خلاصة تنفيذية
لم يؤسّس آل الأسد مدينة واحدة جديدة خلال أكثر من خمسة عقود من الحكم، بل دمّروا عشرات المدن والأحياء التاريخية، محواً آلاف السنين من التراث الحضاري والعمراني السوري.
يكشف هذا المقياس الحضاري الحاسم – قدرة النظام على البناء مقابل قدرته على التدمير – الطبيعة التدميرية الجوهرية للحكم الأسدي الذي اختار فلسفة المحو والهدم بدلاً من الإعمار والبناء.
طوّر مفكّرون أمثال لويس مامفورد في The City in History وأرنولد توينبي في A Study of History وفرناند بروديل مفاهيم مترابطة حول ارتباط الحضارات بقدرتها على البناء العمراني، حيث عدّ مامفورد المدينة “أعظم إنجاز للحضارة الإنسانية”، فيما ربط توينبي صعود وانهيار الحضارات بقدرتها على الاستجابة للتحدّيات عبر البناء، وأشار بروديل إلى المدن مراكز حيوية للتبادل الحضاري.
في ضوء هذا الإطار النظري، يمكن تقييم نظام الأسد الذي انتهج نهجاً مناقضاً تماماً: استخدام العمارة والتخطيط العمراني أسلحة تدمير وتفكيك اجتماعي، من مجزرة حماة 1982 وتدمير أحيائها التاريخية، إلى محو 36 ألف مبنى في حلب، وهدم جامع يلبغا التحفة المملوكية في دمشق، وصولاً إلى تدمير 88 مسجداً أثرياً، عكس وظيفة العمارة الحضارية التي تهدف إلى بناء المجتمعات وتوحيدها.
استخدم نظام الأسد شعارات “التطوير الحديث” أقنعة لإخفاء مخطّط تدميري ممنهج للتراث الحضاري، مقروناً بقمع وحشي لكلّ من تجرّأ على كشف حقيقة التدمير، من رزان زيتونة المختفية قسريّاً إلى خالد الأسعد المقتول دفاعاً عن آثار تدمر. ففي حين تُذكر الحضارات العظيمة بالمدن التي أسّستها والمعالم التي شيّدتها، سيُذكر نظام الأسد بالمدن التي دمّرها والتراث الذي محاه من الوجود، تاركاً وراءه 400 مليار دولار كلفة لإعادة إعمار ما دمّرته خمسة عقود من حضارة التدمير.

التدمير المنهجي للبنية الاجتماعية والاقتصادية
الخراب الاقتصادي والفقر المدقع
شهدت سوريا انهياراً اقتصاديّاً مدمّراً تحت حكم آل الأسد امتدّ عبر عقود متتالية. كان الاقتصاد السوريّ مترنّحاً منذ الثمانينيات، وفشلت الإصلاحات الاقتصادية المحدودة في عهد حافظ الأسد في إخراج البلاد من ركودها الاقتصادي. وازدادت الأمور سوءاً في عهد بشّار الأسد، حيث ترك النموّ الاقتصادي الظاهري الغالبية العظمى من السوريّين وراءه، وازداد الفقر والبطالة خاصّة بين الشباب.
في نهاية حزيران يونيو 2025 وصلت التكلفة الدنيا للمعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد في دمشق إلى حوالي 9 ملايين ليرة سورية (حوالي 818 دولار)، في حين لا تستطيع رواتب معظم السوريّين تغطية احتياجاتهم الأساسية. يكشف هذا التفاوت الصارخ بين تكلفة المعيشة والدخل فشل النظام الاقتصادي الأسدي في توفير حياة كريمة للمواطنين.
الفساد المؤسّسي وسيطرة الأقلّية النافذة
أسّست عائلة الأسد نظاماً اقتصاديّاً قائماً على المحسوبية والفساد المؤسّسي. سيطرت العائلة على مساحات واسعة من الاقتصاد السوري، وأصبح الفساد مستشرياً في القطاعين العام والخاص. وانتشرت هذه الممارسات بصورة أوسع في عهد بشّار الأسد، حيث أصبح المقرّبون من النظام، بقيادة أفراد عائلة الأسد مثل رامي مخلوف، أكثر جشعاً واستيلاءً، ممّا أدّى إلى اغتراب المجتمع التجاري الذي كان يدعم النظام سابقاً.
سيطر مخلوف على ما يصل إلى 65 بالمئة من الاقتصاد السوري، ممّا يوضح مدى تركيز الثروة في أيدي قلّة محدودة مقرّبة من النظام. أدّى هذا التركيز المفرط للثروة إلى تفكيك النسيج الاقتصادي التنافسي وحرمان الطبقات الوسطى والفقيرة من فرص التنمية الاقتصادية.

التدمير العمراني مقابل العجز عن البناء:
مقياس الحضارة المفقود
فلسفة التدمير بدلاً من البناء
تُقاس حضارات الأمم والدول عبر التاريخ بالمدن التي أسّستها وشيّدتها، لكنّ نظام الأسد اتّبع نهجاً معاكساً تماماً: التدمير الممنهج للمدن القائمة مع العجز الكامل عن إنشاء مدن جديدة. يكشف هذا النهج طبيعة النظام التدميرية وعجزه الحضاري الجوهري.
لم يؤسّس آل الأسد مدينة واحدة جديدة خلال أكثر من خمسة عقود من الحكم، بل اكتفوا بمشاريع إعادة تطوير عمراني على أراضي أحياء موجودة مسبقاً مع تهجير السكّان الأصليّين. ولم تكن هذه المشاريع عمارة حضارية بالمعنى الحقيقي، بل أدوات للتحكّم في التركيبة الديموغرافية والاجتماعية وإعادة تشكيل النسيج الحضري وفق رؤية سيطرة النظام.
العمارة سلاح دمار وسيطرة
استخدم نظام الأسد العمارة والتخطيط العمراني أدوات تدمير وتفكيك اجتماعي، عكس وظيفة العمارة الحضارية التي تهدف إلى بناء المجتمعات وتوحيدها. شُيّدت المجمّعات السكنية الجديدة بشكل يدمّر الانسجام المجتمعي ويرسّخ التقسيم على أساس الطبقة الاجتماعية والطائفة، مثل ضاحية الأسد في حرستا ومساكن السومرية التي عزلت العسكريّين عن باقي المجتمع (كلا المنطقتين في العاصمة دمشق).
تجلّى هذا النهج العمراني المدمّر بأوضح صوره في التدمير الممنهج للمدن التاريخية والأحياء العريقة. فبدلاً من ترميم وتطوير المدن القديمة والحفاظ على تراثها الحضاري، سعى نظام الأسد إلى محوها من الوجود تماماً كأنّها لم تكن.
التطهير العرقي استراتيجية تدمير حضري
تطوّرت سياسات التدمير العمراني في عهد بشّار الأسد لتصبح سلاحاً رئيسيّاً في الحرب، مترافقة مع استراتيجية التطهير العرقي وديموغرافي. في مطلع “ثورة الكرامة” السورية هدّد ماهر الأسد، شقيق الرئيس، بعودة سوريا إلى السبعينيات عندما استولى والدهما على السلطة، ممّا يعني تقليص عدد سكّان سوريا إلى 6 ملايين شخص من طريق الإبادة والتهجير الممنهج – وهو ما يعني تطهير المدن من سكّانها الأصليّين.
انتهك نظام الأسد القوانين الدولية المتعلّقة بسلوك الحرب من طريق إجبار ملايين الأشخاص على الفرار من مدنهم وأحيائهم لتحفيز تغييرات ديموغرافية جذرية. نُفذت هذه السياسة عبر تكتيكات منسّقة هدفت إلى تفريغ المدن من سكّانها الأصليّين وإعادة تشكيلها ديموغرافياً وعمرانياً.
التشريعات القانونية للاستيلاء على الأراضي
أصدر بشّار الأسد القانون رقم 10 في نيسان أپريل 2018، الذي ينص على أنّ أي هيئة إدارية أو مجلس محلّي لديه “الإذن بإنشاء منطقة أو أكثر من مناطق التطوير ضمن خطّة التطوير العامة للوحدات الإدارية”. يجب على ملّاك العقارات تقديم إثبات الملكية خلال ثلاثين يوماً وإلا تؤول الملكية إلى الهيئة الإدارية، وثلاثون يوماً ليست كافية لأصحاب العقارات لتقديم الأوراق خاصّة المهجّرين.
أتاح هذا القانون، الذي بُني على المرسوم 66، لنظام الأسد السيطرة على مساحات واسعة من الممتلكات الخاصة، خاصّة في المناطق التي شهدت معارضة للنظام. ويخشى كثير من السوريّين أن تعيد الحكومة توزيع ممتلكات المواطنين المسلمين السنّة على مؤيّدي الأسد والوكلاء الشيعة غير السوريّين، موفّرة مساكن لقوّات الشيعة وعائلاتهم وعلى هذا جعل وجودهم في البلاد دائماً. وهو فعلاً ما حدث بإسكان حوالي 800 ألف أجنبي مُنحوا الجنسية السورية مكافأة على قتال وتهجير السكّان الأصليّين.
اليوم، تعمل الحكومة السورية المؤقّتة (ما بعد الأسد) على إصلاح هذه الأخطاء، ابتداء بإلغاء هذه الجنسيّات غير القانونية ومروراً بإعادة الأملاك إلى أصحابها. مع الأسف، تتّهم الحكومة المؤقّتة بالتطهير العرقي بسبب جسارتها على إصلاح ما أفسده نظام الأسد.

