيةالاتحادوالترقي
- المعرفة – “جمعية الاتحاد والترقي”. https://www.marefa.org/جمعيةالاتحادوالترقي
- عرب پوست (2022). “إنقاذ مشوّه متأثر بأوروپا… لماذا جلبت بعض الإصلاحات العثمانية الانقلابات في الدولة”. https://arabicpost.net/opinions/2022/10/13/الإصلاحات-العثمانية-الانقلابات-والد/
- أكپينار، يوز (2012). “Ali Turan”. TDV İslâm Ansiklopedisi, C. 41. تركيا ديانت ڤقفي ياينلاري، ص. 408-410.
- غونگور، گوزده (2015). حسين زاده علي توران’ين حياتي وه إيسرلري اوزرينه بر إنجلمه. رسالة دكتوراه، جامعة إيگه.
- سليمانلي، إيبولفز (2006). ملتلشمه سوريجينده آذربايجان تورکلري. أوتوكن نشريات.
- مردين، شريف (1964). جون تورکلرين سياسي فيکيرلري، 1895–1908. أنقرة، تركيا إيش بانكاسي كولتور ياينلاري.
- أولكن، هلمي ضياء (2005). تركيه’ده چاغداش دوشونجه تاريخي. أولكن ياينلاري، إستانبول.
- أونن، نظام (2005). إيكي توران: ماجاريستان وه تركيه’ده تورانجيليك.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد