أنا لا أقتل الحشرات. يسخر منّي بعض معارفي بسبب سلوكي هذا، لكنّني لا أجد ضرورة لقتل حشرة. هذه في نظري مخلوقات صغيرة ضعيفة، لست مضطرّاً لقتلها طالمَا أنّها لم تهدّد حياتي.

مع ذلك، كغيري نشأت في بيئة تستسهل قتل الحشرات. تقتلها بسبب القرف، أو بسبب الانزعاج من شكلها، أو طنينها، أو مشيتها… كمن يقتل آخر لانزعاجه من ملابسه وثرثرته. أنا نشأت في بيئة تستسهل قتل حشرة لأنّ هذا ممكن، وليس لأنّه واجب ولا ضرورة. مع ذلك، ترى الناس أنّ إمكانية قتل الحشرات تجعلها واجب، فينشأ الأطفال على برمجة تقول: إذا رأيت حشرة تسعى اسحقها. بغضّ النظر عن الأسباب.
غير أنّني في طفولتي رأيت جدّتي تبذل جهدها لطرد ذبابة من البيت، فأطفأت الأضواء وفتحت الشبابيك والأبواب، وحملت مِنْشَفَة، وجرت تسعى خلف الذبابة تخوّفها بتحريك المِنْشَفَة لتهرب من الشبّاك. لم تبذل جدّتي جهدها لقتل الذبابة، وكانت قادرة في ثانية، لكنّها اختارت أن تُخرج هذه الحشرة المزعجة من البيت، بصرف الوقت. وسألتها: اقتليها؟ قالت لي: أيّام قليلة وتموت وحدها، فلماذا أستعجل عليها موتها؟

لزمتني سنوات عديدة لأعيد برمجة نفسي، أنّني لست مضطرّاً لقتل حشرة، طالمَا أنا قادر على ذلك. وما عاد ردّ فعلي التلقائي هو تحريك يدي أو قدمي لسحق الحشرة. بل صرت، إذا انتبهت لها، أراقبها وأتأمّل حركاتها وتصرّفاتها، قبل أن أجد سبيلاً لإبعادها عن أذى الإنسان. وصارت عندي كأس مخصّصة وجاهزة لحمل العناكب السامّة إلى خارج الشبّاك، إذا صادف ودخلت بيتي.

قبل خمسة وعشرين سنة أجبرتني أمّي على قتل فأرتين صادفتهنّ في المطبخ. قلت لها، يمكن فتح الشباك وستهرب، وكانت يدي على الشبّاك، فصرخت بي: “اضربهنّ” وضربتهنّ. وطويلاً جدّاً بقي الذنب يضرب في ضميري فلا يرحم. وسنوات بعدها صرفتها في إنقاذ الفئران تكفيراً عن جريمتي. اشتغلت مخبريّاً في مصنع ينشر مصائداً دبقة للفئران. فكنت أعمل في الوردية اللّيلة، حين يكون أقلّ الناس في المصنع، فأجمع هذه المصائد، وببطء ورفق شديد أحرّر الفئران وأطلقها في البادية، خلف المصنع.

حبيبتي فلّاحة. قبل أن أدخل حياتها كانت تعلّق مصائداً للذباب، تلتصق بها الذبابات وتعلق إلى تمتلئ، فتستبدلها. ثمّ قلت لها أنّ هذه مخلوقات لا تعيش طويلاً، تموت وحدها في أسبوعين. تدخل بيتك باحثة عن الماء لا أكثر… عزّ عليّ منظرها معلّقة عناقيد موت تموت ببطء، بكلّ بطئ، وذنبها العطش… وأنّنا أكبر منها. صارت بعدها تحرص، مثلي، على اقتناء زيوت ونباتات تطرد الذباب عن مطبخها برائحتها، فلا تضطرّ لقتلها.

خرجنا معاً نمشي بين الحقول، فصحبتُ الخيول في طريق غير المحجوز بسلاسل من النمل. وسألتني حبيبتي: ما هذه إلّا نملات!؟ فقلت لها: لست مضطرّاً لقتلها ولا أحتاج إلى ذلك، ذاك طريقها ولنا طريق آخر، ولا ضرر. ثمّ خرجنا معاً لزيارة بحيرة عذراء في غابة، فرفضْتُ المشي في طريق محجوز بقطعان من صنف صغير من ضفادع الأشجار Hyla arborea وهي صغيرة جداً، لن تراها وأنت تطأ الأرض. وقفزتُ، وارتاع قلبي عليها حين انتبهتُ لوجودها، أصابني ألم شديد أن يكون بعضها قد سحقه حذائي.

في البداية ضحكت حبيبتي، وسخرت من سلوكي وقالت لي: على الأرض منها الآلاف كلّ سنة! ثمّ أقنعتها. فلست مضطرّاً لقتل حياة لا ترى لحياتها ضرورة أذيّتي. لا يوجد مبرّر الدفاع عن النفس هنا، ولن أستخفّ بحياة غيري ولا أراها هيّنة، ولو كانت كثرة بالآلاف. فقالت لي، لم أعرف أنّكم العرب رحماء هكذا، الأرض محظوظة بوجودكم فيها. أنتم أرحم على الحياة من الحياة نفسها… وصمتّ أنا. لم أرغب بتهشيم الموقف، لا سيّما أنّها، وهي الفلّاحة، صارت تحسن إلى هوام الأرض أكثر، ولو كانت من الحشرات والمخلوقات السامّة والمؤذية. لكن، طالمَا يسهل حملها وإبعادها إلى عالم يناسبها، فلا حاجة لقتلها. وصون حياتها من قدراتنا ألزم.
حين يعامل الإنسان الطبيعة والعالم كما يُعامل نفسه ويحترمها، فستعود الطبيعة والعالم بالاحترام والتكريم المرغوب.






اترك رد