مجازر التدمير الحضري:
محو المدن من الوجود
حماة 1982: النموذج الأوّل لمحو المدن
بدأت ممارسة محو المدن من الوجود مع مجزرة حماة عام 1982، التي شكّلت نموذجاً مبكّراً لفلسفة نظام الأسد في التعامل مع المدن: التدمير الكامل بدلاً من الإعمار والتطوير. امتدّت المجزرة 27 يوماً وخلّفت 30-40 ألف قتيل مدني، لكنّ الأهمّ من العدد هو طبيعة التدمير العمراني الممنهج.
دُمرت أحياء الكيلانية والعصيدة الشمالية والزنبقي وبين الحيرين بشكل كامل، وهي أحياء تاريخية عريقة تحمل طابعاً معماريّاً وحضاريّاً فريداً غير متكرّر في البلدان العربية. دُمّرت أحياء البارودية والباشورية والحميدية والأميرية والمناخ بنسبة 80%، ممّا يعني محو معالم حضارية وعمرانية تراكمت عبر قرون. لم يكن هذا مجرّد قمع سياسي، بل محو ممنهج للذاكرة الحضارية والعمرانية للمدينة.
الحرب السورية: تطبيق النموذج على نطاق واسع
طبّق بشّار الأسد نموذج والده في محو المدن على نطاق لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. وصل عدد المباني المدمّرة في حلب، أقدم المدن المأهولة في العالم وموقع التراث العالمي، إلى حوالي 36 ألف مبنى، ممّا يعني تدمير آلاف السنين من التراث المعماري والحضاري.
شهدت الغوطة الشرقية، التي تشكّل جزءاً من التراث الزراعي والحضاري لدمشق منذ آلاف السنين، تدمير 35 ألف مبنى، منها 9,353 مبنى مدمّراً كلّيّاً. ولم يكتفِ نظام الأسد بتدمير المباني، بل عمد إلى تدمير المدن التاريخية مثل دوما التي وصلت إلى مستوى دمار لا يمكن تصوّره خلال ستّ سنوات من الحصار.

تدمير المساجد الأثرية: محو التراث الديني والحضاري
شكّل تدمير المساجد الأثرية والدينية جزءاً لا يتجزّأ من استراتيجية نظام الأسد في محو التراث الحضاري السوري. ولم يقتصر هذا التدمير على فترة الحرب السورية، بل امتدّ عبر عقود من الحكم الأسدي، وشمل مساجد تاريخية عريقة كانت في الأصل كاتدرائيات وكنائس تحوّلت إلى مساجد عبر التاريخ، ممّا يجعل تدميرها خسارة مضاعفة للتراث المسيحي والإسلامي معاً وللتراث السابق للمسيحية كذلك.
امتدّت مشاريع التدمير لتشمل المسجد العمري في درعا، إحدى أقدم المساجد في العالم الذي يعود للقرن السابع الميلادي، الذي كانت له أهمّية تاريخية خاصّة كونه إحدى منطلقات الثورة السورية. دُمّرت مئذنته الأثرية التي بناها الخليفة عمر بن الخطاب التي كانت الأولى في كامل بلاد الشام، وذلك في نيسان أپريل 2013 بعد عدّة أيام من القصف المدفعي من قبل القوات الحكومية.
كما تعرّض الجامع الأموي الكبير في حلب لدمار واسع، الذي يعود إلى عام 717 ميلادية ويُعدّ إحدى أكبر المساجد في المدينة. دُمّرت مئذنته الفريدة التي تعود إلى عام 1090 ميلادية التي كانت تتميّز بطابع معماري فريد يجمع بين العناصر المتوسّطية والعمارة القوطية النادرة في المنطقة. المئذنة الشهيرة التي شمخت فوق مدينة حلب القديمة لما يقارب ألف عام سقطت خلال تبادل إطلاق النار الكثيف عام 2013.
شهدت مجزرة حماة عام 1982 تدمير 88 مسجداً، ممّا يظهر النهج الممنهج في استهداف دور العبادة والمعالم الدينية. لم يكن هذا التدمير مجرّد ضرّر جانبي للقتال، بل كان جزءاً من استراتيجية متعمّدة لمحو الذاكرة الدينية والحضارية للمجتمعات المحلّية.
العديد من هذه المساجد المدمّرة كانت تحتوي على مخطوطات إسلامية وما قبل إسلامية نادرة، كما حدث في الجامع الأموي في حلب حيث فُقدت مخطوطات ثمينة بسبب الحريق الذي شبّ في المكتبة الملحقة بالمسجد في آذار مارس 2013. كانت هذه المخطوطات تمثّل كنوزاً لا تُقدّر بثمن من التراث الفكري والديني السوري.
تدمير الكنس اليهودية والكنائس المسيحية: محو التنوع الديني

التدمير الممنهج للتراث اليهودي السوري
شملت سياسات نظام الأسد التدميرية أيضاً التراث اليهودي في سوريا، الذي يعود إلى آلاف السنين. بحلول عام 2020، دُمّر ما يقارب نصف المواقع اليهودية في سوريا، وفقاً لتقرير مؤسّسة التراث اليهودي. كان كنيس جوبر (إلياهو هنبي) في دمشق إحدى أبرز ضحايا هذا التدمير، الذي يُعدّ من أقدم الكنس في العالم الذي تشير لوحة رخامية عربية عند البوابة أنّه بُني أوّل مرة قبل 720 عاماً من المسيح.
دُمّر الكنيس بشكل شبه كامل عام 2014 نتيجة قصف القوّات الحكومية، حيث تحوّل كنيس جوبر في دمشق إلى أنقاض في معظمه في عام 2014، إحدى أماكن العبادة اليهودية القليلة التي كان لا يزال يزورها حفنة من كبار السن اليهود. انهارت الجدران والأسقف. بعض المصنوعات الأثرية مفقودة، مما يعني فقدان كنوز تاريخية ودينية لا تُقدر بثمن.
شمل التدمير سرقة ونهب المخطوطات الثمينة والمصنوعات الأثرية النادرة. في عام 2018، اعتقلت الشرطة التركية عدّة مشتبه بهم في قضية سرقة وتهريب مخطوطات من كنيس جوبر. والقي القبض على المشتبه بهم وهم يحاولون بيع مخطوطات التوراة المحفورة على جلد الغزال والمطرّزة بالذهب والزمرد والياقوت الأحمر بما يعادل مليوني دولار.

انتهاك الاستمرارية التاريخية لليهود السوريّين
كان لسوريا تاريخ يهودي عريق يمتدّ لآلاف السنين. للمجتمع اليهودي في سوريا تاريخ يمتدّ لما يقارب 3000 عام، بدءاً من زمن النبي إيليا في دمشق. بعد الحملة الصليبية الأولى عام 1099، فرّ حوالي 50 ألف يهودي من القدس واستقرّوا في دمشق، مشكّلين جزءاً كبيراً من سكّان المدينة. وبحلول أوائل القرن العشرين، وصل عدد اليهود السوريّين إلى حوالي 100 ألف.
اليوم، لم يبق في سوريا سوى تسعة يهود، مما يظهر النجاح المدمّر لسياسات نظام الأسد في محو هذا المكوّن التاريخي من النسيج السوري. سبب هذا التراجع الدراماتيكي كان “الاضطهاد المستمر المدعوم من الدولة والسياسات التمييزية”، وفقاً للتقرير.

تدمير الكنائس المسيحية: استهداف أقدم الجماعات المسيحية
لم تسلم الكنائس المسيحية من سياسات التدمير الممنهج لنظام الأسد، برغم ادّعاءاته حماية الأقلّيات. وفقاً لتقرير صادر في 9 أيلول سبتمبر من الشبكة السورية لحقوق الإنسان، هناك أدلة على استهداف نظام الأسد للكنائس والمساجد والمواقع الدينية في سوريا بين آذار مارس 2011 وأيلول سبتمبر 2019.
اعتباراً من عام 2019، استهدفت القوّات الحكومية حوالي 61% من الكنائس المتضرّرة في الحرب الأهلية السورية. خمس وسبعون من الهجمات – 60% – جاءت من القوّات الموالية للأسد ضدّ 48 موقعاً مسيحيّاً منفصلاً. تلك القوات شملت الجيش السوري وقوّات الأمن والميلشيات المحلّية والميلشيات الشيعية الأجنبية.
أمثلة على التدمير المسيحي الممنهج
دُمّر أكثر من 120 كنيسة ودار عبادة مسيحية خلال الحرب. شملت الهجمات استهداف كنائس لا تقع بالقرب من أي منشآت أو معدّات عسكرية، وتحويل دور العبادة إلى مراكز للعمليات العسكرية.
شهدت محافظة حلب أكبر عدد من الهجمات على الكنائس المسيحية، وفقاً للتقرير، تليها محافظة حمص ثم ضواحي دمشق. كانت قوّات نظام الأسد مسؤولة عن أكبر عدد من الهجمات في محافظة حمص، بـ 27 حادثة، و20 حادثة أخرى في ضواحي دمشق.
من أبرز الأمثلة كنيسة أم الزنّار في حمص (دار عبادة يقول السكّان المحلّيون أنّها تعود إلى القرون الأولى للمسيحية)، ومسجد خالد بن الوليد (الذي يبلغ عمره 1400 عام)، التي دُمّرت ضمن ما وصفه السوريّون بسياسة “الأرض المحروقة” للأسد.
التلاعب بقضية الأقلّيّات الدينية
استخدم نظام الأسد قضية حماية الأقليات الدينية ورقة سياسية لكسب الدعم الدولي، في حين كان يدمّر تراثهم الديني فعليّاً. استخدم التهديد من الجماعات الإسلامية المتطرّفة، برغم أنّه خلّى سبيل العديد من مقاتليهم من السجن في وقت مبكّر من الثورة وتعامل معهم اقتصاديّاً لاحقاً، نجح الأسد في الاحتفاظ بشرعية نسبية بين بعض الأوساط السياسية الغربية برغم الرفض الرسمي لحكومته.
ذكرت بعض المقالات الإعلامية أنّ السلطات استخدمت الدين سلاحاً للمكاسب السياسية، حيث تحدّث الأسد عن “إن تهجير المسيحيّين هو هدف رئيس للمخطّطات الخارجية للمنطقة، لكنّه بشكل أساسي هدف إسرائيلي”، في حين كانت قوّاته تدمّر الكنائس والمساجد على حدّ سواء.
التأثير طويل المدى على التنوّع الديني
أدّت سياسات نظام الأسد إلى تدمير النسيج الديني المتنوّع الذي ميّز سوريا عبر التاريخ. في حلب، ثاني أكبر مدن البلاد، انخفضت نسبة السكّان المسيحيّين من 12% قبل الحرب إلى 1.4% في عام 2023 مع تضرّر أكثر من 20 كنيسة خلال الحرب.
يمثّل تدمير التراث الديني اليهودي والمسيحي جزءاً لا يتجزّأ من استراتيجية نظام الأسد الشاملة لمحو الذاكرة الحضارية السورية. فبدلاً من الحفاظ على التنوّع الديني الذي ميّز سوريا لآلاف السنين، سعى النظام إلى تدمير هذا التراث تحت ذرائع مختلفة، مساهماً في تفكيك النسيج الاجتماعي والثقافي الذي جعل من سوريا ملتقى الحضارات والأديان.

النمط المقنّع: تدمير المساجد تحت ستار الترميم
نمطان مختلفان للتدمير: العسكري والمقنّع
طوّر نظام الأسد أسلوبين متميّزين لتدمير المساجد الأثرية عبر العقود. النمط الأوّل كان التدمير العسكري المباشر كما حدث في حماة عام 1982، حيث دُمّر 88 مسجداً أثريّاً جزء من القمع العسكري الوحشي. أمّا النمط الثاني فكان أكثر مكراً وخبثاً: التدمير “المقنّع” تحت ذريعة الترميم والتطوير.
استُخدم هذا النمط المقنع على نطاق واسع في مناطق مختلفة من سوريا، خاصّة في غوطة دمشق والمناطق التي لم تشهد مقاومة مسلّحة. لم يكن الهدف القمع السياسي كما في حماة، بل سرقة منهجيّة للآثار والكنوز التاريخية وتهريبها خارج البلاد، مع محو الذاكرة الحضارية للمجتمعات المحلّية.
مسجد دوما الكبير: نموذج التدمير المقنّع
من أبرز الأمثلة على هذا النمط التدميري ما حدث لمسجد دوما الكبير عام 1983، الذي يمثّل نموذجاً مثاليّاً لكيفية محو نظام الأسد للتراث الحضاري تحت ذرائع مضلّلة. كان هذا المسجد يحمل طبقات حضارية متراكمة عبر آلاف السنين، بدءاً من معبد آرامي قديم مكرّس لعبادة الشمس يُسمى “الدوم” (أي المعبد العظيم بالآرامية)، مروراً بكنيسة مسيحية بناها بنو تغلب العرب الأرثوذكس، وصولاً إلى تحويلها إلى مسجد عام 1136 عندما اعتنق أهل دوما الإسلام.
هدمت وزارة الأوقاف السورية البناء التاريخي كاملاً عام 1983، بحجّة التوسيع والتحديث، ممّا أدّى إلى فقدان ألف عام من الطبقات المعمارية والأثرية التي كانت تحكي تاريخ التطوّر الديني والحضاري في المنطقة. لم يكن هذا التدمير مجرّد خسارة معمارية، بل محو لسجلّ تاريخي حي يشهد على العيش المشترك والتحوّل الحضاري عبر العصور.
الأسلوب المزدوج: الدعاية والتدمير السرّي
ما يميز النمط المقنّع عن التدمير العسكري هو استخدام المؤسّسات الدينية الرسمية لإضفاء الشرعية على عمليات النهب. أمر حافظ الأسد في الثمانينيات، خلال صراعه مع الإخوان المسلمين، بإجراء ترميمات في الجامع الأموي بدمشق ونُشرت صوره وهو يتفقّده ونُصبت لوحة تذكارية تشير إلى أنّ الترميم تمَّ بتوجيه من “سيادة القائد المؤمن الرئيس حافظ الأسد”، في الوقت الذي كان يدمّر فيه عشرات المساجد الأثرية في أنحاء البلاد سرّاً.
يكشف هذا الأسلوب المزدوج – ترميم مسجد واحد كبير للدعاية مع تدمير عشرات المساجد الأثرية سرّاً – الطبيعة المخادعة لسياسات نظام الأسد. ففي حين كان يُظهر نفسه حامي للتراث الإسلامي في الإعلام، كان يمحو التراث الحقيقي من طريق وزارة الأوقاف التي تحوّلت إلى أداة تدمير ونهب بدلاً من الحماية.
استخدم نظام الأسد نفس الأسلوب المقنع في مناطق أخرى من ريف دمشق وغوطتها، حيث كانت عمليّات “الترميم” تتضمّن سرقة الأحجار الأثرية والنقوش والعناصر المعمارية القيّمة وتهريبها خارج سوريا بسرّية فائقة، فيما تُشيّد في مكانها مبانٍ حديثة تفتقر لأيّ قيمة تاريخية أو حضارية. مهّدت هذه الممارسات في الثمانينيات الطريق لحملة التدمير الأوسع التي شهدتها سوريا لاحقاً، وأثبتت أنّ تدمير التراث كان استراتيجية ثابتة لنظام الأسد منذ بداياته.

جامع يلبغا: التحفة المملوكية المفقودة
من أبرز الجرائم ضدّ التراث الإسلامي في سوريا تدمير جامع يلبغا الأثري في دمشق، الذي هدمه حافظ الأسد عام 1975. كان هذا الجامع تحفة معمارية مملوكية نادرة ومن أكبر مساجد دمشق التاريخية خارج أسوار المدينة القديمة، بُني عام 1347 ميلادية على مساحة 4500 متر مربع في ساحة المرجة.
عدّه الرحالة والمؤرّخون القدماء من محاسن الشام، وكتب فيه مفتي المالكية في دمشق أبو الفتح يوسف المالكي قصيدة شعرية قال فيها: “كم نزهة في يلبغا تبتغى ودارج لم يخل من دارج – يموج في بركته ماؤها تحت منار ليس بالمايج – مئذنة قامت على بابه تشهد للداخل والخارج!”.
وصفه المؤرّخ أبو البقاء البدري بأنّه “من أحسن الجوامع ترتيباً ومتنزهاً، بصحنه بركة ماء مربّعة داخلها فسقية مستديرة بها نافورة يتشامخ منها الماء إلى طول قامة إنسان”. كان الجامع مركزاً للتعليم والفنون، وضمّ مكتبة كبيرة نُقلت محتوياتها لاحقاً إلى المكتبة الظاهرية.
هدم نظام الأسد هذه التحفة المعمارية التي صمدت أكثر من 600 عام من دون مبرّر حضاري، ونقل بعض آثاره إلى متحف دمشق الوطني، محوّلاً موقعه إلى بناء حديث مهمل. يجسّد هذا التدمير نهج نظام الأسد في التعامل مع التراث: الهدم والمحو بدلاً من الحفاظ والترميم.

قناع “التطوير الحديث”: إخفاء التدمير الممنهج
استخدم نظام الأسد شعارات “التطوير الحديث” و”التحديث” و”المنفعة التجارية” أقنعة لإخفاء مخطّط تدميري ممنهج للتراث الحضاري السوري. كانت هذه الشعارات البرّاقة تهدف إلى إضفاء الشرعية على عمليّات المحو الحضاري، في حين كان الهدف الحقيقي تفكيك الذاكرة التاريخية والهوية الحضارية للمجتمع السوري.
اقترن هذا المخطّط التدميري بقمع وحشي لكلّ من تجرّأ على كشف حقيقة ما يحدث. اعتُقل وسُجن وأُعدم واغتيل علماء الآثار والمؤرّخون والمثقّفون الذين حاولوا فضح التدمير الممنهج المخفي تحت شعارات التحديث. ضَمِن هذا القمع استمرار التدمير في صمت، بعيداً عن أعين الرأي العام المحلّي والدولي.
لم تكن عمليات الهدم قرارات عشوائية أو نتيجة ضغوط اقتصادية، بل جزء من استراتيجية مدروسة لمحو التراث المعماري والحضاري الذي يربط السوريّين بتاريخهم وبهويّتهم. فالنظام الذي يريد السيطرة المطلقة على الشعب يحتاج أوّلاً إلى قطع صلته بجذوره التاريخية وذاكرته الحضارية.

المدافعون المفقودون: رزان زيتونة ومعارك حماية التراث
من أبرز الشواهد على القمع الوحشي لمن يدافع عن التراث السوري قضية المحامية رزان زيتونة، التي أدّت دوراً مهمّاً في الدفاع عن الآثار السورية قبل ثورة الكرامة ثمّ اختفت في ظروف غامضة في أثناء الحرب. كانت زيتونة محامية وناشطة في حقوق الإنسان منذ تخرجها عام 1999، وعضواً في فريق الدفاع عن المعتقلين السياسيّين ومعتقلي الرأي، وعضواً مؤسّساً في جمعية حقوق الإنسان في سوريا.
أسست زيتونة عام 2005 “رابط معلومات حقوق الإنسان في سوريا” ليكون قاعدة بيانات لانتهاكات نظام الحكم لحقوق الإنسان، بما في ذلك انتهاكاته ضدّ التراث الثقافي والآثار. بعد اندلاع الانتفاضة، شاركت رزان في تأسيس لجان التنسيق المحلّية ومركز توثيق الانتهاكات في سوريا، حيث وثّقت جرائم نظام الأسد ضد التراث الحضاري السوري.
في 9 كانون أوّل ديسمبر 2013، اختُطفت زيتونة مع زوجها وائل حمادة والمحامي ناظم الحمادي والناشطة سميرة الخليل من مقرّ مركز توثيق الانتهاكات في دوما. كان هذا الاختطاف بعد تلقيها رسائل تهديد وإطلاق رصاص على بابها، ولا يزال مصيرهم الأربعة مجهولاً برغم مرور أكثر من عقد على اختفائهم.

شهداء التراث: خالد الأسعد ونماذج أخرى
يتقاطع مصير رزان زيتونة مع مصائر أخرى من المدافعين عن التراث السوري. من أبرزهم عالم الآثار خالد الأسعد، رئيس آثار تدمر لأكثر من أربعين عاماً، الذي أعدمته داعش علناً في آب أغسطس 2015 لرفضه الكشف عن مواقع الآثار المخبّأة. كرّس الأسعد البالغ من العمر 82 عاماً حياته لحماية تدمر وتراثها، وعُلّق جسده مقطوع الرأس على عمود أثري في المدينة.
كما قُتل في نفس الفترة قاسم عبد الله يحيى، المدير المساعد للمختبرات في المديرية العامة للآثار والمتاحف، ما شكل ضربتين موجعتين للمجتمع الأثري السوري في أسبوع واحد. لم تكن هذه الاغتيالات الممنهجة للمتخصّصين في التراث عشوائية، بل جزء من استراتيجية محو الذاكرة الحضارية.
الملاحظ أنّ نظام الأسد تعامل مع هؤلاء المدافعين عن التراث بنفس القسوة التي تعامل بها مع المعارضين السياسيّين، ممّا يؤكّد أنّ حماية التراث كانت تُعدّ عملاً سياسيّاً معادياً للنظام، وأنّ كل من يحاول توثيق أو حماية الآثار السورية كان يواجه مصير الاعتقال أو الاختفاء أو القتل.

الستار المزيف: قوانين حماية الآثار أداة نهب
كشفت الوثائق والشهادات بعد سقوط النظام أنّ قوانين “حماية الآثار” التي وضعها نظام الأسد منذ زمن حافظ الأسد وابنه بشّار كانت في الواقع ستاراً لنهب ثروات الوطن الأثرية، وأداة حديدية لضرب كل من ينافس النظام على الحفر والتنقيب عن الكنوز الأثرية. لم تكن هذه القوانين تهدف لحماية التراث، بل لاحتكار النظام لعمليّات السرقة والنهب الممنهج.
العديد من المتخصّصين في الآثار والتراث الذين حاولوا فضح هذه الممارسات أو الدفاع عن حقيقة التراث السوري تعرّضوا للتهديد والاعتقال، لكنّ أسماء الكثيرين منهم لا تزال مطمورة في سجلّات النظام السرّية. ما يُعرف منهم هو غيض من فيض، والكثير من قضايا الاختفاء والاعتقال لمدافعين عن التراث قبل الثورة لا تزال في طيّ الكتمان.
هذا النمط من إخفاء الحقائق وطمس الأدلة جزء من استراتيجية نظام الأسد الشاملة في محو كل من يقف في وجه مخطّطه التدميري للتراث والذاكرة الحضارية السورية، حيث كان الصمت القسري هو الثمن الذي يدفعه كل من يجرؤ على الدفاع عن الآثار ضدّ سياسات النهب الممنهج.

التعاون المشبوه مع داعش:
استراتيجية التدمير المقنّع
يعتقد الكثير من السوريّين، بمن فيهم خبراء الآثار والمحلّلون، أنّ داعش وتصرّفاته في سوريا كانت في جوانب كثيرة منها ستاراً وواجهة مقنّعة لنظام الأسد، خاصّة فيما يتعلّق بنهب وتدمير المواقع الأثرية. وليد الأسعد، الذي خلف والده مدير للآثار والمتاحف في تدمر، أكّد قائلاً: “أنا مقتنع تماماً أنّ النظام الإجرامي للأسد أعطى الأمر بإعدام والدي، لأنّ داعش نفّذت كل ما لم يرد النظام أن يفعله بيديه”.
اتّخذ نظام الأسد قراراً استراتيجيّاً بدعم والتسهيل لاستمرار بقاء تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا في محاولة لتصوير جميع أفراد المعارضة السورية “إرهابيّين”. شملت هذه الاستراتيجية إطلاق سراح الإرهابيّين الإسلاميّين المتشدّدين في أولى سلسلة من العفو الرسمي في أيّار مايو 2011، حيث غطّى المرسوم رقم 61 “جميع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والمعتقلين الآخرين المنتمين للحركات السياسية”.
الشراكة الاقتصادية المشبوهة في النفط والآثار
كشفت الوثائق والتقارير عن علاقات تجارية مشبوهة بين نظام الأسد وداعش. في كانون ثاني يناير 2017، أشار مسؤولون أمريكيّون إلى أنّ الإيرادات من النفط والغاز المباعة لحكومة الرئيس بشّار الأسد أصبحت المصدر الرئيس لإيرادات داعش. كما ذكر المسؤولون الغربيّون في عام 2015 أنّ الحكومة السورية وداعش تديران معاً محطّة غاز في الطبقة باستخدام وسطاء لتزويد الكهرباء لكلّ من المناطق التي يسيطر عليها الأكراد وداعش.
منشقّو داعش الذين قوبلوا من قبل الأكاديميّين في 2015 و2016 أفادوا بأنّهم “محبطون من التحالفات المزعجة التي تضمّنت بيع مخازن القمح والنفط للأسد، النفط الذي وجد طريقه لاحقاً إلى البراميل المتفجّرة التي تمطر على المدنيّين السوريّين”.
تدمر: المسرح المقصود للدعاية المزدوجة
يؤكّد وليد الأسعد أنّ “بالنسبة للنظام المنهار، مثّلت المدينة بطاقة عالية القيمة لعبها ببراعة على مستويات متعدّدة”، مضيفاً أنّ “النهب المفتوح وتدمير الآثار من قبل داعش ترك المجتمع الدولي أمام خيار ثنائي: إمّا قبول استمرار حكم نظام الأسد حامٍ للتراث العالمي، أو قبول داعش”.
وعند الحديث عن إغلاق المنطقة الأثرية في تدمر وتقييد الوصول للقوّات الروسية وأجهزة أمن النظام والميلشيات الطائفية المتحالفة تحت ذريعة إزالة الألغام، يزعم الأسعد أنّ الهدف الحقيقي كان “خلق فرصة للبحث عن الكنوز والآثار”.
الأدلّة على الاتّجار المشترك بالآثار
الوثائق التي حُصل عليها خلال نفس الغارة على أبو سياف تبرهن أنّ داعش منظّمة لرعاية النهب والاتّجار بالآثار من أجل الربح. شملت الأشياء التي أُعيدت آثاراً نُهبت من تدمر قبل أن يحتلّها داعش، عندما كانت تحت سيطرة الجيش السوري الحرّ أولاً، ثم الجمهورية العربية السورية.
تُظهر الأدلة أنّ “آثار الصراع من أفاميا لا تموّل الدولة الإسلامية: إنّها تمول نظام الأسد”، ممّا يكشف شبكة معقّدة من التجارة غير المشروعة تتضمّن كلّاً من النظام والجماعات المسلحة.
استراتيجية تجنّب المواجهة المباشرة
في البداية، تجنّب نظام الأسد قتال داعش، خاصّة حين كانت تلك الجماعة تهاجم قوّات المتمرّدين المنافسة للاستيلاء على الأراضي منهم، مع خسائر فادحة في جميع الأطراف. استجاب المسلّحون لضبط النفس من النظام بتجنّب الصراع مع الجيش السوري، وبدلاً من ذلك توسّعوا وعزّزوا سيطرتهم على الأراضي التي كانت تسيطر عليها سابقاً الميلشيات المتمرّدة المنافسة.
في بعض الأحيان، اتّفق نظام الأسد وداعش على عدّة صفقات إخلاء، وأحياناً بدا النظام يتواطأ مع داعش في محاولة لتشجيع الجماعة على مهاجمة جماعات المتمرّدين المعتدلة.
تصريحات المسؤولين حول التواطؤ
بدأ الأمر عندما أطلق بشّار الأسد سراح الجهاديّين المعتقلين بعد انتفاضة حماة الفاشلة عام 1982، وأرسلهم إلى العراق عام 2003 لمواجهة الأمريكيّين. مع خلق الثورة السورية مساحات واسعة غير محكومة بعد بدايتها في آذار مارس 2011، عاد بعض الجهاديّين السوريّين الذين انضمّوا إلى داعش في العراق إلى سوريا.
يكشف هذا التواطؤ المدروس كيف استخدم نظام الأسد داعش أداة مزدوجة: أولاً لتبرير وحشيّته ضدّ المعارضة تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”، وثانياً لتنفيذ مخطّطه التدميري للتراث السوري من طريق وكلاء يحملون رايات دينية مزيّفة، ممّا يخفي الهدف الحقيقي المتمثّل في محو الذاكرة الحضارية السورية.
تصاعد نهب الآثار بعد سقوط النظام: استمرارية التدمير
مع سقوط نظام الأسد في كانون ثاني ديسمبر 2024، شهدت سوريا “أكبر فيضان من تهريب الآثار” على الإطلاق، حسب ما تؤكّد كاتي بول، المديرة المشاركة لمشروع بحوث تهريب الآثار والأنثروبولوجيا التراثية. وفقاً لبيانات المشروع، فإنّ ما يقرب من ثلث الحالات الـ1500 لتهريب الآثار السورية الموثّقة منذ 2012 حدثت في الأشهر التي تلت سقوط الرئيس السابق بشّار الأسد.
سوريا، التي تقع في وسط الهلال الخصيب، هي واحدة من البلدان التي تضمّ أعلى تركيز للمواد الأثرية والتاريخية في الشرق الأوسط. الفسيفساء والتماثيل والنقوش والسيراميك: كل شيء له قيمة وكل شيء يمكن بيعه. والأسباب في ذلك متعدّدة، من ناحية الفقر المنتشر حيث تقدّر أنّ 90% من السكّان يعيشون في فقر.
تعمل شبكات إجرامية باستخدام آلات ثقيلة لاستخراج فسيفساء وتماثيل كاملة من المواقع الأثرية، في حين يشارك الهواة والمتخصّصون في التهريب. يقوم الأفراد بحفر مواقع التراث، كما هو الحال في تدمر، باستخدام أجهزة الكشف عن المعادن والمجارف.
يؤكّد هذا التصاعد في نهب الآثار أنّ تدمير التراث السوري لم يكن مقتصراً على فترة الثورة أو وجود داعش، بل هو نتيجة لعقود من إهمال نظام الأسد وتدميره الممنهج للبنية الحضارية، تاركاً وراءه مجتمعاً محطّماً يرى في آثاره مصدراً للبقاء على قيد الحياة بدلاً من رمز للهوية الوطنية.

الأثر على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي
أدّت سياسات نظام الأسد إلى تفكيك الهوية السورية الجامعة وتعزيز الانقسامات الطائفية والقومية.
أدّت المبالغة في الدعاية وتعميق الأهمية المرتبطة بإقامة عبادة الشخصية حول البطاركة الأسديّين إلى التقليل من أهمّية الهوية السورية ذاتها بسبب ازدواجية الواقع. منعت الدولة الآراء السياسية الخاصّة النقدية للنظام وشجّعت المواطنين على الإبلاغ عن الأقارب والأصدقاء الذين يظهرون مواقف غير مرغوب بها.
خلقت هذه السياسات مجتمعاً مفكّكاً اجتماعيّاً، حيث تآكلت الثقة بين أفراد المجتمع وحلّت محلّها شبكة من الرقابة والخوف المتبادل.

تُقاس الحضارة بالمدن المبنية لا بالمدن المدمّرة
يُمثّل إرث آل الأسد في سوريا تطبيقاً عمليّاً لما وصفه أرنولد توينبي في نظريّته حول «التحدّي والاستجابة» Challenge and Response آليّة لانهيار الحضارات. فبدلاً من الاستجابة الإبداعية للتحدّيات التنموية والاجتماعية، اختار نظام الأسد نمط «الاستجابة التدميرية» Destructive Response الذي يقضي على مصادر التحدّي ذاتها عبر محوها من الوجود.
وفق منهجية لويس مامفورد في تحليل دورة حياة المدن، مرّت المدن السورية تحت الحكم الأسدي بمراحل «التفكك الحضري» Urban Dissolution و «الانحلال العمراني» Metropolitan Breakdown، حيث تحوّلت المدن من كونها “مراكز للتبادل الثقافي والاقتصادي” إلى “مساحات للسيطرة والقمع”، ممّا يتناقض جذريّاً مع تعريف مامفورد للمدينة الحضارية «رمز للوحدة الإنسانية الممكنة».
النموذج الأسدي حالة دراسية في “التدمير المؤسّسي”
يُقدّم نظام الأسد نموذجاً فريداً لما يمكن تسميته «التدمير المؤسّسي الممنهج» Systematic Institutional Destruction، وهو مفهوم يتجاوز التدمير العسكري التقليدي ليشمل التفكيك المدروس للبنى الحضارية والثقافية. يتطابق هذا النموذج مع ما حذّر منه جوزيف تاينتر في The Collapse of Complex Societies حول كيفية تحول المؤسّسات من “آليّات حلّ المشاكل” إلى “مصادر للمشاكل ذاتها”.
طبّق نظام الأسد عمليّاً ما وصفه تاينتر بـ«الانهيار التدريجي» Gradual Collapse، حيث تتآكل المؤسّسات الحضارية تدريجيّاً عبر سوء الإدارة والفساد والعنف، لكنّه أضاف عليه بُعداً جديداً هو «التدمير المقصود» للبدائل الحضارية، ممّا يجعل عملية الانتعاش الحضاري أصعب وأعقد.
القراءة الأنثروبولوجية: تدمير «الذاكرة الجماعية»
من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية، استهدف نظام الأسد ما يُسمّيه موريس هالبواكس «الذاكرة الجماعية» Collective Memory عبر تدمير «إطاراتها المكانية» Spatial Frameworks. فالمساجد الأثرية والأحياء التاريخية والمعالم العمرانية تُشكّل ما يُعرف في الأدبيّات الأنثروبولوجية بـ«مراسي الذاكرة» Memory Anchors التي تربط المجتمع بماضيه وهويته.
تدمير جامع يلبغا وأحياء حماة التاريخية والجامع الأموي في حلب لا يُمثّل مجرّد خسارة معمارية، بل “قطع صلة الوصل النفسية والثقافية” بين المجتمع السوري وتراثه الحضاري، وهو ما يُعرف في أدبيّات دراسات الذاكرة بـ«القتل الحضاري» Cultural Killing أو «الإبادة الحضارية» Cultural Genocide.
التكلفة الحضارية طويلة المدى: «متلازمة ما بعد الحضارة»
تشير الدراسات في علم الاجتماع الحضري إلى أنّ المجتمعات التي تتعرّض لتدمير ممنهج لبنيتها العمرانية تُصاب بما يُمكن تسميته «متلازمة ما بعد الحضارة» Post-Civilization Syndrome، حيث تفقد قدرتها على التخطيط طويل المدى والاستثمار في المشاريع الحضارية الكبرى.
تتجلّى هذه المتلازمة في تراجع «الثقة المؤسّسية» Institutional Trust و «التماسك الاجتماعي» Social Cohesion، ممّا يجعل عملية إعادة البناء الحضاري تتطلّب ليس فقط موارد مالية (400 مليار دولار)، بل أيضاً “إعادة تأهيل نفسية واجتماعية” قد تستغرق أجيالاً.
نحو نموذج نظري جديد: «علم آثار الدمار المعاصر»
يُساهم النموذج السوري في تطوير مجال بحثي جديد يُمكن تسميته «علم آثار الدمار المعاصر» Contemporary Archaeology of Destruction، الذي يدرس كيفية توثيق وتحليل التدمير الممنهج للحضارات في العصر الحديث. يتطلّب هذا المجال تطوير منهجيّات جديدة لقياس وتوثيق “الخسارة الحضارية” وتأثيرها على المجتمعات.
من طريق دراسة الحالة السورية، يُمكن تطوير «إشارات الانهيار الحضاري المبكّر» Early Civilizational Collapse Indicators التي تشمل: معدّل تدمير المعالم التاريخية، نسبة المدن الجديدة إلى المدن المدمّرة، مستوى التطهير الثقافي والديمغرافي، ودرجة تفكّك المؤسّسات الحضارية.
الخلاصة العلمية: درس في علم انهيار الدول
يُقدّم النموذج الأسدي درساً عمليّاً في «علم انهيار الدول» Collapse Studies يؤكّد أنّ الحضارات لا تنهار فقط بسبب العوامل الخارجية أو النقص في الموارد، بل يُمكن أن تُدمّر عمداً من الداخل عبر أنظمة تختار “فلسفة التدمير” على “فلسفة البناء”.
يحمل هذا الدرس تحذيراً علميّاً مهمّاً: عندما تفقد المؤسّسات الحاكمة قدرتها على البناء والإبداع، وتتحوّل إلى آليّات للتدمير والقمع، فإنّ المجتمع يدخل في “دورة الانحلال الحضاري” التي قد تكون أكثر تدميراً من أي كارثة طبيعية أو غزو خارجي.
سوريا المستقبل تحتاج ليس فقط إلى إعادة إعمار، بل إلى “ثورة حضارية” حقيقية تُعيد اكتشاف قدرة المجتمع السوري على البناء والإبداع والإعمار، لتستعيد مكانتها مهد للحضارة الإنسانية في قلب العالم القديم.
المراجع العلمية
- World Bank (2024). Syria Economic Monitor Spring 2024: Conflict, Crises and the Collapse of Household Welfare. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2024/05/24/syria-growth-contraction-deepens-and-the-welfare-of-syrian-households-deteriorates
- UNDP (2025). The Impact of the Conflict in Syria: A Devastated Economy, Pervasive Poverty and a Challenging Road Ahead to Social and Economic Recovery. https://www.undp.org/syria/press-releases/accelerating-economic-recovery-critical-reversing-syrias-decline-and-restoring-stability
- UN ESCWA & UNCTAD (2024). Syria at the Crossroads: Towards a Stabilized Transition. https://www.unescwa.org/news/syria-crossroads-new-escwa-unctad-report-warns-economic-ruin-pointing-potential-pathways
- Middle East Monitor (2024). “Ousted Assad Regime Leaves Syria, Economy in Ruins.” 18 December 2024. https://www.middleeastmonitor.com/20241218-ousted-assad-regime-leaves-syria-economy-in-ruins/
- World Bank (2023). Syria Economic Monitor Winter 2022/2023. https://www.worldbank.org/en/country/syria/publication/syria-economic-monitor-winter-2022-2023
- Financial Times (Various Years). Reports on Rami Makhlouf’s Economic Control. (مذكور في ويكيبيديا: يُقدر سيطرته على 60% من الاقتصاد السوري)
- The Tahrir Institute for Middle East Policy (2020). “The Demise of Makhlouf: A Shift in Syria’s Internal Power Dynamics.” 11 August 2020. https://timep.org/2020/08/11/the-demise-of-makhlouf-a-shift-in-syrias-internal-power-dynamics/
- Syria Direct (2020). “The Known Investments of Rami Makhlouf, Symbol of Corruption in Assad’s Syria.” 1 December 2020. https://syriadirect.org/the-known-investments-of-rami-makhlouf-symbol-of-corruption-in-assads-syria-infographic/
- Middle East Eye (2020). “Rami Makhlouf Takes Spat with Syria’s Assad Public in Video Plea.” 4 May 2020. https://www.middleeasteye.net/news/rami-makhlouf-call-syrias-assad-rescue-his-business-empire-collapsing
- Arab News (2020). “Rami Makhlouf vs. Bashar Assad: Rift Within Syria’s Ruling Family?” https://www.arabnews.com/node/1677061/amp
- Syrian Network for Human Rights (2022). “The 40th Anniversary of the 1982 Hama Massacre Coincides with Rifaat al Assad’s Return to Bashar al Assad.” https://snhr.org/blog/2022/02/28/57397/
- Al Jazeera (2025). “Hama: A Rebellious Syrian Town That Can Finally Mourn the Assad Massacre.” 27 February 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/2/27/hama-a-rebellious-syrian-town-that-can-finally-mourn-the-assad-massacre
- Council on Foreign Relations (2012). “Remembering the Hama Massacre.” 2 February 2012. https://www.cfr.org/blog/remembering-hama-massacre
- Amnesty International (2012). “Syria: 30 Years On, Hama Survivors Recount the Horror.” https://www.amnesty.org/en/latest/news/2012/02/syria-years-hama-survivors-recount-horror/
- NPR (2012). “30 Years Later, Photos Emerge From Killings in Syria.” 1 February 2012. https://www.npr.org/2012/02/01/146235292/30-years-later-photos-emerge-from-killings-in-syria
- PBS Frontline (2022). “The Troubled History of Hama, Syria.” https://www.pbs.org/wgbh/frontline/article/the-troubled-history-of-hama-syria/
- Syrian Human Rights Committee (2025). “The Hama Massacre: February 1982 – A Crime of Genocide … And the Day of Reckoning Has Come.” https://www.shrc.org/en/?p=34367
- Sciences Po Mass Violence and Resistance Research Network. “The Hamah Massacre – February 1982.” https://www.sciencespo.fr/mass-violence-war-massacre-resistance/en/document/hamah-massacre-february-1982.html
- Human Rights Watch (2015). “Syria: Human Rights Organizations Mark Birthday of Razan Zaitouneh with Renewed Call for Release of ‘Duma Four’.” 28 April 2015. https://www.hrw.org/news/2015/04/28/syria-human-rights-organizations-mark-birthday-razan-zaitouneh-renewed-call-release
- Lawyers for Lawyers (2023). “10 Years Since the Disappearance of Razan Zaitouneh.” 9 December 2023. https://www.lawyersforlawyers.org/10-years-since-the-disappearance-of-razan-zaitouneh/
- Gulf Centre for Human Rights (2019). “Razan Zaitouneh and Her Colleagues Still Forcibly Disappeared After Six Years.” 9 December 2019. https://www.gc4hr.org/razan-zaitouneh-and-her-colleagues-still-forcibly-disappeared-after-six-years/
- FIDH (2013). “Syria: Abducted Human Rights Lawyer Razan Zaitouneh and Her Three Colleagues Must Be Released Unharmed.” https://www.fidh.org/en/region/north-africa-middle-east/syria/14377-syria-abducted-human-rights-lawyer-razan-zaitouneh-and-her-three
- Newsweek (2016). “The Fate of Two Human Rights Lawyers Missing in Syria.” 16 March 2016. https://www.newsweek.com/two-human-rights-lawyers-go-missing-syria-305480
- UNESCO & International Community. Various Statements on Khaled al-Asaad’s Murder (مذكورة في المقالات)
- Apollo Magazine (2016). “A Tribute to Khaled al-Asaad, the Archaeologist Killed by Isis in Palmyra.” 14 April 2016. https://apollo-magazine.com/a-tribute-to-khaled-al-asaad-the-archaeologist-killed-by-isis-in-palmyra/
- ICOMOS (2016). “In Memory of Khaled al Asaad, One Year Later.” https://www.icomos.org/en/participer/178-english-categories/news/7719-in-memory-of-khaled-al-asaad-one-year-later
- Hyperallergic (2021). “Remains of Courageous Archaeologist Beheaded by ISIS Found in Syria.” 8 February 2021. https://hyperallergic.com/620601/khaled-al-asaad-archaeologist-beheaded/
- National Geographic (2021). “Archaeologist’s Execution Highlights Risks to History’s Guardians.” https://www.nationalgeographic.com/adventure/article/150820-syria-archaeologist-isis-protecting-artifacts
- Monuments Men and Women Foundation. “Khaled al-Asaad (1932-2015).” https://www.monumentsmenandwomenfnd.org/modern-day-monuments-men-and-women/khaled-al-asaad-
- European Parliament (2021). “Motion for a Resolution on the Confirmed Murder of Khaled al-Asaad.” B9-0202/2021. https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/B-9-2021-0202_EN.html
- Spaces in Public (2011). “Marjeh Square: A Space of the Would-be Syrian Uprising.” 26 March 2011. https://spacesinpublic.wordpress.com/2011/03/26/marjeh-square-a-space-of-the-would-be-syrian-uprising/
- Wikipedia (2025). “Yalbugha Mosque.” https://en.wikipedia.org/wiki/Yalbugha_Mosque (يؤكد هدم المسجد في 1974)
- Enab Baladi (2019). “Parts of the Yalbugha Project in Central Damascus is to Open After 40 Years.” https://english.enabbaladi.net/archives/2019/11/parts-of-the-yalbugha-project-in-central-damascus-is-to-open-after-40-years/
- The Washington Institute (2023). “The Assad Regime’s Business Model for Supporting the Islamic State.” https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/assad-regimes-business-model-supporting-islamic-state
- U.S. Department of the Treasury (2018). “U.S. Treasury Imposes Sanctions on Assad Regime’s Key ISIS Intermediary and a Petroleum Procurement Network.” 6 September 2018. https://home.treasury.gov/news/press-releases/sm474
- Brookings Institution (2016). “How ISIS Uses Oil to Fund Terror.” 28 July 2016. https://www.brookings.edu/articles/how-isis-uses-oil-to-fund-terror/
- Al Jazeera (2015). “ISIL Sells Its Oil, But Who is Buying It?” 6 December 2015. https://www.aljazeera.com/amp/opinions/2015/12/6/isil-sells-its-oil-but-who-is-buying-it
- Atlantic Council (2017). “Raqqa and the Oil Economy of ISIS.” 15 May 2017. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/raqqa-and-the-oil-economy-of-isis/
- CIDOB (2014). “How Long Will ISIS Last Economically?” https://www.cidob.org/en/publications/how-long-will-isis-last-economically
- UK Parliament (2016). “Evidence on ISIL Financing” – Written Evidence by Luay al-Khatteeb. https://committees.parliament.uk/writtenevidence/63963/html/
- Human Rights Watch (2018). “Q&A: Syria’s New Property Law.” 29 May 2018. https://www.hrw.org/news/2018/05/29/qa-syrias-new-property-law
- The Tahrir Institute for Middle East Policy (2018). “TIMEP Brief: Law No. 10 of 2018: Housing, Land, and Property.” 10 December 2018. https://timep.org/2018/12/10/timep-brief-law-no-10-of-2018-housing-land-and-property/
- The Washington Institute (2018). “Assad’s Law 10: Reshaping Syria’s Demographics.” https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/assads-law-10-reshaping-syrias-demographics
- Syrians for Truth and Justice (2023). “Syria: Law No. 10 of 2018 is a Tool to Continue the Arbitrary Confiscation of Property.” 26 April 2023. https://stj-sy.org/en/syria-law-no-10-of-2018-is-a-tool-to-continue-the-arbitrary-confiscation-of-property/
- Socialist Worker (2018). “Syria’s Law 10 is Designed to Punish Refugees.” 30 May 2018. https://socialistworker.org/2018/05/30/syrias-law-10-is-designed-to-punish-refugees
- Jadaliyya (2018). “Law 10 and the Theft of Syrian Property.” 13 June 2018. https://www.jadaliyya.com/Details/37654
- Syrian Network for Human Rights (2025). “No Home to Return to: How Assad’s Property Seizures in Daraa Blocked Refugee Return.” 28 April 2025. https://snhr.org/blog/2025/04/28/no-home-to-return-to-how-assads-property-seizures-in-daraa-blocked-refugee-return/
- Al-Estiklal Newspaper (2025). “This Is How the Assad Regime Stole $1.5 Billion Worth of Detainees’ Property.” https://www.alestiklal.net/en/view/13120/this-is-how-the-assad-regime-stole-1.5-billion-worth-of-detainees-property
- Various Archaeological and Heritage Protection Organizations. Reports on systematic destruction and looting of Syrian cultural heritage (مذكورة في المقالات حول الدمار الأثري)
- UNHCR and Various UN Agencies. Reports on Syrian refugees and internally displaced persons (مذكورة في التقارير حول النزوح)
- Various Human Rights Organizations. Documentation of violations against civilians and cultural sites
- Patrick Seale (1989). Asad of Syria: The Struggle for the Middle East. University of California Press.
- Nikolaos van Dam (2017). Destroying a Nation: The Civil War in Syria. I.B. Tauris.
- Robin Yassin-Kassab and Leila Al-Shami (2016). Burning Country: Syrians in Revolution and War. Pluto Press.
- David W. Lesch (2012). Syria: The Fall of the House of Assad. Yale University Press.





اترك رد